الحضارة العربية الاسلامية


                                              

اعتمدت الدولة الإسلامية  على شعوب البلاد المفتوحة. وكانت هذه الشعوب عريقة في حضارتها، فهناك الحضارة الساسانية التي سادت العراق وفارس، وكانت تحتفظ بتراث أسيوي خاص ساهمت في تكوينه الحضارتان الصينية والهندية بنصيب وافر. وهناك الحضارة البيزنطية التي سادت في الأقطار المطلة على حوض البحر المتوسط، وهي حضارة ذات أصول يونانية شرقية، لأن البيزنطيين والرومان من قبلهم، كانوا تلاميذ  لليونان، وكانت الإسكندرية وحران والرها ونصيبين وإنطاكية من أهم مراكز الثقافة اليونانية الرومانية.
فالعرب، رغم تراثهم العريق القديم الذي تمثل، في حضارات معين وسبأ وحمير في بلاد اليمن، وحضارة الحجاز التي اشتهرت بنشاطها التجاري والديني، إلا أنهم وجدوا في البلاد التي فتحوها حضارات متطورة راقية، لها إدارات حكومية منظمة، ونظم اقتصادية متفوقة في الزراعة وأعمال الري والصناعة، وفي ميادين العلوم العقلية والتجريبية كالرياضيات والفلك والفيزياء، فاغترفوا منها بما يتفق مع تقاليدهم وعقيدتهم.
 الدولة الإسلامية باعتمادها على هذه الشعوب، عملت على مزجها وصهرها في البوتقة الإسلامية. وهذا الاتحاد هو السر في تلك النهضة العلمية العجيبة التي امتدت من قيام الدولة العباسية إلى نهاية القرن الرابع الهجري. فان كان للدولة العربية الإسلامية في صدر الإسلام، فضل الفتوح والانتشار والاتصال بالحضارات القديمة مما أدى إلى ظهور المنابت الأولى للحضارة الإسلامية في أواخر عهدها، فإن للدولة العباسية فضل رعاية هذه المنابت الحضارية والعمل على تنميتها وازدهارها. فالمسلمون نقلوا وترجموا وعربوا هذا التراث القديم إلى لغتهم العربية حتى إذا ما استوعبوا ما نقلوه، أخذوا ينتجون ويبدعون ويضيفون، حتى قدموا للعالم ما عرف بالحضارة العربية الإسلامية، وهي الحضارة التي توفرت لها تلك المزايا الثلاث التي لا تتوفر إلا في الحضارات الكبرى وهي:
الامتياز، والأصالة، والإسهام في تطور البشرية.
لهذا أجمع العلماء على أن الحضارة الإسلامية تحتل مكانة رفيعة بين الحضارات الكبرى التي ظهرت في تاريخ البشرية، كما أنها من أطول الحضارات العالمية عمراً، وأعظمها أثراً في الحضارة العالمية.
وتبدأ هذه النهضة الحضارية في العراق بعد أن أسس الخليفة العباسي "أبو جعفر المنصور" مدينة بغداد  (145- 149 هـ) وجعلها عاصمة لدولته، ومقراً للخلافة فصارت مدينة دولية واكتسبت صفة عالمية، وسكنتها عناصر من مختلف الأجناس، والملل والنحل، إسلامية وغير إسلامية، فهناك الفرس والهنود والسريان والروم والصينيون وغيرهم. وكل هذه العناصر لم تسكن بغداد بأشخاصها فقط، بل بثقافاتها وتجارتها وعلمها وفنها، فعربت ألفاظ يونانية وفارسية وهندية كثيرة. وترجمت عن اليونانية "حكم سقراط وأفلاطون وأرسطو"، وظهرت كتب الأدب العربي مثل عيون الأخبار لابن قتيبة، والبيان والتبيين للجاحظ.
وفي خلافة أبي جعفر المنصور (136- 158 هـ) ترجمت بعض أعمال العالم السكندري القديم بطليموس القلوذي  (ت 17 م)، ومن أهمها كتابه المعروف، باسم "المجسطي ".  أي الكتاب الأعظم في الحساب، والكتاب عبارة عن دائرة معارف في علم الفلك والرياضيات. وقد أفاد منه علماء المسلمين وصححوا بعض معلوماته وأضافوا إليه.
وعن الهندية، ترجمت أعمال كثيرة مثل الكتاب الهندي المشهور في علم الفلك والرياضيات، "براهمسبهطسدهانت " وتختصر بسد هانتا أي " المعرفة والعلم والمذهـب ". وقد ظهرت الترجمة العربية في عهد أبي جعفر المنصور بعنوان "السند هند" وهو تحريف للعنوان الأصلي. ومع كتاب "السند هند" دخل علم الحساب الهندي بأرقامه المعروفة في العربية بالأرقام الهندية فقد تطور على أثرها علم العدد عند العرب، وأضاف إليها المسلمون نظام الصفر، والذي لولاه لما فاقت الأرقام العربية غيرها من الأرقام،ولما كان لها أية ميزة، ولما استطعنا أيضاً أن نحل كثيراً من المعادلات الرياضية من مختلف الدرجات، فقد سهل استعماله لجميع أعمال الحساب، وخلص نظام الترقيم من التعقيد، ولقد أدى استعمال الصفر في العمليات الحسابية إلى اكتشاف الكسر العشري الذي ورد في كتاب مفتاح الحساب للعالم الرياضي المسلم جمشيد بن محمود غياث الدين الكاشي(ت 840 هـ1436  م)، وكان هذا الكشف المقدمة الحقيقية للدراسات والعمليات الحسابية المتناهية في الصغر، لقد كانت الأرقام العربية بصفرها وكسورها العشرية بحق هدية الإسلام إلى أوروبا. ومن هذا الكتاب أيضاً استخرج العالم "إبراهيم الفزاري "- الذي أشرف على ترجمته- جدولاً حسابياً فلكياً يبين مواقع النجوم ويحسب حركاتها وهو ما  يعرف باسم "الزيج ". أما الآلة الفلكية التي تستخدم لرصد الكواكب، فكانت تسمى "بالاصطرلاب ". ويعتبر إبراهيم الفزاري أول من صنع الاصطرلاب من المسلمين.
