حكم الخلع

حـكـــــم الـخــلـــــع

المبحث الأول: بيان أن الخلع محظور إلا لحاجة.
المبحث الثاني: حكم طلب الخلع من قِبل الزوجة.
المبحث الثالث: حكم طلب الخلع من قِبل الزوج.
المبحث الرابع: حكم إجابة الزوج طلب زوجته بالخلع.
المبحث الخامس: حكم الوكالة في الخلع.
المبحث السادس: حكم مخالعة الأجنبي عن الزوجة.
بيان أن الخلع محظور إلا لحاجة
الخلع جائز للحاجة إذا توافرت فيه شروطه، والأصل فيه الحظر، فلا يجوز إلا للحاجة، فإذا طلبته المرأة من غير مسوغ شرعي فهي آثمة، والوصف الشرعي للخلع هو الوصف الشرعي للطلاق، فالأصل فيه أنه مكروه لما فيه من قطع النكاح الذي هو مطلوب الشرع( ).
عن ثوبان ا أن النبي ^ قال: (أيما امرأة سألت زوجها طلاقاً في غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة)( ).
وعن أبي هريرة وثوبان وعقبة بن عامر ي مرفوعاً: (المختلعات هن المنافقات)( ).
قال سيد سابق: والخلع إنما يجوز إذا كان هناك سبب يقتضيه، فإن لم يكن ثمة سبب يقتضيه فهو محظور( ).
قال الحافظ في الفتح: وهو مكروه إلا في حال مخافة أن لا يقيما أو واحد منهما ما أُمر به، وقد ينشأ ذلك عن كراهة العشرة إما لسوء خُلُق أو خَلْق، وكذا تُرفع الكراهة إذا احتاجا إليه خشية حنث يئول إلى البينونة الكبرى( ).
المبحث الثاني
حكم طلب الخلع من قِبَل الزوجة
طلب المرأة الخلع قد يكون محرماً أو مكروهاً أو جائزاً أو مستحباً أو واجباً بحسب اختلاف الأحوال، وتفصيل ذلك فيما يأتي:
1.           تحريم طلب الخلع:
وذلك في حال الوفاق بين الزوجين، وهذا قول ابن المنذر وداود الظاهري، قال ابن المنذر: وروي معنى ذلك عن ابن عباس وكثير من أهل العلموعن ثوبان ا عن النبي ^ قال: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة)( ).
وهذا يدل على تحريم المخالعة لغير حاجة، ولأنه إضرار بها وبزوجها، وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة فحرم لقوله ^: (لا ضرر ولا ضرار)( )( ).
2.           كراهة طلب الخلع:
ذكر بعض الفقهاء أن الخلع لغير حاجة مكروه وجوزه الشافعية بلا كراهة، والراجح - والله أعلم - أنه يحرم بلا حاجة وهو قول داود وابن المنذر كما تقدم قريباً.( )
لكن إن كانت المرأة كارهة لزوجها ومبغضة لخَلقه أو خُلُقه أو لغير ذلك من صفاته، وكان للرجل ميل إليها ومحبة فينبغي لها أن لا تختلع منه وأن تصبر كما قال أحمد، وقال ابن تيمية بكراهة الخلع في حقها، وكذلك يكره الخلع إذا تنافرا أدنى منافرة أو كان يمنعها كمال الاستمتاع لتختلع( ).
3.           إباحة طلب الخلع:
يباح للزوجة أن تطلب الخلع إذا كرهت زوجها بسبب طبيعي كدمامته أو لسبب شرعي كنقص في ديانته أو لكبر سنه وعجزه عن أداء حقوقها وخشيت أن يؤدي بها ذلك إلى تفريطها بحقه وما يترتب على هذا التفريط من لحوق الإثم بها( ).
4.           استحباب طلب الخلع:
يسن أن تختلع الزوجة إن كان زوجها مفرطاً في حقوق الله غير الصلاة، أما إن كان متعمداً ترك الصلاة فيجب على الزوجة طلب الخلع( ).
5.           وجوب طلب الخلع:
يجب على الزوجة أن تطلب الخلع إذا كان الزوج مصراً على ترك الصلاة ولم يقبل النصيحة والتذكير، وكذا إذا كان متلبساً باعتقاد أو فعل يخرجه من الإسلام ويجعله مرتداً، ولا تستطيع المرأة إثبات ذلك أمام القاضي ليحكم بالتفريق بينهما، أو تستطيع ذلك ولكن القاضي لا يحكم بردته ولا يحكم بوجوب التفريق( ).
 وكذا إن كان يُكرهها على فعل بعض المحرمات أو يجامعها في الحيض أو في الدبر أو طلقها ثلاثاً وأنكر ذلك وهي تعلم أن قد طلقها ثلاثاً فيحرم عليها أن تمكنه من نفسها، ويجب عليها أن تفتدي منه وتطلب الخلع وتؤجرعلى ما تبذله من مال، فإنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وطلبها للخلع في هذه الحال من تقوى الله، * ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ & [الطلاق:3].

 حكم طلب الخلع من قِبَل الزوج
طلب الزوج المخالعة من زوجته قد يكون مباحاً وقد يكون حراماً كما يلي:
1.           إباحة طلب الخلع:
يباح للزوج أن يطلب من زوجته المخالعة معه على عوض تدفعه له إذا رأى منها نشوزاً ونحوه، ولم ينفع معها الوعظ والهجر والضرب.
وله أن يضيق عليها في هذه الحالة لتطلب الخلع منه فجوازه بدون تضييق عليها أولى( ).
