الحقوق المدنية والسياسية

الحقوق المدنية والسياسية :
وهي الحقوق المرتبطة بالحق في الحياة، والحرية، والأمن ، وعدمِ التعرض للتعذيب ، والحق، في المشاركة السياسية ، وحرية التعبير والضمير والدين والاشتراك في الجمعيات ..

وقد ارتبط هذا الحق بنشأة الدولة القطرية حيث صار لكل شعب دولته ، ولكل دولة الحق في أن تقبل الأجانب على أرضها أو تمنعَ إقامتهم كأثر من آثار السيادة؛ وعليه فإن منح المواطن حق الجنسية ، وما يتفرع عنها من حقوق للمواطن تجاه دولته يعد من ألصق حقوق الإنسان، لارتباطه الوثيق بحياة الإنسان على الأرض ، فيكف للإنسان أن يستمر في الحياة إذا كان حقه في الإقامة على أرضٍ غير مضمون! ومن هنا قيل: إن حق التجنس من ألصق حقوق الإنسان وآكدها .
ومن العجب أنه ما زالت هناك شعوبٌ تعاني من ضياع هذا الحق بسبب احتلال المحتل لأوطانهم وعدم الاعتراف بها أو لأن الأرضّ التي وُلِدوا عليها تمنحهم لقب (البدون) بحيث يعطون حق الإقامة دون سائر حقوق الجنسية كحق المشاركة السياسية؛ فهم لا يتمتعون بجنسية أي دولة إطلاقا! 
ومما يلفتُ النظر هنا أن الفقه الإسلامي قد جعل حق الإقامة في الدولة الإسلامية وحق التجنسِ حقاً يملكه كلُّ إنسان إذا اختار أن يُحكم بقوانين الدولة المسلمة ،إذْ تُملك الجنسية في الإسلام بسببين : عقد الإسلام وعقد الذمة , وهما عقدان اختياريان يدخل فيهما الإنسان بإرادته الحرة .
ومن هنا نلاحظ أن مكانة الفرد في القانون الدولي الإسلامي الخاص([1]) أعلى منها في القانون الوضعي ، ذلك أن حقَّ الجنسية في القانون الوضعي هو حقٌ للمواطن فهو (واجب الوجود )_إذا استعملنا تعبير المتكلمين على سبيل المجاز_ أما بالنسبة للأجنبي فهو حق للدولة يمكن أن تمنحه لغير رعاياها، ويمكن أن تمتنع كأثر من آثار السيادة فهو (جائز الوجود)،ولكنه في الإسلام هو حق لكل إنسان آمن بالفكر الإسلامي أو قبل به ورضي أن يحكم به. ولم يكن هذا الحق حقا مثاليا غير قابل للتطبيق بل كان حقاً واقعياً ،فالناظر للتنوع الثقافيِ والعرقيِ في داخل الدول الإسلامية يدركُ أن هذه الدول كانت تتمتع بجنسية مفتوحة أثْرَتْ الثقافةََ العربيةِ الإسلامية ([2]) ،فمفهوم الجنسية باعتبارها رابطة قانونية وسياسية تربط المواطن بدولته، يعد مفهوماً متميزاً في الفقه الإسلامي عن غيره من الأنظمة, من حيث إعلاؤه لشأن الفكر على النسب والإقليم، وبهذا تعد الدولة الإسلامية بحق دولة الفكر، وقد كان لهذا المفهوم أثره الفاعل في نبذ التقوقع والانكفاء على الذات , مما ساعد الشعوب المختلفة على الاندماج في وعاء الأمة الإسلامية، وأعطى الحضارة الإسلامية تميزاً خاصاً ([3]).

هذا و من القضايا التي تحتاج إلى فقهٍ جديد يراعي تغيرَّ الظروفِ , وجودَ قوانينٍ مقيدةٍ للموظف العام , قضيةُ المشاركة السياسية في تولي الولايات العامة، وفي الانتخاب والترشيح، فبحسب معايير حقوق الإنسان هي حقوق تثبت لكل مواطن بقطع النظر عن دينه وعرقه ولونه  ، وأما في الفقه الإسلامي فقد اشترط الفقهاءُ شرطَ الإسلامِ لبعض الوظائف،كالقضاء والإمامة العظمى ،ومنهم من توسع في جعل هذا الشرط شاملا لمعظم الوظائف ،ومنهم ضيق مجال الاشتراط فحصره في ما كان له معنى ديني ، وهو الصواب فالناظر في الوثيقة التأسيسية لدولة المدينة المنورة فيما عرف تاريخ (بالصحيفة) يجدُ نصوصاً واضحة في تساوي مواطني الدولة في الحقوق والواجبات كقوله r وأن يهود بني عوف أمة مع المسلمين لليهود دينهم وللمسلمين ، وأن اليهود ينفقون مع المسلمين ما داموا محاربين ، وأن لهم مالنا وعليهم ما علينا ([4]).
ولعل فقهاءنا حين اشترطوا شرط الإسلام في بعض الولايات وخصوصا القضاء التفتوا إلى ما للقاضي وللموظف العام آنذاك من صلاحيات واسعة في الاجتهاد والتشريع ؛ إذ غالبا ما يستند القاضي إلى المبادئ العامة وإلى مقاصد المشرع، فكان لابد من وضع شروط دقيقة للتأكد من تفهمه لمقاصد المشرع, ومن هذه الشروط الإسلام لأن غير المسلم لا يدرك مقاصد المشرع على الكمال ، وأما في ظل وجود قوانين مقيدة للقاضي وسائر الموظفين ،إلى حد كبير فإننا أمام واقع جديد يسمح بمشاركة سائر المواطنين في الولايات العامة ما لم يكن فيها معنى دينيا خاصاً كالإمامة وما شابهها .


 [1] ) القانون الدولي الخاص هو الذي ينظم موضوع الجنسية ويقابل في الفقه الإسلامي فقه الجهاد والسير. 
[2]  ) الكيلاني ، القيود الواردة على سلطة الدولة ط:1 ، ص:36
[3]  ) أنظر مفهوم الشعب والأمة والجنسية : عبدالله الكيلاني ، مجلة دراسات : 1998
[4]  ) أنظر: محمد حميد الله : مجموع الوثائق النبوية ص:60 ، الكيلاني ، القيود الواردة على سلطة الدولة , الطبعة الأولى  ، ص:23.