النضال التونسي وتحقيق الاستقلال


- حركة الشباب التونسي

   ظهرت هذه الحركة الإصلاحية في بداية القرن العشرين وبعد أن قضى الجيش الإستعماري على المقاومة المسلحة. وتمثلت في الفترة الأولى من مناهضتها للوجود الفرنسي في عمل نخبوي سرعان ما تحول من حركة مطالبة ذات صبغة ثقافية واجتماعية إلى عمل ذي بعد سياسي.


علي باش حامبة وحركة الشباب التونسي

   واعتبرت سنة 1907 تاريخ انبعاث حركة الشباب التونسي وقد ساعد على تأسيسها عمل توعوي بعد سنوات قليلة من انتصاب الحماية بقيادة جريدة "الحاضرة" التي تأسست سنة 1888 وساهمت في ظهور جمعية الخلدونية (1896) وجمعية قدماء الصادقية (1905).

ورغم أن القانون الأساسي لكل من الجمعيتين "الخلدونية" و"قدماء الصادقية" كان ينص على عدم الخوض في المسائل الدينية والسياسية فقد كانت المحاضرات والمناقشات التي تليها تتناول العديد من المسائل السياسية مما ساهم في فتح الأذهان على عهد التنوير والمطالبة بوضع حد للسياسة الإستعمارية التي حولت معاهدة باردو من نظام حماية إلى استعمار مباشر كثرت فيه المظالم والتجاوزات على حساب المواطنين.

بهذا النشاط تحولت الحركة الثقافية ضمن هذين الجمعيتين إلى حركة مطلبية معتدلة.

- جريدة "Le Tunisien" (التونسي) والدفع الجديد لحركة "الشباب التونسي"

   كان لحركة الشباب التونسي برنامجها ووسائل عملها ومن بينها جريدة Le Tunisien"  (التونسي) الناطقة باللغة الفرنسية. وكان العدد الأول منها الصادر في 7 فيفري 1907 بقلم مديرها علي باش حامبة.

وقد احتوى هذا البرنامج كل طلبات حركة الشباب التونسي بما فيها الطلبات والمسائل المطروحة منذ الخطاب الذي ألقاه البشير صفر، رئيس الأوقاف آنذاك، في 24 مارس 1906، بمناسبة تدشين مأوى العجز (دار التكية) بحضور المقيم العام. وتتلخص تلك الطلبات في جعل التعليم إجباريا ومجانيا وضمان تغطية اجتماعية واسعة وإرساء نظام قضائي عصري وعادل وحياة سياسية تضمن لكافة التونسيين ممارسة حقوقهم بواسطة تمثيل شعبي منتخب وهياكل دستورية.

ورغم الفشل في التوصل إلى تحسين حالة التونسيين في نطاق علاقة مشاركة بين "الحامي" و"المحمي" لم يتوقف الشبان التونسيون عن نشاطهم بل دخلوا في مرحلة جديدة شهدت تصعيدا للحركة المطلبية. وحاولوا قصارى جهدهم توعية التونسيين وخاصة شباب العاصمة بشتى وسائل الدعاية : عن طريق الصحافة وعن طريق الاجتماعات بالمقاهي والمنتديات والنوادي الصيفية في ضواحي العاصمة في فصل الصيف والاقتراب تدريجيا من الجماهير.

- مرحلة التصعيد والمجابهة

   شهدت الساحة التونسية في هذه المرحلة تحولا في التفكير وفي طرق العمل وتصعيدا في مجابهة الاستعمار.
وقد مكنت القضايا المطروحة في هذه المرحلة الحركة الوطنية التونسية من تحقيق ما اعتَزمته.

- وقع الغزو الإيطالي لولاية طرابلس على البلاد التونسية

   اهتز التونسيون وفي مقدمتهم حركة الشباب التونسي بقرار إيطاليا ضم طرابلس في 5 نوفمبر 1911 واعتبروه تعديا على إحدى ولايات السلطان العثماني. كما نددوا بحكومة الحماية بعدم التزامها بموقف الحياد، كما نظموا حملات لتقديم الدعم المادي والبشري للسلطان العثماني. وكان في سقوط الشريط الساحلي من ولاية طرابلس بين أيدي الإيطاليين وقعه الشديد وساهم في تفجير أحداث الزلاج سنة 1911.

- أحداث الزلاج

   انفجرت أحداث الزلاج إثر طلب تقدمت به بلدية العاصمة لدى إدارة الملكية العقارية لتسجيل مقبرة الزلاج باسمها، لحمايتها من محاولات الاغتصاب التي يقوم بها جيران إيطاليون من مستغلي مقاطع الحجارة.

وكان على جمعية الأوقاف القيام بهذه المبادرة بنفسها لأن أرض المقبرة حبس لكن الباي كلف البلدية منذ 1884 بالقيام بصيانة المقبرة وحراستها.

لذلك فإن طلب التسجيل كما جاء قد أحدث ضجة لدى سكان العاصمة لأنه لم يصدر عن جمعية الأوقاف ولا عن شيخ المدينة وهو تونسي ومسلم، بل صدر عن نائب رئيس البلدية وعن مدير الأشغال فيها، وهما فرنسيان.


هيئة جمعية الخلدونية

   وتجمع الأهالي أمام باب المقبرة صبيحة يوم 7 نوفمبر 1911 للحيلولة دون وضع علامات التسجيل. وكانت المجابهة مع رجال الشرطة ثم مع الجيش. وحصلت مجابهات في مساء ذلك اليوم وفي الغد في عدة أحياء من العاصمة. ووضعت هذه المجابهات قرابة 3000 من الأهالي ومئات الجنود والشرطة الاستعمارية وجها لوجه، وأدت إلى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى في صفوف المنتفضين، وكذلك 10 قتلى من الأوروبيين أغلبهم من الإيطاليين.

وحاولت السلطة الاستعمارية إدانة بعض الأعضاء من حركة الشباب التونسي ظنا منها أنهم وراء هذه الانتفاضة ومن مدبريها . لكن ذلك لم يثبت وبرأت ساحتهم.

أما الأسباب العميقة لهذه الانتفاضة فهي بالأساس اقتصادية واجتماعية وتمثّلت في تدهور أوضاع التونسيين إثر توخي سياسة انتزاع الأراضي من أصحابها وإغراق السوق التونسية بالمنتوج الأجنبي.

ولئن برأ علي باش حامبة ساحته وساحة أصحابه من تهمة تدبير هذه العملية فقد تبنى كامل المسؤولية في قيادة عملية مقاطعة "الترامواي".

- عملية مقاطعة "الترامواي"

   انطلقت عملية مقاطعة الترامواي في 8 فيفري 1912 على اثر حادث تعرض له طفل تونسي بعد أن داسته عربة يقودها سائق ايطالي أودت بحياته بين السكة الرابطة بين باب سويقة وباب سعدون.

وقد عملت السلطة الإستعمارية على البحث عن حل للأزمة بتكليف وزير القلم الطيب الجلولي باستدعاء بعض الأعيان ممن رأت فيهم الرأس المدبر لهذه المقاطعة ومنهم علي باش حامبة الذي كان يقود هذه العملية.