 وإن ضارها الزوج بالضرب والتضييق والمنع من الحقوق لزناها أو لنشوزها أو تركها فرضاً كصلاة وصوم فالخلع صحيح والمال الذي يأخذه الزوج مباح
وقال في أحكام الخلع: وقد يكون مندوباً عند الحاجة إليه كأن يحلف بالطلاق الثلاث على عدم فعل ما لا بد له من فعله كالأكل مثلاً فيخالع ثم يفعل المحلوف عليه فيكون وسيلة للتخلص من وقوع الثلاث، وقد ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين أن هذا من الحيل الباطلة ثم أجاز هذه الحيلة في موضع آخر من كتابه( ).
2.           تحريم طلب الخلع:
يحرم على الزوج التضييق على زوجته لحملها على طلب الخلع بغير وجه حق.
 قال ابن قدامة: فأما إن عضل زوجته وضارها بالضرب والتضييق عليها أو منعها حقوقها من النفقة والقسم ونحو ذلك ظلماً لتفتدي نفسها منه ففعلت؛ فالخلع باطل والعوض مردود( ).

حكم إجابة الزوج طلب زوجته بالخلع
إذا طلبت الزوجة المخالعة فيشرع للزوج إجابة طلبها إذا رأى منها صدق الطلب وعزمها عليه كما في حديث ابن عباس في قصة امرأة ثابت بن قيس ي حيث أمره النبي ^ أن يخالعها.
قال الحافظ في الفتح: وأمره هذا أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب( ).
 وتعقبه الشوكاني بقوله: لم يذكر ما يدل على صرف الأمر عن حقيقته( ).
وقال ابن عثيمين: قول الجمهور: إن هذا للإرشاد فيه نظر، والقول بالوجوب هو الراجح، قال في الفروع: إنه ألزم به بعض القضاة في عصره( ).
والراجح - والله أعلم - أن إجابة الزوج طلب زوجته يختلف باختلاف حكم طلب الخلع من قبل الزوجة؛ فإن كان طلبها محرماً فلا يجب على الزوج إجابتها، وإن كان طلبها مكروهاً فكذلك لا يجب عليه إجابتها، وأما إن كان طلبها مباحاً فالظاهر أنه يجب عليه أن يجيبها إن أصرت عليه،وكذا إن كان طلبها مستحباً يجب عليه أن يجيبها، وأما إن كان طلبها واجباً فلا إشكال أنه يجب عليه أن يجيبها والله أعلم.
حكم الوكالة في الخلع
يصح لكل من الزوجين أو من أحدهما التوكيل في الخلع، فكل من صح أن يتصرف بالخلع لنفسه جاز توكيله ووكالته ذكراً أو أنثى مسلماً أو كافراً( ).
ويكون توكيل المرأة في ثلاثة أشياء:
 استدعاء الخلع أو الطلاق، وتقدير العوض، وتسليمه.
 وتوكيل الرجل في ثلاثة أشياء:
 شرط العوض، وقبضه، وإيقاع الطلاق أو الخلع( ).
وإذا وكل الزوج في خلع امرأته شخصاً وكالة مطلقة ولم يحدد العوض صح التوكيل، والأولى تقدير العوض للوكيل؛ لأنه أسلم من الغرر وأسهل على الوكيل( ).
واتفق الفقهاء على أن وكيل الزوج في الخلع إذا التزم بما أوصى موكله أو خالفه إلى ما هو أحسن في عوض الخلع، فإنه ينفذ ويلزم المبلغ المعين.
واختلفوا إذا خالف الوكيل أمر موكله إلى ما فيه ضرر كأن ينقص الوكيل عما سماه له الموكل؛ فقيل: لا يلزم الخلع إلا إذا أكمل الوكيل أو الزوجة ما سماه له موكله. وهو مذهب المالكية.
وقيل: لا يقع الخلع. وهو مذهب الأحناف والشافعية إلا أن الشافعية قالوا: إذا أطلق الوكالة ولم يحدد مبلغا معينا فيقع الطلاق ويلزمها مهر المثل.
وقيل: يصح الخلع ويضمن الوكيل النقص من مهرها إذا وكل في الخلع مطلقاً، أما إن حدد للوكيل مبلغاً محدداً فنقص منه لم يصح الخلع( ).
واتفق الفقهاء على أن الزوجة لو حددت العوض للوكيل فخالعها به أو بأقل منه صح الخلع ونفذ ولزمها المال؛ لأنه زادها خيراً.
وأما إذا خالعها بأكثر مما حددت له صح الخلع ولم تلتزم بالزيادة، ولكن الوكيل هو الذي يضمنها فكأنها من الوكيل للزوج، وهذا مذهب المالكية والحنابلة, وقال الشافعية: لا يلزمها إلا مهر المثل.
وأما إذا أطلقت الوكالة ولم تحدد الزوجة للوكيل مبلغاً معيناً فإن خالعها بمهر المثل أو بأقل من مهر المثل صح الخلع، وأما إن خالعها على أكثر من مهر المثل فلا تلزمها الزيادة ويضمنها الوكيل، وهذا مذهب المالكية والحنابلة، وقال الشافعية: لا يلزمها إلا مهر المثل فقط( ).
حكم مخالعة الأجنبي عن الزوجة
المراد بالأجنبي الذي يخالع عن الزوجة الفضولي الذي ليست له صفة تخوله إجراء المخالعة عنها، إذ ليس بولي لها ولا بوكيل عنها.
وقد اختلف الفقهاء في صحة خلع الفضولي عن الزوجة، فأجازه أكثر الفقهاء وقالوا بصحته، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
قال ابن قدامة: ويصح الخلع مع الأجنبي بغير إذن المرأة مثل أن يقول الأجنبي للزوج: طلق امرأتك بألف علي، وهذا قول أكثر أهل العلم( ).
