بحث حول النظرية البنائية في العلاقات الدولية


النظريات البنائية     Structuralism Theories
في الوقت الذي تميل فيه كل من: - المقاربات الواقعية
                                                                            إلى التركيز على العوامل المادية
                                    - المقاربات الليبرالية                                        
                             فإن:  - المقاربات البنائيـة                      تركز على تأثير الأفكار.
و بدلا من النظر إلى الدولة كمعطى مسبق والافتراض أنها تعمل من أجل بقائها،
يرى البنائيون: أن المصلحة والهوية تتفاعل عبر عمليات اجتماعية (تاريخية) كما يولون أهمية كبيرة للخطاب السائد في المجتمع، لأن الخطاب يعكس ويًشكلً في الوقت ذاته المعتقدات والمصالح، ويؤسس أيضا لسلوكيات تحظى بالقبول.



ساهمت نهاية الحرب الباردة في إضفاء الشرعية على النظريات البنائية لأن الواقعية والليبرالية أخفقتا في استباق هذا الحدث كما أنهما وجدتا صعوبة كبيرة في تفسيره، بينما تمتلك البنائية تفسيرا له، خصوصا ما يتعلق بالثورة التي أحدثها ميخائيل غورباتشيف في السياسة الخارجية السوفيتية باعتناقه أفكارا جديدة "كالأمن المشترك".
زيادة على ذلك، وبالنظر إلى التحدي الذي تتعرض له الضوابط التقليدية بمجرد تحلل الحدود، وبروز القضايا المرتبطة بالهوية، فإنه ليس من المفاجئ أن نجد الباحثين قد التجؤوا إلى مقاربات تدفع بمثل هذه القضايا إلى الواجهة وتجعل منها محور الاهتمام.



ورغم أن التحليل البنائي لا يستبعد متغير القوة، إلا أن البنائية ترتكز بالأساس على: كيفية نشوء الأفكار والهويات، والكيفية التي تتفاعل بها مع بعضها البعض، لتشكل الطريقة التي تنظر بها الدول لمختلف المواقف، وتستجيب لها تبعا لذلك.
ومن  خلال ما سبق:
يتضح أن معرفة ما إذا كان الأوروبيون ينظرون إلى أنفسهم بمنظور وطني أم بمنظور قاري، ينطوي على أهمية تحليلية كبيرة، وينسحب الأمر ذاته عما إذا كان الألمان واليابانيون سيعملون على إعادة النظر في ماضيهم (الهوية..)، بحيث يتبنون أدوارا خارجية فاعلة ( إعادة المجد..)، وعما إذا كانت الو.م.أ ستعتنق أو سترفض هوية تقضي بأن يلعب الأمريكيون دور دركي العالم.
النظريات البنائية متعددة، وهي لا تقدم لنا تصورا موحدا لتوقعاتها حول أي من القضايا المطروحة على المستوى التصوري الصرف، إذ يرى "ألكسندر ووندت" أن التصور الواقعي للفوضى لا يقدم لنا تفسيرا مناسبا لأسباب حدوث النزاعات الدولية، فالقضية الجديرة بالنقاش هي كيف يتم فهم هذه الفوضى؟ وبحسب ووندت، فإن الفوضى هي:
 ما صنعته الدول [وليست معطى مسبق].
 هناك إتجاه آخر للبنائية يركز على مستقبل الدولة، ويعتبر أن الاتصالات عبر الوطنية وتقاسم القيم المدنية أدت إلى تقويض دعائم الولاءات الوطنية التقليدية، وإيجاد أشكال جديدة من الجمعيات السياسية.
كما أن بعض البنائيين يركزون على دور الضوابط ويرون أن القانون الدولي وغيره من المبادئ الآمرة أدت إلى نخر المفاهيم التقليدية البدائية للسيادة، مثلما استطاعت تصوير الأغراض المشروعة التي تمارس الدول سلطاتها استنادا إليها.


