اسباب عوامل ازدهار الحضارة الاسلامية

اسباب عوامل ازدهار الحضارة الاسلامية 
اذكر ثلاث اسباب عوامل ازدهار الحضارة الاسلامية 
1-الحضارة والتراث :
" الحضارة بمعناها العام ، فعل تام متحرك وتراث وإنتاج مشترك بين الأمم المختلفة ، فضل كل منها بقدر إسهامها . . . وحضارة أية أمة بمعناها الخاص ، تراث أية أمة وجماعة تميزها عن غيرها "[1].
 " وكل محاولة لوضع فواصل قاطعة بين الحضارات المتعاقبة لابد أن تنتهي بالفشل . فالحضارة من هذه الوجهة من عمل الإنسان دون النظر إلى موقعه التاريخي أو الجغرافي أو التبعية العرقية أو الدينية . ومدلول نسبة الحضارة إلى شعب بالذات هو على الأكثر لتعيين مرحلتها الزمنية أو المكانية بالإضافة إلى تقدير المشاركة التي قدمها ذلك الشعب الكريم لسعادة الإنسان " [2].
وإن تراث أية أمة هو بذرة بقائها ودعامة وجودها الحضاري ودراسته يعني تعرفاً على الذات واستشفافا للمستقبل ، وإن أية أمة لن تستطيع أن تسير قدماً إلى الأمام بخطى راسخة شجاعة الاّ إذا وعت جذور تراثها وربطت خيوط حاضرها ومستقبلها بما ماثلها وشابهها في صفحات ماضيها سواء القريب منه أو البعيد .
 2-الاستعداد الفكري لدى العرب لتقبل العلوم وتأسيسهم لبعضها :
لا يمكن لأحد أن ينكر بأنه كان للعرب والمسلمين قبل إطلاعهم على ثقافات الأمم الأخرى علوم خاصة بهم كاللغة والنحو والعروض والفقه واصول التشريع وعلم التفسير والحديث ، وقد بلغوا فيها شوطاً كبيراً ووضعوا فيها قواعد مستقره وشروطاً مفصلة في زمن مبكر وهذا يعني بأن الحضارة العربية لم تكن أرضاً جرداء حتى جاءها العلم اليوناني كما يدعي البعض ، وإنما استعداد العرب الفكري جعلهم أهلا لتقبل العلوم الأخرى كالفلسفة والكيمياء                           والرياضيات  والطب . . . الخ .
ومن العبث أن نتصور أمة تنقل علوم الأمم الأخرى بنهم وتعطش شديدين دون أن تكون قد بلغت من التقدم الحضاري والعلمي ما يؤهلها لهضم العلوم التي تنقلها .
 وهناك فريق من الناس يصعب عليه تقبل هذه الملاحظة يقول الأستاذ فؤاد سيزكين (( ونرد على أولئك الذين يتصورون مثل هذا التصور بأن نقطة الانطلاق في هذه القضية هي أن العرب هم وارثوا الآراميين البابليين – جغرافيا على الأقل – وإنهم من جهة أخرى لم يكونوا معزولين عن جيرانهم أصحاب الثـقافات عزلة كاملة ))
(( وبصرف النظر عن أنهم أسسوا علوما من جديد ، أو أقاموا بعضها على أسس جديدة ، مثل النحو الإنشائي الذي أسموه علم المعاني ، والكيمياء والبصريات والمثلثات كعلم مستقل .وفلسفة التاريخ وعلم الاجتماع فقد حاولوا مرات عديدة من القرن الثاني حتى القرن التاسع للهجرة أن يعرفوا العلوم ويصنفوها وفق نظريات جديدة .
وإلى جانب هذا كله ينبغي أن يصرح بحقيقة أخرى ، وهي أن لهم مكانة كبيرة في تاريخ اصطلاحات الفلسفة والعلوم الطبيعية ، وانهم لم يكتفوا بصقل ما وصل إليهم عن الآخرين ، بل إنهم وضعوا قسماً كبيراً منها )) [3] .
 3 -العلوم ليست من صنع أمـة واحدة :
أصبح في حكم المؤكد بأن العلوم على اختلافها ليست من صنع أمة واحدة ولاشعب معين وكذلك ليست وليدة عصر واحد ، وإن الازدهار الذي نجده في مختلف الميادين إنما هو محصلة حضارات متعاقبة على مر العصور واعمال أمم تعاقبت في البحث عن حقائق الأمور ودراسة علومها جيلاً بعد جيل . وكل أمة تدعي أنها صاحبته وتجرد غيرها منه تكون قد جانبت الحقيقة والواقع .