مقاطعة التراموي (12 أفريل 1912)
   وكان هذا التدخل فرصة للمطالبة بعدة حقوق تتعلق بأوضاع العمال التونسيين بشركة الترامواي. وأدت هذه المقاطعة إلى الحصول على العديد من التنازلات من قبل الشركة وإلى إدخال بعض التحسينات على وضع العمال التونسيين. غير أن إضافة طلب جديد على الطلبات السابقة يتمثل في تمكين التونسيين من حق الاقتراع هو الذي زاد من سخط السلطة الاستعمارية التي عمدت إلى إيقاف 7 من العناصر الذين رأت أنهم وراء هذه المقاطعة وإلى نفي أربعة منهم. ومنهم علي باش حامبة ثم حاولت بعد مدة تهدئة الوضع باتخاذ عدة إجراءات لتحسين وضع الأهالي ووضع العمال التونسيين بالشركة وكذلك إلغاء ضريبة المَجْبى. كما قررت العفو عن الموقوفين وعن المبعدين الذين عادوا كلهم إلى حياتهم العادية سوى علي باش حامبة الذي بقي في اسطنبول يساند كل عمل مناهض للهيمنة الإستعمارية إلى أن توفي هناك سنة 1918.

- إرساء أسس العمل المباشر والمؤطر

   من نتائج الأوامر الجائرة التي سنتها سلطات الإستعمار (أمر 6 ماي 1933 وأمر 27 ماي 1933) أن وقع انشقاق داخل الحزب الدستوري أدى إلى بروز قطبان متعارضان يتمثل الأول في أعضاء اللجنة التنفيذية التي تدعو إلى سياسة الحذر والتريث بينما تسعى جماعة "العمل التونسي" التي تمثل القطب الراديكالي والتي ارتقت إلى الهيئة القيادية للحزب أثناء مؤتمر نهج الجبل إلى إقحام القوى الشعبية في العمل السياسي.

وأدى هذا الاختلاف في وجهات النظر إلى انشقاق داخل الحزب وإلى خروج بورقيبة ورفاقه من الحزب.

وسعى كل شق إلى تبرير موقفه إزاء الشعب الدستورية كما أدى إلى انعقاد مؤتمر قصر هلال    (2 مارس 1934) تم أثناءه تعويض اللجنة التنفيذية بقيادة جديدة أطلق عليها اسم الديوان السياسي.

ودعا الحبيب بورقيبة ورفاقه إلى حل اللجنة التنفيذية وإلى رفت أعضائها من الحزب.


الشاب المحامي الحبيب بورقيبة

   ولئن لم ينبثق عن هذا المؤتمر سوى لائحة واحدة وضح فيها المؤتمرون عدم جدوى خطة اللجنة التنفيذية ومنشور وجه إلى الشعب الدستورية (13 مارس 1934) يؤكد فيه الديوان السياسي حل اللجنة التنفيذية ورفت أعضائها من الحزب فإن الحزب الدستوري الجديد لم يتخل عن مطالبه التي تضمنها برنامجه الأول المصادق عليه في مؤتمر نهج الجبل ومن أهم هذه المطالب : برلمان تونسي منتخب وحكومة مسؤولة أمامه، الفصل بين السلط، إقرار الحريات العمومية، إجبارية التعليم...

   ولئن ترك آنذاك المقيم العام "مَنْصُرون" Manceron المجال لجماعة "العمل التونسي" لإعلان الانشقاق على اللجنة التنفيذية ظنا منه أن ذلك سيضعف من نشاط الحزب فقد شاهد إثر ذلك أن عمل هذه اللجنة ازداد خطورة على المستعمر إذ استمر النضال وتعددت المطالب.

ومقابل ذلك اتخذ المقيم الجديد مارسيل بيروطون (Marcel Peyrouton:1936-1934) قرارا يقضي بنفي 8 من أعضاء الحزب الدستوري الجديد إلى الجنوب ومنهم الحبيب بورقيبة.

- مظاهر الصمود الوطني


إيقاف مواطن من طرف الشرطة الاستعمارية

   اندلعت المظاهرات والإضرابات الاجتماعية في كامل البلاد. وآل الأمر إلى اصطدامات دموية. وأمام تواصل الاحتجاجات قرر المقيم العام المذكور إبعاد ثلة أخرى من الحزب الجديد منهم 3 أعضاء من الديوان السياسي.

وتزامنا مع السياسة القمعية التي سلكها المقيم "بيروطون" تواصل العمل الدعائي الطالبي بفرنسا تكونت خلاله لجنة دفاع عن المبعدين بالجنوب (من بين أعضائها الهادي نويرة وسليمان بن سليمان ومحمود المسعدي...).

واتخذت هذه اللجنة مقر جمعية شمال إفريقيا بباريس محلا لها. وشرعت في التعريف بالقضية التونسية من خلال اجتماعات متعددة والتنديد بسياسة "بيروطون" القمعية.

وتجدر الإشارة إلى أن العمل الجمعياتي بتونس قد تكثف وتصاعد نشاط جمعية قدماء الصادقية وأصبح هذا العمل أكثر تنوعا إثر وصول حكومة الجبهة الشعبية الفرنسية إلى السلطة سنة 1936.

وانفرجت الأزمة السياسية بحلول حكومة الجبهة الشعبية بفرنسا برئاسة ليون بلوم Léon Blum وبتعيين مقيم عام جديد (أرمون قيون (Armand Guillon فتمّ العفو عن الطلبة الزيتونيين المشاركين في مظاهرة يوم 23 فيفري 1936، وأفرج عن القادة الزيتونيين المبعدين.

واستأنف الحزب الدستوري الجديد نشاطه مكثفا الدعاية ومعززا قاعدته الاجتماعية فارتفع عدد الشعب من 162 سنة 1936 إلى 400 شعبة سنة 1937 وبلغ عدد المنخرطين ما يزيد عن 100.000 منخرط. وأثناء هذه الفترة تعزز النشاط الثقافي والجمعياتي وتعددت الجمعيات الثقافية كالجمعيات المسرحية والجمعيات المدرسية والرياضية كما ساهمت "الشبيبة الدستورية" أيضا في النضال الوطني بعقد العديد من الاجتماعات بمقر الحزب الحر الدستوري الجديد.

- فشل تجربة الحوار والإعداد للمجابهة

   كان من نتائج سقوط حكومة "ليون بلوم" الأولى (جوان 1937) وانشغال أحزاب اليسار بمقاومة الفاشية وتأجيل النظر في قضايا المستعمرات أن ضعفت آمال الحزب الدستوري الجديد في مواصلة الحوار.

   وتزامن ذلك مع رجوع الشيخ عبد العزيز الثعالبي من المهجر ومحاولته توحيد كل من قادة الحزب الدستوري الجديد وأعضاء اللجنة التنفيذية لكن بدون جدوى. وباءت مساعي الشيخ الثعالبي بالفشل، فانحاز إلى اللجنة التنفيذية. وانتهى الصراع في نهاية الأمر لصالح الحزب الدستوري الجديد بعد صراع أدى إلى سقوط عدة ضحايا إثر محاولة الثعالبي مواصلة الاجتماعات داخل البلاد سعيا وراء التوحيد.

