التجارة والفلاحة الزراعة في العالم العربي الاسلامي

التجارة الإسلامية ومسالكها في العالم الإسلامي:
تُعد التجارة من الأعمال الشريفة التي حث عليها الإسلام، فقد سافر الرسول صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب للتجارة في الشام، كما كان كثير من كبار الصحابة تجارا ، بل وردت أحاديث نبوية تشجع على التجارة وتضع التاجر الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
واهتم المسلمون بالتجارة مثل اهتمامهم بالصناعة، فانتشر التجار في كل مكان يبيعون ويشترون السلع المختلفة. ولم يقتصر دورهم على البيع والشراء، وإنما لعب التجار دورا مهما في نشر الإسلام ولغته في كثير من الأماكن وذلك نتيجة حسن معاملتهم لغيرهم، وأخلاقهم العالية وأمانتهم وصدقهم.
ونظرا للموقع الجغرافي المميز للعالم الإسلامي حيث يقع في وسط العالم الوسيط ويشرف على معظم الطرق التجارية الممتدة من أواسط آسيا والصين شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا. ومن أشهر هذه الطرق والمسالك التجارية ما يأتي:
1)   الطريق البحري من بلاد الإسلام إلى الهند والصين:
ويبدأ هذا الطريق من البصرة جنوب العراق عبر الخليج العربي إلى ميناء سيراف إحدى المدن الساحلية في إيران حاليا، وكان ميناء إسلاميا شهيرا تفد إليه السفن من كل مكان . ثم يتواصل هذا الطريق البحري إلى الهند ثم الصين . ومن أبرز التجار الذين سلكوا هذا الطريق ووصفوه وصفا دقيقا هو التاجر سليمان في بداية القرن الثالث الهجري ، وله كتاب بعنوان (سلسلة التواريخ) كتبه سنة (237هـ) وصف هذا الطريق الملاحي، ويقارن بين أحوال أهل الهند وأهل الصين، ويذكر قصصا غريبة صارت فيما بعد من الأدب الشعبي العربي.
وجاء بعده ابن وهب والمسعودي والسيرافي البصري الذي كتب تكملة لرحلة سليمان التاجر سماه (ذيل على كتاب سلسلة التواريخ) وقد طبعه مستشرقون فرنسيون في باريس عام 1811م. وكانت الرحلة بين البصرة والصين تستغرق ستة أشهر، ويحمل التجار معهم الصناعات والمنسوجات وخام الحديد وسبائك الذهب والكافور وغيرها، ويعودوا محملين بالحرير والقرفة والمسك والعود والصندل والعطور والثياب المخملية وغيرها.
2)   الطريق البري من بلاد الإسلام إلى الهند والصين:
ويُعرف بطريق الحرير العظيم أو طريق خراسان لأنه يبدأ من بغداد ويمر شرقا عبر خراسان من يسابور إلى مرو ومنها إلى بخارى وسمرقند ثم يستمر حتى يصل الصين حيث يدخل تجار المسلمين إلى الصين بسلعهم المختلفة لعرضها في أسواق الصين.
وتتفرع من هذا الطريق (طريق خراسان ) طرق أخرى يتجه بعضها جنوبا إلى الهند والسند، ويتجه بعضها شمالا إلى بلاد خوارزم والبلغار . وأهم سلعة مربحة كانت منتشرة في هذه المناطق هي تجارة العبيد من الترك من وسط آسيا.
3)   الطريق البحري الذي ينطلق من أوربا مارا ٍعبر بلاد الإسلام إلى بلاد الهند والصين.
ويبدأ هذا الطريق من جنوب فرنسا عبر البحر الأبيض المتوسط إلى شمال مصر (السويس) ثم البحر الأحمر ثم بحر العرب إلى ميناء عدن ثم يمضي إلى بلاد الهند والسند والصين. وأغلب التجار الذي يسلكون هذا الطريق من الأوروبين هم اليهود ، فيأخذون معهم السلع وأحيانا يشترونها من الأماكن التي يمرون بها ويبيعونها في الهند والسند والصين، ويعود مع نفس الطريق محملين بالمنتجات الهندية والصينية مثل العطور والتوابل والعقاقير. فقد اشتهرت التجارة بالعنبر ذي الرائحة الزكية، وكانت تُصنع منه العقود والمسابح والأزرار والتماثيل.
4)   الطريق البري الذي ينطلق من أوربا مارا ٍعبر بلاد الإسلام إلى بلاد الهند والصين.
