تعريف ذوي الأرحام

تعريف ذوي الأرحام
الأرحام جمع رحم وهو في الأصل مكان تكون الجنين في بطن أمه ثم استعير لقبا للقرابة مطلقاً لكونهم خارجين من رحم واحدة ولأنه من دواعي التراحم بين الأقرباء فصار اسماً لكافة أقارب الشخص كأبيه وأمه وأخيه وأخته وابنه وبنته وكل من بينه وبينهم صلة من هذه الجهات كالأجداد والجدات وإن علو والأبناء والبنات وإن نزلوا والإخوان والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وأبناء الجميع سواء كان الواحد منهم قريباً مباشراً أو غير مباشر محرماً أو غير محرم كل له من الصلة بحسب منزلته وحاله وحاجته. ولما كانت الرحم داعية للتراحم وأصل الناس من رحم واحدة قال تعالى مذكراً بذلك: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( ).
فذكر سبحانه أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة وذكر به ليعطف بعضهم على بعض ويحثهم على ضعفائهم وأخبر أنه سبحانه مراقب لجميع أحوالهم وأعمالهم وفي ذلك إرشاد بمراقبة الرقيب سبحانه وعدم الغفلة عن حقه وحقوق عباده ومن ذلك مراعاة حق صلة الأرحام لاسيما عند الحاجة ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يذكر بهذه الآية عند الحاجة ليحث الناس على مواساة أهلها بالصدقة عطفاً عليهم ورغبة في ثواب صلتهم كما ثبت في صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا عند رسول الله في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر. فتمعر وجه رسول الله لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ...إلى آخر الحديث في ذكر خطبته وحثه الناس على الصدقة عليهم قال النووي رحمه الله وسبب قراءة هذه الآية أنها أبلغ في الحث على الصدقة عليهم ولما فيها من تأكد الحق لكونهم إخوة. فالتذكير بأصل النسب ورابطة القرابة بسببه مما يدعو إلى الصلة ويدفع إلى التعاطف والجود بالخير ولذلك قال : "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم"( ).

معنى صلة الرحم
يقال وصل رحمه يصلها وصلاً إذا أحسن إلى ذوي رحمه أي قرابته من جهة النسب أو الصهر، كأنه بالإحسان يصل ما بينهم وبينه من علاقة القرابة والصهر قال تعالى:
وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى( ) الآية.
فتحصل صلة الرحم بالإحسان إليهم بما تيسر من أنواع الإحسان قال ابن أبي جمرة: تكون صلة الرحم بالمال وبالعون على الحاجة وبدفع الضرر وبطلاقة الوجه وبالدعاء. وقال القرطبي: تجب مواصلتها يعني "الرحم" بالتوادد والنتاصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة والنفقة على القريب وتفقد أحوالهم والتغافل عن زلاتهم.
ومن صلة الرحم ابتداء زيارتهم وتتأكد عند المرض أو الحاجة، ومنها تقديمهم على غيرهم في إجابة دعوتهم والبداءة بهم في الدعوة والضيافة - عند قربهم أو كون ذلك لا يشق عليهم ولا يجرحهم - وكذلك إيثارهم بالإحسان والصدقة والهدية على من سواهم ودعوتهم وتوجيههم إلى الخير قبل جميع الناس تحقيقاً لقوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ( ) وإقتداء بالنبي في تطبيق هذه الآية حين دعا قرابته وعشيرته فأنذرهم وحثهم على أن ينقذوا أنفسهم من النار وأخبرهم أنه لن يغني عنهم من الله من شيئاً فنصيحتهم أوجب من نصيحة غيرهم في الأولوية خصوصاً عند فعلهم للمنكر أو تقصيرهم في المعروف وذلك بحسب الاستطاعة.
ومن صلتهم التلطف بهم ولين الجانب معهم وإظهار محبتهم والاجتهاد في إيصال كفايتهم وخصوصاً - عند فقرهم وسد حاجتهم وبذل المعروف لهم بطيب نفس وانشراح صدر. وكذلك المبادرة إلى صلحهم عند اختلافهم والتأليف بينهم وإعانتهم على البر والتقوى وتحذيرهم من الإثم والبغي والعدوان وكل ما يؤدي إلى القطيعة وفساد الدين وإفساد ذات البين.
والمعنى الجامع للصلة: أنها إيصال ما أمكن من الخير إليهم ودفع ما أمكن من الشر عنهم بحسب الوسع والطاقة ولكل شخص منهم بحسب منزلته وحاله ومناسبة صلته وتيسر ذلك فقد قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا( ).