وعن الفارسية، ترجم كتاب "كليلة ودمنة" الذي كان هندياً في الأصل ثم ترجم إلى الفارسية وعنها نقله "عبد الله بن المقفع " إلى العربية في خلافة المنصور أيضاً. هذا إلى جانب ترجمته لعدة كتب أخرى في تاريخ وأدب الفرس ونظمهم وتقاليدهم. ومن المعروف أن الخليفة العباسي المأمون قد أوكل إلى سهل بن هارون، ترجمة الكتب الفارسية. كذلك نذكر كتاب "هزار افسانه " ومعناه ألف خرافة، إذ أن الخرافة بالفارسية يقال لها افسانه، والناس يسمون  هذا الكتاب ألف ليلة وليلة وهو خبر الملك والوزير وابنته وجاريتيها وهما شيرازاد ودينازاد، ويبدو أن هذه القصص وصلت إلى المسلمين عن طريق الفرس، ويظهر في بعضها أثر أفكار الهنود في الأرواح وتناسخها، وقد وضعت هذه القصص في قالب عربي إسلامي في العصر العباسي الأول ثم زيد فيها في العصر الفاطمي بحيث لم يتبق من التأثير الفارسي سوى بعض الأسماء الفارسية. والشاهنامة للفردوس التي ترجمها نثرا الفتح بن علي البنداري سنة  697 هـ/1297 م، وهناك أيضا لعبة الشطرنج الهندية الأصل والتي انتقلت عن طريق الفرس إلى المسلمين، وألفت فيها كتب بالعربية وصار لها انتشار كبير في عالم الإسلام.
وفي خلافة هارون الرشيد (170 هـ/ 786،ـ 193هـ / 808 م) أسس في بغداد في بيت الحكمة" لأعمال النقل والترجمة، الذي ازدهر في عهد ولده عبد الله المأمون (198هـ/813م- 218 هـ/833 م)، فترجمت فيه أمهات الكتب اليونانية القديمة، وأقيمت فيه المراصد، ورسمت فيه الرسوم (الخرائط) الجغرافية على أحدث ما توصل إليه العلم في الأرصاد وأعمال المساحة. كما تخرج منه مشاهير العلماء أمثال " محمد بن موسى الخوارزمي (ت 232 هـ - 846 م) " الذي عهد إليه المأمون بوضع كتاب في علم الجبر، فوضع كتابه " المختصر في حساب الجبر والمقابلة"، وهذا الكتاب هو الذي أدى إلى وضع لفظ الجبر وإعطائه مدلوله الحالي. فالجبر إذن، علم عربي سماه العرب بلفظ من لغتهم، والخوارزمي هو الذي خلع عليه هذا الاسم الذي انتقل إلى اللغات الأوروبية بلفظه العربي  ولقد ترجم كتاب الخوارزمي إلى اللغة اللاتينية في سنة 1135 م بواسطة مستعرب إنجليزي اسمه " روبرت أوف تشستر درس وعاش في أسبانيا حيث كان أسقف بامبلونه ، ومن هناك انتقلت ترجمته إلى أوربا حيث ظلت تدرس في جامعاتها حتى القرن السادس عشر الميلادي. كما انتقلت الأرقام العربية إلى أوربا عن طريق مؤلفات "الخوارزمي ".
هذا وتظهر عبقرية "الخوارزمي " في " الزيج " أو الجدول الفلكي الذي صنعه وأطلق عليه اسم "السند هند الصغير،،وقد جامع فيه بين مذهب الهند، ومذهب الفرس، ومذهب بطليموس (اليونان)، فاستحسن أهل زمانه ذلك وانتفعوا به مدة طويلة فذاعت شهرته وصار لهذا الزيج أثر كبير في الشرق والغرب.
وللخوارزمي مأثرة أخرى، وهي أنه رسم للمأمون خريطة كبيرة للعالم المعمور على أيامه، كما وضع كتاباً جغرافياً بعنوان "صورة الأرض " اعتمد فيه على كتاب المجسطي لبطليموس مع إضافات وشروح وتعليقات. وقد نشر هذا الكتاب وترجم إلى الألمانية سنة 1926 م.
 وفيما يتعلق بمجال الطب فقد احتل الإسلام مكان الصدارة بين الدول وأرسى قاعد قوية ووضع الأساسات لحضارتنا ومدنيتنا.
وقد كان في بغداد ستة آلاف دارس للطب وحوالي ألف ممارس طبي، ثم بعد مضى مائة عام أخرى وجد في دمشق مستشفى مركزي تتبعه كلية كبيرة للطب. وفي ذلك الوقت أيضاً أقيم أيضاً المستشفى الكبير في القاهرة والذي ضم عدة أبنية وأربعة حدائق واسعة وقد زود بالموسيقى لراحة المرضى، كما كان يدفع للمريض الذي يشفى خمس قطع ذهبية لتمكنه من مراعاة صحته خلال فترة النقاهة. ويتضح من هذا أن المستشفيات كانت ابتكاراً إسلامياً.
وقد توصل الأطباء المسلمون إلى آراء جديدة في الطب تخالف آراء القدماء في معالجة كثير من الأمراض، واستخدموا في مستشفياتهم الكاويات في الجراحة، ووصفوا صب الماء البارد لقطع النزف أو معالجة الحميات، وعالجوا الأورام الأنفية وخياطة الجروح، وقطع اللوزتين، وشق أوراق الحلق، وقطع الأثداء السرطانية، وإخراج الحصاة من المثانة، وجراحة الفتق وجراحة العيون، وإخراج الجنين بالآلة، وإخراج العظام المكسورة، واستخدام المرقد (البنج) (ويدخل في تركيبه الأفيون والحشيش وست الحسن) كما فرقوا بين الحصبة والجدري... الخ.
وكان العرب أول من اهتدى إلى القول بأن الأوبئة تنشأ عن تعفن ينتقل عن طريق الهواء والمخالطة وسمو الأمراض المعدية بالسارية ، ودليلها عندهم أن من خالط مريضًا بها أو لبس ثيابه انتقلت إليه عدواه.