وإثر انعقاد المؤتمر الثاني للحزب (30 أكتوبر – 2 نوفمبر 1937) تدعم الشقّ المطالب بإدراج قضية استقلال البلاد بصفة رسمية. ولم يزكّ الشق الآخر هذا الخيار بدعوى عدم تهيئ الشعب لخوض معركة الاستقلال. وأدى هذا الخلاف بعد محاولة توفيق بين الاتجاهين قام بها الزعيم الحبيب بورقيبة إلى مواصلة الحزب الدستوري الجديد كفاحه من أجل الاستقلال التام.

وتعددت المظاهرات الاحتجاجية على سياسة الاستعمار بالعديد من أنحاء البلاد وخاصة ببنزرت احتجاجا على إبعاد رئيس الشعبة آنذاك.

وقد تبلورت خلال هذه المرحلة طريقة نضال جديدة تهدف إلى خلق قوة مؤطرة تعمل في نطاق السرية. كما تمّ إقحام الحركة التلمذية والزيتونية في مناهضة السياسة الإستعمارية.

واشتدت الأزمة إثر محاضرة ألقاها الأستاذ علي البلهوان في الطلبة تحت شعار "دور الشباب في المعركة" يوم 10 مارس 1938، أصدر الحزب إثرها لائحة من أهم قراراتها مواصلة المظاهرات والإمتناع عن دفع الضرائب وعن أداء الخدمة العسكرية حتى أصبحت البلاد على قاب قوسين من العصيان المدني. وآل كل هذا العمل إلى المواجهة بين الحزب وسلطة الاستعمار.

- أحداث 9 أفريل 1938


صورة للزعيم الحبيب بورقيبة لدى اعتقاله بالسجن العسكري (11 أفريل 1938)

   بادر الحزب الدستوري الجديد بتوزيع روزنامة الجولات الدعائية على كافة أعضاء الديوان السياسي والمجلس المحلي الذين سرعان ما شملهم القَمع الإستعماري. وتمّ اعتقال عدد من أعضاء المجلس المحلي ومن أعضاء الديوان السياسي نظمت على إثره مظاهرة احتجاجية ضمت قرابة 2500 متظاهر يوم 7 أفريل 1938 توجه على إثرها المنجي سليم عضو المجلس المحلي إلى قصر الباي بحمام الأنف لالتماس التدخل لدى السلط الاستعمارية والإفراج عن المعتقلين. وفي نفس اليوم تمّ تعطيل جريدة "العمل" واعتقال 10 مناضلين بقنطرة الفحص.

مظاهرات 8 و9 أفريل 1938

   وإثر ذلك قرر الديوان السياسي تنظيم إضراب عام يوم 8 أفريل 1938. وانطلقت في نفس اليوم مسيرتان بالعاصمة تجمع المتظاهرون فيهما أمام الإقامة العامة رافعين شعارات تطالب "ببرلمان تونسي" و"حكومة وطنية" وبسقوط الامتيازات. وقد بلغ عددهم بين 7 و10 آلاف شخص.

ونظمت يوم 9 أفريل مظاهرة أمام قصر العدالة احتجاجا على دعوة المناضل علي البلهوان المثول أمام قاضي التحقيق. وبمجرد وصول الجماهير إلى مكان المحاكمة وقع إطلاق النار على المتظاهرين وسقط العديد من الشهداء والجرحى (22 قتيلا وحوالي 150 جريحا) إثر إطلاق النار من طرف قوات الأمن كما سقط العديد من قوات الأمن إثر هذه الاشتباكات الدامية. وما إن سيطرت السلطات الإستعمارية على الوضع حتى استصدر المقيم العام من الباي أمرا لإعلان حالة الحصار على ثلاث مراقبات كما تم اعتقال بورقيبة والمنجي سليم وأحيل القادة الدستوريون على المحكمة العسكرية بدعوى التآمر على أمن الدولة وتم حل الحزب الدستوري الجديد في 12 أفريل 1938. وبالرغم من هذه الإجراءات القمعية قرر مناضلو الحزب مواصلة النضال متوخين أساليب العمل السري.

وتمثلت المقاومة الوطنية السرية في تكوين لجنة سرية تولت إصدار المناشير لحث الشعب على المقاومة وعلى المطالبة بالإفراج عن المساجين السياسيين.

- المقاومة الوطنية السرية


الشرطة الاستعمارية تقوم بعمليات التفتيش

   شكلت الحرب العالمية الثانية منعطفا هاما في دعم الحركة الوطنية حيث اقترنت بدايتها بهزيمة الدولة الفرنسية (جوان 1940) الأمر الذي وفر مناخا سياسيا وعسكريا لحركة تصفية الاستعمار (ميثاق الأطلنطي 12 أوت 1941 Charte de l'Atlantique -).

واغتنم مناضلو الحزب هذه الفترة لتكثيف نشاطاتهم الدعائية في الخارج والسرية في الداخل من خلال تشكيل الدواوين السرية السياسية من الديوان السياسي الخامس أواخر 1939 إلى الديوان السياسي السابع. فتواصلت أثناءها تشكيل الخلايا السرية لتعنى بالمقاومة وتوسيع دائرة العمل الحزبي بمختلف أنحاء البلاد. كما اضطلع الطلبة الزيتونيون بدور كبير في تدعيم الكفاح السري عبر المناشير المحرضة على المظاهرات والمقاومة ونشر الجرائد السرية. واقترن هذا الصمود بهزيمة فرنسا (جوان 1940) وتصدع وضعها الداخلي بين دعاة التعاون مع المحور وأنصار المقاومة.

- انتعاشة الحركة الوطنية


القوى الوطنية تطالب بالافراج عن المعتقلين السياسيين (1952)

   عند اعتلاء المنصف باي العرش (19 جوان 1942) – وقد عُرف بتعاطفه مع الحزب الدستوري منذ صغره – قام بجملة من الإصلاحات تمثلت في تقديم مذكرة إلى الحكومة الفرنسية (2 أوت 1942) تضمنت 16 نقطة من أهمها تكوين مجلس استشاري تونسي وإطلاق سراح المساجين السياسيين وإلغاء أمر 1898 الذي يخول للمعمرين الإستحواذ على أراضي الأوقاف.

وآل الأمر إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين. فانتقلوا إلى الخارج لمواصلة العمل الدعائي وتمكن بعضهم من تأسيس مكتب المغرب العربي ببرلين (جوان 1943) للتعريف بالقضية التونسية.


مظاهرات نسائية تأييدا للمقاومة (1952)

   وبعد رحيل هؤلاء القادة الوطنيين إلى الخارج طلب الجنرال "جوان" من المنصف باي الإستقالة والتخلي عن الحكم، وتم عزله وإبعاده إلى الجزائر لما رفض ذلك. وبعد تنازله عن الحكم وقع إبعاده إلى مدينة "بو" بفرنسا إلى أن توفي سنة 1948.

- تكوين جبهة وطنية والمطالبة بالاستقلال

   بالرغم من اعتقال العديد من التونسيين بتهمة التواطؤ مع المحور ومغادرة البعض الآخر البلاد تمكنت القيادات الوطنية من التحرك. وسعى الحزب الدستوري الجديد إلى مد قنوات الحوار مع السلطة الفرنسية وخاصة بعد ندوة "برازافيل" جانفي (1944) التي اعترفت بحق الشعوب بتسيير شؤونها بنفسها ضمن اتحاد فرنسي يعوض الإمبراطورية. وقد وجه الوطنيون مذكرة في الغرض إلى الحكومة الفرنسية (8 مارس 1944) يعبرون فيها عن رفضهم لمشروع الإتحاد الفرنسي.

