الحياة الاقتصادية في الدولة الإسلامية

الحياة الاقتصادية في الدولة الإسلامية

تعريف المدينة
مدخل : الموارد المالية في المدينة الإسلامية
1)     الضرائب المشروعة التي أباح الشرع جبايتها
                                              ‌أ-           الخراج:
                                           ‌ب-        المعادن والركاز.
                                            ‌ج-         الزكاة.
                                             ‌د-          الجزية.
                                              ‌ه-          المواريث الحشرية.
                                             ‌و-          العشور.
                                             ‌ز-         التعتيب.
2)     المكوس : (ضرائب إضافية غير مشروعة تؤخذ عند الضرورة).
3)     الأوقاف الخيرية.
أولا: الصناعة وأصنافها في المدينة الإسلامية.
1)    تصنيف الصناعات والصناع
2)    الطوائف الصناعية وتاريخهم السياسي في الدولة الإسلامية.
3)    نماذج لبعض الصناعات في المدن الإسلامية:
                                  ‌أ-          صناعة المنسوجات.
                               ‌ب-       استنباط موارد المياه الجوفية.
                                ‌ج-        صناعة السكر.
                                 ‌د-         صناعة الورق.
                                  ‌ه-         صناعة الأسلحة.
4)    أسواق المدينة والرقابة عليها.
ثانيا : التجارة الإسلامية ومسالكها في العالم الإسلامي.
1)    الطريق البحري من بلاد الإسلام إلى الهند والصين
2)    الطريق البري من بلاد الإسلام إلى الهند والصين.
3)    الطريق البحري الذي ينطلق من أوربا مارا ٍعبر بلاد الإسلام إلى بلاد الهند والصين.
4)    الطريق البري الذي ينطلق من أوربا مارا عبر بلاد الإسلام إلى بلاد الهند والصين.
ثالثا : الزراعة في الدولة الإسلامية.
1)    تقسيم الأراضي:
2)    الحاصلات الزراعية في العالم الإسلامي عبر تاريخ الحضارة الإسلامية.
3)    المؤلفات في مجال الزراعة وعلومها.
                                   ‌أ-          علماء اللغة وأصحاب المعاجم اللغوية.
                                ‌ب-       أصحاب كتب النباتات الطبية.
                                 ‌ج-        الفلاحة من كتب في مجالها.

تعريف المدينة :
كلمة المدينة كلمة آرامية الأصل، وتُطلق على المكان الذي يكون فيه القضاء، ويتوفر فيه العدل والأمن أكثر من أي مكان آخر، لكونها مقر السلطة الحاكمة. فالمدينة بهذا المفهوم لا تُسمى مدينة إلا إذا كانت مقرا لصاحب السلطان أو مَن يمثله من الولاة في المدن الصغيرة. ولذلك اشترط ابن خلدون في الحضر أو المدينة أن تكون لها سيادة إدارية، أي نظام واستقرار.
والفرق بين المدن والأمصار من جهة والأرياف والقرى الزراعية من جهة أخرى ليس في مسألة المساحة وعدد السكان وإنما هو مسألة وظائف وسلطة إدارية، حيث يشترط في المدينة والأمصار أن تختص بمؤسسات كالمساجد الجامعة، والحمامات، والأسواق، والصنائع، والحرف المختلفة التي تعتبر من أهم معالم المدينة والعمران الحضري، وأن يشتغل أهلها في التجارة والصناعة والعمارة والإدارة والثقافة والخدمات العامة. في حين يشتغل أهل القرى في الزراعة والرعي وتربية الماشية، ويشرف على سكانها العُمد وبعض الوجهاء.
مدخل : الموارد المالية في المدينة الإسلامية
كانت المدينة في التاريخ الإسلامي مركز إقليم من  الأقاليم، وتختلف في اتساعها وعدد سكانها بحسب الإقليم الذي تُوجد فيه كعاصمة له، وتعتمد المدينة اعتمادا كبيرا في توفير الغذاء وكل ما يحتاجه أهلها على هذا الإقليم، فتجبي الضرائب والزكاة من أهل هذا الإقليم ويمكن تقسيم هذه الضرائب إلى قسمين أساسيين:
1)     الضرائب المشروعة التي أباح الشرع جبايتها:
ويمكن تقسيم هذا  النوع إلى سبعة أقسام:
                          ‌أ-      الخراج:
وهو المال الذي يفرض على سواد المدينة من الأراضي الزراعية، ويُقدّر بناء على قرار عمال الجباية الذين يزورون هذه الأراضي.
