الحياة الاجتماعية في الدولة الإسلامية

الحياة الاجتماعية في الدولة الإسلامية
عناصر المجتمع العربي الإسلامي:
يتكون المجتمع الإسلامي من مجموعة من الفصائل يمكن أن نجملها فيما يأتي:
1)     عامة المسلمين.
وهم كل من دخل في الإسلام من العرب والفرس والروم والأقباط والبربر وغيرهم ممن وصلتهم الفتوحات الإسلامية ودخلوا في دين الله أفواجا. ويمثل هذا العنصر الأغلبية العظمى من المجتمع الإسلامي.
2)     الموالي.
وهم المحررون من العبيد المسلمين، فقد دعا الإسلام إلى تحرير العبيد وعتقهم ، وربط كفارة اليمين، وكفارة الظهار بعتق رقبة مؤمنة. كما يطلق بعض المؤرخين كلمة الموالي على من دخل في الإسلام من غير العرب.
3)     أهل الذمة.
وهم اليهود والنصارى الذي يعيشون في ظل الدولة الإسلامية، ويدفعون الجزية للمسلمين، وقد أمر الإسلام بحسن معاملتهم، وكفل لهم حرية العبادة، والعمل في كل المهن، في الطب والتجارة والهندسة. كما تقلدوا عدة مناصب في الدولة الإسلامية.
وقد فرض عليهم الإسلام الجزية مقابل إعفائهم من الخدمة العسكرية، وتكفل المسلمين بحمايتهم والدفاع عنهم، وقد فرضت الجزية على الأقوياء منهم، وأعفي منها الشيوخ والأطفال والنساء والعاجزون والرهبان. وعموما فإن مبالغ الجزية لا تتعدى مبلغا تافها من المال. في حين يدفع المسلمون الزكاة، وأحيانا تفرض عليهم ضرائب إضافية إذا اقتضى الأمر ورأي ولي الأمر ضرورة لذلك.
كما كانت العلاقات بين المسلمين وأهل الذمة جيدة وسمح للرجال من المسلمين بالتزوج من الكتابيات ، كما أحل طعامهم للمسلمين (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم).
4)     الرقيق.
وهم العبيد والجواري الذين كانوا يباعوا ويشتروا في الدولة الإسلامية وغالبيتهم من الذين أُسروا في حروب الفتوحات بين المسلمين والكفار.

ثانيا : طبقات المجتمع العربي الإسلامي:
1)     طبقة الحكام .
تميز المجتمع الإسلامي بطبقاته المتباينة، وعلى رأسها طبقة الحكام من خلفاء وأمراء وقادة الأقاليم المختلفة ونحوهم ، وظهرت هذه الطبقة في العصر الأموي والعصر العباسي وفي الدولة العثمانية وفي الأندلس ، وفي العصر الفاطمي والعصر المملوكي في مصر.
-       وتميزت هذه الطبقة بالثراء الكبير، وبناء القصور العظيمة، وتأثيثها بالأثاث الفاخر.
-       اتصفت حياة غالبية الحكام بالبذخ والترف في المأكل والملبس، والصرف المبالغ فيه في الحفلات والمناسبات كالزواج والختان، فكانت تصرف مئات الدنانير وتوزع آلاف الهدايا على الحاضرين، والذين في غالبيتهم من الوجهاء وأصحاب الجاه.
-       انتشار الغناء والموسيقى في القصور ، وجلب الجواري والمغنيات في كثير من القصور، مما ساهم في انتشار الفساد في بعض الفترات من تاريخ الإسلام.
2)     طبقة العلماء والفقهاء.