" والحق أن شعوبا عدة في منطقة شرق البحر المتوسط كان لها اليد الطولى في إرساء حضارة الإنسان ، قد تناوبت العمل والابتكار على مسرح التاريخ . فعندما أصبحت الحضارتان البابلية والمصرية ، اللتان بدأتا الخطوات الأولى ، في حاجة إلى قوة إبتكارية جديدة وجدتاها في عبقرية اليونان . وعندما أنحدر اليونان وتخلفوا وكادت تطمس حضارتهم وتضيع ، وجدت الحضارة العربية تلك القوة الخلاقة الدافعة التي تناولت المشعل الذي كاد ينطفئ وتخبو ناره ، فأشعلوه من جديد وخطوا به نحو غايات جديدة وأسلموه بدورهم إلى أوربا وهو في أوج اشتعاله                        وفي قمة نوره " [4].
" أجل ليس من المعقول أن تبتدع الأمة جميع عناصر ثقافتها وكل مكونات حضارتها ، ولاتثريب عليها أبداً أنها تحج إلى المعرفة في جميع مظانها ، وإنما يعاب عليها أن تنطفئ شعلة الثقافة الإنسانية بين يديها ، وأن تنقطع عندها السلسلة التي اتصلت من مبدأ التاريخ إلى أن بلغتها .
إن الحضارة متعددة الأصول مختلفة المصادر وهي نتاج تعاوني لكثير من الشعوب والطبقات والأديان . وليس في وسع من يدرس تاريخها أن يتعصب لشعب أو عقيدة " [5].
4-  الحضارة الطبية ليست يونانية أو أوربية بحتة :
حاول ويحاول الكثيرون من كتاب الغرب أن يثبتوا أن الحضارة اليونانية ( والطب جزء من تلك الحضارة ) نبعت من المحيط اليوناني وإنها لم تأخذ من أحد ولم تتأثر بأية حضارة معاصرة أو سابقة لها . ثم يحاول هؤلاء ربط المرحلة الإغريقية بمرحلة العالم الغربي التي تبتدئ بظاهرة تسمى عصر النهضة متناسين حضارة الإسلام ، أو إن ذكروها فهي عندهم ليست أكثر من الوسيلة التي انتقلت بها حضارة اليونان إلى غرب أوربا . ولذلك يدّعون بأن أوربا لاتدين في حضارتها إلى حضارة أخرى وان عالم الحضارة الحديث نشأ فيها ومنها . والحق هو غير هذا وقد حاول بعض المنصفين في إثبات أنه لا توجد حضارة يونانية خالصة
يقول العالم الدانيماركي ( اوتو نيوكيباور  Otto  -Neogebaur ) " إن كل محاولة لربط إنجازات الإغريق بما قبلها من الأمم الأخرى تصطدم بمعارضة حادة ، وليس هناك من يرضى بتعديل صورة الإغريق التي اعتاد عليها ، رغم أن كل الدراسات أثبتت .. أن ألفين وخمسمائة من السنين سبقت عصر اليونان ، وفيها إنجازات شتى تضعهم في منتصف تاريخ العلوم وليس أوله " [6].
ويقول الأستاذ روبرتسون  J . M. Robertson :
" لم يبدأ تفوق المدنية اليونانية الاّ بعد اتصال اليونان الذين استوطنوا أيوليا وأيونيا بحضارة آسيا الصغرى التي كانت تفوق حضارتهم … حتى أن دين اليونان – الذي كان ذاتياً في مبدأ نشأته – قد تأثر سريعاً بأديان الشرق . كما أن الفلسفة والفن اليونانيين قد استمدا أولى موحياتهم من الشرق ( حضارات فينيقية وبابل وآشور ) . إننا مهما اعترضنا على المأثورات من الأصول                 الشرقية ، فانه من الواضح أن أرقى الحضارات القديمة ، بما في ذلك حضارة قدماء                المصريين ، إنما تمتد بأصولها إلى الشرق .
وإننا مهما قلبنا أوجه الرأي واستعمقنا في البحث ، لا نعثر على مدنية يونانية أصيل " [7] .
ويقول الأستاذ سنجر  Ch  .  Singer :