                        ‌ب-    العادن
وهي المعادن التي تستخرج من باطن الأرض في المدينة أو ضواحيها، ثم الركاز وهو كل مال وُجد مدفونا فيها، وتُقدر قيمة الضريبة فيه بنحو الخمس أو العشر.


                         ‌ج-    الزكاة:
وهي من فرائض الإسلام، وتؤخذ من الأغنياء وتُرد على الفقراء والمحتاجين، وهي ثلاثة أنواع : زكاة الأموال من الذهب والفضة، زكاة الماشية، وزكاة عروض التجارة.
                          ‌د-      الجزية :
 وهي الأموال التي تؤخذ من أهل الذمة من اليهود والنصارى مرة في السنة على الذكر البالغ العاقل. ويُراعى في أخذها حالة الذمي المادية، فقد جعلها عمر بن الخطاب ثلاث درجات 48 درهما على الموسرين، و24 درهما على متوسطي الحال، و12 درهما على الفقراء.
                          ‌ه-      المواريث الحشرية :
وهي مال من يموت وليس له وارث.
                         ‌و-     العشور :
وهي المال الذي يُجبى من تجار الفرنج كضريبة على بضائعهم التي يروجونها في دار الإسلام، فيُؤخذ منهم العشر ، وقد أباح الشافعي زيادتها إلى الخمس أو خفضها إلى نصف العشر أو يزيلها.
                         ‌ز-     التعتيب :
وهي ضريبة فرضت في الأندلس في عهد يوسف بن تاشفين وكان الغرض من جبايتها هو ترميم الحصون والأسوار التي حول المدن الرئيسية لحماية المدن من الاعتداء عليها ، وقد أجاز فقهاء الأندلس هذه الضريبة.
2)     المكوس : وهي ضرائب إضافية غير مشروعة:
وتسمى أيضا بالمال الهلالي لأنها تجبى مع هلال كل شهر قمري ، بعكس المال الخراجي الذي يُجبى كل سنة. ويرى كثير من الفقهاء عدم جواز هذه الضرائب ، ولكن يبدو أن قلة موارد بيت مال المسلمين، وازدياد النفقات، وارتفاع المرتبات اضطرت المسؤولين إلى فرض هذه الضرائب التي اتسمت بالكثرة والتنوع وعدم الثبات على حال. وشملت هذه المكوس أغلب السلع الواردة من الخارج، وكذلك السلع التي كانت تُباع في الأسواق، وعلى السفن المارة من شواطئ الدولة الإسلامية.
ورغم أن هذه المكوس كانت تشكل موردا خصبا للدولة، إلا أنها في الوقت نفسه كانت تسبب إرهاقا للناس، فكثرت التظلمات، وعمت الشكوى خصوصا من تصرفات بعض مَن يقومون بجباية هذه الأموال، فقد اشتكى ابن جبير الرحالة المغربي حينما زار مصر في عهد صلاح الدين الأيوبي من قسوة الإجراءات الجمركية في المواني.
وعموما فإن هذه الضرائب المشروعة وغير المشروعة التي كانت تُجبى من المدن الإسلامية، كانت تمثل موردا ماليا هاما لبيت المال بجانب الأموال الخراجية . فمن هذه الأموال كانت الدولة تقوم بالإنفاق على الأوجه المختلفة مثل : نفقات القصور، وأرزاق الجند، ورواتب الموظفين، والإنفاق على الحملات العسكرية، والمعدات الحربية، والإنفاق على المشروعات العامة مثل: حفر الترع والقنوات ، وإقامة الجسور، وبناء المستشفيات ، والنفقة على المسجونين وأسرى الحرب وغيرها.
والمدينة التي تسهر على جمع هذه الأموال تأخذ في الغالب أقل من نصفها وتحول الباقي إلى بيت مال المسلمين لتساهم به في ميزانية الدولة وليُصرف في المصالح العامة كما مر بنا. أما ما تأخذه المدينة فيصرف في صيانة المنشآت العامة كالمساجد ومراكز الشرطة والسجون والمستشفيات ، والخدمات البلدية كما يُعرف عندنا اليوم مثل غزالة الأوساخ والأزبال، والحراسة الليلية وغيرها من الخدمات الأخرى.