وقال الظاهرية وأبو ثور: لا يصح الخلع مع الأجنبي( ).
ودليل عامة أهل العلم أن الزوج له حق على المرأة يجوز أن تسقطه عن نفسها بعوض، فجاز ذلك لغيرها كما لو كان عليها دين( ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وفي مذهب الشافعي وأحمد وجه أنه إذا قيل: إنه فسخ، لم يصح من الأجنبي؛ لأنه حينئذ يكون إقالة، والإقالة لا تصح مع الأجنبي، والصحيح في المذهبين أنه على القول بأنه فسخ هو فسخ وإن كان من الأجنبي، ذكره أبو إسحاق الشيرازي وغيره؛ لأنهم جعلوه كافتداء الأسير لا كالإقالة، فإن المقصود به رفع ملك الزوج عن رق المرأة لتعود خالصة من رقة، ليس المقصود منه نقل ملك إليها، فهو شبيه بإعتاق العبد وفك الأسير، لا بالإقالة في البيع؛ فلهذا يجوز باتفاق الأئمة بدون الصداق المسمى، وجوّزه الأكثرون بأكثر من الصدقات، ويجوز أيضاً بغير جنس الصداق، وليست الإقالة كذلك، بل الإقالة المقصود بها تراد العوض( ).
والراجح صحة خلع الأجنبي بشرط أن يكون هناك حاجة ومصلحة لذلك، مثل أن تكره زوجها وتخاف أن توفيه حقه أو كان الزوج يضارها وهي ترغب في مخالعته ولكن ليس عندها من المال ما يغريه على مخالعتها أو يعلم الأجنبي أن الزوج مع زوجته على حال لا يقرها الشرع فيجوز حينئذ للأجنبي أن يخالع عنها، والأفضل أن يكون بإذنها صراحة أو دلالة.
أما أن يخالعها الأجنبي بدون حاجة ومصلحة للزوجة أو للزوج أو لهما فلا يجوز، كما لو خالع عنها ليغري زوجها على تطليقها إضراراً بها أو يخالع عنها لمصلحة نفسه أو لمصلحة غيرهما كما لو أراد أن يفرق بينهما ليتزوجها أو يزوجها قريباً منه أو يزوج زوجها قريبة له، فهذا كله لا يجوز لمناقضته مقاصد الشريعة في النكاح وهي إبقاء النكاح وإصلاح ذات البين بين الزوجين( ).
قال شيخ الإسلام: يجوز للأجنبي أن يختلعها كما يجوز أن يفتدي الأسيرة، ولهذا ينبغي أن يكون ذلك مشروطاً بما إذا كان قصده تخليصها من رق الزوج لمصلحتها في ذلك كما يفتدي الأسير( ).
أحــكــــام الـخـلـــــع

المبحث الأول: هل الخلع فسخ أو طلاق؟
المبحث الثاني: عدة المختلعة.
المبحث الثالث: جواز الخلع في الطهر والحيض.
المبحث الرابع: حكم لحوق المختلعة الطلاق.
المبحث الخامس: أثر الخلع في إسقاط الحقوق الزوجية.
المبحث السادس: الاختلاف في الخلع.
هــل الخـلــع فـســخ أو طـــلاق؟
المطلب الأول: خلاف الفقهاء في كون الخلع فسخاً أو طلاقاً:
اختلف الفقهاء – رحمهم الله – في الخلع هل هو طلاق ينقص عدد الطلاق أو هو فسخ لا ينقص به عدد الطلاق؟ على قولين:
القول الأول: إن الخلع طلاق، وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن أحمد ورجحه ابن حزم( ).
القول الثاني: إن الخلع فسخ، وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المنذر وداود الظاهري وأصحابه غير ابن حزم ورواية عن أحمد ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وعبد الكريم زيدان( ).
قال في بداية المجتهد: سبب الخلاف هل اقتران العوض بهذه الفرقة يخرجها من نوع فرقة الطلاق إلى نوع فرقة الفسخ أم ليس يخرجها؟( ).
وقد ادُعي إجماع العلماء على أنه إذا صرح الزوج بلفظ الطلاق في الخلع أو نوى به الطلاق فإنه يكون طلاقاً.
قال ابن قدامة: هذا الخلاف فيما إذا خالعها بغير لفظ الطلاق ولم ينوه، فأما إن بذلت له العوض على فراقها فهو طلاق لا اختلاف فيه، وإن وقع بغير لفظ الطلاق ونوى به الطلاق، فهو طلاق أيضاً؛ لأنه كناية نوى الطلاق فكانت طلاقاً كما لو كان بغير عوض، فإن لم ينو به الطلاق فهو الذي فيه الروايتان. والله أعلم( ).
وقال الحافظ ابن حجر: الطحاوي نقل الإجماع على أنه إذا نوى بالخلع الطلاق وقع الطلاق، ومحل الخلاف فيما إذا لم يصرح بالطلاق ولم ينوه( ).
وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية دعوى الإجماع هذه فقال: ذهب ابن عباس وأصحابه إلى أن الخلع فسخ بأي لفظ وقع، ولم يشترطوا لفظاً معيناً، ولا عدم نية الطلاق، وهو المنقول عن أحمد وقدماء أصحابه، وألفاظهم صريحة أنه فسخ بأي لفظ كان، والشافعي لم يقل( ) عن أحد من السلف أنه فرق بين لفظ الطلاق وغيره، بل لما ذكر قول ابن عباس وأصحابه ذكر عن عكرمة أنه قال: كل ما أجازه المال فليس بطلاق، وقال: وأحسب من لم يجعله طلاقا إنما يقول ذلك إذا لم يكن بلفظ الطلاق. ومن هنا ذكر محمد بن نصر والطحاوي ونحوهما أنهم لا يعلمون نزاعاً في الخلع بلفظ الطلاق، ومعلوم أن مثل هذا الظن لا يُنقل به مذاهب السلف ويعدل به عن ألفاظهم وعلمهم وأدلتهم البينة في التسوية بين جميع الألفاظ( ).
المطلب الثاني: أدلة القائلين بأن الخلع طلاق:
استدل الجمهور بما ورد في بعض طرق حديث ابن عباس في قصة فاطمة بنت قيس وفيه: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة).
أخرجه البخاري( ) بهذا اللفظ من طريق أزهر بن جميل وقال في آخره: لا يتابع فيه عن ابن عباس.
قال الألباني: قد أثبت الشوكاني في النيل أن هذه اللفظة شاذة والصواب: (وخل سبيلها) كما روته صاحبة القصة نفسها وغيرها( ).
وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية أن المراد بالطلقة هنا الفسخ( ) واستدل بحديث فيروز الديلمي عندما أسلم وتحته أختان فقال له النبي ^: طلق أيتهما شئت قال: فعمدت إلى أسبقهما صحبة ففارقتها، قال ابن تيمية: وهو حديث حسن، فقد أمره النبي ^ أن يطلق إحداهما وهذه الفرقة عند الشافعي وأحمد فرقة بائنة، وليست من الطلاق الثلاث، فدل على أن لفظ الطلاق قد تناول ما هو فسخ ليس من الثلاث( ).
وذكر شيخ الإسلام توجيهاً آخر للحديث وهو أنه إذن له في الطلقة الواحدة بعوض ونهي له عن الزيادة( ).
واستدلوا بكونه قول جماعة من الصحابة خلافاً لابن عباس، قال ابن عبد البر: خالفه عثمان وجماعة الصحابة فقالوا: الخلع تطليقة واحدة إلا أن يريد بها أكثر فيكون ما أراد وسمى( ).
وروى مالك بسنده عن عثمان قال: هي تطليقة إلا أن تكون سميت شيئاً فهو ما سميت.
 قال محمد بن الحسن: وبهذا نأخذ، الخلع تطليقة بائنة إلا أن يكون سمى ثلاثاً أو نواها فتكون ثلاثاً( ).
وقال ابن عبد البر: واختُلف فيه عن عثمان، والأصح عنه أن الخلع طلاق( ).
واستدلوا بما روي عن سعيد بن المسيب أن النبي ^ جعل الخلع تطليقة، وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود( ).
وأجاب ابن تيمية بأن المشهور عن عثمان أنها تعتد بحيضة، وهو قول ابن عباس وآخر القولين عن ابن عمر، ولم يثبت عن صحابي خلافه، فإنه روي خلافه عن عمر وعلي بإسناد ضعيف( ).
واستدلوا بقولهم: هو طلاق لأنها بذلت العوض للفرقة، والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ فوجب أن يكون طلاقاً، ولأنه أتى بكناية الطلاق قاصداً فراقها فكان طلاقاً كغير الخلع، ولأنه فرقة لا تفتقر إلى تكرار اللفظ، ولا تنفرد به المرأة فكان طلاقاً كصريح الطلاق( ).
وقالوا: الفسوخ إنما هي التي تقتضي الفرقة الغالبة للزوج في الفراق مما ليس يرجع إلى اختياره، وهذا راجع إلى الاختيار فليس بفسخ( ).
وقال الشيرازي: الفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ، فوجب أن يكون الخلع طلاقاً( ).
وقال القرطبي في تفسيره: قال القاضي إسماعيل بن إسحاق: كيف يجوز القول في رجل قالت له امرأته: طلقني على مال، فطلقها أنه لا يكون طلاقاً، وهو لو جعل أمرها بيدها من غير شيءٍ فطلقت نفسها كان طلاقاً؟!( ).
وتُعُقب كلامه بما ذكره الحافظ بقوله: وتُعُقب بأن محل الخلاف ما إذا لم يقع لفظ طلاق ولا نية وإنما وقع لفظ الخلع صريحاً أو ما قام مقامه من الألفاظ مع النية فإنه لا يكون فسخاً تقع به الفرقة ولا يقع به طلاق( ).
قلت: ويجاب عن كلام القاضي إسماعيل / بأن الشريعة فرقت بين الخلع والطلاق، فالخلع لا تصح فيه الرجعة إلا بعقد جديد ومهر جديد وبإذن المرأة، والطلاق تصح فيه الرجعة ولولم تأذن المرأة, فكيف يجمع بين المختلفين؟!
وقد ذكر شيخ الإسلام الفرق بين الخلع والطلاق وسيأتي كلامه في أدلة القائلين بأن الخلع فسخ( ).
وقال ابن حجر: لو كان فسخاً لما جاز على غير الصداق كالإقالة لكن الجمهور على جوازه بما قل وكثر فدل على أنه طلاق( ).
واحتج الكاساني على أن الخلع طلاقاً بأن هذه فرقة بعوض حصلت من جهة الزوج فتكون طلاقاً، ولأن لفظ الخلع يدل على الطلاق لا على الفسخ؛ لأنه مأخوذ من الخلع وهو النزع، والنزع إخراج الشيء من الشيء في اللغة، فمعنى خلعها أي أخرجها عن ملك النكاح وهذا معنى الطلاق البائن، وفسخ النكاح رفعه من الأصل وجعله كأن لم يكن رأساً، فلا يتحقق فيه معنى الإخراج؛ ولأن فسخ العقد لا يكون إلا بالعوض الذي وقع عليه العقد كالإقالة في باب البيع، والخلع على ما وقع عليه النكاح وعلى غيره جائز، فلم يكن فسخاً( ).