ويبدأ من ألمانيا إلى إيطاليا وفرنسا، ومنها إلى إسبانيا الإسلامية (الأندلس) ثم يمر إلى طنجة عبر مضيق جبل طارق ثم المغرب الكبير ثم مصر ثم يتجه إلى بلاد الشام مارا بدمشق ثم إلى العراق مارا بالكوفة وبغداد والبصرة، ثم إلى فارس مارا بالأهواز، ثم إلى كرمان والهند والصين. وكان تجار هذا الطريق يحملون إلى الشرق منتجات البلاد التي كانوا يمرون بها كما ذكر ذلك ابن حوقل، ومن بين المنتجات التي كانت تُصنع في مختلف مدن الأندلس وتُباع في مصر والشام وأقاصي وخراسان، هي الملابس  المصنوعة من القطن والأصواف والكتان والحرير، وكذلك الأصباغ والورق السميك، والتين الجاف وغيرها من الصناعات.
ولم تكن بلاد المغرب أقل مرتبة من الأندلس من حيث النشاط التجاري ، فقد اشتهرت هي الأخرى بتصدير الثياب والمنسوجات الكتانية الرفيعة والملابس الصوفية والبسط والسجاجيد والجلود والسروج والحلفاء والزيت…
كما اشتهرت عبر هذا الطريق تجارة الرقيق الصقلبي الاوربي (من الشعوب السلافية). فقد دأب الأوروبيون علي سبي تلك الشعوب وبيع رجالها ونسائها إلى عرب أسبانيا والمغرب، فاستخدمهم عرب الأندلس عبيدا وخدما في القصور بعد أن خصوهم، ولقد كان لهم دور كبير في الأندلس بعد سقوط الدولة الأموية سنة 422هـ. 
5)   التجارة البرية الإفريقية السودانية :
كانت التجارة الإفريقية السودانية تنقسم إلى منطقتين شرقية وغربية وكان الذهب بضاعة التصدير الرئيسية للمنطقتين معا:
                                    ‌أ-         المنطقة الشرقية : وتمتد هذه المنطقة من شرقي مدينة أسوان بين النيل والبحر الأحمر شرقا وإلى الأطراف الشمالية لهضبة الحبشة جنوبا وتسكنها قبائل البجة، واشتهرت بوجود معدن الذهب في أرضها، فضلا أن أحجار الزمرد، ولهذا عرفت هذه المنطقة باسم أرض المعدن . ولقد استفاد التجار المسلمون من هذه المنطقة بعد الفتوحات الإسلامية بعدما عقدوا معاهدة مع أهل النوبة تعهدوا فيها بفتح الحدود أمام التجار المسلمين والباحثين عن  الذهب. واستمرت التجارة عبر القرون وخاصة الثلاثة الأولى منها، ثم في عهد الطولونيين والفاطميين. وجرت العادة أن يُحمل الذهب إما عن طريق النيل إلى القاهرة شمالا، أو عن طريق سواكن وعيذاب على البحر الأحمر شرقا.
                                 ‌ب-       منطقة غرب أفريقيا : نشطت تجارة المسلمين في الذهب مع مملكة غانة الوثنية الواقعة على نهر النيجر في السودان الغربي التي كانت مركزا تجاريا لبيع الذهب الذي يصل إليها من المناطق المجاورة لها وتستبدله بالملح والسلع الأخرى ، وكان التجار المسلمون من المغرب والأندلس والعراق ومصر يصلون إليها عبر الصحراء بعد رحلة طولية تستغرق عدة أشهر لجلب الذهب والمتاجرة به في بلاد المسلمون، ويحملون معهم في نفس الوقت المنتجات التي تُصنع في بلاد المسلمين لبيعها في تلك الديار.



ثالثا : الزراعة والري والحاصلات:
تُعدّ الزراعة من المصادر المهمة جدا لتمويل بيت مال المسلمين، ولذلك كان الاهتمام بها كبيرا منذ إن انتشر الإسلام في أصقاع الدنيا. فقد شجّع الرسول صلى الله عليه وسلم على الزراعة في قوله (من أحيا أرضا مواتا فهي له). كما شجع الخليفة عمر بن الخطاب الفلاحين على خدمة الأراضي ودفع الخراج لبيت المال. بل استمرت الحكومات الإسلامية في العهد الراشدي والعهد الأموي والعهد العباسي على تشجيع المسلمين على الزراعة بتوزيع الأراضي عليهم مثل الأراضي الخراب أو الأراضي الموات.
كما اهتم ولاة الأقاليم بإصلاح  طرق الري لمساعدة المزارعين، فقد استخدم عمرو بن العاص آلاف المصريين في إصلاح طرق الري في مصر، وكذلك فعل ولاة العراق فقد أوصلوا المياه من دجلة والفرات للأراضي الزراعية المجاورة عبر القنوات المختلفة.
أما في الأندلس فقد أبدع أهلها في هندسة الري، فقد قسموا المياه على الفلاحين بطرق غاية في الدقة والإحكام، وأقاموا محكمة لتقسيم المياه على الفلاحين، ويُعاقب كل فلاح يخالف القوانين بحرمانه من المياه، والمحكمة حكمها نافذ رغم أنها محكمة أهلية لا دخل للحكومة فيها.
