الآثار الاقتصادية المترتبة على الملكية الفكرية

الآثار الاقتصادية المترتبة على الملكية الفكرية
( حماية وتفريطاً )
للملكية الفكرية آثارٌ عظيمة في مجال الاقتصاد، وتطوير التنمية، والتقدُّم الصناعيِّ والتجاريِّ الذي يشهده العالم بأسره، ونُبَيِّن جانباً من هذه الآثار :
لقد شجَّع الإسلام العلم والعلماء، وحثَّ على التفكُّر والتأمُّل في الكون بمخلوقاته البديعة، ومعالمه الفسيحة، ودعا إلى طلب العلم وحريَّة الفكر والرأي، بحيث لم ترتبط حركة دينيَّة بطلب العلم والدعوة إلى حريَّة الفكر، وإعماله، وإعلاء شأن العلم والعلماء، كالإسلام، حيث جاءت أول سورة من سور القرآن المنزل على النبي 3 داعية إلى القراءة والعلم ؛ ) اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ((144) .
وقال سبحانه : ) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ((145)
وقال سبحانه وتعالى : ) أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ((146) .
وقال تعالى ) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ( (147) .
وقال تبارك وتعالى ) يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ((148) .
وقال عزَّ وجلَّ : )إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعـُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ  ( 149) .
إلى غير ذلك من آيات القرآن الكريم المنوهة بفضل العلم والعلماء، الداعية إلى العلم، وحرية الفكر والتأمُّل في الكون والمخلوقات والحياة كلِّها، ليتوصَّل المرءُ من خلال ذلك إلى الحقائق العلمية والإيمانية .
وأمَّا السنة النبوية ففيها من الأحاديث الدَّالة على طلب العلم، وفضله وفضل أهله في الإسلام، المرغِّبة فيه ما يعجز المقام عن ذكره وإيراده ؛ فمن ذلك :
ما رواه أَبُو هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ e قَالَ : (( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ : إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ )) (150) .
وعن أبي الدَّرْدَاءِ – رضي الله عنه – قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ e يَقُولُ : ((مَنْ سَلَكَ طَرِيقَاً يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمَاً سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقَاً مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاً لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارَاً وَلاَ دِرْهَمَاً، وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ )) (151) .
وعن معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه – قال : سَمِعْتُ النَّبِيَّ e يَقُولُ : (( مَنْ يُرِدْ اللهُ بِهِ خَيْرَاً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ )) (152) .
وقد كان لهذه النصوص الشرعية، والتوجيهات الربانية آثرٌ بالغٌ في حياة الرعيل الأول من المسلمين، فتنافسوا في العلم، ورحلوا في طلبه، وضربوا أكباد الإبل من مكان لآخر، بحثاً عن حديثٍ أو مسألةٍ، فازدهرت الحركة العلمية والفكرية في بلاد المسلمين، وسارعوا إلى التأليف والتأصيل والتقعيد العلميِّ، والاقتباس النافع من حضارات الأمم السابقة لهم، وترجموا علوم الروم وفارس وغيرهما، ونشأت دور العلم والمكتبات الكبيرة في حواظر بلاد الإسلام في الجزيرة والشام والعراق ومصر، وشجَّع الخلفاء على العلم والبحث والتأليف والاكتشاف والاختراع، وأُنْشِئت المكتبات الكبرى الشهيرة ؛ كدار الحكمة ببغداد، ودار العلم بها أيضاً، وظهرت الحِلَقُ العلمية التدريسيَّة في الجوامع العظيمة التي كانت قلاع علم وتوجيه وبحث ومناظرة، كالمسجد الحرام، والمسجد النبويِّ، والجامع الأموي بدمشق، والجامع الأزهر بالقاهرة، وغير ذلك، وأحرز المسلمون قصب السبق في المجالات العلمية المختلفة ؛ العلوم الشرعية، واللغة والآداب، والفلك والجغرافيا، والطبِّ، والصناعة، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تَغُطُّ في عصور الجهل والظلمات التي لم تستفق منها إلاَّ بعد اتِّصالها بالمسلمين في بلاد الأندلس، والاقتباس من تراثهم العلمي، ونشاطهم الحضاريِّ .