" لم يصلنا الاّ نادراً اسم مستكشف أو مخترع من علماء الحضارات القديمة ، فيما عدا الحضارة اليونانية فقط . فقد كان طابع الإنتاج الثقافي للعصر السابق جماعيا لا فرديا . وعلى هذا كان الحظ حليف فلآسفة المدن اليونانية عندما وضعوا أيديهم على هذا الإرث الشرقي الذي لاصاحب                 له ، وإنهم كثيرا ما يثيرون شكاً مريباً حول إخفاء الدين الذي في عنقهم للحضارات القديمة .ومن سوء الحظ أن ضاعت الأخبار والمؤلفات التي يمكن الاعتماد عليها في تحديد أصول العلم               اليوناني ، مثل تاريخ الرياضيات ليوديموس تلميذ ارسطو . على أن اليونان عندما ورثوا هذه المادة العلمية طبعوها بطابعهم الفردي وبطريقتهم الشخصية . لقد أشار البعض منهم إلى خلقهم المركز في ذواتهم وهذا أمر لاحظه اليونان أنفسهم . لقد كانوا يفكرون باعتبارهم أفراد لاجماعة . ولذلك فان العلوم التي ورثوها من الحضارات القديمة انقلبت في أيديهم من علوم لاصاحب                      لها ، إلى علوم أصبحت تعرف بأسمائهم ، وهذا طابع احتفظت به حضارتهم منذ ذلك الحين " [8].
ويضيف روم لاندو في كتاب ( الإسلام والعرب ) :
" لذلك فإذا حذفنا العرب من التاريخ بقيت هناك فجوة هائلة في سلسلة الحضارة الإنسانية . ومن المسلم به اليوم أنه لولا إنقاذ العرب لتراث الفكر الإغريقي وتطوير هذا التراث وتخليصه من الشوائب ، ولولا تسامحهم المنقطع النظير في تلك العصور المتعصبة ، ولولا تمجيدهم للعقل ومناداتهم بحرية الفكر والعقيدة لتأخرت النهضة في أوربا أجيالا . فالعرب هم أساتذة في جميع فروع المعرفة " [9] إن ما ينطبق من قول على الحضارة ككل ينطبق على الطب حيث سار على نفس الطريق ومر بنفس الأدوار " فالعرب أخذوا علم الطب عن اليونان والهند وخاصة جالينوس وابقراط أكبر طبيبين عرفتهما العصور القديمة . وجمعوا بين المذهب اليوناني المزاجي والمذهب الهندي النفساني الروحاني إضافة إلى المذهب التجريبي الشخصي . وذهب بعض مؤرخي العلم أن معرفة العرب بالطب اقتصرت على ما أخذوه من اليونان ، غير أن هذا الحكم يتسم بالإجحاف والاستخفاف بالحقيقة ، فشأن العرب في الطب شأنهم في سائر العلوم ، أخـذ ، فتنقيح  فإضافة وإبداع " [10] .
5-  رقي الطب وأصالته لا يقاسان بعدد الأعمال والحقائق المستنبطة :
لا يمكن لأي ناقد ومحلل لمراحل تطور الحضارة الاّ أن يقر بأن قيمة الشعوب لا تقاس بعدد الحقائق التي استنبطوها ، بل تقاس بموقفهم إزاء الحقيقة.يقول الدكتور جميل صليبا :
" إن قيمة العلماء السابقين لا تقاس بما بقي من نظرياتهم في العلم الحديث ، بل تقاس بنسبتهم إلى زمانهم لمعرفة الدور الذي لعبوه في تاريخ الفكر البشري ….فالموازنة الصحيحة بين العلماء تحتاج إذن إلى أن ينسب كل منهم إلى زمانه ، ومتى أدخلت عامل الزمان في الموازنة أدركت أن لكل كشف علمي شروطا متفقة مع درجة تقدم العلم في زمان ذلك الكشف " [11].
" وهناك ملاحظة أخرى تخص الأصالة في أعمال الأطباء عامة ، كثيراً ما يغفل الكُتاب تطبيقها في التأليف ، وهي أن المبتكرات لاتُحدد باكتشاف أوليات الحقائق فقط ، بل تشمل أيضا تفاصيل تلك الحقائق وأطرافها القريبة والبعيدة ، وما يتعلق بها من التوابع " [12].
 لذلك " فالأطباء لا يقيسون رقي الطب بما يكون فيه من إضافات جديدة وابتكار . وإن كان ذلك يدخل في حساب التقدم الطبي . إنما نقيس الرقي الطبي بحسن تفهم طبيعة الأمراض وإدراك طبيعة الحالات التي تعرض لنا . وحسن التقدير والتدبير . ومقياس هذا الرقي هو النجاح في العلاج . وهو في آخر الأمر الغرض الأسمى للعلوم الطبية كلها "[13].
هذه النظرة العامة دفعت أغلب مؤرخي الطب المنصفين منهم خاصة – إلى الاعتراف بأن للطب العربي الإسلامي في سير الحضارة الطبية العالمية إشعاع وتألق وأصالة وشموخ تضع أصحابه في أعلى مراتب الفخر والاعتزاز  .