وقال السرخسي: المعنى فيه أن النكاح لا يحتمل الفسخ بعد تمامه، ألا ترى أنه لا يفسخ بالهلاك قبل التسليم، والفسخ بسبب عدم الكفاءة فسخ قبل التمام فكان في معنى الامتناع من الإتمام، فأما الخلع يكون بعد تمام العقد، والنكاح لا يحتمل الفسخ بعد تمامه، ولكن يحتمل القطع في الحال( ).
قال في فتح الباري: أخرج إسماعيل القاضي بسند صحيح عن ابن أبي نجيح أن طاووساً لما قال: إن الخلع ليس بطلاق. أنكره عليه أهل مكة فاعتذر وقال: إنما قاله ابن عباس. قال إسماعيل: لا نعلم أحداً قاله غيره( ).
وقد نوقش الاستدلال بهذه الآية بمناقشات كثيرة، منها:
قال الكاساني: لا حجة في الآية لأن ذكر الخلع يرجع إلى الطلاقين المذكورين إلا أنه ذكرهما بغير عوض ثم ذكر بعوض ثم ذكر سبحانه الثالثة بقوله: * ﯼ & [البقرة:230]، فلم تلزم الزيادة على الثلاث( ).
 وقال السرخسي: فأما الآية فقد ذكر الله تعالى التطليقة الثالثة بعوض وبغير عوض وبهذا لا يصير الطلاق أربعاً( ).
وقال في بداية المجتهد: وعند المخالف أن الآية إنما تضمنت حكم الافتداء على أنه شيء يلحق جميع أنوع الطلاق لا أنه شيء غير الطلاق( ).
وقال ابن حزم: أما احتجاج من احتج بأن الله ذكر الطلاق ثم الخلع ثم الطلاق، فنعم هو في القرآن كذلك، إلا أنه ليس في القرآن أنه ليس طلاقاً ولا أنه طلاق، فوجب الرجوع إلى بيان رسول الله ^، فنظرنا في ذلك فوجدنا حديث محمد بن عبد الرحمن أن ربيع بنت معوذ بن عفراء أخبرته عن اختلاع امرأة ثابت منه وأن رسول الله ^ أرسل إلى ثابت بن قيس بن شماس فقال له: خذ الذي لها وخل سبيلها، قال: نعم. فأمرها رسول الله صلى الله وسلم أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها.
قال ابن حزم: وقد احتج بهذا من قال: إن الخلع فسخ. وهو حجة قاطعة لو لم يأت غيره لكن في البخاري عن ابن عباس في قصة امرأة ثابت أن النبي ^ قال لها: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال رسول الله ^: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة، فهذا الخبر فيه زيادة لا يجوز تركها( ).
وقد سبق عن ابن تيمية بيان أن المراد بالطلاق هنا الفسخ وذكرنا ما استدل به على ذلك والله أعلم.
وفي فتح القدير لابن الهمام: ليس في الآية حجة على أن الخلع فسخ فإن الله تعالى بعد ما أفاد شرعية الثلاث وبين ذلك نص على حكم آخر هو جواز دفعها البدل تخلصاً من قيد النكاح وأخذه منها من غير تعرض لكونه غير طلاق أو طلاقا هو الثالثة أو لا، بل نص على شرعية الثلاث وبين حكماً آخر هو جواز الافتداء عن ملك النكاح.
وأما ما ذكروه عن عثمان فبتقدير ثبوته ليس فيه سوى أنه قال: لا عدة عليها ولا تُنكح حتى تحيض حيضة، فقوله: لا عدة عليها يعني العدة المعهودة للمطلقات، وللشارع ولاية الإيجاد والإعدام، ولا تلازم بين عدم العدة وكونه فسخاً، وقد روى مالك عن نافع أن ربيع بنت معوذ جاءت هي وعمها إلى عبد الله بن عمر فأخبرته أنها اختلعت من زوجها في زمان عثمان فبلغ عثمان فلم ينكره، فقال ابن عمر: عدتها أوعدتك عدة المطلقة، وقال: بلغنا عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وابن شهاب أنهم كانوا يقولون: عدة المختلعة ثلاثة قروء( ).
واستدلوا بأدلة أخرى غير الآية المذكورة، من ذلك ما في رواية النسائي أن النبي ^ قال لثابت: خذ الذي لك عليها وخل سبيلها، قال: نعم. فأمرها النبي ^ أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها( ).
وقال أبوبكر بن أبي عاصم: مما دل على أن الخلع فسخ لا طلاق حديث حبيبة بنت سهل زوجة ثابت بن قيس عندما خالعته فقال له رسول الله صلى الله وسلم: خذ منها. فأخذ منها وجلست في بيتها. قال ابن أبي عاصم: ولم يذكر طلاقاً، وفي حيضة واحدة دليل على أنها ليست بمطلقة، وكذلك في عدتها في بيتها( ).
قال الألباني: أمْر المختلعة أن تعتد بحيضة أخرجه الترمذي والبيهقي وإسناده صحيح على شرط مسلم، وضعفه البيهقي بدون حجة، وله طريق أخرى عند النسائي صحيحة ايضاً( ).