حافظت هذه الطبقة على وجودها في التاريخ الإسلامي، صحيح أنها تضعف أحيانا، وتتقوى ويشتد عودها أحيانا أخرى . لكن بقيت لها مكانتها الاجتماعية المتميزة على مستوى الشعب، كما بقي لها تأثير في رجال الدولة. وظهرت مكانة العلماء والفقهاء في احترامهم وتكريمهم أدبيا وماديا، فقد أثروا في المجتمع بأخلاقهم وحسن معاملتهم للناس وبعلمهم الذي تركوه في صدور الرجال، وبمؤلفاتهم التي تركوها للأجيال اللاحقة. فقد وقفوا سدا منيعا لمحاربة الفساد ومقاومة المنكر والانحرافات الفكرية التي كانت تظهر من حين لآخر.
ومن الأمثلة على ذلك فقهاء الإسلام الأربعة، ابن تيمية، وابن القيم،  والعز بن عبدالسلام ، وعلماء الإسلام في كل مكان.
3)     التجار.
وتمثل هذه الطبقة في المجتمع الإسلامي طبقة الأغنياء بعد الحكام والأمراء ، وإن كانوا هم أنفسهم ينقسمون إلى طبقات فمنهم:
-       الأغنياء غناء فاحشا، وهم كبار التجار الذين عاشوا في المدن الكبرى، واختصوا بالتعامل في السلع الثمينة، كأنواع الرقيق والمجوهرات وغيرها. وهؤلاء لهم ارتباط وثيق بالحكام ورجال الدولة.
-       وهناك صغار التجار والباعة وهؤلاء اتصالهم أقوى بعامة الشعب.
وكثير ما تكون ثروات بعض التجار مطمعا لبعض الحكام، فيتعرضوا لبعض المضايقات حتى يدفعوا جزءا من أموالهم للدولة
كما أن وفرة المال في أيدي بعض التجار جعلتهم يسرفون في الإنفاق على أنفسهم ويتحللون من آداب المجتمع وتقاليده، ويأتون من الأفعال ما يتنافى مع مكارم الأخلاق.
4)     الحرفيون والصناع وأرباب المهن.
أما عن الحرفيين والصناع وأرباب المهن، فكانوا يؤلفون فئة نشطة في مجتمع المدينة الإسلامية، والغالب أن أفراد كل حرفة أو صناع كانوا مضطرين للتكتل لتنظيم مصالحهم المشتركة. وقد عاش معظم هؤلاء الحرفيون الصناع عيشة متوسطة في المدن، وقد تسوء أوضاعهم أحيانا، فيثوروا على الحكام أملا في تحسين أوضاعهم .
5)     عامة الناس.
وفيما عدا الفئات السابقة فقد اكتظت المدن بعامة الناس وخاصة المدن الكبرى كبغداد والقاهرة وقرطبة ودمشق فقد اكتظت بالناس من مختلف الأجناس والأديان، ونظرا لكثرة أعداد هؤلاء وسوء أخلاق الكثير منهم، فإنهم كانوا مصدر فساد واضطراب في المجتمع، مما جعل الحكام يتملقونهم أحيانا ويحسنوا إليهم اتقاء لشرهم .
ومن هؤلاء العامة جماعة العيارين والشطار الذي تميزت حركاتهم بطابع ثوري ضد الحكام، والذين زاد من خطرهم أنه كان لهم تنظيم عسكري يخضع لقيادة موحدة، وتنظيم مدني يرعى أمورهم الخاصة، وسرعان ما احترف بعض أفراد هذه الجماعة السرقة، وصاروا مصدرا للفوضى في الدولة .
ثالثا : المجالس الاجتماعية في المجتمع العربي الإسلامي.
1)     مجالس الوعاظ.
وهي مجالس العلم التي تقام في الغالب في المساجد، وأحياناً أخرى في أماكن عامة، والهدف منها نشر العلم والفضيلة بين الناس، وتذكير الناس بأمور دينهم، خاصة في الفترات التي يضعف فيها الوازع الديني، وينطلق الناس وراء الدنيا وحطامها في غفلة كبيرة عن الآخرة، فيأتي في هذا الوقت دور العلماء في التوجيه والإرشاد والنصح، ولا يخلو التاريخ الإسلامي الطويل من مصلحين ووعاظ في مختلف العصور.