3)     الأوقاف الخيرية.
إضافة إلى الموارد السابقة ظهر في الدولة الإسلامية مورد آخر لعب دورا مهما في اقتصادها، ألا وهو نظام الوقف والحبوس ، وهو نظام إسلامي الغرض منه هو حبس أو وقف ريع الأراضي أو المؤسسات أو الأموال لتُصرف وبصفة دائمة على جهات البر والإحسان، كصيانة المساجد والمستشفيات والمدارس، وإعانة الفقراء والمحتاجين والأيتام والمساجين، وتوفير مياه الشرب وغيرها.
أولا : الصناعة وأصنافها في المدينة  الإسلامية:
     حث الإسلام على العمل، وجعل من الإنتاج عبادة وتقربا إلى الله تعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)، وقال (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة )، وقال صلى الله عليه وسلم (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه).
والمعروف أن أهل الجزيرة العربية قبل الإسلام كانوا يعملون في التجارة والنقل وتربية الماشية، واشتهروا ببعض الصناعات المحلية كالمنسوجات والجلود والأسلحة خصوصا في اليمن والمدينة المنورة والطائف وعُمان والبحرين. ومع انتشار الفتوحات الإسلامية في الشرق والغرب اختلط المسلمون بشعوب أخرى تعلموا منها الكثير من الصناعات والحرف التي لم تكن معروفة في الجزيرة العربية، فأتقنوها أيما إتقان، خصوصا أن الحكومات الإسلامية المتتالية كفلت لعمالها من أرباب الحرف والصناعات حرية واسعة في ممارسة أعمالهم، باستثناء بعض الصناعات المحدودة التي يتطلب العمل فيها إذنا مسبقا من الحكومة لأجل المصلحة العامة والأمن العام مثل صناعة الأسلحة، وسك النقود، وتركيب الأدوية وغيرها.
وتطورت الصناعة بتوالي الأجيال، إلا أنها بقيت في نطاق الصنائع اليدوية، وبقيت الحالة الاقتصادية متواضعة، وتكفي لضرورات الحياة فقط.
1)     تصنيف الصناعات والصناع
وقد صنف إخوان الصفا طبقات المجتمع في رسائلهم المشهورة ( رسائل إخوان الصفا) على أساس مادي حسب عملهم ودخلهم وليس على أساس أنسابهم وأحسابهم وذلك كما يأتي:
-        الصناع : هم الذي يعملون بأبدانهم وأدواتهم ويعيشون من بيع ما ينتجون
-        التجار : هم الذين يتاجرون بالسلع المختلفة بغية الربح وزيادة رأس مالهم.
-        الأغنياء: هم الذين يملكون المواد الأولية ويشترون البضائع المنتجة، ويدخل في هذه الطبقة التجار.
كما صنف أخوان الصفا الناس من جهة الصنائع نفسها إلى عدة أصناف منها :
                                  ‌أ-          حسب فائدتها:
-    الصنائع الضرورية للمجتمع (كالزراعة ، والحياكة، والبناء).
-   الصنائع المكملة (كالحلج والغزل والخياطة).
                                ‌ب-        حسب موضوعها:
-  كالصنائع الجسمانية والحرف اليدوية، وتُقسم هذه الصنائع إلى قسمين:
§                       الصنائع التي يكون موضوعها بسيطا:
- كالماء (السقايين والملاحين والسباحين …).
- والتراب (كحفاري الآبار والترع والأنهار…).
- والنار (كالنفاطين والوقادين والمشعلين …).
- والهواء (كالزمارين والبواقين والنفاخين …).
- والماء والتراب (كالفخارين..).
§  الصنائع التي يكون موضوعها مركبا وهي:
- المعادن (كالصفارين والحدادين والرصاصين والصواغين).
     - النباتات (كالنجارين والحصريين والخواصين والكتانين).
     - الصناعات (كالصيادين الدباغين والطباخين والوزانين ).
ويرى ابن خلدون أن الصناعة لا توجد إلا في أهل الحضر، ولا تكتمل إلا بكمال العمران الحضري، وكلما تطور مصر من الأمصار، ازدادت فيه الصناعات وتنوعت، وتوفرت فيه وسائل الترف المختلفة .