 

 

 

 





[1] - مرحبا ، د. محمد عبد الرحمن – الموجز في تاريخ العلوم عند العرب – ص 10 .
[2] - السامرائي ، د. كمال – مختصر في تاريخ العلوم ص 13 – 20 .
[3] - سيزكين ، د.  فؤاد – محاضرات في تاريخ العلوم  ص 13- 20 .
[4] - مظهر ، جلال – حضارة الإسلام وأثرها في الترقي في العالم ص 486 .
[5] - مرحبا ، الموجز في تاريخ العلوم عند العرب – مصدر سابق ص 14 .
[6] - سيزكين ، محاضرات في تاريخ العلوم – مصدر سابق ص 11 .
[7] - مظهر ، جلال – حضارة الإسلام – مصدر سابق ص 505 – 506 بالأصل نقلا عن :
J.M.Robertson:  A Short History of Free – thought Vol . I .P . 120 – 6

[8] -  مظهر ، جلال – حضارة الإسلام مصدر سابق ص 510 بالأصل نقلا عن :
Ch. Singer: Greek Science and Modern Science P.  9                                                                                        
[9] - لاندو ، روم – الإسلام والعرب – ترجمة منير بعلبكي ص 246 .
[10] - حمادة ، حسين – تاريخ العلوم عند العرب  ص 64 .
[11] - مقدمة كتاب الموجز في تاريخ العلوم عند العرب – د. محمد عبد الرحمن مرحبا – المصدر السابق –                       ص5-6
[12] - السامرائي – د. كمال – مختصر تاريخ الطب – مصدر سابق ج1 ص 18 .
[13] - حسين ، د. محمد كامل – في الطب والأقرباذين – فصل في كتاب اثر الإسلام والعرب في النهضة                   الأوربية ص 303 .