وعالج العرب الجنون علاج الأمراض الطبيعية، وكان يسمى عند الإفرنج بالمرض الالهي أو الشيطاني لأنهم حسبوه من إصابات الأرواح أو الشياطين . ولقد أورد صاحب عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، من أسماء الأطباء العرب ، مانيف عن الثلاثمائة ، هذا عدا كثير من الذين لم يتح لهم حظ الشهرة وذيوع الصيت ، ويعترف الفيلسوف الألماني "هومبولد" بأن العرب قد أبدعوا شيئًا كثيرًا في الطب ، وأوجدوا علم الصيدلة الكيماوية ، وعرفوا كثيرًا من النباتات الطبية ، والتي أضيفت إلى ما كان يعرفه الأغريقيون جاءت في كتب ابن سينا وابن داود وابن البيطار وغيرهم .
وحرص الخلفاء وأهل اليسار على إقامة المستشفيات والمعاهد لتعليم الطب ودور لعلاج المرضى ، وكان أول من أقامها في الإسلام هو الوليد بن عبد الملك (عام 88هـ / 706م) وقد قرر بها الأطباء وأجرى عليها الأرزاق . ثم عرفت حواضر الإسلام المستشفيات الثابتة والمتنقلة مه انتشار الأوبئة والأمراض ، أو تنقل الخلفاء والأمراء؛ وقد زودت بصنوف الأدوية وأنواع الطعام والشراب والملابس والصيادلة والأطباء – وكان في كل مستشفى جناح للذكور وآخر للإناث؛ وخُصِّصَ لكل نوع من الأمراض جناح خاص بمرضاه ، وألحقت بكل مستشفى صيدلية تضم أنواع الشراب والمعاجين والأدوية ، ويشرف عليها رئيس يتبعه معاونون ، ويقيم المريض بالمستشفى أو يأخذ معه الدواء إلى بيته إذا لم يقتض مرضه الإقامة. ويتفقد الأطباء مرضاهم في الأقسام التي يقيمون بها؛ وكانت تحبس الأوقاف على المستشفيات ، وترصد لها الأموال وينفق عليها في سخاء ؛ وإذا فرغ الأطباء من أعمالهم مضوا إلى خزائن الكتب في مشتشفياتهم أو دورهم وأكبوا على القراءة لتكون عونًا لهم في ممارسة مهنتهم ؛ وإذا دخل المريض المستشفى نزعت عنه ثيابه وحفظت مع نقوده عند أمين المستشفى ثم ألبس ثياب المستشفى وقدم له العلاج والغذاء والدواء بالمجان حتى يبرأ من مرضه . وعلامة ذلك أن يقوى على أكل فروج ورغيف ؛ وعندئذ يعطى له مال وثياب ويؤذن له في الخروج ، كما كان يحدث في مستشفى البيمارستان العتيق الذي أنشأه أحمد بن طولون عام 259هـ / 872م .
ومن أمثلة دور العلم الطبية (دار ابن سينا)، فكان يجتمع فيها طلبة العلم، منهم من يقرأ في كتاب القانون، وآخر يقرأ في طرق الشفاء، وكان التدريس يتم ليلاً لعدم وجود فراغ خلال النهار بسبب خدمة السلطان والأمراء، ومن أهم المدارس الطبية أيضًا المدرسة الدخوارية بالشام، التي أنشأها أبو محمد بن علي بن حامد المعروف بالدخوار، وكان كحالاً (أي طبيبًا للعيون)، وتتلمذ على يديه كثير من أطباء دمشق، وكان أستاذًا ببيمارستان النوري الكبير، ثم بعد وفاته أوقفت داره وجعلت مدرسة للطب، وكذلك المدرسة الدينسرية التي أنشأها عماد الدين الدينسري، ولكن دور العلم والمدارس الطبية لم تف بالغرض المطلوب؛ لأن الطب من العلوم التجريبية التي لا تصلح لها هذه المعاهد، فكان لابد من الدراسة العملية، ولذلك ظلت البيمارستانات هي كليات الطب المفضلة لتدريس المقررات للطالب، حيث إنها مكان تتوافر فيه الحالات المرضية وطرق العلاج.
والبيمارستان هي كلمة فارسية تتكون من شقين "بيمار" بمعنى المرض، و"ستان" بمعنى مكان، أي أن معناها مجتمعة "مكان المرض" ثم حورت في العصور الحديثة إلى كلمة مارستان، أصبحت لفترة طويلة تطلق على دور العلاج العقلي، حتى صارت التعبير العامي لهذا النوع من المستشفيات.
بذلك أنشئت المدارس الطبية العلمية، أو البيمارستانات التعليمية، وأهمها البيمارستان المقتدري في القرن الرابع الهجري في بغداد، وقد هدمه المغول، والبيمارستان النوري الكبير في دمشق (في القرن السادس الهجري) ، والبيمارستان العضدي في بغداد، والمنصوري بالقاهرة، الذي أنشأه المنصور سيف الدين قلاوون، (في القرن السابع الهجري)، وكان يشرف على البيمارستان ويدرس الطب فيه علماء شهد لهم التاريخ؛ ففي البيمارستان العضدي كان ابن بطلان، وابن التلميذ، وسنان بن قرة ، وفي المقتدري كان الواسطي. وفي النوري: ابن الدخوار، وابن النفيس، وابن أبي أصيبعة.
أما بيمارستان قلاوون في القاهرة فكان أعظم مستشفى، وكلية طبية في تاريخ مصر خلال العصور الوسطى، وكان يشرف على رئاسته كبير أطباء، وهو ما يقابل اليوم عندنا "عميد كلية الطب"، وكان يتم اختياره من كبار الأطباء، وأحسنهم سمعة وعلمًا، وكان الإشراف على البيمارستان يعتبر من وظائف الدولة المهمة ولرئيسه حق مقابلة السلطان في أي وقت، كما كان للبيمارستان قسمان: قسم للرجال، وآخر للنساء، وكل قسم من الأقسام الداخلية يشمل تخصصات عدة مثل: طب العيون – الجراحة – الإسهال والحمى – الأمراض العقلية والنفسية...إلخ.