إعادة النظر في السياسة الوطنية

مثلما كان عليه الأمر في فترة الحرب الباردة، استمر الباحثون في استكشاف تأثير السياسة الوطنية على السلوك الخارجي للدولة، فالسياسة الوطنية تعتبر متغيرا حاسما في النقاش حول مفهوم "السلام الديمقراطي". وقد قام بعض الباحثين من أمثال "سنايدر، وجيفري فريدن وهيلين ميلنر" بفحص كيفية تأثير مجموعات المصالح في خيارات الدولة بحيث تقودها إلى سلوكات خارجية غير متوقعة. وكذلك فقد قام جورج "داونس و دايفيد روك بتبيان" الدور الذي تلعبه المؤسسات الوطنية في المساعدة على التعامل مع الغموض الذي يكتنف الشؤون الدولية. بينما قام بعض باحثي علم النفس بتطبيق النظرية الإستشفافية جنبا إلى جنب مع أدوات تحليلية أخرى لتفسير سبب إخفاق صناع القرار في التصرف بشكل عقلاني [لمعلومات أكثر حول صناعة القرار في السياسة الخارجية، أنظر مقال مارقاريت هيرمان، وجو هاقان].
شهدت العشرية الأخيرة من القرن العشرين تزايد الاهتمام بتصور الثقافة، وقد تزامن ذلك مع بروز الاتجاه البنائي الذي يركز على أهمية الأفكار والضوابط. فقد استعمل كل من "توماس بيرقر" و "بيتر كاتزنشتاين" المتغيرات الثقافية لتفسير نزوع ألمانيا واليابان بعيدا عن السياسات العسكرية التي تعتمد على الذات. كما قدمت "إليزابيث كير" تفسيرات ثقافية للعقائد العسكرية التي سادت بريطانيا وفرنسا، في فترة ما بين الحربين. أما "لين جونستون" فقد قامت بتقصي حالات الاستمرارية في السياسة الخارجية الصينية فيما تعتبره "واقعية ثقافية" متجذرة. في حين تعتبر التحذيرات الجريئة التي أطلقها "صامويل هنتنغتون" حول "صدام الحضارات" إحدى أعراض هذا الاتجاه التفكيري، حيث يستند طرحه على القول بأن الانتماءات الثقافية الواسعة أصبحت الآن تحل محل الولاءات القومية. لكن وبالرغم من أن هذه الأعمال وغيرها تقارب للثقافة في مفهومها الواسع، غير أنها أبعد من أن تقدم لنا فهما كاملا حول كيفية تفعيلها، والمدى الذي يمكن أن تأخذه آثارها، إلا أن المقاربات ثقافية-التوجه أصبحت جد شائعة في الخمس سنوات الأخيرة. يعتبر هذا الاتجاه وجها من أوجه الاهتمام الواسع بالقضايا الثقافية في الأوساط الأكاديمية (وضمن النقاش العام على حد سواء). كما أنه وفي جانب منه يعتبر ردة فعل على تصاعد حدة النزاعات الإثنية والوطنية والثقافية منذ انهيار الإتحاد السوفييتي.( تأثير البعد الثقافي على قيام و تزايد حدة النزاعات العرقية و الإثنية التي يعود أسبابها إلى الاختلافات في التركيبة الثقافية و الهوية للأطراف المتنازعة – تفسير المقاربة الأولية للنزاعات العرقية-)











لوحة المفاتيح التصورية:(تركيب بين المنظورات)

تعكس هذه النقاشات تنوع الدراسات الأكاديمية المعاصرة حول الشؤون الدولية، كما وتظهر علامات واضحة حول التقاطع المنهجي. فأغلب الواقعيين يعترفون بأهمية القومية والنزعة العسكرية و الإثنية وغيرها من العوامل الوطنية، كما يقر الليبراليون بدورهم بأن القوة تعتبر عاملا محوريا في السلوك الدولي، تماما مثلما يقبل البنائيون بالرأي القائل بأن الأفكار تكتسي أهمية أكبر عندما تسندها دول قوية ويتم تعزيزها بموارد قوة مادية. لقد أصبحت الحدود بين مختلف المنظورات مائعة على نحو ما، وهناك فرصة كبيرة للتحكيم العقلي.
لكن أي من هذه المنظورات تلقي الضوء أكثر على الشؤون الدولية المعاصرة؟ و أي منها يتوجب على صانعي السياسة أخذها بين الاعتبار عندما يكون بصدد تحديد مصائرنا في القرن المقبل؟
تعتبر الواقعية الإطار العام الأكثر إلزاما لفهم العلاقات الدولية، بالرغم من أن الكثير من الأكاديميين والعديد من صناع السياسة يحجمون عن الإقرار بذلك. فالدول مستمرة في إيلاء أهمية كبيرة لتوازن القوى وللقلق بشأن احتمال حدوث نزاع شامل.