وهذه كلُّها أمورٌ ثابتة مشهورة، سجلَّها التأريخ للمسلمين بكلِّ فخر واعتزاز. لكنَّهم - مع شديد الأسف – حين تنكَّبوا عن الصراط المستقيم، وشُغلوا بالدنيا واللهو والملذَّات، أضاعوا ذلك كلَّه، فأخذه الكفار منهم، واستفادوا مما توصَّلوا إليه ووضعوه من قواعد وعلومٍ ووسائل، وبرعوا في التقدُّم والرُّقيِّ الفكريِّ والعلميِّ والصناعيِّ، والاختراع والابتكار، حتَّى صارت بلاد الكفار اليوم من أغنى بلاد العالم، نظراً للتطوُّر الصناعيِّ والتقدُّم العلمي الذي أحرزته (153) .
وحسب المرء في هذا المجال : أن يدرك الفرق العظيم بين توجيهات الإسلام في هذا الجانب، وحرصه على طلب العلم، ودعوته إلى حريَّة الفكر والاستفادة من علوم الأمم الأخرى وتراثها، والربط بين ذلك كلِّه وبين الأمانة العلمية والدِّقَّة في مجالات نقل الأخبار والترجمة والعلم، على عكس نظرة الغرب إلى ذلك كلِّه، فهي نظرة مشوبة بالحقد والكراهية للإسلام والمسلمين ؛ فحين نقل المسلمون الأوائل تراث الفرس والرومان العلمي، وترجموه ترجمة أمينة إلى اللغة العربية، نقل المستشرقون تراث المسلمين وعلومهم إلى اللغات الأجنبية بكلِّ تشويه وتحريف، لا يَمُتُّ إلى الأمانة والدِّقَّة بشيءٍ (154) .
كان هذا كلُّه إلمامة مختصرة إلى دور النهضة الفكرية والعلمية في التنمية والحضارة في العصور السابقة لعصرنا .
وقد اتَّضح من خلالها أنَّ الإسلام سعى بكلِّ حرصٍ إلى تحقيق الوجود المعنوي للمسلمين على أرقى المستويات، وفي كلِّ عصر، لأنَّه يدرك أنَّ المبتكرات الفكرية والأدبية هي السبيل إلى الارتقاء بالحياة البشرية إنسانياً وحضارياً، ومادياً ومعنوياً ؛ إذ من المعلوم أنَّ جميع أوجه الحضارة المادية المتطورة إنَّما هي في الواقع صورٌ مجسَّمة لتطبيق نظريات علمية يُكمل بعضها بعضاً، في سبيل تحقيق التقدُّم والرُّقِيِّ في شتَّى المجالات العلمية والاجتماعية والاقتصادية والتجارية (155) .
وفي العصور الحديثة، إبَّان تخلُّف المسلمين العلمي والفكري والحضاري، وعزوف بعض الدول الإسلامية عن تشجيع العلوم والمبتكرات، وتقدُّم الدول الكافرة في الإنتاج العلمي والصناعي والتجاري والتِّقَنِيِّ، وتشجيعها له، واحتكارها لأوجه النشاط الصناعي والتجاري والتكنلوجي، برز أثر الحقوق الفكرية الكبير في مجال الاقتصاد والتنمية، وتحقيق الثروات الطائلة لكثير من الدول والمؤسسات والشركات والأفراد .
ففي مجال التأليف : برزت دور الطباعة والنشر، وزادت في عددها وانتشارها، واستطاعت من خلال الآلات الحديثة للطباعة والتصوير نشر الآلاف من الكتب والمجلات والنشرات، وتحقيق الأرباح الطائلة من وراء ذلك .