كما كان قسم خارجي يتردد عليه حوالي 4000 مريض يوميًا يصرف لهم أصناف جيدة من العلاج، وكان كل قسم يشرف عليه رئيس، وكان لرئيس الأطباء ورؤساء الفروع فقط الإذن بمزاولة فنون الطب لمن يرونه صالحًا من الطلاب الدارسين بالبيمارستان، وكان يعاون المدرسين أو الأساتذة طوائف المعيدين، فنظام المعيدين هو أصلاً من ابتكار التعليم الإسلامي، وكان للمعيد واجبات منها ما ذكره القلقشندي (إذا ألقى المدرس الدرس وانصرف أعاد الطلبة ما ألقاه المدرس ليفهموه ويحسنوه).
كان الالتحاق بالمدرسة الطبية أو البيمارستان سهلاً، إذ يذهب الطالب إلى حيث يجلس الأستاذ، ويستمع إليه، والطالب حر في اختيار مقررات الدراسة، بل ودراسة ما يرغب فيه وحرية التنقل من أستاذ إلى آخر، حتى تكون الدراسة على هواه، ولا تفرض عليه في هيئة برامج أو مقررات إجبارية، ولم يكن الأمر فوضى كما قد يتبادر إلى الذهن، ولكن كانت هناك كتب أساسية يجب أن يدرسها الطالب، ولا يمكنه الحصول على إجازته إذا لم يتقن هذه الكتب.
ومن مشاهير الأطباء الذين برزوا في العصر العباسي الأول نذكر الطبيب "جورجيوس ابن بختيشوع " الذي استدعاه الخليفة المنصور من "جنديسابور" (شرقي البصرة) لعلاج معدته التي كان يشكو منها. وبعد معالجة قصيرة شفي على يديه، فجعله طبيبه الخاص فكان ذلك أول صلة بين بلاط بغداد وبين أسرة "بختيشوع " التي لعبت بعد ذلك دوراً هاماً في البلاط العباسي وفي الحضارة الإسلامية.
وفي أيام المعتصم وولديه الواثق والمتوكل، برز الطبيب "يحيى بن ماسويه(ت 243 هـ) " الذي تنسب إليه مؤلفات طبية عديدة من أهمها: "كتاب دغل العين" أي ما يضر العين ويؤذيها، وهو أول كتاب عربي في علم الرمد. كذلك يؤثر عن هذا الطبيب أنه كان يدرس التشريح عن طريق تقطيع أجسام القردة، وكان الخليفة المعتصم يعتمد على مشورته، ولهذا كان يحتفظ ببنية قوية. ويعرف " ابن ماسويه " في الغرب باسم "ماسو الكبير"  .
كذلك نذكر الطبيب اللامع "حنين بن إسحاق (ت 260 هـ )  الذي عرف عند علماء الغرب باسم "يوهانيتس" درس "حنين " الطب على أستاذه "يحيى بن ماسويه" ثم واصل دراسته في بلاد الروم والإسكندرية وفارس، والف كتباً كثيرة أهمها كتاب في الرمد باسم "العشر مقالات في الـعين "، وكتاب " السموم والترياق "، وكتاب في أوجاع المعدة، وكتاب في الحميات، وكتاب في الفم والأسنان. وهذا الكتاب الأخير أعجب به الخليفة الواثق لأنه يصف الفم والأسنان وصفاً دقيقاً. وقد نقل المسعودى في كتابه "مروج الذهب (ج 4 ص 80- 81) " قسماً منه، ذكر فيه أن عدد الأسنان في الفم اثنتان وثلاثون سناً، منها في اللحى (الفك) الأعلى " ستة عشر سناً، وفي اللحى الأسفل كذلك.
 يقول البيروني(ت 1050م) إن الصيدلي أو الصيدلاني يراد به : المحترف بجمع الأدوية على إحدى صورها ، واختيار الأجود من أنواعها مفردة أو مركبة ، على أفضل التراكيب التي خلدها أهل الطب ، فهو الذي يجمع الأعشاب التي تستخدم في العلاج ، والدواء وهو العقار في الصيدلية ، ويراد بالأقرباذين تركيب الأدوية المفردة وقوانينها.
وقد صح عند الباحثين من الغربيين أن العرب هم الذين ابتدعوا فن الصيدلة ، وأنهم أول من اشتغل بتحضير الأدوية الطبية ، وقد جدوا في البحث عن العقاقير في مظانها المختلفة ، وابتكروا الكثير جدًا من أنواعها ؛ وعنهم أخذت أوربا هذا الفن ، ولا يزال الكثير من العقاقير يحتفظ في اللغات الأوربية بأسمائه العربية ، وكان العرب أول من ألف الأقرباذين على النحو الذي يعرف به في أيامنا الحاضرة .
والعرب هم الذين ارتقوا بالصيدلة من مستوى مجرد تجارة العقاقير والتوابل إلى إنشاء مدارس للصيدلة وحوانيت للصيدلة (الأجزاخانات) وكان أول من وضع الأقرباذين سابور بن سهل المتوفي عام 255هـ ، وأمين الدولة ابن التلميذ المتوفى عام 560هـ . كما وضعوا الكتب الصيدلية الخاصة بالتراكيب أي الأقرباذين . وللدلالة على طول باعهم في هذا المجال هو تأليف دساتير الأدوية ، ونذكر نخبة من أشهرها : الحاوي للرازي ، قانون ابن سينا ، وتذكرة داود الانطاكي ، والجامع المفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار ، وكتاب الصيدلة للبيروني ، وكتاب العقاقير للبيروني .
وكان العرب أول من أدخل التقييم المهنى للصيدلة فعينوا لكل مدينة عميدًا للصيادلة ، كما أدخلوا الوصفة الطبية وعلى الطبيب أن يحررها ويكتب الأدوية عليها ؛ كما أدخلوا نظام إجازة الممارسة أسوة بما هو معمول بالطب بحيث لا يسمح للصيدلي بممارسة المهنة إلا بعد اجتيازه الامتحان أمام المحتسب ، وتقييد اسمه في جدول الصيادلة الخاص لذلك .