إن هذا الاهتمام الكبير بالقوة والأمن يفسر لنا السبب الذي جعل الآسيويين والأوربيين يصرون على الحفاظ وربما توسيع التواجد العسكري الأمريكي في مناطقهم، حيث حذر الرئيس التشيكي "فتشلاف هافل" من أنه:" إذا فشل الناتو في التوسع شرقا فإننا قد ننقاد إلى كارثة عالمية جديدة قد تفوق تبعاتها تبعات الحربين العالميتين الأولى والثانية"، وهذه ليست كلمات رجل يعتقد بأن صراع القوى الكبرى قد ولى من غير رجعة.
أظهرت العشرية الأخيرة مدى رغبة الو.م.أ. في أن تكون الرقم واحد عالميا، ومدى تصميمها على البقاء في وضع المهيمن. لقد استغلت الولايات المتحدة تفوقها الحالي لفرض خياراتها حيث أمكن ذلك حتى وصل بها الأمر إلى حد استفزاز حلفائها القدامى بالرغم من المخاطر التي ينطوي عليها ذلك. إذ فرضت سلسلة من الاتفاقات أحادية الجانب لمراقبة التسلح ضد روسيا، كما هيمنت على مساعي السلام في البوسنة، واتخذت خطوات لتوسيع الناتو تجاه الحدود الروسية، وأصبحت منشغلة بشكل متزايد للقوة المتعاظمة للصين، ودعت مرارا إلى الوثوق في المساعي المتعددة الأطراف وبدور أوسع للمؤسسات الدولية، ومع ذلك، فقد تعاملت مع الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية بعدم اكتراث كلما تعارضت توجهاتها مع مصالح الولايات المتحدة. وقد رفض الأمريكيون الانضمام إلى المجموعة الدولية لحظر الألغام الأرضية المضادة للأفراد. تماما مثلما رفضوا التعاون في قمة الأرض بـ كيوتو. و طالما تفنن القادة الأمريكان في التستر وراء النظام الدولي لتمرير مصالحهم الأنانية. و هكذا، فإن نهاية الحرب الباردة لم تنه سياسة القوة، فالواقعية يبدو أنها ستبقى الأداة الأكثر نفعا في لوحة مفاتيحنا الفكرية.
ومع ذلك، فإن الواقعية لا تفسر كل شيء، وأي قائد متبصر يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الإستبصارات التي تمدها بها المنظورات الأخرى. فالنظريات الليبرالية تحدد الوسائل التي يمكن للدول استعمالها لتحقيق مصالح مشتركة، كما تحدد أهم القوى الاقتصادية التي تساعدنا على فهم سبب اختلاف الدول في خياراتها الأساسية. وفضلا عن ذلك، فإن الحماية الأمريكية ستقلص من مخاطر الصراعات الإقليمية وستعزز السلام الليبرالي الذي ظهر بعد 1945، لذا فإن الوصفة الليبرالية تصبح أكثر أهمية طالما أن الولايات المتحدة ستستمر في توفير الأمن و الاستقرار للعديد من أجزاء العالم.
وفي غضون ذلك، فإن النظريات البنائية تعد الأكثر ملائمة في تحليل كيفية تغير الهويات والمصالح بمرور الزمن، بحيث تنتج عنها تغيرات حادة في سلوك الدول، وفي حالات معينة، تفجر تحولات غير متوقعة في الشؤون الدولية. وفي هذا الإطار، يعتبر من المهم جدا معرفة ما إذا كانت الهوية في أوربا ستستمر في التحول من الدولة-الأمة إلى نطاق محلي أضيق أو إلى نطاق أوسع، إلى الهوية الأوربانية. تماما مثلما يهم معرفة ما إذا كانت النزعة القومية سيحل محلها بالتدريج نوع من الانتماء الحضاري بحسب مفهوم هنتنغتون. ليس للواقعية الشيء الكثير لتقدمه لنا في هذا الخصوص، وصناع القرار قد يشوب نظرتهم الغموض إذا أهملوا مثل هذه الاحتمالات بشكل كلي.
باختصار، فإن كلا من هذه المنظورات المتنافسة ترصد جوانبا مهمة في السياسة العالمية. وفهمنا يعوزه القصور إذا ما نحصر تفكيرنا على إحدى هذه المنظورات، وفي المستقبل، فإن الدبلوماسي المثالي يجب أن يبقى يقظا بخصوص التركيز الواقعي على الدور الذي لايمكن تجاهله لعامل القوة، كما أنه يجب أن يكون واعيا بدور القوى الوطنية وأن يفكر أحيانا من خلال المنظور البنائي للتغير.   