2)     الطوائف الصناعية وتاريخهم السياسي في الدولة الإسلامية.
     بتطور الحياة الاقتصادية وتعقدها في العالم الإسلامي، قوي الشعور المشترك بين أصحاب كل حرفة، فأصبح لكي أصحاب حرفة صناعية رئيس أو شيخ يقوم بدور الوكيل في المطالبة بحقوقها، وتحديد قيمة صناعتها، والعمل على تسويق منتجاتها في الأسواق. كما يكون رأيه مسموعا ومقبولا لدى القاضي أو المحتسب في المدن.
ويتدرج أصحاب المهن الحرفية أو الصناعية من العامل البسيط إلى صانع ثم إلى صانع مدرب، وتُقام الاحتفالات والمراسيم الخاصة لكل صاحب حرفة إذا بلغ مستوى عالي من التدريب، وأصبح خبيرا في مجال صنعته.
ويمكن تلخيص وظائف الطوائف المهنية في المدينة الإسلامية في الأمور الآتية:
-        تعليم الصبيان والشباب أسرار المهنة وتحديد العلاقة بين المدرِّب والمدَرَّب.
-        مراقبة جودة الصنائع، وحماية المستهلك من الغش وسوء الصنعة.
-        المشاركة في تحديد الأجور وأسعار السلع.
-        حل الخلافات التي تنشأ بين أفراد الطائفة الواحدة.
-        اعتبار الرئيس أو الشيخ مسؤولا عن طائفته أمام المحتسب ممثل الحكومة.
وتُشبّه هذه الطوائف الصناعية المختلفة في التاريخ الإسلامي بنظام نقابات الصناع أو اتحادات العمال في وقتنا الحاضر. وقد كان لهذه التجمعات حسب الحرف والصناعات دور أساسي في ظهور الكثير الثورات الشعبية، والجمعيات السرية التي أقلقت الحكام في فترات كثيرة من التاريخ الإسلامي. فقد انضم بعضهم للحركات الصوفية، وبعضهم للحركات السياسية كحركة القرامطة السرية التي كان شعارها المطالبة بالمساواة بين الناس وكان قائدها في ذلك الوقت سعيد الجنابي وهو من الإسماعيلية الباطنية.
كما انضم بعض الحرفيين في بغداد لجماعة العيارين أو الشطار أو الفتيان التي كان أول ظهورها إبان الخلاف القوي بين الأمين والمأمون، وقد ناصروا الأمين وقاتلوا جيوش المأمون (197هـ). وظلت هذه الفرقة تنمو وتقوى حتى أصبحت مصدر قلق لحكام بني العباس مما دعا الخليفة العباسي الناصر لدين الله على استقطابها، وإعادة تنظيمها والاستفادة منها في الحروب والمنازعات التي كانت تحدث هنا وهناك.
ولم تقتصر هذه الحركات الشعبية التي انخرط فيها الحرفيون على بغداد والقسم الشرقي من الخلافة العباسية وإنما امتدت غربا إلى الشام ومصر أيضا. فقد كان لها نفوذ قوي، ومنظمة تنظيم جيد، وقد أدرك حكام الدولة الفاطمية في مصر خطورة هذه الحركة، فعملوا على إجراء إصلاحات اقتصادية شاملة تقوم على سيادة الأمن والنظام والعدالة، فجندت شباب هذه الحركة، وأعطتهم بعض الحقوق، واستفادت منهم في الحروب الصليبية في فلسطين.
أما زمن الأيوبيين والمماليك فقد ظهرت منظمات شعبية مسلحة أُطلق عليها اسم الحرافيش مشابهة لحركة العيارين أو الفتوة كان لها دور أساسي في مقاومة حملة لويس التاسع على دمياط عام 647هـ.
3)     نماذج لبعض الصناعات في المدن الإسلامية:
تعددت الصناعات في المدن الإسلامية حتى صارت مظهرا من مظاهر ازدهارها الاقتصادي، ويمكن أن نذكر نماذج لبعض الصناعات المهمة التي عُرفت عبر التاريخ الإسلامي:
                 ‌أ-    صناعة المنسوجات:
- الصناعات القطنية:
     اشتهر المسلمون عبر تاريخ الحضارة الإسلامية بصناعة الكثير من المنسوجات المختلفة التي تعلموا الكثير منها من حضارات أخرى مثل حضارة فارس والروم والأقباط في مصر، وطوّروا هذه الصناعات، وانتشرت في كامل أنحاء العالم الإسلامي في بغداد وأصفهان وسمرقند ودمشق ودمياط، ووصلت حتى الأندلس، وأصبح هذا التشابه في إنتاج المنسوجات دليلا على أن الإسلام كان عامل توحيد فني وصناعي إلى جانب كونه عامل توحيد ديني وثقافي. ورغم هذا التشابه الكبير في صناعة المنسوجات، فلم يمنع من وجود بعض الفروق والأولويات حسب كل إقليم .