وهم أول من منع تدخل الصيدلي بأمور الطبيب ومنعوا الطبيب من امتلاك صيدلية أو التعاطى بالأدوية. وهم أول من وضع نظاماً لمراقبة الأدوية وفرضوا تسعيرة الأدوية كما حذروا الصيادلة من بيع السموم الضارة ، وكان يقوم بالتفتيش على الصيدليات المحتسب بشكل دوري ، وربما أسبوعي وأحيانا برفقة الشرطة لمنع الغش والتدليس .
ومن الأعمال التي قام بها الصيادلة العرب تحسين ذوبان وطعم الأدوية ، وأدخلوا تحضيرات جديدة كالمربيات والأشربة الحلوة والمستحلبات . وهم أول من استعمل الوسائل المعطرة بماء الورد والبرتقال والياسمين والليمون واليانسون ؛ وقد حسن العرب المراهم والأدهان والمعاجين واللدائن في معالجة الأمراض الجلدية ، وكانوا أول من غلف الأقراص بالسكر والفضة، حتى يصير طعمها مقبولاً ، كما حضروا الأقماع والتحاميل .
اتجه جمهرة القدماء إلى البحث في خصائص الأشياء ، وتحويل المعادن الخسيسة – من رصاص وحديد وقصدير – إلى ذهب أو فضة . ولهذا اقترنت بحوثهم بالسرية والرمزية والغموض . وسرى هذا التيار عند بعض مفكري العرب في عصورهم الوسطى، ولكن الكثيرين منهم قد انصرفوا عن ذلك إلى الاتجاه ببحوثهم الكيميائية اتجاهًا تجريبيًا واضحًا .
ويكاد ينعقد الرأى اليوم عند الباحثين من الغربيين على أن العرب هم مؤسسو الكيمياء علمًا تجريبيًا شأن غيره من العلوم الطبيعية ؛ فهم الذين خلصوا دراساتهم من السرية والغموض والرمزية التي لازمتها عند أسلافهم – من علماء الإسكندرية بوجه أخص – واصطنعوا فيها منهجاً استقرائيًا يعتمد على الملاحظة الحسية والتجربة العلمية . وقد استخدموا الموازين والمكاييل وغيرها من الآلات تحقيقًا للدقة والضبط ؛ وكانت هذه وثبة جريئة واعية في التمكين لمنهج البحث العلمي الصحيح .

في دراسات العرب في علم الطبيعة تتمثل خصائص المنهج العلمي التجريبي السليم . ومن أعلام هذا الاتجاه الحسن بن الهيثم (ت 1029م) وأبو الريحان البيروني (ت 1048م) فأما أولهما فقد كان عالماً رياضيًا قدر له أن يكون منشىء علم الضوء غير منازع ، إذ ميزت دراساته دقة أوصافه للعين وإدراك الرؤية وتفسير الانكسار الجوي والرؤية المزدوجة .
وقد درس بمنهجه العلمي الدقيق انعكاس الضوء ووضع نظرية كانت إجابة على هذا السؤال: إذا كانت لدينا مرآة اسطوانية وشيء آخر يشبه النقطة ، فكيف نحدد الوضع الذي تتخذه العين لترى هذا الشيء في المرآة ؟ وكانت إجابة ابن الهيثم في صورة معادلة من الدرجة الرابعة حلها عن طريق خط تقاطع دائرة وقطاع زائد . وهكذا بدت نزعة العلمية الدقيقة في نظريته في انعكاس الضوء .
وكان من رأيه أن الضوء ينشأ من المرئيات ولا ينبعث من العين ليلمسها كما ظن – خطأ – أسلافه من القدماء. وأعظم كتبه في هذا المجال هو "المناظر"، وقد ترجم "فردريك رستر"  هذا الكتاب إلى اللاتينية ونشر في مدينة بازل بسويسرا عام 1572م بعنوان "كنز البصريات "وأثر تأثيرًا بالغًا في وايتلو (1207م) وروجر بيكون ( 1292م) وليونارد دافنشي(1519م) وكلير(1630م) وغيرهم من علماء أوربا المعروفين.
أما البيروني فقد كان بدوره من أشهر علماء الطبيعة والرياضة . وقد توصل في ضوء منهجه العلمي إلى تقديرات للثقل النوعي وأبعاد الأرض ، وظواهر الشفق وكسوف الشمس ونحوها من ظواهر ، في دقة أثارت الباحثين من الغربيين ، حتى قال عنه المستشرق أدور سخاو: إنه أعظم عقلية عرفها التاريخ. واستخدم البيروني في تقديراته للثقل النوعي جهازه المخروطي الذي يعد أقدم مقياس للكثافة .
والخازن وهو أحد علماء النصف الأول من القرن الثاني عشر – وصف الموازين ، وله كتاب ميزان الحكمة وبه وصف دقيق للموازين التي كان يستعملها المسلمون في تجاربهم ، ومنها ميزان توزن فيه الأجسام في الهواء والماء . ويشتمل الكتاب كذلك على الكثير من الأوزان النوعية للمعادن والسوائل وسائر المواد الأخرى .
وللخازن أيضًا نظريات في الضوء . وقد لاحظ من ألف سنة انكسار الأجسام عند انغماسها في الماء ، وقد ترجمت كتب الخازن إلى اللاتينية ثم إلى الايطالية في وقت مبكر واستعان بها رجال العلم في أوربا . واستقى روبرت جروستست  (1175-1253م) أسقف لنكولن الذي يعتبر أول مثل بارز لعلماء الطبيعة في غرب أوربا في أوائل القرن الثالث عشر معلوماته من ترجمة لاتينية لكتاب الخازن. كذلك أخذ روجر بيكون .
ولقد ساعدت أفكار البيروني وابن سينا في الجاذبية الأرضية نيوتن ، ومهدت له سبيل الكشف لقانون الجاذبية وتعليل الثقل على الأساس العلمي الحديث.
كما وجه العرب جانبًا كبيرًا من اهتمامهم بالعلوم إلى الرياضيات . فذاعت دراستها لديهم ونبغوا فيها، وتقدموا في أبحاثها تقدمًا سريعًا جوهريًا ، وأضافوا إلى ما نقلوه عن اليونان والهنود الكثير مما لم يكن معروفًا من قبل .