وقد نوقش هذا بأن اعتداد المختلعة بحيضة واحدة لا يمنع أن يكون الخلع طلاقاً وعدته حيضة لا ثلاث حيض، وقد رُوي عن أحمد( ).
لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن قيل: إن عثمان جعلها مطلقة تستبرئ بحيضة فهذا لم يقل به أحد من العلماء( ).
قلت: ظاهر ما نقل عن عثمان أنه يقول بذلك، فقد رجح ابن عبد البر أن عثمان يرى الخلع طلاقاً( )، وثبت أنه أمر المختلعة أن تعتد بحيضة( )، لكن المنقول عن عثمان في سنده ضعف، فقد ضعفه أحمد وابن المنذر( ) والله أعلم.
وقالوا: لو كان طلاقاً لاقتضى فيه شرائط الطلاق من وقوعه في طهر لم تُمس فيه المطلقة، ومن كونه صادراً من قبل الزوج وحده من غير مرضاة المرأة( ).
 قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لو كان الخلع طلاقاً لما جاز في الحيض، فإن الله حرم طلاق الحائض( ).
ومن أدلة من قال: الخلع فسخ لا طلاق أنه لا يصح جعل الخلع طلاقاً بائناً ولا رجعياً، أما الأول فلأنه خلاف الظاهر لأنها تطليقة واحدة، وأما الثاني فلأنه إهدار لمال المرأة الذي دفعته لحصول الفرقة( ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الطلاق المطلق في كتاب الله له ثلاثة أحكام: جعله الله رجعياً، وجعل فيه تربص ثلاثة قروء، وجعله ثلاثاً، والخلع ليس برجعي بدلالة النص والإجماع، ولا تتربص فيه المرأة ثلاثة قروء بالسُنة، فلذلك يجب أن لا يُجعل من الثلاث؛ وذلك لأن هذا لا يدخل في مسمى الطلاق عند الإطلاق، وإنما يعبر عنه بلفظ الطلاق مع قيد كما يُسمى الحلف بالنذر نذر اللجاج والغضب، فيسمى نذراً مقيداً لأن لفظه لفظ النذر، وهو في الحقيقة من الأيمان لا من النذور، وكذلك لفظ الماء عند الإطلاق لا يتناول المني، وإن كان يسمى ماء مع التقييد
وقال أيضاً: الله جعل الرجعة من لوازم الطلاق في القرآن، فلم يذكر الله تعالى طلاق المدخول بها إلا وأثبت فيه الرجعة، فلو كان الافتداء طلاقاً لثبت فيه الرجعة، وهذا يزيل معنى الافتداء إذ هو خلاف الإجماع، لكن قال طائفة: هو غير لازم فإن شاء رد العوض وراجعها( ).
وقال أيضاً: الطلاق الذي جعله الله ثلاثاً هو الطلاق الرجعي، وكل طلاق في القرآن في المدخول بها هو الطلاق الرجعي غير الطلقة الثالثة، فمن قسم الطلاق المحسوب من الثلاث إلى رجعي وبائن فقد خالف الكتاب والسنة بل كل ما فيه بينونة فليس من الطلاق الثلاث، فإذا سمي طلاقاً بائناً ولم يجعل من الثلاث فهذا معنى صحيح لا تنازع فيه( ).
وقال /: في السنن أن فيروز الديلمي أسلم وتحته أختان، فقال له النبي ^: طلق أيتهما شئت، قال: فعمدت إلى أسبقهما صحبة ففارقتها، وهو حديث حسن، فقد أمره النبي ^ أن يطلق إحداهما، وهذه الفرقة عند الشافعي وأحمد فرقة بائنة، وليست من الطلاق الثلاث، فدل على أن لفظ الطلاق قد تناول ما هو فسخ ليس من الثلاث( ).
وقال أيضاً: الطلاق المطلق في كتاب الله يتناول الطلاق الذي يوقعه الزوج بغير عوض فتثبت له فيه الرجعة، وما كان بعوض فلا رجعة له فيه، وليس من الطلاق المطلق، وإنما هو فداء تفتدي به المرأة نفسها من زوجها كما تفتدي الأسيرة نفسها من أسرها، وهذا الفداء ليس من الطلاق الثلاث، سواء وقع بلفظ الخلع، أو الفسخ، أو الفداء، أو السراح، أو الفراق، أو الطلاق، أو الإبانة أو غير ذلك من الألفاظ، ولهذا جاز عند الأئمة الأربعة والجمهور من الأجنبي، فيجوز للأجنبي أن يختلعها كما يجوز أن يفتدي الأسيرة( ).
وقال أيضاً: الفرق بين لفظ ولفظ في الخلع قول محدث لم يعرف عن أحد من السلف، والمنقول عن السلف قاطبة إما جعل الخلع فرقة بائنة وليس بطلاق، وإما جعله طلاقا، وما رأيت في كلام أحد منهم أنه فرق بين لفظ ولفظ ولا اعتبر فيه عدم نية الطلاق, فإنهم اعتبروا مقصود العقد لا لفظا معيناً، والتفريق بين لفظ ولفظ مخالف للأصول والنصوص، وببطلان هذا الفرق يستدل من يجعل الجميع طلاقاً، فيبطل القول الذي دل عليه الكتاب والسنة، وهذا الفرق إذا قيل به كان من أعظم الحجج على فساد قول من جعله فسخاً، ولهذا عدل الشافعي عن ترجيح هذا القول لما ظهر له أن أهله يفرقون( ).