قراءات متعددة لنظام دولي واحد
لقد تعددت القراءات و التحليلات للأحداث الدولية و النظام الدولي الجديد، كما أن أحداث الحادي عشرة من سبتمبر، دفعت بالعديد من المحللين إلى إعادة قراءة النظام الدولي، الذي بدأت ملامحه الأولى توحي ببوادر السيطرة و الهيمنة الأمريكية،" بداية بالتدخل الأمريكي بأفغانستان ووصولا إلى التدخل العسكري في العراق، بناء على ذلك، فان الأوضاع الجيوستراتيجية لما بعد نهاية الحرب الباردة، تتطلب أكثر من أي وقت مضى لإعادة صياغة البراديغمات التي تحتكم في السابق إلى منطق التنافسية الثنائية بين القطبين و الصراع على مناطق النفوذ بين المعسكر الاشتراكي بزعامة الإتحاد السوفيتي البائد و المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية."
إن هذه التحولات المركزية في بنية النظام الدولي، لم تسلم من أثارها و نتائجها الاستراتيجيات الوطنية و الجهوية، و أفرزت العديد من القراءات لمحتوى و طبيعة هذه التحولات، فمن الدارسين من ألبس النظام صبغة الأحادية القطبية، و منهم من اعتبره أقرب إلى التعددية منه إلى الأحادية ، على أن العلاقات الدولية تعرف بعد نهاية الحرب الباردة العديد من التموجات الوقائعية و المعطيات الحاسمة، مما يعطي الانطباع أن النظام الدولي لم تكتمل صورته النظامية بعد (6
لقد عنيت مجمل هذه الدراسات بمعاينة نوعية التحول في النظام الدولي انطلاقا من مؤشرات أساسية و هي: تعدد الفاعلين، طبيعة النظام الدولي و نمط التفاعلات السائدة. فبعد انهيار طرف المعدلة في التوازن الإستراتيجي –الإتحاد السوفييتي-، أصبح الحديث عن التغيير في بنية توزيع القوة الدولية لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، مع تسجيل صعود قوى اقتصادية جديدة كاليابان و ألمانيا و الصين(7.
كما أن "البعد الاقتصادي، أضحى من العوامل الأساسية المساهمة في رسم ملامح الإستراتيجية الدولية، بما يتضح من عمق الهوة الاقتصادية و المالية بين دول الشمال و الجنوب، مما يدفع إلى البحث عن تصورات جديدة في مجال السياسة الدولية و الاقتصاد الدولي (8
.و تماشيا مع البعد الاقتصادي، "فان النقاش القائم حول كيفية التعامل مع الصين، يأخذ أبعادا متعددة ، ففي رأي إحدى المنظورات الواقعية، فان الصين تعد من إحدى النماذج الحديثة لتوجه القوى الصاعدة من أجل تغيير توازن القوى العالمي بأشكال يمكن أن تتخذ منحى خطيرا، وخاصة أن نفوذها المتعاظم يجعلها أكثر طموحا . ومن منظور اندماجي أخر، فان مفتاح التوجه المستقبلي للصين يتوقف على ما إذا كان سلوكها سيتغير بفعل اندماجها في الأسواق العالمية و الانتصار للمبادئ الديمقراطية، أما من وجهة نظر صراعية و في إطار سؤال الهوية، فان العلاقات بين الصين و بقية العالم سوف تتشكل بفعل تأثير عوامل الثقافة و الانتماء للحضارة الكونفوشيوسية"، (فهل سينضر إلى الصين كعضو طبيعي في المجموعة الدولية أو كمجتمع متميز يستحق معاملة خاصة.)
و بالطريقة ذاتها، نسوق مثالا توضيحيا حول المقاربات النظرية "بشأن دور حلف الشمال الأطلسي قي إدارة الأزمات الإقليمية و الدفاع عن العالم الغربي، فالمنظور الواقعي يعتبر أن توسيع الناتو يندرج ضمن مسعى توسيع النفوذ الغربي فيما وراء المجال الكلاسيكي للمصالح الأمريكية الحيوية، و هذا مقابل تراجع النفوذ الروسي و تضيق الخناق عليه من طرف الغرب في ظل استمرار نظرة التوجس لهذا البلد، ففي حين لا يحاول الغرب إزعاج الصين، أو تعريض علاقته معها للتوتر،فانه لا يمانع في إثارة حفيظة الروس و غضبهم ، مع فرض نماذج عديدة من القيود عليه استكمالا لحرب باردة قديمة (9".