ترجم العرب رسائل هندية في الفلك وعنها عرف العرب الأرقام الهندية التي هذبوها وسلموها إلى أوربا فعرفت باسم الأرقام العربية . وقد استخدم محمد بن موسى الخوارزمي هذه الأرقام في جداوله الرياضية وقد أطلق اسمه على الطريقة الحسابية التي تقوم على النظام العشري، كما أنه أسهم في تقدم الحساب والجبر بكتابه المنظم المبتكر "حساب الجبر والمقابلة" وقد نقله إلى اللاتينية في النصف الأول من القرن الثاني عشر "ادلار أوف بات" الذي درس العربية في مدارس الأندلس ، ونشره تحت عنوان الفورتمي نسبة إلى اسم صاحبه العربي .
وفي عام 976م رأى محمد بن أحمد الخوارزمي (ت 387هـ/997م) في كتابه مفاتيح العلوم أن العمليات الحسابية إذا خلت من رقم في مكان العشرات ، تعين وضع دائرة صغيرة حتى تساوى الصفوف ، وأطلق على هذه الدائرة اسم الصفر، والصفر يعتبر من أخطر النظريات التي اهتدى إليها العقل البشري في الرياضيات ، وفضل العرب فيه عظيم.
وقد استعمل العرب (الصفر) للدلالة على (لاشيء) كما يبدو من بيت الشعر الذي جاء في قصيدة لحاتم :
ترى أن ما أهلكت لم يك ضرنى            وأن يدى ما بخلت بــــه صفر
وكما ساعدهم نظام الأعداد العربية على إدراك الكمال في الطرق الأولية للحساب فإن معرفتهم خصائص الأعداد الفردية والزوجية ، وما بينهما من العلاقات ساعد على استخراج الجذور التربيعية والتكميلية.
 وقد برع العرب في علم الفلك وتقدموا فيه تقدمًا كبيرًا ، وكان علم الفلك يدرس في حماس في مدارس بغداد ، ودمشق ، وسمرقند ، والقاهرة ، وفاس ، وطليطلة ، وقرطبة ، وغيرها وأقاموا له المراصد العديدة التي انتشرت في مختلف البلاد الإسلامية من أواسط أسيا إلى المحيط الأطلسي وكان من أهمها مرصد بغداد الذي دام ازدهاره سبعة قرون من سنة 750 إلى سنة 1450م . وقد توصلوا عن طريق هذه المدارس ، وتلك المراصد إلى معلومات واكتشافات هامة، منها :
إدخال خطوط التماس في الحساب الفلكي منذ القرن العاشر الميلادي ، ووضع جداول لحركة الكواكب ، وتحديد سمت الشمس تحديدًا دقيقاً ، وتدرجه في النقص ، وتقدير تقدم الاعتدالين تقديرًا صحيحًا ، ووضع أول تحديد صحيح لمدة السنة ، وإثبات مافي أكبر حظ عرض للقمر من ضروب عدم الانتظام ، واستكشاف عدم التساوى القمر الثالث المعبر عنه اليوم بالتغيير.
والتوصل إلى نظرية دوران الأرض ، والاسطرلاب ، وكان أنواعاً من التام والمسطح والهلالى والمطبح واختراع آلة الرصد التلسكوب والآلة المعروفة بالمثقال التي يعرف بها الأوقات على غير رسم ومثال ، وحددوا في جميع أنحاء الدولة اتجاه القبلة في المساجد تحديدًا دقيقاً ، إِلى كثير من المعلومات الفلكية الهامة .وبذلك أضافوا إلى الفكر الإنساني معلومات فلكية جديدة لم تكن معروفة من قبل ، وإلى جانب هذه الاكتشافات العظيمة العديدة صححوا كثيرًا من الأخطاء الجسيمة التي وقع فيها الإغريق وبهذا وذاك استفادت أوربا والحضارات الحديثة فوائد ذات بال في علم الفلك ، مما نشاهد آثارها اليوم ، وما زال علم الفلك إلى الآن ملئ بالاصطلاحات العربية . ومما يجب ملاحظته بهذا الصدد ما تميز به علماء الإسلام من الجمع بين العلوم الفقهية والعلوم الطبيعية، فالكندي مثلاً ت 260 هـ/873 م جمع بين الفلسفة والمنطق والحساب والفلك والهندسة والسياسة والطب والفقه وأصول العقيدة، وابن سينا (ت 428 هـ 1036 م ) جمع بين الطب والفلسفة والرياضيات والعلوم الطبيعية والموسيقى والفلك والحدود والشعر واثبات التنبؤات والقدر، ومثلهما الفارابي والرازي وعمر الخيام وابن النفيس وعبد اللطيف البغدادي وابن رشد وابن الطفيل والسمعاني وغيرهم.
لقد عرض هؤلاء العلماء لكبريات المشكلات المنطقية فعالجوها بأصالة المنهج في الملاحظة والتشخيص والكشف عن الأسباب والعلامات، فإن الشيء لا يعلم العلم اليقين إلا من جهة أسباب، ولذلك كان علم الأسباب واجباً، لم يقع العلماء المسلمون فريسة التفريق بين الإلهام الإلهي والنظر الاستنباطي، وإنما جعلوهما يلتقيان على نحو من التكامل.
إن أعظم نشاط فكري قام به العلماء المسلمون، يبدو جليا في حقل المعرفة التجريبية ضمن دائرة ملاحظاتهم واختباراتهم، فإنهم كانوا يبدون نشاطاً واجتهاداً عجيبين حين يلاحظون ويمحصون، وحين يجمعون ويرتبون ما تعلموه من التجربة أو أخذوه من الرواية والتقليد، لقد كانت الشمولية المدعمة بالبحث والتفحص أهم ظاهرة تميز بها العلماء المسلمون، حيث أن العالم هو العالم الشامل ولا خطر على العلم من الدين ولا خوف من تأثير العلوم الدنيوية على تعاليم الدين. فجاءت مصنفاتهم وثيقة العرى بالشريعة، موصولة بالعلوم الفقهية.