وكثف الحزب نشاطه السياسي موظفا انتصار الحلفاء يوم 8 ماي (1945)، بتحرير العرائض وتنظيم المظاهرات. فأقدمت الإدارة الفرنسية منذ سبتمبر 1945 على إجراء بعض الإصلاحات، لكن الحزب الدستوري اعتبر هذه الإصلاحات محدودة وطالب بإلغاء الرقابة على الصحف وإرساء الحريات العامة.

وأمام السياسة القمعية التي انتهجها المقيم العام الجنرال ماست (1943-1947) سعى الوطنيون إلى تدويل القضية الوطنية وإخراجها من نطاق العلاقات الثنائية الفرنسية التونسية، خاصة بعد تأسيس جامعة الدول العربية (22 مارس 1945) فقرر الديوان السياسي إيفاد الزعيم الحبيب بورقيبة إلى مصر (26 مارس 1945) للتعريف بالمسألة التونسية. وقد حرص الوطنيون أثناء هذه الفترة أيضا على إبراز البعدين، المغاربي والعربي. فتناولت كتاباتهم التعاون والتضامن بين مختلف الدول العربية والمغاربية وساعد تأسيس جامعة الدول العربية على إنماء هذه المشاعر. كما وجد الوطنيون مرجعا أمميا لمطالبهم وحقهم في التحرر إثر توقيع الميثاق الأممي (26 جوان 1945) الذي أقر بصفة رسمية بعث منظمة الأمم المتحدة 24 أكتوبر 1945.

- إستراتيجية الحزب الدستوري الجديد

   منذ نهاية الحرب العالمية الثانية شرع الحزب الدستوري الجديد في استرجاع دوره الريادي. ففي الداخل سعى الديوان السياسي بإشراف أمينه العام صالح بن يوسف إلى تأطير التحركات الجماهيرية مشجعا على بعث المنظمات المهنية والشبابية.

فقد تم تأسيس الإتحاد العام التونسي للشغل (جانفي 1946). وقدم كل الدعم الأدبي والسياسي لفرحات حشاد. وانخرط عديد المناضلين في صلب المنظمة النقابية التونسية الجديدة. وتبلورت ملامح المعركة الحاسمة، وبمناسبة مؤتمر ليلة القدر (23 أوت 1946) رفعت فصائل الحركة الوطنية شعار الاستقلال التام.

وكان من نتائج السياسة التحررية التي انتهجها المقيم العام "جان مونس" (Jean Mons:1947-1948) أن شهد الوضع الداخلي انفراجا حيث تم رفع الرقابة عن الصحافة الوطنية (أفريل 1947)، فكانت مناسبة لبروز العديد من الصحف والمجلات.

وعلى الصعيد المغاربي ساهمت الجامعة العربية في توثيق العلاقات بين مختلف حركات التحرر المغاربية.

وفي الفترة ما بين 1948 و1951 استرجع الحزب الدستوري الجديد زمام المبادرة وأصبح يمثل الثقل الرئيسي داخل الحركة الوطنية.

وإثر فشل جامعة الدول العربية وهزيمة الدول العربية في حربها ضد إسرائيل (ماي 1948) تراجع السند الأنقلوساكسوني للقضية الوطنية. فعاد الزعيم بورقيبة من القاهرة إلى تونس وعمل على ضبط إستراتيجية جديدة. كما تم الشروع في الإعداد للمعركة الحاسمة.

- حكومة شنيق التفاوضية والإعداد للمعركة الحاسمة



الزعيم الحبيب بورقيبة يتوجه إلى المواطنين في اجتماع شعبي

  اثر عودة الزعيم بورقيبة من الشرق، شرع في الاتصال بالمناطق الداخلية للبلاد، مكثفا من اجتماعاته بالقواعد الحزبية، داعيا كافة الحساسيات إلى توحيد صفها حول برنامج واقعي. ثم تحول إلى فرنسا في 12 أفريل 1950 لكسب الأنصار داخل اليسار الفرنسي وعرض بالخصوص على السلطة الفرنسية مشروع إصلاحات ذي سبع نقاط يرمي مجموعها إلى الحكم الذاتي. ويتلخص مجموع هذه النقاط في تشكيل حكومة تونسية صرفة مسؤولة عن الأمن العام يترأسها وزير أكبر يتولى رئاسة مجلس الوزراء بصورة فعلية مع إلغاء كل من خطة الكاتب العام للحكومة وخطط المراقبين المدنيين والجندرمة وإحداث بلديات منتخبة تمثل فيها المصالح الفرنسية حيث توجد أقلية من الفرنسيين، وبعث مجلس وطني منتخب بالاقتراع العام وتكون أولى مهامه إعداد دستور ديمقراطي يضبط العلاقات بين تونس وفرنسا على أساس احترام السيادة التونسية ومصالح فرنسا المشروعة.

واقترن النشاط الوطني في الداخل وفي الخارج بالمناهضة التي أبداها "حزب المتفوقين" (Les prépondérants) ضد حكومة شنيق مرغما الحكومة الفرنسية على التراجع عن وعودها. ووجه وزير الخارجية الفرنسي بتاريخ 15 ديسمبر 1951 مذكرة إلى الوزير الأول التونسي يعلن فيها تمسك الحكومة الفرنسية بالسيادة المزدوجة. وقد أثارت هذه المذكرة استياء كافة الأوساط الوطنية التونسية. ورد عليها الزعيم الحبيب بورقيبة بالتأكيد على ضرورة الصمود والتضحية.

وتم شن إضراب عام احتجاجي جمع كافة المنظمات الوطنية واستمر ثلاثة أيام من 21 إلى 23 ديسمبر 1951.

- المقاومة والتحرير


مقاومة وقمع استعماري (1952 – 1954)
- إنطلاق معركة التحرير الحاسمة 5 ديسمبر 1952

   اعتمدت استراتيجية تحرير تونس على تعبئة الجبهة الوطنية وكسب تأييد الرأي العام الفرنسي والعالمي مع إزدواج العمل السياسي والنضال حسب ما تتطلبه طبيعة المعركة وميزان القوى وظروف المقاومة الشعبية. وهو ما يبرز أولوية البعد السياسي في هذه المعركة غير المتوازنة وأهمية الخطة الشمولية التي اعتمدت. وقد انطلقت المعركة يوم 15 ديسمبر 1951 وكانت بمثابة رد فعل مباشر علي المذكرة الصادرة في نفس اليوم والتي رفضت فيها الحكومة الفرنسية مطالب الشعب التونسي بتطوير نظام الحماية بطريقة سلمية. وفي 16 ديسمبر 1951 أرسلت المنظمات الوطنية برقية احتجاج إلى الحكومة الفرنسية وقررت الإضراب العام لمدة ثلاثة أيام. وأظهر نجاح الإضراب استعداد الشعب لرفع التحدي. وكانت الاجتماعات الشعبية التي نظمها الحزب الحر الدستوري الجديد والمنظمات الوطنية ترمي إلى تعبئة الشعب التونسي وتهيئته للمواجهة.
وأمام توالي مظاهرات الاحتجاج في عدد من أنحاء البلاد أقرت السلطات الفرنسية العزم على قمع كل حركة شعبية وأوقفت يوم 18 جانفي 1952 رئيس الحزب الزعيم الحبيب بورقيبة كما أوقفت في نفس اليوم حوالي عشرين مناضلا وقع إبعادهم إلى الجنوب. فبلغ الغضب الشعبي أوجه إذ نظمت مظاهرات صاخبة في المدن والقرى التونسية وكانت الانطلاقة الحاسمة للكفاح الوطني.


