الصراع الحالي في دارفور

الصراع الحالي في دارفور
61 -   تتسم جذور الصراع الحالي في دارفور بالتعقيد. فبالإضافة إلى النزاعات القبلية الناجمة عن التصحر فإن توفر الأسلحة الحديثة والعوامل الأخرى المبينة أعلاه والشعور العميق فيما يتصل بالهوية والحكم وظهور حركات تمرد مسلحة تتمتع بتأييد شعبي في أوساط بعض القبائل، كل ذلك يلعب دورا رئيسيا في تشكيل الأزمة الحالية.
62 -   ويبدو من الواضح أن مجموعتي المتمردين في دارفور، حركة تحرير السودان/جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، بدأتا تنظمان صفوفهما في الفترة 2001 و 2002 لمناوأة حكومة الخرطوم التي اعتبرت السبب الرئيسي في مشاكل دارفور. وفي الوقت الذي لا توجد فيه صلة وثيقة بين مجموعتي التمرد فقد ذكرتا أسبابا متماثلة بشأن التمرد، ومنها التهميش الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لدارفور ولشعبها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن أفراد حركتي التمرد أتوا أساسا من مجموعات محلية للدفاع عن القرى ومن قبائل معينة، وشُكلت ردا على تزايد الهجمات من القبائل الأخرى. ولكل من حركتي التمرد برنامج سياسي واضح يشمل السودان بأسره ويطالب بمشاركة أكثر عدلا في الحكومة من قبل كافة المجموعات والمناطق في السودان. وكانت حركة تحرير السودان/جيش تحرير السودان في أثناء المرحلة التي كانت تلك الحركة تسمي نفسها جبهة تحرير دارفور قد ظهرت إلى الوجود ببرنامج يركز على حالة سكان دارفور وقامت في وقت لاحق فقط بتوسيع برنامجها ليشمل جميع السودان. وأقامت حركة العدل والمساواة برنامجها على نوع من المانيفيستو (الكتاب الأسود) الذي نشر في عام 2001 والذي يسعى أساسا إلى توضيح الفوارق في توزيع السلطة والثروة فيقول إن دارفور وسكانها وكذلك بعض سكان المناطق الأخرى ظلوا مهمشين باستمرار ولم يشركوا في الوظائف المؤثرة في الحكومة المركزية في الخرطوم. وجدير بالذكر أن الحركتين لا تعرضان هذه القضية من وجهة نظر قبلية ولكنهما تتكلمان باسم الدارفوريين كافة وتوجهان هجماتهما مباشرة إلى المنشآت الحكومية. ويبدو أيضا فيما يتعلق برسم السياسة أن سياسة ”السودان الجديد“ التي تتبعها الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان في الجنوب كان لها أثر على حركة جيش تحرير السودان في الوقت الذي يبدو فيه أن حركة العدل والمساواة قد تأثرت بشكل أكبر باتجاهات الإسلام السياسي. وفضلا عن ذلك، يجوز أن يكون التقدم السريع الذي أحرزته مفاوضات السلام بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان قد قدمت نموذجا يمكن أن تتبعه المجموعات الأخرى مادام الكفاح المسلح يؤدي إلى تفاوض مثمر مع الحكومة. كما تنبغي الإشارة إلى أنه بالرغم من هذه القاعدة السياسية الواسعة فإن غالبية أفراد الحركتين يأتون أساسا من ثلاث قبائل هي الفور والمساليت والزغاوة.