وقيمة الكتاب إنَّما تقدَّر بمدى إقبال القراء عليه، واستفادتهم منه، ولذا فإنَّ الناشرين وأصحاب المطابع يتسابقون في طبع الآف النسخ من كلِّ مؤلَّفٍ يشعرون أنَّ له قيمةً ماديَّةً ومالية من وراء تكاليف الطباعة والإخراج، حيث تحوَّلت عملية الإنفاق على طبع الكتاب ونشره إلى أداة اقتناصٍ لقيمة مالية كبيرة، تعود من إخراج هذا الكتاب ونشره، وكم من كتاب تسابقت عليه دور النشر، وطبعوا منه عشرات الطبعات، ولا زال الطلب عليه جارياً قائماً (156) .
واستطاعت كثير من دور النشر، بل الأفراد أحياناً، تحقيق الربح المالي الكبير بواسطة طبع الكتب ونشرها وبيعها، بغضِّ النظر – أحياناً – عن تحقيق القيمة النفعية العلمية للكتاب المنشور، من عدمها .
وأمَّا في المجال التجاريِّ والصناعي ( الاسم التجاري، والتراخيص، والابتكارات ) : فإنَّه في عصور النهضة التجارية والصناعية التي يشهدها العالم بأسره، ونظراً لازدياد حجم التجارات وضخامتها، نشأت مسألة الاسم التجاريِّ، والعلامة التجارية، فصار التاجر الواحد، أو الشركة الواحدة تُنْتِجُ وتُصدِّر أموالها الضخمة، المتمثِّلة في المنتجات والصناعات، إلى عددٍ كبير من بلاد العالم، وفي المقابل تنوَّعت المنتجات من جنسٍ واحدٍ، باختلاف أوصافها، ومواصفاتها، وصارت هذه الأوصاف تُعرفُ باسم المُنْتَجِ، فكلَّما رأى المستهلك أنَّ البضاعة التي أمامه قد أنتجتها الشركة الفلانية التي عُرِفَتْ بسمعتها وجودتها في السوق، اشتراها بمجرَّد سماع الشركة، أو وجود علامتها التجارية على وجه البضاعة (157) .
بل إنَّ بعض المستهلكين حين يذهب إلى المتاجر والأسواق لشراء حاجياته ومتطلباته يبحث عن الاسم التجاري الذي يرغب فيه، ويعرف سمعته وجودته الصناعية، ويدفع لشرائه المبالغ الطائلة، في حين إنَّ بالأسواق من البدائل له ما هو أرخص، وأقدر على سدِّ حاجته، وقد يُعرض عليه، لكنه لا يرغب فيه .
إنَّ هذا الأمر له أثره الواضح والملموس في ازدهار الاقتصاد لكثيرٍ من الشركات العالمية، والبلدان المختلفة، وكثرة الإقبال على شراء منتجاتها، كاليابان مثلاً، في حين إنَّ كثيراً من البضائع المقلَّدة، أو التي صدرت عن شركاتٍ، أو بلدانٍ لا تُعرف بشهرتها في المجال الصناعي والتجاريِّ، ولا بجودتها، لا تلقى إقبالاً في الشراء، هذا جانب .
وجانب آخر، هو أنَّ المنتجات التجارية المشهورة بجودة صناعتها مرتفعة السعر، ومع ذلك تلقى إقبالاً، وهذا له أثره في ازدياد الثروات للبلدان المصدِّرة لهذه المنتجات والبضائع .
في حين إنَّ سلعاً أخرى بديلة لهذه السلع، تقلُّ كثيراً عنها في الأسعار، ومع ذلك لا تلقى رواجاً في الأسواق، ولا إقبالاً من المشترين، والمستهلكين .
كلُّ هذه الأمور دعت كثيراً من أرباب الإنتاج إلى استغلال أسماء المنتجين ذوي الشهرة الحسنة، والجودة الصناعية، لترويج منتجاتهم باسم تلك الشركات المشهورة، والأسواق تعجُّ بالبضائع والمنتجات المقلَّدة، مما حمل كثيراً من الدول والحكومات على فرض القوانين والأنظمة التي يتم بواسطتها تسجيل الأسماء التجارية، والعلامات لدى الحكومات، وتسجيل براءات الاختراع، ومنع التجار الآخرين من استعمال الأسماء والعلامات التجارية المسجلة لغيرهم (158) .