وكانت هذه الأراضي الزراعية مقسمة إلى أنواع مختلفة ومتعددة فهناك :
1)       تقسيم الأراضي:
                                                                         ‌أ-                   أراضي التملك للأفراد : وتُعطى هذه الأراضي لقادة الخيش والجند في مقابل الراتب الذي لا تستطيع الخزينة دفعها ، كما كانت تُعطى للشعراء والمغنين والأدباء وغيرها مقابل شعر المديح والغناء للأمراء والملوك.
                                                                   ‌ب-              أراضي الوقف : وهي أراضي توقف على الأعمال الخيرية المختلفة فيوزع ريعها على المحتاجين ممن خصصهم الواقف بهذه الأموال.
                                                                     ‌ج-               الأراضي السلطانية : وهي تشمل أراضي وضياع الخلفاء والسلاطين التي أخذوها دون مقابل في غالب الأمر.
                                                                       ‌د-                  الإقطاعات المدنية : وتُمنح للوزراء والموظفين بدل الرواتب ، فإذا عُزلوا من مناصبهم أخذت منهم.
أما ضريبة الأرض الزراعية وهي الخراج  وقيمتها وموعد جبايتها فقد دونتها العديد المصادر منها :
-               قائمة الجهشياري في كتابه الوزراء والكتاب، وتمثل الخراج في عهد هارون الرشيد
-               قائمة ابن خلدون في مقدمته (مقدمة ابن خلدون) ، وتُنسب إلى عصر المأمون.
-               قائمة ابن خرداذبة في كتابه المسالك والممالك، وهي تمثل خراج الدولة العباسية في القرن الثالث الهجري.
-               وقائمة قدامة ابن جعفر في كتابه الخراج، وتمثل الخراج الكلي للدولة العباسية.
أما في الأندلس فتقدر الجباية فيها بنحو (5408000 دينار) وقد قسمها ثلاث أقسام : ثلث للجند ، وثلث للبناء والشعراء والخطباء ، وثلث مدخر في بيت المال.
أما موعد جباية الخراج فكان بعض الأمراء والحكام يأخذه بداية كل سنة ميلادية والبعض الآخر يأخذه كل سنة هجرية مع مراعاة الفرق بين السنة الهجرية الميلادية.
2)       الحاصلات الزراعية في العالم الإسلامي عبر تاريخ الحضارة الإسلامية:
         تنوعت الحاصلات الزراعية في العالم الإسلامي بتنوع المناخ والمكان وأهمها :
                                                                                              ‌أ-                   الحبوب : مثل القمح والشعير والذرة والأرز وغيرها.
                                                                                        ‌ب-              الخضروات : مثل البطاطس والباذنجان والخرشوف والسلق والزيتون والزعفران وغيرها.
                                                                                          ‌ج-               الفواكه: مثل العنب والرمان والبرتقال والتفاح والبطيخ والتمور.
3)       المؤلفات في مجال الزراعة وعلومها.
وقد بذل العلماء المسلمون جهودا كبيرة في سبيل تقدّم العلوم الزراعية، فقد صنفوا فيها كتبا عليمة ، وأجروا عليها تجارب تطبيقية أفادت العالم ومن هؤلاء :
                     ‌أ-       علماء اللغة وأصحاب المعاجم:
     فقد اعتبر علماء اللغة أسماء النباتات والأشجار جزءا من اللغة العربية ، فدونوها في معاجمهم وكتبوا فيها المؤلفات العديدة منها كتاب العين للخليل بن احمد الفراهيدي، وابن الأعرابي الكوفي في تصانيفه عن النخيل والنبت والبقل، وابن سيده في كتابه المخصص، وابن منظور في كتابه لسان العرب. فجميعهم خصص جزءا مما كتبه للحديث عن أسماء النباتات وفوائدها.
‌ب-              أصحاب كتب النباتات الطبية:
اهتم كثير من الأطباء بتأليف الكتب التي تبحث في النباتات الطبية وما يستخرج منها من أدوية وعقاقير لعلاج الأمراض المختلفة. وكانت طريقتهم في العلاج تقوم في أغلب الأحوال على التداوي بالأغذية أولا، فإذا دعت الضرورة استخدموا الأدوية المفردة، ثم اقتضى الأمر استعملوا الأدوية المركبة وهي التي تتكون من أكثر من نوع من أنواع النباتات.