63 -   ومن المتفق عليه عموما أن حركتي التمرد بدأتا أنشطتهما العسكرية الأولى في أواخر عام 2002 وأوائل عام 2003 بشنهما هجمات أساسا ضد ضباط الشرطة المحليين، حيث قام المتمردون بنهب ممتلكات وأسلحة حكومية. ويبدو أن الحكومة قد أُخذت على حين غرة في البداية بهذه الهجمات ولكنها لم تكن في وضع يتيح لها الانتقام كما يبدو أنها لم تر في التمرد مسألة عسكرية خطيرة في البداية. وفضلا عن ذلك، فقد جاء التمرد ضد الحكومة في وقت غير مناسب بصفة خاصة نظرا لأنها كانت بسبيل إجراء مفاوضات مكثفة للسلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان وكانت المفاوضات تتقدم بسرعة ملحوظة.
64 -   وهناك دلائل على أن الحكومة كانت قلقة في البداية من أن تكون تشاد مشتركة في الأزمة. وسافر الرئيس البشير إلى الفاشر عاصمة شمال دارفور في نيسان/أبريل 2003 للالتقاء برئيس تشاد إدريس دبي مع عدد من زعماء القبائل والقادة السياسيين المحليين في دارفور في سعيه لإيجاد حل للأزمة. وأكد الرئيس دبي للرئيس البشير أن حكومة تشاد لا علاقة لها بالصراع.
65 -   وفي آذار/مارس ونيسان/أبريل 2003، هاجم المتمردون المنشآت الحكومية في كُتم والطينة والفاشر، بما في ذلك القسم العسكري بمطار الفاشر حيث دمر المتمردون العديد من الطائرات العسكرية وهي جاثمة على الأرض وقتلوا كثيرا من الجنود. وفي وقت لاحق ألقى المتمردون القبض على أحد قادة سلاح الطيران واحتجزوه لمدة ثلاثة أشهر. وبالرغم من جهود الحكومة لم يُفرج عنه إلا بوساطة قبلية.
66 -   وتشير معظم التقارير إلى أن الحكومة أصابتها الدهشة بسبب كثافة الهجمات نظرا لأنها لم تكن على استعداد لمواجهة هذا الهجوم العسكري السريع. وفضلا عن ذلك، فإن نهب المتمردين لأسلحة الحكومة عزز من مركزهم. وكان ثمة مشكلة إضافية هي أن الحكومة لم يكن متوفرا لديها فيما يبدو موارد عسكرية كافية نظرا لأن كثيرا من قواتها كان لا يزال موجودا في الجنوب ومن وجد منهم في دارفور كان موزعا بالأساس على المراكز الحضرية الرئيسية. وبعد الهجمات الأولى هذه التي شنها المتمردون على مراكز الشرطة الريفية قررت الحكومة سحب معظم قواتها من الشرطة إلى المراكز الحضرية. وكان معنى ذلك أن الحكومة لا تملك سيطرة فعلية على المناطق الريفية، وهي المناطق التي يتمركز فيها المتمردون. وواجهت الحكومة تحديا إضافيا نظرا لأن جنود وضباط صف القوات المسلحة السودانية هم أساسا من أبناء دارفور، وهؤلاء على الأرجح لم يكونوا راضين عن قتال ”مواطنيهم من سكان دارفور.
67 -   ويتضح من الأدلة المتاحة وعدد من المصادر بما فيها الحكومة ذاتها أن الحكومة وقد واجهها الخطر العسكري الذي كانت تمثله حركتا التمرد إضافة إلى العجز الخطير في قدراتها العسكرية على الأرض في دارفور دعت القبائل المحلية إلى مساعدتها في قتال المتمردين. وبهذه الطريقة استغلت الحكومة التوترات القائمة بين القبائل المختلفة.
