بحث الخلع



عـــــــدة الـمـختـلـعـــة
اختلف الفقهاء في عدة المختلعة على قولين:
القول الأول: أن المختلعة تعتد بثلاثة قروء كعدة المطلقة، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي ورجحه ابن حزم( ).
القول الثاني: تعتد المختلعة بحيضة واحدة، وهو رواية عن أحمد ورجحه ابن المنذر وابن تيمية( ).
استدل من قال: إن عدة المختلعة عدة المطلقة بقوله تعالى: * ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ & [البقرة:228].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يجوز الاحتجاج بهذه الآية حتى يبين أن المختلعة مطلقة، وهذا محل النزاع، ولو قدر شمول نص الآية فالخاص يقضي على العام والآية قد استثني منها غير واحدة من المطلقات كغير المدخول بها والحامل والأمة والتي لم تحض، وإنما تشمل المطلقة التي لزوجها عليها الرجعة( ).
قال الترمذي في سننه: قال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ^ وغيرهم: إن عدة المختلعة عدة المطلقة. وقال بعض أهل من أصحاب النبي وغيرهم: إن عدة المختلعة حيضة( ).
قال الشوكاني: ويجاب بأن ذلك مما لا يكون حجة في مقام النزاع بالإجماع، وأيضاً قد عارض حكاية الترمذي حكاية ابن القيم فإنه قال: لا يصح عن صحابي أنه طلاق البتة( ).
واستدل من قال: إن عدة المختلعة حيضة بما أخرجه النسائي وابن ماجه من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن الربيع بنت معوذ قالت: اختلعت من زوجي، فذكرت قصة وفيها: أن عثمان أمرها أن تعتد بحيضة، قالت: وتبع عثمان في ذلك قضاء رسول الله ^ في امرأة ثابت بن قيس( ).
وعن ابن عباس قال: إن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي ^ فأمرها أن تعتد بحيضة( ).
وهذا الحديث نص في المسألة إلا أنه اختلف في ثبوته، قال ابن عبد البر: روى هشام بن يوسف عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن ابن عباس أن ثابت بن قيس اختلعت منه امرأته، فجعل رسول الله ^ عدتها حيضة.
ورواه عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة مرسلاً.
ورواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن ربيع بنت معوذ قالت: سمعت رسول الله ^ يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتد حيضة. وليست هذه الآثار بالقوية( ).
وقال القرطبي في تفسيره: الحديث مضطرب من جهة الإسناد والمتن( ).
وقال الألباني: قول القرطبي مدفوع لأنه غير قائم على القواعد الحديثية( ).
قلت: أي أنه اختلف فيه على معمر فرواه عنه هشام بن يوسف موصولاً، ورواه عنه عبد الرزاق مرسلاً، وهشام وعبد الرزاق كلاهما ثقتان وقد اختلفا على شيخهما معمر، والظاهر في هذا الحكم لمن وصل؛ لأن معه زيادة علم، والمثبت مقدم على النافي، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والأصل عدم وهْم الراوي لا سيما وأنه يشهد لهذا الحديث حديث ربيع بنت معوذ المتقدم، فيغلب على الظن صحة هذا الحديث، والله أعلم.
قال شيخ الإسلام: المشهور عن عثمان أنها تعتد بحيضة، وهو قول ابن عباس وآخر القولين عن ابن عمر، ولم يثبت عن صحابي خلافه، فإنه روي خلافه عن عمر وعلي بإسناد ضعيف وهو قول أبان بن عثمان وعكرمة وإسحاق بن راهويه وغيره من فقهاء الحديث( ).
والقول بأن عدة المختلعة حيضة هو ما أميل إليه لِما ذُكر من الأدلة وإن كانت غير قطعية لكنها تكفي للترجيح، والله أعلم.
جواز الخلع في الطهر والحيض
جمهور الفقهاء على أن الخلع يقع صحيحاً ولو كانت الزوجة المختلعة حائضاً أو طاهراً طهراً واقعها فيه زوجها، قال في المغني: ولا بأس بالخلع في الحيض والطهر الذي أصابها فيه؛ لأن المنع من الطلاق في الحيض من أجل الضرر الذي يلحقها بطول العدة، والخلع لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة والمقام مع من تكرهه وتبغضه، وذلك أعظم من ضرر طول العدة، فجاز دفع أعلاها بأدناهما.