وأول كتاب أُلف في طب الأعشاب هو كتاب الطبيب اليوناني ديوسفوريدس (الأدوية المفردة أو كتاب الحشائش)، وقد تُرجم جزء من الكتاب في عهد الخليفة العباسي المتوكل (247هـ)، وفي عهد عبدالرحمن الناصر الحاكم الأندلس (337هـ) كلف لجنة مختصة تُجيد اللغة اليونانية بقيادة طبيبه الخاص حداي بن شبروط لترجمة هذا الكتاب.
ولقد اثار ظهور هذه الترجمة الكاملة للكتاب موجة من الحماس بين اطباء المسلمين الذي أقبلوا على دراسة النباتات الطبية متخذين هذا الكتاب مصدرا أساسيا لهم، ولكن ما لبثوا أن أضافوا إليه إضافات علمية جديدة ومن بين الأطباء المشهورين في علم النبات ما يلي:
-               حنين بن إسحاق : الذي ألف كتبا كثيرة في النباتات الطبية، كما ترجم كتاب النبات لأرسطو.
-               الرازي (320هـ) : الذي ألف كتاب الحاوي في الطب، وهو يبحث في النباتات الطبية.
-               ابن سينا : وقد ألف كتاب (القانون في الطب) الذي شرح فيه الأدوية المفردة، مع ذكر أنواع النباتات.
-               عبدالرحمن بن الهيثم (من علماء الأندلس ) كتب عدة كتب عن الأدوية المفردة.
-               عبدالرحمن اللخمي(466هـ) الذي كان وزيرا وطبيبا للمأمون بن ذي النون في طليطلة.
-               الغافقي (560هـ) : صاحب كتاب (جامع الأدوية المفردة) الذي ألفه بعدما طاف بلاد الأندلس والمغرب وجمع منها نباتات عديدة .
-               ابن البيطار الإشبيلي (646هـ) : صاحب كتاب (الجامع لمفردات الأغذية والأدوية) فقد جمع فيه بين الدواء والغذاء، واستفاد مما سبقوه من جالينوس والغافقي والإدريسي والكبري وغيرهم. وارتحل إلى عدة أماكن منها بلاد الروم واستقر به المقام في مصرن ثم انتقل مع الملك الكامل الايوبي إلى دمشق وعلّم كثير من المهتمين من أمثال تلميذه ابن أبي أصيبعة ومات بدمشق.



‌ج-               الفلاحة ومَنْ كتب في مجالها:
لم تقتصر جهود علماء المسلمين عند حد ما قيدوه من أسماء النبات، وما استخلصوه منه من أدوية وعقاقير، بل اشتغلوا كذلك بالنبات من حيث زرعه ونموه وتسميده وحصاده والأوقات المناسبة في ذلك كله وهو ما يسمى بالفلاحة. وقد اشتهر مجموعة من علماء في هذا الميدان منهم/
-       أحمد الكلداني النبطي(ق 2 هـ)) : صاحب كتاب (الفلاحة النبطية) الذي شرح فيه طريقة الزراعة القديمة في آشور وبابل واليونان ومملكة النبط. ولازال هذا الكتاب مخطوطا حتى اليوم.
-       أبوالقاسم الزهراوي ( أندلسي ،403هـ) : يُنسب إلى مدينة الزهراء بالأندلس، وكتب عدة كتب في مجال الفلاحة إلى جانب كتابه الطبي المعروف ( التصيريف لمن عجز عن التأليف).
-       عبدالرحمن اللخمي(أندلسي 466هـ):  طيب وصيدلي معروف، وكتب كُتبًا عديدة في مجال الأدوية المفردة والطب، وكتب كُتباً أخرى في الفلاحة( كتاب الفلاحة).
-       ابن البصال (أندلسي) : كتب ديوانا في الفلاحة (القصد والبيان)، فقد مدح هذا الكتاب عديد من العلماء الذين جاءوا بعد ابن البصال واعتمدوا عليه في مؤلفاتهم.
-               ابن العوام الإشبيلي (القرن 6هـ): فقد بلغ شهرة كبيرة فاقت من سبقوه في العلوم الزراعية، فقد قام بتجارب عملية عديدة في ضواحي إشبيلية، وكتب كتابه (الفلاحة في الأرضين) ، تكلم فيه عن التربة وأنواعها وكيفية حرثها ، والسماد وأنواعه، والمياه وأنواعها وكيفية تخطيط مجاريها، والري بالتنقيط ، وزرع النباتات والأشجار المثمرة. ولقد اعتمد عليه كثير من علماء فيما بعد حتى في العصور الحديثة حيث اعتمد كثير علماء أسبانيا ونخص بالذكر منهم جابرييل ألونسو دي هريرا.
وهكذا نلاحظ أن علماء الأندلس كانت لهم عناية كبيرة بالفلاحة، وغرس النبات والورود والأزهار والأشجار في حدائق بيوتهم وصحون مساجدهم، وفي الحدائق العامة، وتغنوا بذلك في أشعارهم.