المقاومة المسلحة

   وكان الديوان السياسي السري الذي عينه الحزب ينظم العمل النضالي ويوجه الرأي العام وينظم المظاهرات والإضرابات ويوجه خطة الكفاح. وقد إلتحقت بالجبال فرق من المتطوعين وواصلت الجبهة الوطنية تجنيد المواطنين في سائر الجهات والتنسيق بين مختلف أنشطة المقاومة. وانتظمت بعديد المدن والقرى التونسية أيام 22 و 23 و24 جانفي 1952 مظاهرات ومواجهات مع قوى الشرطة والجيش الفرنسي سقط فيها العشرات من الشهداء من بين المتظاهرين والعشرات من الجرحى. وكانت السلطات الفرنسية تلاحق الوطنيين منظمة حملات متواصلة من الاعتقالات. وقد غصت السجون ففتحت محتشدات في سائر أنحاء البلاد. وقد بلغ عدد الموقوفين حوالي عشرة آلاف شخص.

- المواجهة الوطنية


مظاهرة نسائية مؤيدة للمقاومة (1952)

   مثل اغتيال الزعيم النقابي فرحات حشاد (5 ديسمبر 1952)، في الوقت الذي كانت فيه اللجنة السياسية للأمم المتحدة تدرس القضية التونسية، تجاوزا لكل معايير السلوك الدولي إضافة لما يمثله من تصعيد سياسة التصلب والقمع وإطلاق العنان لاستبداد رجال الإقامة العامة وحلفائهم في المنظمة الإرهابية الفرنسية "اليد الحمراء".


يسار : موكب جنازة فرحات حشاد
أعلى اليمين : اليد الحمراء تغتال الزعيم فرحات حشاد (5 ديسمبر 1952)
أسفل اليمين : السيارة التي كانت تقل الزعيم فرحات حشاد يوم اغتياله

   وتمثل هذه المأساة بالنسبة للمقاومة الشعبية منعرجا حاسما. وقد تكثفت في هذه الفترة العصيبة حركة المقاومة المسلحة التي كانت تهدد الأمن الاستعماري وتلاحق المعمرين والمتعاونين مع نظام الحماية وتواجه القوات العسكرية الفرنسية. وسعيا إلى تجاوز الانتقادات التي كانت تعترض سياستها تجاه تونس أعادت الحكومة الفرنسية فتح ملف الإصلاحات المرفوضة التي لا تستجيب لمطالب الشعب إذ تكرس مفهوم "السيادة المزدوجة" وقررت تنظيم انتخابات مجالس العمال ابتداء من يوم 10 أفريل 1953 والانتخابات البلدية ابتداء من يوم 3 ماي 1953 دون إعارة أي اهتمام لمعارضة التونسيين. إلا أن الحركة الوطنية تمكنت بالرغم من حملات الاعتقالات من إفشال مهزلة الانتخابات.


الشباب التونسي يطالب بالجلاء عن بنزرت

   وقامت الحكومة الفرنسية في 2 سبتمبر 1953 بتعيين مقيم عام جديد في محاولة لإقناع الرأي العام العالمي بأن فرنسا تنتهج سياسة جديدة في تونس في إطار مناقشة القضية أمام الأمم المتحدة التي أدرجت القضيتين التونسية والمغربية في جدول أعمالها أثناء جلستها العمومية يوم 18 سبتمبر 1953. وتواصلت مناقشة القضية التونسية طيلة شهر إلا أن المنظمة الأممية لم تنجح في اتخاذ قرار لصالح تونس بأغلبية الثلثين. واتخذت الحكومة الفرنسية مجموعة من القرارات في نطاق ما سمته بسياسة التهدئة من بينها استرجاع السلطة الأمنية للشرطة وإلغاء الرقابة وإلغاء المضايقات بالساحل (28 أكتوبر 1953) والإفراج عن عدد من المبعدين والمساجين. وخمد لهيب الكفاح في هذه الفترة التي اتسمت بالمراوغة. ولكن الحركة الوطنية اعتمدت خطة الصمود وجندت قواها لاستئناف الكفاح بعد تفطن الجميع إلى أن مشروع السلطات الفرنسية الجديد يقود إلى طريق مسدود ويضحي بمطالب الشعب من أجل استرجاع سيادته. وعادت حركة المقاومة للنشاط وتواصلت عمليات المقاومة خلال شهر جوان 1954. وبعثت هذه العمليات الرعب في قلوب المعمرين الذين أيقنوا بأن المقاومة تهدد الوجود الإستعماري وتعرقل أنشطتهم ومصالحهم كفئة محظوظة في البلاد. فاستعد بعضهم للاعتراف بالواقع وجنح غلاة الاستعمار إلى التشدد والإصرار على الدفاع عن امتيازاتهم. وغيرت الهزيمة الكبرى التي منيت بها فرنسا في (ديان بيان فو Dien Bien Phu) يوم 7 ماي 1954 مجرى الأحداث ودعمت في فرنسا القوى المساندة لسياسة التحرر والاتجاهات المعتدلة، وسقطت حكومة (جوزاف لانيال Joseph Laniel) يوم 12 جوان 1954.

* تحقيق الاستقلال
 
- من الاستقلال الداخلي إلى الاستقلال التام

   مثل سقوط "جوزاف لانيال" وتعويضه "بمنداس فرانس" (Mendès France) منعرجا سياسيا. وشرع "منداس فرانس" حالما استلم الحكم في معالجة قضية الهند الصينية ومباشرة التفاوض مع الأطراف المعنية بجنيف. وقد راهن على إنهاء المناقشة وإمضاء الاتفاقيات في أجل لا يتجاوز 20 جويلية ثم وجه اهتمامه للقضية التونسية.


منداس فرانس يعلن أمام الباي في قرطاج عن استقلال تونس الداخلي (31 جويلية 1954)

   لم تهدأ المعركة في تونس بعد سقوط حكومة محمد صالح مزالي (16 جوان 1954) بل شهدت تصعيدا خطيرا في هذا الربع ساعة الأخير. ونجحت المقاومة بفضل تكيفها بحسب متطلبات الفترة وظروف المواجهة مع الجيش النظامي والجهاز الإرهابي لليد الحمراء واعتبارا، بطبيعة الحال، لقوتها الذاتية وتمكنت من أن تسيطر على الساحة وتدعم العمل السياسي وتهيئ الظروف لفتح حوار جدّي يعترف بالسيادة التونسية.