إنَّه لا أحد ينكر دور الملكية الفكرية وأثرها في النهضة الاقتصادية التي يعيشها العالم كلِّه، وأبسط مثالاًَ يضرب لتوضيح هذا : أجهزة الحاسب الآلي وبرامجه، وأجهزة الجوالات وتوابعها، وما تحظى به هذه الأيام من إقبال من المستهلكين، وتنافس من التُّجَّار والشركات العالمية في إصدار الجديد، والحصول عليه، بأسعارٍ مرتفعة، تنخفض كثيراً إلى أكثر من النصف، بعد إصدار الموديلات التالية ؛ لترغيب المستهلكين في الشراء والاستبدال، واستهلاك المنتجات الجديدة من الأسواق .
وقد أدركت دول كثيرة هذا الأثر الرائد للمنتجات الفكرية والابتكارات الحديثة، فعمدت إلى توقيع الاتفاقيات والعقود مع الشركات العالمية، ليتمَّ تصنيع المنتجات الخاصة بتلك الشركات، أو تجميعها في بلادها، كالمنتجات الكهربائية التي صارت تُجمع ( أو تُصنَّع ) في الصين، وتايوان، وغيرها، مع أنَّها في الأصل ماركات تجارية لشركات يابانية أو أمريكية، مثلاً .
وقد يكون السبب أحياناً، أنَّ تلك الشركات لم تلق التشجيع،
أو التسهيل، الذي يعينها على الإنتاج في بلدها الأصلي، أو أنَّ بلدها يفرض عليها رسوماً وضرائب باهضة، ويكلِّفها بالحدِّ من إنتاجها، أو أنَّ تكاليف الإنتاج وأدواته ومواده في بلدها تُكَلِّف ثرواتٍ تفوق الأرباح العائدة لها، فأصبحنا نسمع الآن ما يُسَمَّى : بهجرة رؤوس الأموال والشركات والمؤسسات عبر بلاد العالم .
وهذا كلُّه يُحَتِّم على الدول أن تسعى جاهدةً لحماية الحقوق الفكرية لأصحابها من العبث والسرقة والغشِّ، وتشجيعهم على الإنتاج والتصنيع، ومنحهم الامتيازات والتسهيلات اللازمة والمرغِّبة لهم ؛ لأنَّ حماية الحقوق الفكرية لأصحابها يُشجِّع البحث والتحقيق والابتكار والاختراع والإنتاج، ويُنعش هِمَمَ العلماء والمفكرين لينشروا نتائج دراساتهم، وثمار جهودهم واكتشافاتهم، مما يؤدِّي إلى تقدُّم الأُمم في مضمار العلوم، على عكس التفريط في هذه الحقوق، وعدم الحرص على رعايتها وحفظها، فإنَّه يترك الآثار السلبية في نفوس العلماء والمفكرين والباحثين، ويَشُلَّ الحركة العلمية والفكرية للمجتمع الذي توجد فيه مثل هذه المظاهر والأخلاقيات .
فأهمُّ مقصد من إقرار هذه الحقوق والاعتراف بها شرعاً، وحمايتها من عبث العابثين، واعتداء الآخرين، وصيانتها ونسبتها لأصحابها : تشجيع الاختراع والإبداع والنشاط العلمي ؛ حتى يعلم من يبذل جهده فيها أنَّه سيختصُّ باستثمارها، وسيكون جهده محمياً من الذين يحاولون أخذ ثمرة ابتكاره وتفكيره، ويزاحمونه في استغلالها (159) .
وهذا بلا شك له أثره الواضح العظيم في تشجيع الابتكار والاختراع، وتطور التقدم العلمي، ونشاط الشركات والمؤسسات الصناعية والتجارية والعلمية والمبدعين وأهل العلم في زيادة الإنتاج في شتى المجالات، والتنافس فيما يحقِّق النفع والفائدة في هذه المجالات، ويثري الاقتصاد الإسلامي .
