إغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب

مقاله عن اهميه مساعده الملهوف ذي الحاجه
موضوع تعبير عن مساعدة المحتاجين
بحث عن اهمية مساعدة المحتاجين
فضل اغاثة الملهوف
إغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب


الإغاثة الإنسانية
     كرّم الله تعالى النفس الإنسانية، فقد قال تعالى:"وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ"[الإسراء:70]  وحرم العدوان عليها، وعده عدوانا على كل الأنفس، فقال تعالى:" منْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا "[المائدة:32] وحث الحق تبارك وتعالى على مد يد العون لكل نفس محتاجة، فقد جاء على لسان نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم:" من ستر أخاه في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»[1].
ولقد أثنى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عليه وسلم على الأنصار رضوان الله تعالى عليهم          أجمعين، لصفة راقية فيهم تعكس إنسانيتهم العالية، وخلقهم الفاضل، وصلاح نفوسهم وقناعتها،
وترفعهم واستعفافهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم للانصار:"إنكم لتكثرون عند الفزع[2] وتقلون
عند الطمع"[3].
وقد أثنى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أيضا على الأشعريين خاصة لحسن تصرفهم في وقت الضيق والحاجة، فقال صلى الله عليه وسلم:"إن الأشعريين إذا أرملوا[4] في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم"[5].
في ضوء النصوص السابقة يتبين لنا أن منهج الإسلام في التعامل مع الأزمات التي تحل بالإنسان يقوم على الإغاثة والعون وتقديم المساعدة، وصون النفس الإنسانية من الهلاك، لا يقتصر ذلك على المسلمين بل ويتعداه إلى غير المسلمين، وليس مبالغا به القول بتعديه حتى للمحاربين.
 وقد ترجم النبي صلى عليه وسلم هذا المنهج إلى سلوك وعمل، فلقد ذكر السرخسي في شرح كتاب السير الكبير لمحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أهل مكة خمسمائة دينار حين أصابهم القحط، وأمر بدفع ذلك على فقراء أهل مكة، فقبل ذلك  أبو سفيان وأبى صفوان وقال: مايريد محمد بهذا إلا أن يخدع شبابنا[6].
وكان أهل مكة في ذلك الوقت مشركين حربيين، فإذا صح ذلك في حقهم، فمن باب أولى أن يصح التصدق على الكفار المسالمين وأهل الذمة وأهل العهد، لأنهم أولى بالرعاية والبر وخاصة من يقعون تحت مسؤولية الدولة الإسلامية[7].
فنلاحظ أن نبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه قصد من تلك الإغاثة الإنسانية التي بعث بها إلى أهل مكة وقد أصابهم ما أصابهم من القحط أن يحفظ عليهم أنفسهم من الهلاك، مراعيا بذلك حفظ مقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية.
وروي عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه قد مر عند مقدمة بالجابية من أرض دمشق بقوم مجذومين من النصارى، فأمر أن يعطوا من الصدقات وأن يجري عليهم القوت[8].
وبناء على ما ذكر فإنه يتحتم على الإنسان فردا ومجتمعا ودولا أن يفزع لإغاثة أخيه الإنسان إذا ما كان محتاجا إلى المساعدة، خاصة إذا كانت الحاجة ماسة إلى طعام ودواء ومأوى.
والذي يحتم على الإنسان ما ذكرت هو أن دوام الحال من المحال، وأن ضمان السلامة على مدى الأيام مستحيل، فمن كان اليوم في رخاء، فقد يصبح في ضنك من العيش في الغد، ومن كان آمنا في سربه عنده قوت يومه معافى في بدنه، قد يصبح شريدا طريدا بلا مأوى يفترش الأرض ويلتحف السماء، لا يجد ما يقيم به صلبه، ولا ما يدفع به عن نفسه خطر المرض والسقم.
فإذا كان هذا هو حال الإنسان، فالعقل يقضي بوجوب نصرة الإنسان لأخيه الإنسان، إذا ما أصابه مثل ذلك المكروه.
ونلاحظ أن مراعاة مقصد حفظ النفس كان من جهة العدم، إّذ لو ترك الإنسان المنكوب من غير إغاثة لكان مصيره الهلاك والضياع.
ومما يجدر ذكره أن الإغاثة الإنسانية لا تقتصر على الغذاء والدواء والكساء والمأوى ليتحقق مقصد حفظ النفس بل، قد تتعداها إلى النصرة بالرجال والسلاح خاصة عندما يكون المستغيث معتدى عليه من ظالم يستحل دمه وعرضه، فقد قال الله تعالى:" وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"[الأنفال:72]
المستغيث إما أن يكون مسلما أو كافرا، والكافر قد يكون معاهدا، أو غير معاهد[9]، فإذا احتاج الإغاثة مسلم وغير مسلم، وكان بمقدور المسلم تقديم الإغاثة إلى كل منهما فيجب شرعا تقديمها إلى لكل منهما على حد سواء، ويجب سد حاجة غير المسلم كما تسد حاجة المسلم.
أما إذا استوت حاجة المسلم وحاجة غيره، وليس بمقدور المسلم سد حاجة كل منهما فالأولى بالإغاثة المسلم، لأنه يلتقي مع المسلم بنوعين من الاخوة:
 أولهما: أخوة الدين, فقد قال الله تعالى: "إنما المؤمنون إخوة"[الحجرات:10] وقد قال النبي صلى