- الاعتراف بالاستقلال الداخلي

   أوضح "منداس فرانس" مشروعه أمام مجلس الوزراء الذي إلتأم مساء 30 جويلية 1954. وقد اقتصر البلاغ الصادر إثر اجتماع المجلس على ذكر قرار الحكومة الفرنسية بأن "تعطي نفسا جديدا للعلاقات التونسية الفرنسية"، دون أن يفصح عن محتوى المشروع لتجنب رد فعل الجالية الفرنسية بتونس ومناصريها في فرنسا والجزائر.

وقدم "منداس فرانس" إلي تونس يوم 31 جويلية 1954 في زيارة فجئية أعدت في كنف السرية مترئسا وفدا هاما وأعلن في خطاب رسمي أمام الباي بقرطاج استقلال تونس الداخلي.

واجتمع الديوان السياسي للحزب الحر الدستوري الجديد في جنيف يوم 3 أوت 1954 وقرر المشاركة في وزارة التفاوض التي تكونت يوم 7 أوت 1954.

- المفاوضات التونسية الفرنسية

   افتتحت المفاوضات التونسية الفرنسية بتونس يوم 4 سبتمبر 1954 واستؤنفت في باريس يوم 13 سبتمبر. وأدى تباين الاتجاهين حول محتوى الاستقلال الداخلي وآجال تسليم السلطات إلى إثارة صعوبات جمة. وتجنبا للمواجهة ابتعد المقاومون عن المدن والجهات الساحلية حسب تعليمات الحركة الوطنية. لكن القوات الفرنسية واصلت ملاحقتهم فتواصلت المعارك طيلة شهري أكتوبر ونوفمبر.

وفي حين كانت الوزارة التونسية تطالب بإقرار هدنة بادرت الحكومة الفرنسية بمطالبة الوفد التفاوضي التونسي بإنزال المقاومين من الجبال وتسليم أسلحتهم مبينة أن مواصلة المقاومة تتنافى مع مشاركة الحزب الحر الدستوري الجديد في وزارة التفاوض.

وتم ذلك بالفعل يوم 20 نوفمبر 1954 بما أفسح المجال لتواصل المفاوضات التي تجاوزت بعد بعض الصعوبات مسألة المبادئ وأصبحت متعلقة بالآجال. والتحق "منداس فرانس" بالمفاوضين يوم 31 جانفي 1955 لمحاولة الوصول إلى نتيجة حاسمة قبل الجلسة البرلمانية المقرر عقدها لمناقشة سياسة "منداس فرانس" في تونس.

وقد كانت حكومة "منداس فرانس" محل انتقاد عنيف من طرف اليمين الاستعماري (3 - 5 فيفري). وسقطت هذه الحكومة يوم 5 فيفري.

وتولى (إدغار فور Edgar Faure) رئاسة الحكومة الفرنسية يوم 23 فيفري. واستؤنفت المفاوضات التونسية الفرنسية يوم 15 مارس وتوجت يوم 3 جوان 1955 بإمضاء الاتفاقيات الضابطة للاستقلال الداخلي.

- الاتفاقيات محل صراع القيادات الدستورية

   بعد إمضاء الاتفاقيات الضابطة للاستقلال الداخلي عاشت تونس فترة انقسام خطيرة انطلقت من الجدل الذي أثارته الاتفاقيات. وبلغ التباين في وجهات النظر أوجهه بين قيادة الحركة الوطنية في تونس وممثليها في الخارج وخاصة أمين عام الحزب صالح بن يوسف. ولعل هذا التباين يعزى إلى اعتبار ظروف المواجهة والوضع الميداني وتطور السياسة الفرنسية لدى القيادة الداخلية بينما كان أمين عام الحزب وبعض المسؤولين عن مكاتب الحزب في الخارج يعتبرون في تقييمهم للأوضاع ظهور الحركة الآسيوية - الإفريقية وبروز القطب الناصري ومزيد الاهتمام العربي بالقضية التونسية.


إمضاء الاتفاقيات الضابطة للاستقلال الداخلي (3 جوان 1955)

وتواصلت المواجهة بين أنصار الحبيب بورقيبة وأنصار صالح بن يوسف وكان كل طرف ينظم اجتماعاته الشعبية ويندد بخصمه.

وقد التأم الديوان السياسي للحزب تحت رئاسة الحبيب بورقيبة يوم 8 أكتوبر 1955 وقرر عقد مؤتمر الحزب يوم 15 نوفمبر وتجريد صالح بن يوسف من الأمانة العامة ورفته من الحزب.
وانعقد مؤتمر الحزب بصفاقس (15 - 19 نوفمبر) وحسم الخلاف لفائدة الديوان السياسي.
ثم سعى صالح بن يوسف إلى مواصلة حملته في الجنوب في أواخر نوفمبر حيث نظم بعض اجتماعات كانت محل اصطدام مع أنصار الديوان السياسي. وتجاوز الخلاف الصراع السياسي البحت وأصبحت المواجهة مسلحة.

وغادر صالح بن يوسف البلاد يوم 28 جانفي 1956 حينما بلغ إلى علمه أن الحكومة التونسية أقرت العزم على إيقافه وواصل معارضته للاتفاقيات في المهجر وخاصة في مصر.

- الاعتراف بالاستقلال (20 مارس 1956)

   اعتبر مؤتمر صفاقس أن الاتفاقيات التونسية الفرنسية التي تقر الحكم الذاتي مرحلة هامة في طريق الاستقلال الذي يمثل أسمى غاية لكفاح الحزب ودعا إلى إنجاز هذه المطلب بروح التعاون الحر وفي اتجاه التطور التاريخي.

وتهيأت الظروف للمطالبة بالاعتراف باستقلال تونس. وسافر الحبيب بورقيبة لهذا الغرض وتقابل يوم 3 فيفري 1956 مع رئيس الحكومة (غي مولي Guy Mollet)، الكاتب العام للحزب الاشتراكي الذي تولى رئاسة الحكومة الفرنسية يوم 31 جانفي 1956. وتم الاتفاق على إرسال وفد للتفاوض في المطالب التونسية. فافتتحت المفاوضات يوم 29 فيفري وتعثرت طيلة 18 يوما من المماطلة الفرنسية.

ثم تم يوم 20 مارس 1956 التوقيع على الاتفاق الذي تعترف فرنسا بمقتضاه باستقلال تونس بما يقتضيه من "ممارسة تونس لمسؤولياتها في ميادين الشؤون الخارجية والأمن والدفاع وتشكيل جيش وطني تونسي".


التوقيع على اتفاق الاستقلال في 20 مارس 1956 بباريس

* بناء الدولة الحديثة
 
- بناء الدولة الوطنية وتحديث المجتمع (1956 - 1964)

       استكمال السيادة

   بعد التجاء صالح بن يوسف إلى مصر، اندفعت الحكومة الوطنية بقيادة الحبيب بورقيبة في تحقيق برنامجها لاستكمال السيادة وتحديث المجتمع.

وتمحورت سياسة الدولة في هذه المرحلة حول ثلاثة أقطاب : السياسي والاقتصادي - الاجتماعي والثقافي - التربوي.