ولذلك لم يسأل النبي ^ المختلعة عن حالها، ولأن ضرر تطويل العدة عليها والخلع يحصل بسؤالها فيكون ذلك رضاً منها به ودليلاً على رجحان مصلحتها فيه( ).
وقال في فقه السنة: يجوز الخلع في الطهر والحيض، ولا يتقيد وقوعه بوقت؛ لأن الله سبحانه أطلقه ولم يقيده بزمن دون زمن، قال الله تعالى: * ﯦ ﯧ ﯫﯬ & [البقرة:229]، ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام أطلق الحكم في الخلع بالنسبة لامرأة ثابت بن قيس من غير بحث ولا استفصال عن حال الزوجة، وليس الحيض بأمر نادر الوجود بالنسبة للنساء، قال الشافعي: ترك الاستفصال في قضايا الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقام، والنبي ^ لم يستفصل هل هي حائض أم لا، ولأن المنهي عنه الطلاق في الحيض من أجل أن لا تطول عليها العدة، وهي هنا التي طلبت الفراق واختلعت نفسها ورضيت بالتطويل( ).
وقد ذهب المالكية والزيدية رحمهم الله إلى أن في الخلع سنة وبدعة( )، وهذا القول ضعيف ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة، والله أعلم.

حكم لحوق المختلعة الطلاق
جمهور الفقهاء أن المختلعة لا يحلقها طلاق، وقال مالك: لا يرتدف على المختلعة طلاق إلا إذا كان الكلام متصلاً.
وخالف أبو حنيفة الجمهور فقال: يرتدف على المختلعة صريح الطلاق سواء كان على الفور أم على التراخي ما دامت في العدة( ).
وسبب الخلاف أن العدة عند الجمهور من أحكام الطلاق، وعند أبي حنيفة من أحكام النكاح، ولذلك لا يجوز عنده أن ينكح مع المبتوتة أختها، فمن رآها من أحكام النكاح ارتدف الطلاق عنده ومن لم ير ذلك لم يرتدف( ).
وقد رجح ابن حزم أنه يلحقها الطلاق بعد الخلع بناءً على قوله بأن طلاقها رجعي لا بائن، وروى من طريق وكيع عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير قال: كان عمران بن حصين وابن مسعود يقولان في التي تفتدي من زوجها بمالها: يقع عليها الطلاق ما دامت في العدة.
وروى عن طاووس أنه كان يقول: إن طلقها بعد الفداء جاز.
 ونقل عن سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا: الخلع طلاق رجعي( ).
والقول بأن في الخلع رجعة مخالف لما عليه أكثر العلماء.
 قال في المغني: ولا يثبت في الخلع رجعة سواء قلنا: هو فسخ أو طلاق في قول أكثر أهل العلم لقوله سبحانه: * ﯫﯬ & [البقرة:229] وإنما يكون فداء إذا خرجت به عن قبضته وسلطانه، وإذا كانت له الرجعة فهي تحت حكمه، ولأن القصد إزالة الضرر عن المرأة، فلو جاز ارتجاعها لعاد الضرر( ).
والراجح – والله أعلم – أن المختلعة لا يلحقها طلاق وهو مذهب الشافعي وأحمد ورجحه ابن المنذر وهو قول ابن عباس وابن الزبير( ).
قال الشافعي: وإذا خالعها ثم طلقها في العدة لم يقع عليها الطلاق لأنها ليست بزوجة، ولا تحل له إلا بنكاح جديد كما كانت قبل أن ينكحها، وكذلك لو آلى منها أو تظاهر أو قذفها لم يقع عليها إيلاء ولا ظهار ولا لعان، إن لم يكن ولد، ولو ماتت أو مات لم يتوارثا( ).
وقد أشار الإمام الشافعي في كلامه السابق إلى مسألة مهمة، وهي أن المختلعة يجوز لزوجها أن يتزوجها بعقد جديد ومهر جديد سواء كانت في العدة أو بعد انتهاء العدة، وهذا قول أكثر أهل العلم كما قال ابن المنذر( ).
قال في فقه السنة: يجوز للرجل أن يتزوجها برضاها في عدتها ويعقد عليها عقداً جديداً( ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: البينونة نوعان: البينونة الكبرى، وهي إيقاع البينونة الحاصلة بإيقاع الطلاق الثلاث الذي تحرم به المرأة حتى تنكح زوجاً غيره، والبينونة الصغرى وهي التي تبين بها المرأة وله أن يتزوجها بعقد جديد في العدة وبعدها.
فالخلع تحصل به البينونة الصغرى دون الكبرى.