2)     مجالس القصص والقُصاص.
وتُعقد هذه المجالس في القصور وبعضها في الأماكن العامة، وأحيانا في المساجد والأسواق والطرقات، وكان الهدف منها في أول الأمر الحث على اتباع الطريق القويم، وذكر قصص السلف الصالح لأخذ العبرة منها، ولكنها سرعان ما انحرفت عن هذا الهدف السامي ، وصار هدف القصاص الأول هو تحقيق الكسب المادي عن طريق ترديد القصص الخرافي، والأكاذيب، والمجون مما أثار العلماء، فنادوا بوقف هذا النشاط، وقد استجاب لهذا النداء الخليفة المعتضد العباسي ومنع القُصاص من الجلوس في المساجد والطرقات والأماكن العامة إطلاقا. بل إن الخليفة القادر بأمر الله اتخذ إجراءات مشددة للقضاء عليهم.    
3)     مجالس الطرب والغناء.
تغيرت أوضاع المجتمع الإسلامي بعد عصر الخلفاء الراشدين حيث ظهرت في العصر الأموي مسحة قوية من الترف أدت إلى تسرب تيار الإسراف والتبذير، وأخذ الغناء يحل محل مجلس الشعراء، كما حلت مجالس الشراب محل مجالس الأدب. فقد وصفت المصادر التاريخية الوليد بن يزيد بن عبدالملك بن مروان بأنه : صاحب شراب ولهو وطرب وسماع للغناء، وهو أول من جلب المغنين من البلدان إليه، وأظهر الشراب والملاهي والعزف.
والأمر نفسه يقال عن بعض حكام الأندلس وبعض الرعية فقد وصف ابن عذاري المراكشي أحدهم بقوله : كان عهر الخلوات ، صريع الشهوات، لهج بالفكاهات، كثير الكذب والعدوان، شنيع الفجور والعصيان.
وازداد الأمر شناعة في العصر العباسي فازدادت مجالس الغناء والموسيقى، نتيجة لتأثر العباسيين بالفرس والروم من ناحية، وكثرة الجواري من ناحية أخرى، فقد كان بعض الخلفاء يعطي للمغنين عطاء من لا يخشى الفقر . وكثرا ما كانت مجالس الغناء تقترن بالشراب .
رابعاً : العادات والتقاليد الاجتماعية في المجتمع العربي الإسلامي.
1)     الأسرة العربية الإسلامية.
اعتنى الإسلام بالأسرة فأمر الزوج باختيار شقيقة حياته، وأعطاه القوامة على الزوجة، فهو المسؤول عنها وعن أبنائه، وأمره باحترامها وإعطائها حقوقها كاملة من ملبس ومشرب ومسكن، وفي الوقت نفسه طالب الزوجة بطاعة زوجها والقيام بواجبها التربوي والأسري.
أما عن تربية الأولاد وتعليمهم، فقد كانوا محل عناية الأبوين عبر تاريخ الحاضرة الإسلامية، فإذا ولد المولود وخصوصا إذا كان في بيت يسر تسلمته المراضع والمربيات حتى يشب، ويقوم بتأديبه وتعليمه أحد مؤدبي الأطفال، فيحفظ القرآن والحديث وشيئا من الفقه والتفسير وهو لا يزال صغيرا.
2)     المساكن والدور.
أما عن المساكن والدور فقد وُجد قدر كبير من التشابه بين المساكن والدون في مختلف المدن الإسلامية، في المشرق والمغرب،  وانعكس ذلك بوضوح على هندسة المنازل وتصميمها، فكان يُراعى فيها عدم تمكين أي فرد بالخارج من رؤية ما بداخل المنزل، وفي نفس الوقت توفير قدر من الحرية لأهل المنزل عن طريق الأحواش الداخلية.
3)     الطعام والشراب .