وقال: الطلاق لم يجعل الشارع له لفظ معيناً بل إذا وقع الطلاق بأي لفظ يحتمله وقع عند الصحابة والسلف وعامة العلماء لم ينازع في ذلك إلا بعض متأخري الشيعة والظاهرية، فإذا قال: فارقتك، أو سرحتك، أو سيبتك ونوى به الطلاق وقع، وكذلك سائر الكنايات، فإذا أتى بهذه الكنايات مع العوض مثل أن تقول له: سرحني أو فارقني بألف. فأي فرق بين هذا وبين أن تقول: فادني بألف أو اخلعني بألف أو افسخ نكاحي بألف. وكذلك سائر ألفاظ الكنايات، مع أن لفظ الخلع والفسخ إذا كان بغير عوض ونوى بهما الطلاق وقع الطلاق رجعياً فهما من ألفاظ الكنايات في الطلاق، فأي فرق في ألفاظ الكنايات بين لفظ ولفظ؟!( ) .
وقال أيضاً: القول الذي ذكرنا من أن الخلع فسخ تبين به المرأة بأي لفظ كان هو الصحيح الذي عليه تدل النصوص والأصول، وعلى هذا فإذا فارق المرأة بالعوض عدة مرات كان له أن يتزوجها سواء كان بلفظ الطلاق أو غيره، وإذا قيل: الطلاق صريح في إحدى الثلاث فلا يكون كناية في الخلع، قيل: إنما الصريح اللفظ المطلق، فأما المقيد بقيد يخرجه عن ذلك فهو صريح في حكم المقيد، كما إذا قال: أنت طالق من وثاق أو من الهموم والأحزان، فإن هذا صريح في ذلك لا في الطلاق من النكاح.
وإذا قال: أنت طالق بألف فقالت: قبلت فهو مقيد بالعوض، وهو صريح في الخلع، لا يحتمل أن يكون من الثلاث البتة، فإذا نوى أن يكون من الثلاث فقد نوى باللفظ ما لا يحتمله، كما لو نوى بالخلع أن تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره فنيته هذا الحكم باطل، كذلك نيته أن يكون من الثلاث باطل، وكذلك لو نوى بالظهار الطلاق.
والافتداء له حقيقة يباين بها معنى الطلاق الثلاث فلا يجوز أن يدخل حقيقة الطلاق في حقيقة الافتداء، ولا حقيقة الافتداء في حقيقة الطلاق، وإن عبر عن أحدهما بلفظ الآخر، أو نوى بأحدهما حكم الآخر، فنية هذا الحكم باطل كما لو قصد بسائر العقود ما يخالف حكم الله ورسوله، فيكون جاهلاً بالسنة فيرد إلى السنة كما قال عمر بن الخطاب: ردوا الجهالات إلى السنة. وقول النبي ^ للمخالع: (وطلقها تطليقة) إذن له في الطلقة الواحدة بعوض ونهي له عن الزيادة كما قد بين دلالة الكتاب والسنة على أن الطلاق السنة أن يطلق طلقة واحدة ثم يراجعها أو يدعها حتى تنقضي عدتها، وأنه متى طلقها ثنتين أو ثلاثاً قبل رجعة أو عقد جديد فهو طلاق بدعة محرم عند جمهور السلف والخلف.
وإذا كان بعوض فهو فدية، فلا يحل له أن يوقع الثلاث أيضاً بالعوض كما أمر النبي ^ أن لا يطلق بالعوض إلا واحدة لا أكثر كما لا يطلق بغيره إلا واحدة لا أكثر، لكن الطلاق بالعوض طلاق مقيد هو فدية وفرقة بائنة، ليس هو الطلاق المطلق في كتاب الله، فإن هذا هو الرجعي( ).
المطلب الرابع: ما يترتب على اعتبار الخلع فسخاً أو طلاقاً:
هذه المسألة وهي هل الخلع فسخ أو طلاق من أصعب المسائل الاجتهادية، حتى أن من العلماء من يتردد فيها، ومنهم من يرجع عما كان يقول فيها.
قال ابن حجر في الفتح: للعلماء فيما إذا وقع الخلع مجرداً عن الطلاق لفظاً ونية ثلاثة آراء هي أقوال للشافعي:
أحدها: أن الخلع طلاق وهو قول الجمهور، ونص عليه الشافعي في أكثر كتبه الجديدة واختاره صاحب التهذيب.
الثاني: أنه فسخ وهو قول الشافعي في القديم ومشهور مذهب أحمد واختاره أبو حامد والقاضي أبو الطيب.
الثالث: إذا لم ينو الطلاق لا يقع به فرقة أصلاً ونص عليه في الأم وقواه السبكي من المتأخرين وذكر محمد بن نصر المروزي في كتاب اختلاف العلماء أنه آخر قولي الشافعي [وقال الإمام والروياني: إنه ظاهر المذهب؛ لأنه كناية في الطلاق وقد عري عن النية فلم تقع به الفرقة كسائر كنايات الطلاق].( )
قلت: والقول الثالث مبني على أن الخلع طلاق صريح أو كناية، وفيه قولان للشافعي:
قال في الإملاء: هو صريح في الطلاق؛ لأن دخول العوض فيه كدخول النية في كنايات الطلاق.
وقال في الأم: هو كناية في الطلاق، فلا يقع به الطلاق إلا بالنية كسائر كنايات الطلاق( ).
وعند الأحناف الخلع ليس بطلاق صريح بل كناية، والواقع بالكنايات طلاق بائن، وذكْر المال أغنى عن النية( ).

قال شيخ الإسلام: لفظ الخلع والفسخ إذا كان بغير عوض ونوى بهما الطلاق وقع الطلاق رجعياً، فهما من ألفاظ الكناية في الطلاق( ).