ففي المشرق العربي انتشرت زراعة القطن وصناعته الذي انتقل إليه من الهند، وأصبحت أهم مراكزه في العالم الإسلامي في بلاد ما وراء النهر (تركستان) وشرق فارس ، ومرو ونيسابور ومعظم مدن خراسان ومدن العراق مثل البصرة والموصل وحران وغيرها، ثم انتقلت زراعة القطن وصناعته إلى بلاد الشام مثل دمشق . وقد صُنعت من أنواع القطن الممتازة ملابس قطنية مختلفة تفاوتت في جودتها وقيمتها المادية، ففيها المتوسط وفيها الجيد وفيها الممتاز الذي يشتريه الأمراء والوجهاء والأغنياء.
ثم انتقلت زراعة القطن إلى أوربا عن طريق الأندلس وصقلية وبعض المنافذ الأخرى، وأصبح القطن من أهم المواد الخام التي قامت عليها الثورة الصناعية في أوربا.

-       صناعة المنسوجات القائمة على الكتان:
  انتشرت زراعة الكتان في جميع أنحاء مصر ، وعليه قامت صناعة المنسوجات الكتانية بأنواعها المختلفة، وقد اختصت مدن شمال الدلتا مثل دمياط والإسكندرية بصناعة الأنسجة الكتانية التي كانت تُصنع منها الملابس الداخلية . كما اشتهرت العراق وإيران بزراعته وصناعته.
أما في الأندلس فقد انتشرت صناعة المنسوجات الكتانية البديعة والغالية الثمن، واشتهرت سرقسطة ولارده وباجة بصناعة الكتان في الأندلس . أما في أقصى الشرق في بلاد ما وراء النهر فكان يندر وجود الكتان وتعتبر الملابس الكتانية من الهدايا القيمة لندرتها.
-     صناعة الحرير :
انتشرت صناعة الحرير في بلاد الأهواز التي أخذتها من بلاد الصين وبيزنطة، ثم ما لبثت هذه الصناعة أن انتشرت في إيران ودمشق ومصر والأندلس التي تعتبر من أهم البلدان في العالم الإسلامي التي انتشرت فيها صناعة الحرير بأنواعه المختلفة، وحُظيت منسوجاته الحريرية بشهرة كبيرة في كثير من الأوساط وخصوصا الأوربية.
 ومن أهم أنواع الحرير : الخز والديباج والدماسك وغيرها، وانتشرت هذه الأنواع في مختلف أنحاء العالم الإسلامي بعد اهتم المسلمون بتربية دودة القز، وحملوها من مكان إلى مكان.
-     المنسوجات الصوفية:
حظيت صناعة الصوف في مدن  بخارى وفارس وأرمينية بشهرة عالمية لجودة الصوف فيها. فانتشرت صناعة السجاد والبسط الجميلة والمطرزة بألوان مختلفة وصور غاية في الجمال. كما اشتهرت اليمن والعراق بالصناعات الصوفية الكثيرة والمتنوعة ولها مسميات كثيرة مثل الحبرات والبت وغيرها . أما الأقمشة الصوفية في مصر فكانت تُصنع في أسيوط حيث تكثر تربية الأغنام، ومنها ظهرت الأقمشة الصوفية كالشيلان والبسط والعمائم والملابس . أما المغرب والأندلس فقد كانت لهم عناية خاصة بصناعة  الملابس الصوفية حيث إن قسوة المناخ في إسبانيا يحتم على أهلها العناية بهذه الصناعة والاستفادة من صوف الأغنام التي كانت تُربى بأعداد كبيرة.