68 -   واستجابت لنداء الحكومة قبائل البدو العربية التي لم تكن تملك ديارا تقليدية للإقامة بسبب تغول التصحر. وربما تكون هذه القبائل قد وجت في ذلك فرصة لمنحها بعض الأراضي. وأفضى أحد كبار المسؤولين الحكوميين الذين شاركوا في عملية التجنيد إلى اللجنة بأن زعماء القبائل كانوا يتلقون هبات وهدايا نظير جهودهم في التجنيد وبحسب عدد الأشخاص الذين يتمكنون من تجنيدهم. وبالإضافة إلى ذلك، دفعت الحكومة لبعض أفراد قوات الدفاع الشعبي مرتبات عن طريق زعماء القبائل واستخدمت ميزانيات الولاية لهذه الأغراض. ولم تقبل الحكومة مجندين من جميع القبائل. وأبلغ أحد زعماء المساليت اللجنة أن قبيلته كانت ترغب في تقديم نحو 000 1 شخص لقوات الدفاع الشعبي ولكن الحكومة، طبقا لهذا المصدر، لم تقبل ذلك، ربما افتراضا منها بأن المجندين سوف ينتهزونها فرصة لاقتناء الأسلحة والانقلاب على الحكومة فيما بعد. وتشير بعض التقارير أيضا إلى أن بعض الأجانب من تشاد والجماهيرية العربية الليبية ودول أخرى استجابوا للنداء وأن الحكومة كانت أكثر من راغبة في تجنيدهم.
69 -   وأصبح هؤلاء ”المجندون“ الجدد ممن يشير إليهم السكان المدنيون وغيرهم بـ ”الجنجويد“ وهو مصطلح دارفوري تقليدي يعني قاطع طريق مسلحا وخارجا على القانون يمتطي حصانا أو جملا. ويرد أدناه وصف أكثر دقة لهذه العناصر.
70 -   وبدأت الجهود الرامية إلى إيجاد حل سياسي في وقت مبكر يعود إلى آب/أغسطس 2003 عندما عقد الرئيس دبي رئيس تشاد اجتماعا بين ممثلي الحكومة ومجموعتي المتمردين في أبشي. وأدت المحادثات التي رفضت حركة العدل والمساواة حضورها لما رأته من تحيز الوسيط التشادي، إلى توقيع اتفاق في 3 أيلول/سبتمبر 2003 نص على وقف الأعمال العدائية لمدة 45 يوما. وتبع ذلك إجراء جولات عديدة من المحادثات بوساطة تشادية. وفي 8 نيسان/أبريل 2004، وقعت الحكومة وحركة جيش تحرير السودان وحركة العدالة والمساواة اتفاقا إنسانيا لوقف إطلاق النار. وفي 28 أيار/مايو وقعت الحكومة والحركتان اتفاقا في نجامينا لتحديد طريق تطبيق وقف إطلاق النار. وجرت محادثات لاحقة في كل من أديس أبابا وأبوجا بوساطة من الاتحاد الأفريقي. وفي 9 تشرين الثاني/نوفمبر وقعت الحكومة وحركة جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة في أبوجا بروتوكولين يتعلق أحدهما بتحسين الحالة الإنسانية ويتعلق الثاني بتعزيز الحالة الأمنية في دارفور. وفي سياق مفاوضات أخرى، لم تستطع الأطراف التغلب على خلافاتها وإيجاد حل شامل للصراع.
71 -   وبجانب المفاوضات السياسية ظل الاتحاد الأفريقي هو الآخر يقوم بدور رائد من خلال البعثة الأفريقية في السودان لإيجاد حل للصراع ولرصد وقف إطلاق النار بإنشاء لجنة الاتحاد الأفريقي لوقف إطلاق النار في دارفور وشمل ذلك نشر مراقبين. وبالرغم من جميع هذه الجهود وتوقيع العديد من البروتوكولات لا تزال ترد تقارير في كانون الثاني/يناير 2005 عن استمرار القتال وعن انتهاكات وقف إطلاق النار بين المتمردين والحكومة والميليشيات التابعة لها.
72 -   وبصرف النظر عن القتال بين المتمردين من جهة والحكومة والجنجويد من جهة أخرى فإن أهم عنصر في الصراع هو الهجمات التي تعرض لها المدنيون وأدت إلى تدمير وحرق قرى بأكملها وتشريد مجموعات كبيرة من السكان المدنيين.