وقال أيضاً: اللفظ إذا كان صريحاً في باب ووجد معاداً فيه لم يكن كناية في غيره، ولهذا لو نوى بلفظ الظهار الطلاق لم يقع عند عامة العلماء، وعلى هذا دل الكتاب والسنة، وألفاظ الخلع والفسخ والفدية مع العوض صريحة في الخلع فلا تكون كناية في الطلاق، فلا يقع بها الطلاق بحال، ولفظ الخلع والمفاداة والفسخ والعوض صريحة في الخلع ولا يقع بها الطلاق وإن نواه( ).
ويدل على صعوبة الترجيح في هذا المسألة اضطراب الإمام المحقق الشوكاني / في الترجيح في هذه المسألة، فقد رجح في كتابه الدرر البهية أن الخلع فسخ، ورجح في حاشية الشفاء أن الخلع طلاق، ورجح في الفتح الرباني وفي نيل الأوطار( ) أن الخلع فسخ ثم رجح في السيل الجرار( ) أن عدة المختلعة حيضة إذا لم يجر منه لفظ قط وإذا جاء بلفظ الطلاق أو بما يدل عليه فتحسب طلقة.
وقد تعقبه الألباني في تعليقاته على الروضة الندية بقوله: وفي هذا نظر لأن مقصود الافتداء لا يحصل مع الطلاق، وهو رجعي بنص كتاب الله فإن كان يريد طلاقاً بائناً فليس في كتاب الله طلاق بائن محسوب من الثلاث أصلاً وبيان ذلك في فتاوى ابن تيمية( ).
فالترجيح في هذه المسألة ليس بالأمر الهين، وقد اجتهدت في ذكر كل ما اطلعت عليه من أدلة الفريقين، وكل ما اطلعت عليه من مناقشاتهم لأدلة المخالفين لهم، وأجدني مائلاً إلى القول بأن الخلع فسخ لا طلاق، ولا أقطع بذلك ولكن يكفي في هذا المقام غلبة الظن، والله أعلم.
وأنبه إلى أن حكم القاضي يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية، قال في حاشية رد المحتار: لو قضى قاض بكونه فسخاً نفذ حكمه؛ لأنه موضع اجتهاد صحيح بمعنى أنه يسوغ فيه الاجتهاد لأنه لم يخالف كتاباً ولا سنة مشهورة ولا إجماعاً، إذ لو خالف شيئاً من ذلك في رأي المجتهد لم يكن مجتهداً فيه، حتى لو حكم به حاكم يراه لا ينفذ( ).
وبعد، فاعلم أنه يترتب على اعتبار الخلع فسخاً أو طلاقاً ما يلي:
1.           إذا اعتبرنا الخلع فسخاً فإن للمخالع أن يعيدها بعقد جديد، وإن تكرر منه الخلع أكثر من ثلاث مرات؛ لأن الفسخ لا يُنقص من عدد الطلاق الذي يملكه الزوج على زوجه.
وأما إذا اعتبرنا الخلع طلاقاً بائناً فإنه يُنقص من عدد الطلقات التي يملكها عليها ولا يثبت في الخلع رجعة سواء قلنا: هو فسخ أو طلاق في قول أكثر أهل العلم( ).
2.           قال النووي: قالت: طلقني على كذا، فقال: خالعتك. فإن جعلنا الخلع فسخاً لم ينفذ؛ لأنه لم يجبها، وإن جعلناه صريحاً في الطلاق أو كناية ونوى حصلت البينونة ولزم المال، وإن لم ينو لم يقع شيء( ).
قلت: قوله: لم ينفذ.فيه نظر، فقد قال شيخ الإٍسلام: إذا أتى بهذه الكنايات مع العوض مثل أن تقول له: سرحني أو فارقني بألف، فأي فرق بين هذا وبين أن تقول: فادني بألف أو اخلعني بألف أو افسخ نكاحي بألف؟ وكذلك سائر ألفاظ الكنايات، مع أن لفظ الخلع والفسخ إذا كان بغير عوض ونوى بهما الطلاق وقع الطلاق رجعياً فهما من ألفاظ الكناية في الطلاق، فأي فرق في ألفاظ الكنايات بين لفظ ولفظ؟( ).
3.           يصح الخلع من الأجنبي إذا قلنا: الخلع طلاق أما إذ قلنا: الخلع فسخ، ففيه خلاف، والراجح صحته أيضاً( ).
4.           قال النووي: تخالعا هازلين نفذ إن قلنا: إنه طلاق، وإن قلنا: فسخ، فهو كبيع الهازل وفيه خلاف( ).
5.           قال: التعليق يمنع صحة الخلع إن قلنا: فسخ، وإن قلنا: طلاق فلا.
6.           إن قلنا: الخلع فسخ، فإن أكرهها على الخلع لا يصح الخلع، ولا يلزم شيء، وإن قلنا: الخلع طلاق فلا يصح الخلع أيضاً ولكن يقع الطلاق، وقيل: لا يقع( ).
7.           إن قلنا: الخلع طلاق، فيقع الطلاق عليها في عدتها إذا كان الخلع دون الثلاث؛ لأن الطلاق لا ينقض العقد، أما إن قلنا: الخلع فسخ فإن الطلاق لا يقع على المرأة في عدتها منه( ).
8.           معظم الذين قالوا: الخلع طلاق قالوا: عدة المختلعة هي عدة الطلاق، ومن قال: الخلع فسخ، قالوا: عدة المختلعة حيضة، إلا الإمام أحمد فإنه قال: الخلع فسخ ومع هذا قال: عدة المختلعة ثلاث قروء( ) وسيأتي تفصيل هذه المسألة في المبحث التالي.