ويجب التركيز في هذا المجال على أثر الوازع الديني والأخلاقي، وإيقاظ الضمير الإنساني والشعور بالمسئولية والأمانة تجاه أموال الغير وحقوقهم، وأنَّ المحافظة عليها، إنَّما هو قبل كلِّ شيءٍ دينٌ وقربة وطاعة لله تعالى، وأنَّ التفريط فيها والتعدِّي عليها يُعَدُّ في نظر الإسلام غِشٌّ وخديعةٌ وتزويرٌ وتَعَدٍّ وسرقةٌ وأكل لأموال الناس وحقوقهم بالباطل ؛ قال الله تبارك وتعالى : ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ( (160)


وبعد بحث هذه المسألة الفقهية، ودراستها الشرعية، وبيان الآثار المترتبة عليها اقتصادياً، اسجِّل النتائج والتوصيات التالية :
1- أنَّ مفهوم المال في الإسلام واسعٌ، يشمل كلَّ ما انتفع الناس به، وكان له قيمة في العرف، عيناً كان أم منفعةً، أم حقَّاً .
2- أنَّ الحقوق الفكرية ( المعنوية ) بجميع أنواعها نوع من أنواع الملكية، اكتسبت قيماً مالية معتبرة عرفاً، وهي مصونة شرعاً لا يجوز الاعتداء عليها في الإسلام .
3- أنَّ الحقوق الفكرية لها أثرها البارز، وأهميَّتها العظمي في المجال الاقتصادي والحضاريِّ، ولذا أدركت دول العالم أهميَّتها، فعقدت المؤتمرات والاتفاقيات المختلفة والمتعددة لتنظيمها وحمايتها .
4- أنَّ حماية الحقوق الفكرية واجب شرعي ينبع من الإيمان بالله تعالى، واستشعار الأمانة والمسئولية في حفظ حقوق الناس، وعدم الاعتداء على أموالهم، وهو يؤدِّي إلى تحقيق عددٍ كبير من المصالح العائدة على مجموع الأمة، على عكس إهدار هذه الحقوق وعدم حمايتها فإنَّه سبيل إلى المفاسد والتخلُّف الحضاريِّ والاقتصاديِّ، وسبب إلى عزوف العلماء والمفكرين والمنتجين عن الإنتاج الفكري والعلمي .
5- أنَّ التعدي على الحقوق الفكرية يُعَدُّ في نظر الإسلام سرقة، وخديعة، وغِشٌّ، واعتداء على أموال الناس وحقوقهم واختصاصاتهم، وأكلٌ لها بالباطل ؛ وهذه كلُّها جرائم عظيمة وخطيرة، تؤثر على المجتمعات والأفراد، وتقود إلى المفاسد والزوال .
6- يجب أن تُفَعَّل الحماية الدولية للحقوق الفكرية، وأن تربط بتوجيهات الشريعة الإسلامية، التي تنظر إلى ذلك على أنَّه واجب ديني، قبل أن يكون واجباً دولياً، لتصان من عبث العابثين، وتُحمى من الغِشِّ والعبث والتلاعب والسرقات المشينة .
7- يجب أن تشجِّع الدول الإسلامية الملكية الفكرية بشتَّى أنواعها، وأن تضع لأصحابها من الحوافز التقديرية والتشجعية وتوِّفر لها من الحماية والحفظ ما يؤدِّي إلى نهوض بلاد المسلمين في المجال العلمي والصناعي والتجاريِّ، ووصولها إلى حدِّ الاستغناء عن منتجات الغرب، وأعداء الأمَّة الذين يتقوَّون اقتصادياً من خلال استهلاك المسلمين لإنتاجهم، وحاجتهم إليه .
وفي ختام هذا البحث أحمد الله تعالى على ما أنعم به وأولى، وأستغفره عمَّا فيه من خطأ وسهو وغفلة، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعله من العلم النافع الخالص لوجهه سبحانه، وأن ينفع به كاتبه وقارئه وعموم المسلمين، والله أعلم، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله ربِّ العالمين .