 وإلى جانب هذا الازدهار العلمي التجريبي والعقلاني، اشتهرت بغداد أيضاً بالعلوم النقلية أو الشرعية التي تتصل بالقرآن الكريم والسنة النبوية مثل التفسير. والقراءات والحديث والفقه واللغة والأدب والتاريخ والجغرافيا... الخ. وقد حرص خلفاء بني العباس منذ بداية دولتهم على الاهتمام بهذه العلوم الإسلامية وتشجيع العلماء المشتغلين بها ولا سيما علماء أهل الحجاز الذين كانوا على دراية واختصاص بعلوم القرآن والحديث والسنة. فمثلاً: صنف ابن إسحاق كتابه "المغازي والسير وأخبار المبتدأ ". على أن هذا الكتاب للأسف لم يصل إلينا إلا في رواية مختصرة له كتبها"عبد الملك بن هشام (ت 218 هـ) " وتعرف عموما بسيرة ابن هشام. وعلى أية حال، فإن هذه النقلة التي أقدم عليها ابن إسحاق من رواية الحديث إلى الاشتغال برواية الأخبار، تعتبر بداية انفصال التاريخ عن الحديث، على اعتبار أن التاريخ كان نوعاً من أنواع الحديث.
وهكذا صار التاريخ علماً مستقلاً، وأخذ يتطور تدريجياً حتى أخذ مظهره الرائع كعلم من أجل علوم المسلمين، وأخذ المؤرخون مكانتهم بين علماء الدولة الإسلامية كرجال لهم خطرهم في الحياة العامة، سياسية كانت أو علمية، بينما تضاءل مدلول لفظ إخباري حتى صار يطلق فقط على من يروي الحكايات والقصص. 
ولقد كانت بغداد مركزا لتطور الدراسات التاريخية والحضارية على مستوى عالمي، فلم يعد إنتاجها في هذا الصدد قاصراً على العراق فحسب، بل شمل العالم الإسلامي والحياة الإسلامية. ومثال ذلك تاريخ الرسل والأمم والملوك للطبري (ت 310 هـ)، وكتابا "مروج الذهب "- "والتنبيه والأشراف " للمسعودى (ت 346 هـ)، وكتب المسالك والممالك، وكتاب " الأغاني"لأبي الفرج الأصفهاني(ت 355هـ) "، وقصص "ألف ليلة وليلة" كلها صور عامة للحياة الإسلامية بمختلف مظاهرها التاريخية والحضارية.
وما يقال عن التاريخ يقال أيضاً عن علم الفقه الذي يقوم على البحث في الأحكام الشرعية، ومعرفة حكم الدين في القضايا التي تحدث للمسلمين سواء في قضايا دينهم (العبادات) أو في قضايا دنياهم (المعاملات). ومع قيام الدولة العباسية كان المسلمون قد بدأوا في تدوين فقههم واستنبطوا الأحكام  والشرائع في القرون الأولى للهجرة، وهو ما لم يتفق لدولة من الدول السابقة، فالقانون الروماني مثلاً لم يستقر أمره إلا زمن الإمبراطور "جستنيان " أي بعد تأسيس الدولة الرومانية بأكثر من عشرة قرون.
وهكذا ظهرت المذاهب الفقهية في عصر الدولة العباسية، واحتلت بغداد مكان الصدارة لهذه الدراسات الفقهية، إذ ظهر فيها الإمام " أبو حنيفة النعمان (ت 150 هـ) " في "خلافة أبي جعفر المنصور، وكان مذهبه يعتمد على الرأي والقياس والاجتهاد، بسبب تعقد الحياة وتطور المدنية في البيئة العراقية لكونها مجمعاً لمختلف الأجناس والملل والنحل مما أدى إلى ظهور قضايا ومشاكل جديدة لا تنطبق عليها نصوص القرآن والسنة، وتحتاج إلى وضعها محل الاجتهاد، والحكم فيها عن طريق الاستنباط العقلي القائم على المنطق الدقيق وهو القياس أو الرأي.
وقد عاصر الإمام أبو حنيفة كلاً من الأئمة "مالك بن أنس في المدينة (ت 79 ا هـ) "، و "الليث بن سعد في الفسطاط (ت 175 هـ) "، وهم جميعاً من أهل الحديث، أي أنهم يتمسكون عند إصدار أحكامهم بنصوص القرآن والحديث، ولا يرضون عما استحدثه الأحناف من أقيسه ذات طابع فلسفي.
وفي السنة التي توفى فيها الإمام أبو حنيفة (150 هـ)، ولد الإمام "محمد بن إدريس الشافعي " في غزة، وعاش في الحجاز حيث حفظ موطأ الإمام مالك بن أنس " بالمدينة المنورة وقرأه عليه وهو صبي في العاشرة من عمره، ثم رحل إلى العراق حيث تعلم في بغداد فقه "أبي حنيفة"  قبل رحيله واستقراره قي مصر. ومن ثم جاء مذهبه وسطاً بين مذهب " أبي حنيفة" المتوسع في الرأي، ومذهب "مالك بن أنس " المعتمد على الحديث. وتوفي "الشافعي " قي الفسطاط سنة (204 هـ) ومقامه معروف هناك، ومن أشهر مؤلفاته "كتاب الأم " في الفقه، و "رسالة في أصول الفقه "، تعتبر الأولى من نوعها، إذ وضع فيها لأول مرة قواعد الاستنباط في الأحكام الشرعية وهو ما يسمى بأصول الفقه.
وجاء بعده تلميذه الإمام "أحمد بن حنبل الشيباني "، الذي ولد وعاش ومات في بغداد (164- 241 هـ) وكان يرى أن يقوم الفقه على النص من الكتاب أو الحديث، وأنكر على أستاذه " الشافعي " أخذه بالرأي، واعتبر الحديث أفضل من الرأي، فعاد بذلك إلى رأي الإمام مالك. ومن أشهر كتبه "المسند" الذي يعتبر موسوعة لأحاديث الرسولr.