               ‌ب-  استنباط موارد المياه الجوفية :
اهتم المسلمون بتوفير مياه الشرب لأهل المدن عن طريق تحويل مياه العيون والآبار للمدن من خلال قنوات ومجاري ظاهرة فوق الأرض وتحت الأرض بطريقة هندسية محكمة بلغت حدا عظيما من الإتقان، وتُصنع هذه القنوات من الفخار أو الخزف وأحيانا من الحجر.
وقد انتشرت هذه الأنواع من القنوات والمجاري في الأندلس والحجاز ونيسابور ومرو . فقد أجرى الخليفة الأموي الحكم المستنصر الماء إلى سقايات المسجد الجامع بقرطبة ، وأوصلت زبيدة زوجة هارون الرشيد المياه إلى مكة المكرمة من عين زبيدة عبر قنوات غاية في الإتقان والهندسة العالية لازالت مياهها تصل مكة حتى اليوم.
أما في المغرب فقد امتدت القنوات كذلك لتسقي أهل مدينة مراكش في عهد علي بن يوسف بن تاشفين . كما أجرى الخليفة الموحدى عبدالمؤمن بن علي المياه إلى مدينة قصبة المهدية (مدينة الرباط اليوم) بعد أن بناها من عين غبولة التي تقع جنوب غرب الرباط على بعد حوالي عشرين كلمتر. والأمر نفسه يُقال عن مدينة مكناس التي جُلب لها الماء عن بعد ستة أميال.
               ‌ج-  صناعة  السكر
تُعرف كلمة سكر في اليونانية باسم سكارو، وفي اللاتينية سكارم ، ثم استعملها الفرس اسم شكر والعرب سكر. ويبدو أن الحضارة الرومانية لم تعرف زراعة قصب السكر حيث إن المصادر التاريخية القديمة عندهم لم تذكر اسم السكر كمصطلح متداول ومعروف. كما أن موسى بن نصير لما فتح الأندلس لا يذكر اسم السكر ضمن المنتجات والغنائم الإسبانية التي أعدها للخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك.
ولكن انتشرت زراعته وصناعته بعد ذلك في غالب مدن العالم الإسلامي وخاصة في الأندلس التي أصبحت من أكبر المناطق زراعة لقصب السكر وصناعته في القرن الرابع الهجري وخصوصا في مدن غرناطة ومالقة وإشبيلية وجليانة وغيرها ، حتى أن الأسبان لما طردوا المسلمين من الأندلس سمحوا لعدد من الموريسكيين المشتغلين بزارعة قصب السكر في إسبانيا بالبقاء لكنهم رفضوا مما تضاءل مع رحيلهم الإنتاج.
أما في المشرق فقد اشتهرت خوزستان ( الأهواز) بزراعة قصب السكر وأن محصوله كان على درجة عالية من الجودة . أما في مصر فقد ظهرت زراعة قصب السكر في القرن الثالث الهجري في مدن الفسطاط والمنيا والفيوم والبلينا وأسيوط ، وقد توسع المصريون في زراعته لشدة الطلب عليه في القصور أيام الأعياد وفي المناسبات المختلفة. ويُعد السكر المصري من أجود الأنواع على الإطلاق.
                ‌د-   صناعة الورق
يعود سبب ظهور صناعة الورق إلى تقدم الحضارات وكثرة التآليف العلمية والدواوين، حيث أصبحت القراطيس التي تصنع من البردي والرقاق لا تكفي، إضافة إلى ارتفاع ثمنها وندرتها، فأشار الفضل بن يحيى البرمكي على الخليفة هارون الرشيد بصناعة الكاغد لمواجهة هذا الاستهلاك المتزايد.
يذكر المؤرخون أن صناعة الورق نُقلت من الصين إلى سمرقند ، وعندما فتح المسلمون سمرقند على يدي القائد قتيبة بن مسلم سنة 94هـ  عملوا على تطوير هذه الصناعة حتى أصبحت سمرقند أكبر مركز لصناعة الورق، ثم انتقلت بعد ذلك إلى بغداد، فأنشأ أول مصنع لصناعة الورق سنة 178هـ، في عهد هارون الرشيد بطلب من الفضل بن يحيى البرمكي بعد أن تزايد الطلب على الورق. ثم انتشرت صناعته بعد ذلك في كافة أنحاء العالم الإسلامي، وهكذا حل الورق محل الرق الجلدي والبردي المصري.