 وإن صرحت ببذل العوض في الطلقة الثالثة المحرمة وكان مقصودها أن تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره فقد بذلت العوض في غير البينونة الصغرى، وهو يشبه ما إذا بذلت العوض في الخلع بشرط الرجعة، فإن اشتراط الرجعة يشبه اشتراطها الطلاق المحرم لها فيه( ).

أثر الخلع في إسقاط الحقوق الزوجية
لا خلاف بين العلماء أن الديون الواجبة على الزوج لزوجته لا بسبب النكاح أنها لا تسقط بالخلع والمبارأة( ).
واختلفوا في إسقاط الخلع للحقوق الزوجية كبقية الصداق والنفقة والكسوة ونحو ذلك.
فذهب الجمهور إلى أن الخلع لا يترتب عليه سقوط حقوق الزوجين؛ لأن أثر الخلع يقتصر على ما سمي من بدل الخلع.
قال في المغني: إذا خالع زوجته أو بارأها بعوض فإنهما يتراجعان بما بينهما من الحقوق، فإن كان قبل الدخول فلها نصف المهر، وإن كانت قبضته كله ردت نصفه، وإن كانت مفوضة( ) فلها المتعة( ).
وذهب أبو حنيفة إلى إسقاط الحقوق الزوجية بالخلع فلا يطالب أحدهما صاحبه بشيء( ).
والراجح ما ذهب إليه الجمهور وهو قول محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة( ) ؛ لأن الخلع على عوض مسمى ولا دليل على إسقاطه لبقية الحقوق الزوجية، بل من ثبت عليه مال فلا تبرأ ذمته إلا بأدائه، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا).
وليس للمختلعة سكنى ولا نفقة ولا متعة.
قال الحسن البصري: وليس للمختلعة ولا المطلقة ثلاثاً سكنى ولا نفقة( ).
وقال الشعبي: ليس للمختلعة متعة، كيف يمتعها وهو يأخذ منها؟!( ).
وقال قتادة: لكل مطلقة متاع إلا المختلعة( ).
وقال ابن حزم: ومن خالع امرأته خلعاً صحيحاً لم يسقط بذلك عنه نفقتها وكسوتها وإسكانها في العدة إلا أن تكون ثلاثة مجموعة أو مفرقة( )، ولا يسقط بذلك عنه ما بقي عليه من صداقها قل أو كثر( ).
وهنا مسألة مهمة تتعلق بهذا المبحث، قال في حاشية الروض المربع: قال الشيخ – أي ابن تيمية-: إذا قال لزوجته: إن أبرأتني فأنت طالق، فقالت: أبرأك الله مما تدعي النساء به على الرجال فقال: أنت طالق، وظن أنه يبرأ من الحقوق، فإنه يبرأ مما تدعي به النساء على الرجال إذا كانت رشيدة( ).

الاختـــلاف فـــي الـخـلـــع
قد يختلف الزوجان في أصل الخلع وقد يختلفان في مقدار عوضه أو جنسه، أو موعد تسليمه أو صفته أو تأجيله أو حلوله.
فإذا اختلفا في أصل الخلع فادعاه الزوج وأنكرته الزوجة فإن المرأة تبين لأنه أقر بالخلع، ولا يستحق عوضاً لإنكار الزوجة وعليها اليمين( ).
وأما إذا ادعته المرأة وأنكره الزوج فالقول قول الزوج؛ لأنه لا يثبت الخلع بإقرارها، ولا يستحق عليها عوضاً لأنه لا يدعيه، وهذا مذهب الأئمة الأربعة( ).
وإن اتفقا على الخلع ولكن اختلفا في مقدار العوض أو في جنسه أو صفته أو تأجيله أو حلوله فقد اتفق الفقهاء على وقوع الخلع ووجوب العوض؛ وذلك لإقرار الزوج بالخلع وموافقة الزوجة له ولكن اختلفوا هل يقدم قول الزوج أو الزوجة فيما اختلفا فيه؟
فذهب الجمهور إلى أن القول قول الزوجة إذا حلفت؛ لأن الأصل براءة ذمتها إلا فيما تقر به، وأما ما تنكره فلا يثبت عليها إلا ببينة، وفي الحديث الصحيح: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)( ).
وقال الشافعية: يتحالف الزوجان فإذا تحالفا سقط المسمى ووجب مهر المثل كالمتبايعين إذا اختلفا( ).