أمتاز المسلمون عن غيرهم من الأمم الأخرى بالكرم والسخاء، وهي خصلة حميدة دعا إليها الإسلام، وندب إليها الرسول صلى الله عليه وسلم ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه). أما عن أنواع الأطعمة والأشربة فلكل مصر من الأمصار في الدولة الإسلامية أنواع من الطعام والشراب اشتهر بها، يقدمها لضيوفه في المناسبات والأعياد، ولا يمكن أن نقول أن هذا الطعام أفضل من ذلك لأن المسألة تحكمها العادات.
4)     وسائل التسلية.
اتسمت الحياة الاجتماعية في الدولة الإسلامية بتعدد وسائل التسلية والترويح عن النفس، ومن هذه الوسائل الخروج إلى المنتزهات والحدائق كالغوطة بالنسبة لدمشق، وشاطئ النيل والبرك بالنسبة للقاهرة، والحدائق الجميلة في الأندلس وغيرها.
ومن وسائل التسلية كذلك التي شاعت في المجتمع الإسلامي خيال الظل : وفيه كانت تعرض تمثيليات في شكل عرائس وثور من الجلد أو الورق المقوى وتوضع خلف ستار بيضاء ومن خلفها مصباح بحيث ينعكس ظلها على الستارة ليراها الناظر من الجهة الأخرى.
ومن وسائل التسلية كذلك سباق الخيل والرياضات الأخرى التي تكون فيها المنافسة الشريفة بين المتبارين.
5)     الأعياد والاحتفالات في المناسبات.
اعتادت المجتمعات الإسلامية أن تشهد كثيرا من الاحتفالات والأعياد منها الاحتفال بالعيدين الفطر والإضحى، والاحتفال بإحياء شهر رمضان وخصوصا العشر الأواخر منه، والاحتفال بخروج مواكب الحجاج إلى بيت الله الحرام وعودتهم كذلك، كما أحيت بعض المجتمعات بدعة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في القرون المتأخرة.
وتظهر ملامح الاحتفال بهذه الأعياد بكثرة الزينات والأنوار، وعمل الولائم ، وتوزيع الحلويات، وكثرة الصدقات والهدايا، كما يرتدي الناس الملابس الجديدة، ويخرجوا إلى المنتزهات والحدائق.
كما تُقام بعض الاحتفالات المحلية التي تخص مدينة دون أخرى، كالاحتفال بتولية خليفة جديد أو سلطان جديد، أو عودة الجيش الإسلامي ظافرا منتصرا في الفتوحات، فقد احتفلت القاهرة بمناسبة شفاء الناصر محمد سلطان المماليك في مصر، كما ذكر ذلك ابن بطوطة الرحالة المغربي. كما يحتفل المصريون احتفالا كبيرا في القاهرة بعيد وفاء النيل وهو إذا ارتفع منسوب المياه في النيل ستة عشر ذراعا أعرب الجميع عن فرحتهم بإشعال الشموع والقناديل.
كما تُقام الاحتفالات كذلك إذا ولد مولود جديد، وتُعد الولائم وتُذبح الذبائح وتضرب الدفوف وترتفع الزغاريد فرحا بمقدم هذا المولود، وتكتمل الفرحة إذا خُتن المولود الذكر بدعوة الأقارب والأصدقاء لتناول الطعام والحلوى.
أما حفلات الزواج فكانت تقام في بيت العريس والعروس فتُقدم خلالها الموائد الشهية مصحوبة بضرب الدفوف وزغاريد النساء.
6)     الملابس والأزياء.
تنوعت الملابس والأزياء عبر الحضارة الإسلامية، فقد كانت للعلماء والفقهاء في غالب الأمصار ملابس خاصة تميزهم عن غيرهم من الناس. أما النساء فقد تميزت القرون الأولى بظهورهن باللباس الشرعي المحتشم، ولكن ما ازدياد الثراء وتعقد الحياة في المدن خرج كثير من النساء عن المألوف، فأسرفت نسبة كبيرة منهن في لبس الفاخر من الثياب والحلي، بل تعدى الأمر إلى ظهور النساء الحاسرات في الشوارع مما أفزع المسؤولين في القاهرة بالذات، فتدخلت الحكومات لتحديد ملابس النساء في المدينة.