"أما المنظور الليبرالي، فيرى أن توسيع الناتو سيعزز الديمقراطيات الناشئة في أوربا الوسطى، و يساهم في توسيع نطاق الآليات الأطلسية في إدارة النزاع في منطقة تبقى فيها الاضطرابات أمرا واردا.
أما من منظور الواقعية الجديدة، فان إدماج دول أوربا الشرقية (جمهورية التشيك، المجر و بولندا) ضمن المجموعة الأمنية الغربية التي تتقاسم أعضاءها هوية مشتركة يجعل من الحرب أمرا مستبعدا
التقاطعات المنهجية للمقاربات النظرية
لقد أصبحت الحدود الفاصلة بين هذه المنظورات غير ذات معنى، إضافة إلى أنها تتسم بالمرونة إلى حد بعيد، فإنها تعطي فرصة أكبر للتحكم العقلي و الاستفادة العقلانية من كافة الأطروحات و المقاربات. فما هي إذن المنظورات التي تلقي الضوء أكثر على الشؤون الدولية المعاصرة ؟ و أي منها الأقرب إلى الفهم و التطبيق من طرف محترفي و صانعي السياسة ؟
"يعتقد أن المدرسة الواقعية تبقى هي الإطار العام الأكثر شمولية و الماما بالواقع الدولي بالرغم من إبداء اهتمام كبير بعناصر أخرى كالصراع الحضاري ،الهوية والانتماء الثقافي، فان الدول ما زالت مستمرة في إعطاء أهمية كبيرة لتوازن القوى، و ما زال القلق قائما بشأن احتمال حدوث نزاع شامل.
فبالرغم من تصاعد موجة العولمة و ارتفاع وتيرة الاعتماد الاقتصادي المتبادل، فان الولايات المتحدة الأمريكية ما زالت تلعب دور الدر كي في وقت الأزمات ، إضافة إلى ذلك، فان الاهتمام بالقوة والأمن يفسر لنا السبب الذي جعل الأسيويين و الأوربيين يصرون على توسيع التواجد العسكري الأمريكي في مناطقهم مع صياغة مفهوم جديد للأمن ينسجم مع رغبة القوة العظمى و تصميمها على البقاء في وضع المهيمن ،حيث فرضت سلسلة من الاتفاقيات الأحادية الجانب لمراقبة التسلح ضد روسيا، وهيمنت على مساعي السلام في البوسنة، و أصبحت منشغلة بشكل متزايد بالقوة المتعاظمة للصين."
بالرغم من دعوات الولايات المتحدة الأمريكية المتواصلة للارتكان للوساطة والمساعي الحميدة المتعددة الأطراف، و إعطاء دور أوسع للمؤسسات الدولية، فإنها تتعامل مع الأمم المتحدة و منظمة التجارة العالمية مثلا بعدم اهتمام، كلما تعارضت توجهاتها مع مصالحها، فقد رفض الأمريكيون الانضمام إلى المجموعة الدولية لحضر الألغام الأرضية المضادة للأفراد، تماما كما رفضوا التعاون في قمة الأرض ب "كيوطو"، كما لا يخفى على أحد الموقف الأمريكي بشأن الصراع العربي الإسرائيلي المنحاز كليا لإسرائيل، التي أقدمت في الآونة الأخيرة في سابقة من نوعها إلى اعتقال وزراء و نواب فلسطينيين من قطاع غزة، تأكيدا لسياسة القوة و الكيل بمكيالين.
"و أخيرا فان هذه المقاربات المتقاطعة من الناحية المنهجية، ترصد جوانب هامة في السياسة الدولية، و فهمنا قد يعتريه بعض القصور ادا ما انصب اهتمامنا على إحدى المنظورات دون الأخرى، و لهذا فان الدبلوماسي أو صانع القرار يلزم عليه أن يتوفر علي ميزات خاصة أبرزها الدراية الأكاديمية و الفهم العميق لهذه الاتجاهات التي تكمل بعضها البعض، فادا كان لا ينبغي له أن يتجاهل أهمية عنصر القوة، فانه إلى جانب ذلك يجب أن يؤمن بدور القوى الوطنية و دور المؤسسات الدولية، و أن يقتنع أيضا بإمكانيات التغيير و التحول حسب المنظور البنائي