والراجح – والله أعلم – قول الجمهور للحديث المذكور، وقد قال الشافعي بتقديم قول المرأة في بعض صور الاختلاف بين الزوجين، قال /: وإذا اختلف الزوج والمرأة فقال الزوج: طلقتك على ألف. وقالت المرأة: طلقتني على غير شيء. فالقول قول المرأة وعلى الزوج البينة والطلاق واقع، ولا يملك فيه الزوج الرجعة؛ لأنه مقر أن لا رجعة له على المرأة فيه، وإن عليها له مالاً؛ فلا يصدق فيما يدعي عليها ويصدق على نفسه( ).
وأختم هذا المبحث بمسألة مهمة تتعلق به:
قال ابن الرفعة: لو أقامت المرأة على ما تدعيه من الطلاق شاهداً واحداً لم تحلف معه؛ لأن الطلاق لا يثبت بالشاهد واليمين، وإن أقام الرجل شاهداً واحداً حلف معه؛ لأن قصده إثبات المال دون الطلاق( ).

باختصار أهم النتائج التي توصلت إليها بفضل الله وتوفيقه:
1)           معرفة سماحة الشريعة الإسلامية, وأنها ليس فيها حرج بوجه من الوجوه، وأنها كاملة شاملة حكيمة، جاءت بما يصلح العباد، ويدفع عنهم الفساد، فمن مقاصدها جلب المصالح وتكميلها، ودفع المفاسد وتقليلها، ويظهر هذا في معرفة مشروعية الخلع وحكمته وأحكامه العظيمة.
2)           معرفة قدر ما كتبه علماء الإسلام من الكتب الفقهية، وأنه لا يستغني طالب العلم من النظر في كتب المذاهب الفقهية المختلفة, ففوق كل ذي علم عليم.
3)           الحياة الزوجية لا تقوم إلا على السكن والمودة والرحمة وحسن العشرة وأداء كل واحد من الزوجين ما عليه من حقوق، فإن حصل تقصير من أحدهما فالإسلام يوصي بالصبر وشرع من الوسائل الحكيمة ما تعالج بها المشاكل الأسرية، وشرع كل ما يدفع الفرقة، لكن إذا اشتد الشقاق بين الزوجين وتعذر الإصلاح بين الزوجين، فمن حكمة الإسلام ورحمته أن رخّص في الفراق بينهما دفعاً للضرر، فإن كانت الكراهة من جهة الزوج فبيده الطلاق وهو حق من حقوقه له أن يستعمله في حدود ما شرع الله له، وإن كانت الكراهة من جهة الزوجة فلها أن تطلب الخلع، وهو حق من حقوقها لها أن تطلبها في حدود ما شرع الله لها.
4)           الخلع لغة: النزع والإزالة، وشرعاً: فراق الزوجة بعوض.
5)           الخلع مشروع بالقرآن والسنة الثابتة والإجماع الصحيح.
6)           الخلع دليل على واقعية الشريعة الإسلامية، فالإسلام يراعي جميع الحالات الواقعية، ويراعي مشاعر القلوب، فإذا كانت الزوجة كارهة لزوجها لا تستطيع الحياة معه فقد جعل الإسلام الخلع طريقاً لها لتخليصها من زوجها على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها، وهذه هي الحكمة من مشروعية الخلع.
7)           أركان الخلع أربعة: المخالع، المختلعة، الصيغة، العوض.
8)           يصح الخلع من الزوج البالغ العاقل المختار، ويصح من السفيه والمريض مرض الموت، ولا يصح الخلع من الصبي ولا المجنون ولا السكران ولا المكره.
9)           يصح الخلع من الزوجة البالغة الرشيدة. ويصح الخلع من المعتدة من طلاق رجعي لا بائن. ويصح خلع المريضة مرض الموت. ويجوز لولي السفيهة أن يخالع عنها إذا أذنت له بذلك وكان في خلعها مصلحة ظاهرة لها، ولا يصح مخالعة الصغيرة أو السفيهة إذا كانت هي الملتزمة بعوض الخلع، ولا يصح مخالعة المجنونة ولا المكرهة.
10)         ينعقد الخلع بأي لفظ يدل على التراضي ولا بد من الإيجاب والقبول، ولا يشترط لفظ معين، وتصح ترجمة الخلع بكل لغة من أهلها.
11)         صيغة الخلع نوعان:
- منجزة مثل أن يقول الزوج لزوجته: خالعتك بألف درهم، فتقول: قبلت، أو تقول: اخلعني وأعطيك المهر فيقول: قبلت.