ولقد سبق المسلمون الأوربيين بعدة قرون في صناعة الورق حيث إن أقدم المصانع التي أنشئت لصناعة الورق في فرنسا وإيطاليا وألماينا كانت في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي.
                ‌ه-   صناعة الأسلحة:
استخدم المسلمون في حروبهم المختلفة أنواعا كثيرة من الأسلحة مثل السيوف والرماح والسهام وأقواس اليد والرجل وأقواس اللولب وأقواس الركاب والدرق اللمطية لاتقاء ضربات العدو وسهامه ، والدروع المختلفة والمنجنيقات المدمرة للحصون والدبابات والكباش لنقب الحوائط والأسوار.
كما تُعتبر الخيل سلاحا هاما من أسلحة الجيش، ولذلك اهتموا بتربيتها والعناية بها، وتغطية جسمها بدروع فلاذية عند الحروب.
وقامت صناعة الأسلحة على المعادن المختلفة ولاسيما مناجم الحديد التي كانت منتشرة في كابل وكرمان، وأذريبيجان، وأرمينية، والشام، وصقلية، والمغرب، والأندلس. وعلى أساس هذه الخامات قامت صناعة الأسلحة في العالم الإسلامي مثل : السيوف الفارسية، والسيوف اليمانية، والسيوف الشامية، والسيوف الحنيفية التي كانت تصنع في اليمامة، والأسلحة الأندلسية التي قامت على صناعة الفلاذ الأندلسي المشهور بجودته.
وإلى جانب الأسلحة التقليدية، توصّل المسلمون إلى اختراع أسلحة متطورة، فقد توصلوا لصناعة قدور خزفية في حجم الرمانة محشوة بالجير والنشادر وبعض المواد الكيميائية تُرمى في وجه العدو فإذا انكسرت خرجت منها رائحة سببت للعدو اختناقا .
كما استخدموا قوارير النفط، فإذا ألقيت على هدف من الأهداف أشعلت النار فيه. ولذلك اهتم المسلمون باستغلال آبار النفط التي تكثر في بلاد الإسلام مثل إيران والعراق وصقلية، واستخدموه كمادة هادمة ومتفجرة إذا أُضيف إليه ملح البارود والنشادر وحصى الحديد تحت درجة حرارة مترفعة ، ومهد هذا الاكتشاف لظهور المدافع والأسلحة النارية .
4)    أسواق المدينة والرقابة عليها:
     يعكس سوق المدينة حياتها الاقتصادية، ونشاطها التجاري والصناعي، وقد تشابهت الأسواق الإسلامية في مظهرها العام تقريبا، وقد خُصص لكل نوع من البضائع والصناعات سوق تعرض فيه الصناعات المحلية، ولا يختلط أصحاب الصناعات والمهن بغيرهم، فكل أهل صناعة منعزلون بصناعتهم وتجارتهم. وتنوعت الأسواق مثل :
-        سوق الأقمشة وما يتصل به من أصحاب الحرف كالنساجين والحلاجين والصباغين والخياطين، وكل من له علاقة بصناعة المنسوجات.
-        منها سوق الوراقين حث تباع الكتب والورق.
-       ومنها سوق السلاح حيث تباع السيوف والسهام والدروع.
-        ومنها سوق الكفتيين الذي اشتهر بصناعة قطع النحاس المذهبة.
-       ومنها سوق النجارين حيث تباع المحفورات الخشبية وغيرها من الأسواق الأخرى.
ولقد اهتم الحكام المسلمون بمراقبة الأسواق والتأكد من دقة المكاييل والموازين ويشرف على هذا العمل المحتسب الذي ظهر للوجود من أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم استمر في العهد الأموي ثم العهد العباسي. وكثيرا ما يقوم المحتسب بحل الخلافات التي تنشأ بين أصحاب المهن، فهم بهذا العمل يُعد المنظم الحقيقي للحياة الاقتصادية في المدينة، ويمكن أن نلخص أهم الأعمال التي ينظر فيه المحتسب في الآتي:
                       ‌أ-          منكرات الأسواق: مثل بيع الخمور، ونقص المقياس، وتطفيف الميزان وغيرها.
                    ‌ب-       الإشراف على الآداب العامة : حث الناس على إقامة الصلوات في أوقاتها، وهو مسؤول  الأخلاق والآداب العامة للمجتمع في المدينة، والإشراف على نظافة المساجد والمعاهد التعليمية والحمامات.