أ - على المستوى السياسي، تم تحقيق ثلاثة إنجازات:


الزعيم الحبيب بورقيبة في افريل 1956

- إلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية يوم 25 جويلية 1957 وتكليف الحبيب بورقيبة برئاستها ريثما يدخل الدستور حيز التنفيذ.
- الإعلان عن الدستور التونسي يوم 1 جوان 1959. وقد حاول من خلاله المشرعون التونسيون التوفيق بين الخصائص الثقافية والاجتماعية التونسية وما وصل إليه الفكر التشريعي الحديث في البلدان المتقدمة.
- الجلاء العسكري الذي طالبت به الحكومة التونسية منذ جوان 1956 والذي تحقق بجلاء القوات الفرنسية عن بنزرت يوم 15 أكتوبر 1963 بعد مواجهة عسكرية غير متوازنة أسفرت عن مجزرة رهيبة في صفوف التونسيين (ما بين 1000 و5000 قتيل حسب الروايات).

   كما وقعت تونسة المؤسسات، وشملت التونسة الأمن الداخلي والخارجي والقضاء والإعلام والجهاز الدبلوماسي والإدارة، ببعث إطار إداري جديد (الولاة والمعتمدون) وبتعويض الإداريين الفرنسيين بإداريين تونسيين.

ب - على المستوى الاقتصادي:

   إجمالا، كان مسعى الحكومة التونسية في تركيز أسس اقتصاد وطني إيجابيا وكانت الإنجازات ملموسة، من ذلك النجاح في تحقيق استقلال نقدي بإحداث بنك إصدار تونسي "البنك المركزي التونسي" في 19 سبتمبر 1958 وبإحداث وحدة نقدية تونسية " الدينار" في 18 أكتوبر 1958.


إحداث وحدة نقدية تونسية (18 أكتوبر 1956)

   كما نجحت الحكومة التونسية في الحد من التبعية الاقتصادية تجاه فرنسا. ويعد أهم إجراء في هذا السياق تأميم كافة أراضي المعمرين الفرنسيين في البلاد التي تبلغ مساحتها الجملية قرابة 800 ألف هكتار، وكان ذلك في 12 ماي 1964.

ج - تأسيس المجتمع الحديث وتجديد الثقافة:

   بادرت الدولة الوطنية بتوحيد التشريع وتطويره بما يلائم روح العصر، فأصدرت عدة مجلات قانونية أهمها من الناحية الاجتماعية والتاريخية، مجلة الأحوال الشخصية الصادرة يوم 13 أوت 1956. وتعكس هذه المجلة تأويلا مقاصديا للنص القرآني وخاصة البند الذي يمنع تعدد الزوجات، وهي متماشية مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ومع مقتضيات مشاركة المرأة في كل جوانب الحياة بالبلاد.


تحديث المجتمع : مشاركة المرأة في الانتخابات

   وصيانة للتوجه نحو تحديث المجتمع من خلال تركيز هذا التحديث على قاعدة صلبة تتمثل في تعليم عصري وثقافة حديثة، تم في 4 نوفمبر 1958 سن قانون يهدف بالخصوص إلى إنشاء "مدرسة" جديدة عصرية، مجانية.

   ورغم عدم تحقيق الهدف الأساسي من الإصلاح التربوي، وهو التمدرس الكامل، بسبب التزايد الديمغرافي السريع ومشكلة الرسوب، فإن النتائج كانت إيجابية في الجملة، حيث انتشرت المدرسة في كل المناطق بما فيها الجهات النائية والمعزولة، كما وفر التعليم وسيلة ناجعة لتحقيق الارتقاء الاجتماعي، وأخيرا وفرت المدرسة قاعدة صلبة لإنجاز مشروع ثقافي متجدد وحديث.

وقد شرعت دولة الاستقلال في إنجاز مشروعها الثقافي التحديثي الهادف إلى ترسيخ فكرة "الأمة التونسية" المتجذرة في التاريخ والتي اكتسبت "شخصيتها" عبر مختلف العصور التي عاشتها، مما يجعلها منفتحة باستمرار على مختلف التأثيرات مهما كان مصدرها.

* الاشتراكية الدستورية 1961 – 1970

   مثل يوما 23 مارس 1962 و2 مارس 1963 منعرجا حاسما في تاريخ تونس المستقلة. ففي 23 مارس 1962 كان ميلاد "الاشتراكية الدستورية" عندما أعلن المجلس المحلي للحزب الحر الدستوري الجديد المنعقد من 20 مارس إلى 23 مارس 1962 عن تبني الاشتراكية.

أما في 2 مارس 1963 فقد قرر الحزب الدستوري أثناء انعقاد مجلسه المحلي اعتماد نظام الحزب الواحد.
   ويعني هذان القراران أن دولة الاستقلال، ومن ورائها ومعها الحزب الدستوري، أصبحت المشرف الأول والوحيد على جميع أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالبلاد. فضاق مجال المبادرة أمام الخواص أو كاد ينعدم، ومُنع كل نشاط سياسي، مهما كان حجمه وشكله، خارج هياكل الحزب الدستوري، وتعطل نمو المجتمع المدني بتكثيف التداخل بين الحزب الدستوري وكل المنظمات والجمعيات.


فشل سياسة التعاضد

   كان اختيار الاشتراكية منهجا اقتصاديا لتونس المستقلة عاملا رئيسا لاختيار نظام الحزب الواحد. وكانت المحاولة الانقلابية لسنة 1962، التي تورط فيها بعض صغار الضباط وقدماء المقاومين واليوسفيين، السبب المباشر لهذا الاختيار ومنطلقا لبداية حكم فردي شمولي استمر حوالي 25 سنة متغذيا بالصراع حول خلافة تأخرت كثيرا.

وكان الوزير أحمد بن صالح أكبر مستفيد من هذا التوجه الجديد للنظام إذ تفرغ لتطبيق برنامجه الاقتصادي والاجتماعي ضامنا تأييدا مطلقا من بورقيبة ومن المجتمع السياسي والمجتمع المدني مع غياب تام لكل أشكال المراقبة أو المحاسبة.

   لكن ذلك لم يجنبه كثرة العراقيل إلى درجة بات معها من المستحيل على بورقيبة الاستمرار في حمايته، خاصة عندما وصلت سياسة "التعاضد" إلى طريق مسدود، فتم الإعلان رسميا عن فشل هذه السياسة ووقع، تبعا لذلك، التخلي عنها وعن بن صالح. فقد قرر مجلس الجمهورية، وهو أعلى سلطة تنفيذية آنذاك، التخلي عن التعاضد في 2 سبتمبر 1969، ثم أقيل بن صالح من الحكومة وأطرد من الحزب الاشتراكي الدستوري في 9 نوفمبر 1969 ووقعت إحالته على المحكمة العليا.

- انفتاح اقتصادي وانغلاق سياسي وتعدد الأزمات 1970 - 1980

   بعد فترة عرفت بإسم "وقفة التأمل" ساد أثناءها جدل عام ساهم فيه أغلب التونسيين، اختار بورقيبة الهادي نويرة، المعروف بمعارضته لسياسة التعاضد، وزيرا أول جديدا بمقتضى تحوير جرى يوم 6 نوفمبر 1970، مع العلم أنه تم سنة 1969 إحداث هيكل حكومي جديد، هو الوزارة الأولى تعويضا لكتابة الدولة للرئاسة ولتوسع صلاحيات رئيس الحكومة.