- معلقة مثل أن يقول: إن أعطيتني ألفا فقد خالعتك فتقول: قبلت أو لا تقول شيئاً ولكنها أعطته الألف فيقع الخلع عندما تعطيه وإن تراخى.
 ولو خالع الرجل زوجته على أن له الرجعة فالشرط باطل والخلع واقع.
وإن خالع الرجل زوجته وعلق الخلع على مشيئة الزوجة كأن يقول: خالعتك على ألف إن شئت، فالخلع واقع إن شاءت في المجلس، أما إن قال لها: خالعتك على ألف متى شئت، وقع الخلع متى شاءت، ولا يختص بالمجلس.
12)         أخذ الزوج لعوض الخلع جائز، لكن يحرم عليه أن يضار زوجته لأجل أن تطلب الخلع منه، فإن فعل فالخلع باطل والعوض مردود، وأما إن ضارها على نشوزها تأديباً لها لترجع إلى طاعته فخالعته فلا يحرم عليه أخذ عوض الخلع، وكذلك إن كان سيء الخلق ولا يريد بسوء عشرته لها أن تفتدي منه فخالعته لم يحرم عليه أخذ العوض؛ لأنه لم يعضلها ليذهب ببعض ما آتاها، ولكن عليه إثم الظلم وسوء العشرة، وإن أتت بفاحشة فعضلها لتفتدي نفسها منه ففعلت جاز له أخذ عوض الخلع.
 وعوض الخلع يجوز بما اتفق عليه الزوجان سواء بمهر المثل أو أقل أو أكثر، لكن المروءة تقتضي ألا يأخذ أكثر مما أعطاها.
ويجوز أن تختلع منه بالمهر المؤجل؛ لأنه دين في ذمة الزوج، ويجوز أن تختلع منه بمال مؤجل إذا كان الأجل معلوماً.
ويصح الخلع بالعوض المجهول؛ لأن الخلع إسقاط لحق الزوج من البضع، وليس بتمليك شيء، والإسقاط يدخله المسامحة، فإذا رضي الزوج بأي عوض غير محرم شرعاً فله ذلك إذا كان الشيء المجهول مآله إلى العلم.
ويجوز أن يكون عوض الخلع سقوط ما على المخالع من نفقة ماضية واجبة عليه أو نفقة الحمل أو نفقة الصغير أو حضانته.
ويجوز أن يكون عوض الخلع إرضاع المختلعة ولد المخالع، ولا يجوز أن يكون عوض الخلع إسقاطها حقها في حضانة ولدها الصغير؛ لأن حضانة الأم أنفع للولد الصغير، وإن خالعها على شيء محرم يعلمان تحريمه فالخلع صحيح ولا يستحق الزوج شيئاً ويكون خلعها بلا عوض.
ولا يجوز الخلع إلا بتراضي الزوجين لكن إذا امتنع الزوج من الخلع فللقاضي إلزام الزوج بالخلع وله أن يخلع الزوجة من زوجها لو بغير رضاه دفعاً للضرر عن المرأة.

13)         اختلف الفقهاء في جواز الخلع مع عدم الشقاق بين الزوجين والراجح أنه لا يجوز الخلع إلا لحاجة، فإن طلبت الزوجة الخلع بلا حاجة صح الخلع مع إثم الزوجة.
14)         يشترط لوقوع الخلع النية من الزوجين فإن تخالعا هازلين فلغو، وقيل: يقع الخلع قضاء لا ديانة، فإذا وصل الأمر إلى القاضي حكم بوقوع الخلع بحسب الظاهر.
15)         العوض ليس شرطاً في الخلع فيجوز الخلع بلا عوض؛ لأنه حق للزوج فله إسقاطه باختياره.
16)         يجوز الخلع في الحيض والنفاس وفي الطهر الذي أصاب الزوجة فيه.
17)         الأصل وقوع الخلع بإيجاب وقبول، لكن لا يشترط كون القبول في مجلس العقد، فلا بأس بالتراخي، بل وتجوز المعاطاة في الخلع بلا لفظ.
18)         الخلع جائز دون إذن القاضي كالطلاق، ولا دليل على اشتراط إذن القاضي في الخلع.