خامسا : الخدمات الاجتماعية
1)     الخدمات الصحية.
جاءت الرعاية الصحية في المجتمع الإسلامي مصحوبة بإقامة المستشفيات لمداواة المرضى وعلاجهم، وأول دار أسست لمداواة المرضى في الإسلام بناها في دمشق الخليفة عبدالملك بن مروان عام 88هـ، وجعل فيها الأطباء وأجرى عليها الأرزاق.
وفي عهد الخلافة العباسية أقام البرامكة مستشفى في عهد الخليفة الرشيد أُسندت إدارته للطبيب ماسويه ثم إلى ابنه يوحنا بن ماسويه.
ثم ازدادت المستشفيات بعد ذلك في الدولة الإسلامية ويعود الفضل لله ثم للطبيب الشهير سنان بن ثابت حيث أنشأ مستشفيين في بغداد ، كما أنشأ الوزير ابن الفرات مستشفى آخر في بغداد .
أما بقية المدن الأخرى في العالم الإسلامي فقد شهدت قيام مستشفيات على مستوى كبير من العظمة والاتساع في دمشق وشيراز وأصفهان، فقد شيد محمد بن زنكي مستشفى في دمشق اعتبره الرحلة ابن جبير من أعظم مفاخر الإسلام.
أما مصر فقد أقام أحمد بن طولون مستشفى في عاصمته القطائع يُعَالج فيه المرضى مجانا ، كما أقام سلطان المماليك المنصور قلاوون مستشفى كبيرا يعجز الواصف عن محاسنه عالج فيه الغني والفقير مجانا. وإذا خرج المريض أُعطيت له الهدايا والمبالغ المالية ليستعين بها على الحياة حتى يباشر علمه. وإذا قُدّر ومات فإن ثمن كفنه وحنوطه وأجرة غاسله وحفار قبره فتصرف له من مستشفى المنصور قلاوون.
ولم تقتصر الخدمات الطبية على الأسوياء من المواطنين، وإنما كان للمصابين بأمراض عقلية نصيب في المجتمع الإسلامي، فقد خصصت لهم أقسام في المستشفيات الكبرى، تسهر على رعايتهم وعلاجهم كما هو الحال في مستشفى أحمد بن طولون، ومستشفى دمشق كذلك كان به قسم خاص بالمجانين.
2)     رعاية الفقراء والمحتاجين
ظهرت عبر التاريخ الإسلامي مؤسسات اجتماعية تسهر على حاجة الفقراء والأيتام في المجتمع الإسلامي، فأنشأت لهم دورا لرعايتهم والإنفاق عليهم، وتعليمهم. فقد أنفق الخيرون كثيرا من أموالهم لمصلحة هؤلاء، بل أوقف الكثير منهم أموالا وأشياء عينية لصالح هذه الشريحة من المجتمع . فقد أُقيمت في مصر مكاتب للصبيان والأيتام والفقراء تحت رعاية سلاطين المماليك، والسلطان قلاوون، واهتم منشئوها بحبس الأوقاف عليها للعناية بأمر الأيتام وتعليمهم وتوزيع الغذاء والكساء عليهم.
كما أوقف السلطان الظاهر بيبرس أوقافا على الفقراء والمحتاجين لشراء الخبز وتوزيعه على المعدمين. كما اعتاد أن ستصدق كل سنة بعشرة آلاف أردب من القمح على المساكين. أما السلطان المؤيد شيخ فقد أهتم هو الآخر بالفقراء والمحتاجين ووزع عليهم من الأموال والأرزاق ما يكفيهم.على أن الأمر لم يقتصر على رعاية هؤلاء الفقراء والمعدمين في حياتهم بل أيضا عند وفاتهم. وذلك بتجهيزهم وتكفينهم ودفع أجرة حفر القبر ، وقد أُطلق على هذه المؤسسات الجنائزية (مغاسل الموتى)، فقد وُجد في القاهرة وحدها في القرن التاسع الهجري أكثر من خمس عشرة مغسلة
3)     الخدمات العامة.