وشرعت هذه الحكومة الجديدة في اتخاذ إجراءات متعددة لتصفية آثار التعاضد في اتجاه رد الاعتبار للقطاع الخاص قصد تنشيط الاقتصاد الذي أصبح طيلة السبعينات في صدارة اهتمامات الحكومة على حساب الاهتمامات الاجتماعية والثقافية والتربوية، كالتعليم وتقليص الفوارق الجهوية والاجتماعية.

* الإنجازات والنقائص على المستوى الاقتصادي

   تميزت عشرية السبعينات بمنح الأولوية للجدوى الاقتصادية لاستثمارات الدولة على حساب الجدوى الاجتماعية وبتغيير أساسي في نمو القروض الأجنبية نتيجة لاعتماد الصناعة على التوريد (قطع الغيار والآلات...) وسن القوانين المشجعة على الاستثمار الأجنبي (قانون أفريل 1972 وقانون أوت 1974)، وبذلك تطورت نسبة التداين من الناتج الداخلي الخام من 21.8% سنة 1962 إلى 45% سنة 1981.


تونس المدينة

   ولئن سجلت عشرية السبعينات حصول بعض الإختلالات في بعض التوازنات الاقتصادية، كالاختلال بين القطاعات الاقتصادية والاختلال بين رأس المال المحلي ورأس المال الأجنبي، فإن ما يحسب لهذه العشرية هو التأكيد والحرص على المردود والجدوى الاقتصادية مما أدى بالضرورة إلى ارتفاع نسق الإنتاج وتحقيق انتعاشة اقتصادية، خاصة أثناء النصف الأول من السبعينات، عندما ارتفعت أسعار النفط، المتوفر بتونس بكمية تسمح تصديره، وتعاقبت السنوات الممطرة. ولما تراجعت أسعار النفط وتقلصت كميات الأمطار طفت على السطح سلبيات التوجه الليبرالي وبدت نقائصه واختلالاته واضحة في المستوى الاجتماعي.

* تعدد الأزمات

   شهدت فترة السبعينات عدة أزمات متفاوتة التأثيرات والخطورة وكان أغلبها نتيجة التعارض بين الاختيار الليبرالي على المستوى الاقتصادي وبين النظام الأحادي على المستوى السياسي، إضافة طبعا، إلى أسباب أخرى تخص كل أزمة على حدة. ومن أبرز هذه الأزمات:

- أزمة الجامعة التونسية:

   تجسمت في تنامي الاضطرابات بالجامعة (أحداث ربيع 1968) والدخول في أزمة عميقة هددت جديا كيانها ورصيدها العلمي والمعرفي على امتداد السبعينات وحتى منتصف الثمانينات.

- الصدام مع الاتحاد العام التونسي للشغل:

   بلغ أوجهه على إثر إعلان الهيئة الإدارية للاتحاد عن شن إضراب عام ليوم واحد (26 جانفي 1978) وقد نُفذ هذا الإضراب وحصلت أثناءه مصادمات بين قوات النظام العام والمتظاهرين، وتدخل الجيش وسقط عديد القتلى والجرحى.

- أزمة النظام الأحادي:

   دخل النظام الأحادي في أزمة منذ نهاية الستينات بسبب انعزال القيادة وانسداد الآفاق وغلق كل منافذ التعبير المخالف وتهميش قسم مهم من الكفاءات. ومما زاد في حدة الأزمة بداية الصراع حول الخلافة منذ أول أزمة قلبية تعرض لها بورقيبة في 14 مارس 1967.

وقد فضل بورقيبة عدم الحسم في هذه المسألة بأن أقر مبدأ الرئاسة مدى الحياة سنة 1975.

وقد تكاثر، تبعا لذلك، عدد الحركات السياسية المعارضة كرد فعل على رفض بورقيبة المتواصل للتعددية السياسية ورفضه السماح بتطور مستقل للمجتمع المدني. وبرزت في السبعينات عدة حركات سياسية جديدة، مختلفة التسميات والأصول والايديولوجيات.

ولم يستطع النظام الأحادي التأقلم مع هذا الواقع السياسي الجديد، واكتفى بملاحقة الأحداث وبردود فعل آنية وحلول مؤقتة دون الاقتناع بضرورة الانتقال إلى نظام تعددي منسجم مع روح العصر محليا وعالميا. لذلك حصل الانفجار، مرة أولى في جانفي 1978، ومرة ثانية بعد سنتين (جانفي 1980) في شكل تمرد مسلح بجهة قفصة، قامت به مجموعة من التونسيين المهاجرين، من ذوي الميول القومية، المدعومين من أطراف أجنبية، وأدى إلى حصول ارتباك عام وانسحاب الهادي نويرة من الساحة بسبب المرض.

- صراعات الخلافة وتتالي الخيبات 1980 - 1987

   ركزت الدولة عنايتها، في السبعينات، على المسألة الاقتصادية والاجتماعية، فيما انفردت هذه المرحلة (1980 - 1987) بتغييب الرؤى الاقتصادية - الاجتماعية الواضحة وانصراف اهتمام الدولة إلى المسألة التربوية - الثقافية، فجل المواقف السياسية قد تحددت باعتبار القطب التربوي - الثقافي، مما ساهم في استفحال أمر المجموعات السياسية المتسترة بالدين.

وقد أفضى هذا الوضع الفريد في تاريخ تونس المعاصر إلى نتيجتين:

* أزمة اقتصادية - اجتماعية خانقة كادت تعصف بأركان الدولة في سنة 1984 - 1985 وأدركت ذروتها بحصول إختلالات خطيرة في كل التوازنات وصلت إلى حد الأزمة العامة سنة 1985 - 1986 وكاد يحصل إثرها الانهيار الشامل.

وتجلت هذه الأزمة بالخصوص في تعدد الاضطرابات بالجامعة وامتدادها إلى المعاهد الثانوية بتحريض من الحركة الدينية المتطرفة، وفي الإضرابات العمالية وأخيرا في "انتفاضة الخبز" التي جدت على إثر قرار الحكومة بمضاعفة أسعار المواد الغذائية الأساسية دفعة واحدة في أواخر ديسمبر 1983.

* عدم استقرار سياسي بفعل احتداد صراعات الخلافة، كان - بفعل التطرف الديني - يهدد استقرار الدولة وأمنها.

- الصراع على الخلافة

   تعددت أطراف هذا الصراع وتنوعت أشكاله وكثرت ضحاياه، ولم يقتصر الأمر على الوزراء بل ألقى بظلاله على كل مكونات المجتمع السياسي والمجتمع المدني.

عديدة هي الأسماء التي شاركت في هذه الصراعات المحمومة، على امتداد عشرين سنة (منذ أول أزمة قلبية تعرض إليها بورقيبة في مارس 1967)، وعديدة هي الأسماء التي سقطت. وقد استعمل المتصارعون وسائل متنوعة لكسب الرهان وتصفية الخصوم، أولها محاولة التقرب من بورقيبة وكسب وده وثقته حيث كانوا يتسابقون في التضخيم من صورته، مكرسين، بوعي ودون وعي، عبادة الشخصية.

إن الذاكرة الجماعية للتونسيين تحتفظ بزعامة بورقيبة للحركة الوطنية وقيادته لها بكل حكمة واقتدار، وتحفظ له مساهمته الفعالة في تأسيس الدولة الوطنية وتوجهه التحديثي، خاصة في المستوى الاجتماعي.