الله عليه وسلم:" المسلم أخو المسلم"[10].
ثانيهما: أخوة الإنسانية،، حيث يشتركان في أصل الخلق، وفي طريقة الخلق، قال الله تعالى:" إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"[ال عمران:59] وقال تعالى:" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ"[الحج:5] وقال تعالى" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى"[الحجرات:13].
وتتأكد هذه الأولوية إذا كان ثمة قرابة أو رحم بين المسلم والمسلم، من باب( الأقربون أولى بالمعروف).
أما غير المسلم فيشترك مع المسلم بالأخوة الإنسانية فقط وقد يضاف إليها القرابة إن وجدت، فيبقى التميز بقوة الصلة للمسلم لكثرة حقوقه على أخيه المسلم، ثم إن عصمة دم وحياة المسلم الذي يشهد لله تعالى بالوحدانية وللنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة أولى من ذلك الذي يجحد بالله وبرسوله.
أما إذا كان المستغيث غير مسلم فهو إما أن يكون معاهدا أو غير معاهد، فإذا استوت الحاجة بينهما فالمقدم بالغوث هو المعاهد، لقول الله تعالى:"لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"[الممتحنة:9-10].
وهذا لا يتعارض مع ما قلته سابقا من أن الإغاثة من منظور الإسلام لا تقوم على مصلحة ولا تفرق على أساس دين، فمبدأ الإحسان موجود، فلو كان المحتاج غير مسلم فلا يمنع الإسلام ابتداء إعانته لمجرد أنه غير مسلم، وهذا معنى أنها لا تقوم على اعتبار الدين أو الطائفة، أو بمعنى آخر ليس من مبادئ الدين حجب المساعدة مطلقا عن محتاج لمجرد أنه مخالف في الدين، لكن لا يعني ذلك عدم وجود أولويات في تقديم محتاج على محتاج في المساعدة  عند تزاحم الحاجة وعدم كفاية المعونة.
فمن كان أهل بيته بحاجة لرغيف الخبز قدم حاجتهم على حاجة غيرهم وإن كانوا ذوو قرابة، أو جوار وغير ذلك، فالمسلم أولى بالإعانة والمساعدة من غير المسلم، والقريب أولى بها من الغريب، كما يتفاوت الإحسان بالكم والكيف بحسب الدافع له، فإن كان لأجل القرابة فالقريب هو الأولى، وإن كان للحاجة فالأحوج هو الأولى، وإن كان الإحسان لرابط الدين فصاحب الدين هو الأولى وهكذا


36- المستدرك على الصحيحين للحاكم ج4، ص425، قال الحاكم: هذا الإسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ".
37- الفزع في كلام العرب على وجهين: أحدهما ما تستعمله العامة تريد به الذعر. والآخر: الاستنجاد والاستصراخ. مفردات القرآن للفراهي، ص101, وقال ابن فارس: الأصل الآخر الفزع: الإغاثة، يقولون: أفزعته إذ رعبته، وأفزعته، إذا أغثته. وفزعت إليه فأفزعني، أي لجأت إليه فزعا فأغاثني. معجم مقياس اللغة ج3،ص398، وأما معنى الحديث: أي إذا أصاب المسلمين فزع كإحاطة العدوِّ بهم مثلاً، فلا يتخفى الأنصار خوفاً من العدوّ، بل يظهرون من بيوتهم ويكثرون، ويقاتلون، فأما إذا ذهب الفزع وانهزم العدوّ، وقسّمت الغنائم فينكشفون ويقلّون ولا يزدحمون طمعاً فيها. مفردات القرآن للفراهي ص103
38- ابن الأثير،النهاية في غريب الحديث والأثر ج3، ص443
39- أرملوا: من الإرمال وهوفناء الزاد وقلة الطعام، أصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل من القلة. والمُرْمِلُ: الذي فني زاده. شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم ج4، ص2635
40- محمد بن اسماعيل البخاري ،الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور الرسول وسننه وأيامه، المسمى صحيح البخاري، كتاب الشركة، باب الشركة في الطعام والنهد والعروض،حديث رقم(2486) ج3، ص 138
41- شرح كتاب السير الكبير ج1، ص33
42-  محماس بن عبدالله الجلعود، المولاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية ج2،ص294
43- يوسف القرضاوي، فقه الزكاة  ج2، ص،157
44- أنواع الكفار من حيث علاقة المسلمين بهم وأنهم :
1- إما أهل عهد.   2- وإما من ليس له عهد .
وأهل العهد ثلاثة أصناف :أ - أهل الذمة : وهم الذين يعطون عقداً مستمراً للبقاء في دار الإسلام إذا أعطوا الجزية والتزموا أحكام الإسلام .
ب- المستأمنون :وهم الذين يعطون عقداً مؤقتاً للبقاء في دار الإسلام لغرض شرعي، كسماع كلام الله، أو تجارة أو سفارة .
ج- أهل الصلح والهدنة وهم الكفار الذين بينهم وبين دولة الإسلام عهد، إما عهد هدنة، وهو الاتفاق على إيقاف الحرب لمدة معلومة، وإما معاهدة مطلقة.
والذين لا عهد لهم صنفان في الجملة :
أ - إما كفار أصليون محاربون وهم الذين لا عهد لهم ولا ذمة، سواء أكانوا محاربين فعلاً أم لا، فإن من ليس له عهد لا يستبعد منه الحرب على المسلمين .
ب - وإما مرتدون عن الإسلام.
علي بن نايف الشحود، الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل ج17، ص276
45- صحيح البخاري،المظالم والغصب، كتاب باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه،حديث رقم(2442) ج3، ص128