ومن الخدمات العامة التي قدمتها الحضارة الإسلامية للمجتمع الإسلامي ما يلي:
                 ‌أ-   السبل والسقايا لتوفير مياه الشرب لعابري السبيل : فقد انتشرت الأسبلة في مدن العالم الإسلامي في سمرقند ودمشق والقاهرة وبغداد والأندلس وغيرها. فقد أسبلت السيدة زبيدة زوجة هارون الرشيد مياه عين زبيدة على أهالي مكة والحجاج والمعتمرين بعد أوصلت إليهم مياهها عبر قنوات امتدت مسافات بعيدة ولازالت موجودة حتى اليوم. كما أسبل أهل الخير على المسجد الأقصى مياه للشرب وأشهر الأسبلة في تلك الديار ما أقامه سلطان المماليك أينال عام 865هـ.
أما في دمشق فقد ذكر ابن عساكر السقايات الموجودة على أيامه في تلك الديار . أما القاهرة فقد اشتهرت هي الأخرى عبر التاريخ الإسلامي بالأسبلة خاصة وأنها تقع على النيل فيكتفي اصحاب الاسبلة بنقل الماء من النيل وتوزيعه في الأماكن العامة ليستفيد منه الناس ، وعادة ما تُقدم هذه السقايات في النهار، أما في الليل فالكل يركن إلى الراحة والاستجمام مكتفين بما وزعوه نهارا.
ولم تقتصر السقايات على توفير المياه للناس، بل وُجد نوع آخر من المنشآت قُصد بها توفير مياه الشرب للدواب
              ‌ب-       ومن المؤسسات الاجتماعية التي اشتهر بها العالم الإسلامي في العصور الوسطى خصوصا: الحمامات العامة التي يقصدها الناس للاستحمام. فقد انتشرت هذه الحمامات في كل مكان. ففي بغداد وحدها يذكر العقوبي أن عدد الحمامات تجاوز الخمسة آلاف حمام. والشيء نفسه يُقال عن دمشق حيث يذكر ابن جبير أن عدد حماماتها تجاوز المائة حمام. أما القاهرة فقد انتشرت فيها الحمامات هي الأخرى فقد بلغت أواخر عهد الخليفة العزيز بالله الفاطمي أكثر من 1700حمام وكانت على مستوى عال من الجودة والنظافة.
ولم تقتصر مهمة الحمامات على نظافة الأبدان فقط وإنما استخدمت كمصحات لطلب الاستشفاء تحت رعاية أطباء متخصصون.
         ‌ج-       كما اهتمت الحضارة الإسلامية برعاية الأغراب والعميان والقواعد من النساء والرجال الذين ليس لهم عائل، فأقامت لهم المساكن والدور لرعاية المحتاجين ، واستقبال الغرباء والزائرين وتوفير سبل الراحة لهم ، خصوصا في المشرق ، فقد وصف ابن جبير في رحلته ما يلقاه الحاج والمعتمر والزائر من عناية وترحيب من أهل المشرق، فقد خصصت لهم أماكن خاصة أحيانا في المساجد كزاوية المالكية بالجامع الأموي بدمشق ، والأربطة في كل من مصر والعراق. وكانت تُوزّع الصدقات والهدايا على الضيوف .
          ‌د-         كما اهتمت الحضارة الإسلامية بإقامة الفنادق الوكالات لاستقبال الغرباء الميسورين للإقامة فيها كالتجار وأرباب العمل.
          ‌ه-         كما اهتمت الحضارة الإسلامية بالسجون والمسجونين وتوفير الحياة الكريمة لهم في داخل السجن، وعدم حرمانهم أو إيذائهم .