وأخيراً يعتبر الشيعة "الإمامة" ضرورية ومن أساس الدين، والإمام عندهم هو الذي يسير بالأمة إلى الهدف الأعلى ويدفعها إلى السير في الطريق المستقيم، والفقه من اختصاص الإمام وحده فهو المجتهد المطلق، ومن كتبهم كتاب الكافي للكليبي ت 328 هـ/939 م والنهاية في الفقه لمحمد بن الحسن الطوسي ت 460 هـ/1067 م.
أما دراسات العلوم اللغوية والنحوية، فقد شهدت العراق فيها ثورة واسعة ضخمة على أيدي علماء البصرة والكوفة الذين حققوا إنجازات وابتكارات علمية في هذا المجال للحفاظ على كلام العرب وتقويم اللسان العربي، بعد أن فشا اللحن في كلام المسلمين، نتيجة لاختلاطهم بالأعاجم في البلاد المفتوحة. لهذا قام هؤلاء العلماء بجمع وتدوين ألفاظ اللغة العربية وأشعارها من منابعها الصافية في نجد بقلب الجزيرة العربية. كذلك وضعوا قواعد نحوية للغة العربية، وابتكروا النقط والشكل على الحروف لمعرفة نطق الكلمات نطقاً سليماً، ولا سيما القرآن الكريم، حتى لا يتعرض للتحريف. هذا إلى جانب تصنيف المعاجم اللغوية، ووضع علم العروض لمعرفة أوزان الشعر وأحكامه وبحوره. ومن أشهر الرواد الذين حققوا هذه الابتكارات العلمية مع بداية العصر العباسي العالم البصري العربي، الخليل بن أحمد الفراهيدي  (ت 175 هـ/ا 79 م) "، وتلميذه وشيخ البصريين بعده العالم الفارسي "أبو بشر عمرو بن عثمان الملقب بسييويه  (ت 177 هـ/793 م) ". ولم تلبث العاصمة بغداد أن شاركت في هذه النهضة العلمية، حيث انتقل إليها عدد من علماء الكوفة والبصرة أمثال " أبي حنيفة" و"، المفضل الضبي " و "الكسائي "الفراء "، و "ابن السكيت "، بحيث صارت بغداد مسرحاً لمناظرات علمية حامية الوطيس بين أشهر علماء العصر.
أما الأدب، فقد تطور هو الآخر في العصر العباسي تطوراً كبيراً، ونهج الشعراء فيـه مناهج جديدة في المعاني والموضوعات والأساليب والأخيلة، وغير ذلك من فنون الشعر المختلفة. ومن أشهر هؤلاء الشعراء،، أبو نواس " الذي ذاعت قصائده في الخمر والغزل والصيد.. الخ، و"  أبو تمام الطائي " المشهور  بنزعته العقلية والفلسفية في الشعر، وتلميذه "أبو عبادة البحتري " صاحب المدائح الخالدة، و "ابن الرومي " المعروف بطول نفسه وغزارة شعره، و" أبو العتاهية" الذي اشتهر بالحكمة والغزل الرقيق، والمتنبي، الذي اشتهر بالفخر  ، وأبو العلاء المعري، شاعر الحكمة، وغيرهم كثيرون. هذا إلى جانب الشاعرات والأديبات من النساء اللائى لعبن دوراً  هاماً  في الحياة الأدبية وفي الأحداث المهمة في المجتمع الإسلامي مثل "رابعة بنت إسماعيل العدوية" التي سلكت طريق الزهد والتصوف والأميرة، "علية بنت المهدي " التي وصفها "الحصري " بأنها تعدل الكثير من أفاضل الرجال في فضل العقل وحسن المقال، ولها شعر رائق وغناء رائع. ومثل الأميرة "العباسة بنت المهدي " التي لعب الخيال دوراً  كبيراً  في القصص التي أحاطت بها، إذ تروى لها أشعار تدل على ذكاء وحسن تأت للموضوع الذي تقصد إليه.
وإذا انتقلنا إلى عالم الفنون والعمـارة، نجد أن العباسيين لم يكونوا أقل اهتماماً من الأمويين في مجال التشييد والتعمير، ففي العمارة بنى "أبو جعفر المنصور" على نهر دجلة عاصمته بغداد (145- 149 هـ) على شكل دائري، وهو اتجاه جديد في بناء المدن الإسلامية، لأن مـعظم المدن الإسلامية، كانت إما مستطيلة كالفسطاط، أو مربعة كالقاهرة، أو بيضاوية كصنعاء. هذا إلى جانب المدن الأخرى التي شيدها العباسيون مثل مدينة سامراء وما حوته من مساجد وقصور خلافية فخمة.             
 وإلى جانب العمارة وجدت الزخرفة التي وصفت بأنهما لغة الفن الإسلامي، وتقوم على زخرفة المساجد والقصور والقباب بأشكال هندسية أو نباتية جميلة تبعث في النفس الراحة والهدوء والانشراح. وسمي هذا الفن الزخرفي الإسلامي في أوروبا باسم أرابسك بالفرنسية وبالأسبانية التوريق. وقد عرف الفنان المسلم ما يسمى الآن بالفن التجريدي لأنه كثيراً  ما كان يأخذ الوحدة الزخرفية النباتية كالورقة أو الزهرة، ويجردها من شكلها الطبيعي حتى لا تعطى إحساسا  بالذبول والفناء، فيجردها ويحورها في أشكال هندسية حتى تعطي الشعور بالدوام والبقاء والخلود .
كذلك وجد الفنانون المسلمون فى الحروف العربية أساسا لزخارف جميلة، ومن ثم صار  الخط العربي فناً رائعاً، على يد خطاطين مشهورين. فهناك الخط الكوفي الذي يستعمل في الشؤون الهامة مثل كتابة المصاحف والنقش على العملة، وعلى المساجد، وشواهد القبور. ومن أبرز من اشتهر بكتابة الـخط الكوفي، مبارك المكي " في القرن الثالث الهجري في خلافة "المتوكل على الله العباسي "، وهناك خط النسخ الذي استعمله الناس في التراسل والتدوين وفي نسخ الكتب، ولهذا عرف بهذا الاسم.