19)         يحرم على المرأة طلب الخلع لغير حاجة، ويكره لها أن تطلب الخلع إن كانت كارهة لزوجها مع محبته لها، وينبغي لها أن تصبر ولا تختلع منه، ويباح لها أن تطلب الخلع إذا كرهت زوجها أو لعجزه عن أداء حقوقها وخشيت أن يؤدي بها ذلك إلى تفريطها في حقه، ويستحب أن تطلب الخلع إن كان زوجها مفرطاً في حقوق الله، ويجب عليها أن تطلب الخلع إن كان زوجها مصراً على ترك الصلاة ولم يقبل النصيحة والتذكير، وكذا إذا كان متلبساً باعتقاد أو فعل يخرجه من الإسلام، ولم تستطع أن تفارقه إلا بالخلع، وكذلك إذا كان يكرهها على فعل بعض المحرمات أو يجامعها في الحيض أو في الدبر، أو طلقها ثلاثاً وهي تعلم بذلك وأنكر؛ فيحرم عليها أن تمكنه من نفسها ويجب عليه أن تفتدي منه وتؤجر على ما تبذله من مال في هذا الخلع.
20)         يباح للزوج أن يطلب من زوجته المخالعة إذا رأى منها نشوزاً ولم ينفع معها الوعظ والهجر والضرب، وكذا يباح له ذلك لتركها طاعة الله كالصلاة والصوم ووقوعها في المعاصي إذا لم تنتفع بالنصح والتوجيه، ويحرم على الزوج أن يطلب منها الخلع بغير وجه حق.
21)         يجب على الزوج إجابة طلب منها الخلع إذا رأى منها صدق الطلب وعزمها عليه ما لم يكن طلبها محرماً أو مكروهاً فلا يجب عليه حينئذ أن يجيبها بالخلع.
22)         يصح لكل من الزوجين أو من أحدهما التوكيل في الخلع.
23)         يصح خلع الأجنبي للحاجة والمصلحة للزوجين أو لأحدهما، ولا يجوز خلع الأجنبي بلا حاجة أو لمصلحة الأجنبي نفسه أو لمصلحة غيرهما.
24)         اختلف الفقهاء خلافاً كبيراً في كون الخلع فسخاً أو طلاقاً، ولكل من الفريقين استدلالات كثيرة ومناقشات عديدة، والذي ظهر لي - والعلم عند الله - أنه فسخ، والترجيح في هذه المسألة الشائكة يترتب عليه أمور كثيرة؛ ولذا ينبغي رفع الأمر فيها عند التنازع إلى القضاء؛ فإن حُكم القاضي يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية.
25)         مما يترتب على اعتبار الخلع فسخاً أو طلاقاً:
- إذا اعتبرنا الخلع فسخاً فإن للمخالع أن يعيدها بعقد جديد، ولو تكرر منه الخلع مرات عديدة، أما إذا اعتبرنا الخلع طلاقاً فإنه يُحسب من الطلقات الثلاث.
- إذا اعتبرنا الخلع فسخاً فإن الطلاق لا يقع عليها في عدتها منه، وإذا اعتبرنا الخلع طلاقاً فإنه يقع الطلاق عليها في عدتها منه، إذا كان الخلع دون الثلاث.
- معظم الذين قالوا: الخلع فسخ، قالوا: عدة المختلعة حيضة واحدة، ومعظم الذين قالوا: الخلع طلاق قالوا: عدة المختلعة ثلاثة قروء.
26)         المختلعة لا يلحقها طلاق لأنها ليست بزوجة، ولا تحل له إلا بعقد جديد ومهر جديد إن رضيت بالزواج به سواء كانت في العدة أو بعد انتهاء العدة.
27)         الخلع لا يترتب عليه سقوط حقوق الزوجين، وأثر الخلع يقتصر على ما سُمي من بدل الخلع، فيتراجعان بما بينهما من الحقوق كبقية الصداق وما وجب عليه من نفقة أو كسوة ماضية، وكل ديونه لها باقية في ذمته إلا إن خالعها على ما في ذمته من الديون كلها.
28)         ليس للمختلعة سُكنى ولا نفقة ولا متعة طلاق.
29)         إذا اختلف الزوجان في أصل الخلع فادعاه الزوج وأنكرته المرأة فإن المرأة تبين؛ لأنه أقر بالخلع، ولا يستحق عوضاً منها لأنكارها وعليه اليمين، وإذا ادعته المرأة وأنكره الزوج، فالقول قول الزوج ولا يثبت الخلع بإقرارها، ولا يستحق الزوج عوضاً لأنه لا يدعيه.
30)         إن اتفق الزوجان على الخلع لكن اختلفا في مقدار العوض أو في جنسه أو صفته أو تأجيله أو حلوله، فالخلع واقع والعوض واجب، والقول قول الزوجة مع يمينها.