اسباب ضعف وسقوط الدولة العثمانية

عوامل ضعف الدولة العثمانية:
1- بموت السلطان سليمان القانوني في عام (974هـ/ 1566م) انتهى عهد السلاطين الأقوياء الأكفاء، وانتهى عهد الفتوح، وتعرضت الدولة العثمانية لهزائم عسكرية، برية، وبحرية، ولقد بدأت مظاهر الضعف تظهر منذ عام (1000-1002هـ/ 1591-1592م) أي: في عهد السلطان مراد الثالث (982- 1004هـ/ 1574-1595م) الذي وقع تحت تأثير رجال حاشيته، كما خضع لسيطرة أربع من السيدات هن: والدته وزوجتاه وكبيرة وصيفات السراي أو (كتخذا الحريم). وبدأت هذه الفئات في التدخل في شؤون الدولة العامة، وتدخلوا في توزيع التيمارات والزعامات على أتباعهم؛ مما أدى إلى إضعاف الإمبراطورية وإفلاسها؛ ففي عام (998هـ/ 1589م)، تجرأ الإنكشارية على مهاجمة سراي السلطان، فقاموا بثورتين في خلال الأعوام الأربعة التالية، ونجحوا في كل منهما على إجبار السلطان على تغيير الصدر الأعظم.
ويعتبر عهد السلطان (مراد الثالث) نقطة تحول في تاريخ الدولة العثمانية؛ إذ ظهرت بوادر الضعف في السلطنة نفسها، وترك السلاطين مسائل الدولة العليا في أيدي الوزراء الذين وصلوا إلى مناصبهم عن جدارة.
2- وعندما انتاب سلاطين آل عثمان الضعف، أخذ نفوذ الصدر الأعظم في النمو: وفي عام (1065هـ/ 1654م) حصل الصدر الأعظم على مقر رسمي له ظل لمدة قرنين المركز الرئيسي للإدارة العثمانية، وأصبح اسمه منذ ذلك الوقت (قبوس وباب عالي).
ومن الصدور العظام الذين علا نجمهم على حساب السلاطين (محمد صوقللي باشا) في عهد (سليم الثاني)، و(سنان باشا) عدو النموسيين اللدود في عهد (محمد الثالث)، و(مراد باشا) في عهدي (أحمد الأول) و(عثمان الثاني).
فحين أحدقت الأخطار بالدولة العثمانية رأت والدة السلطان محمد الرابع (1648-1687م) أن تعهد بمنصب الصدارة العظمى إلى رجل ذي بأس شديد هو (محمد كوبرولو) وينتمي إلى أسرة كوبرولو الألبانية، وقد حكم البلاد بيدٍ من حديد، ووقف موقفًا حازمًا من الإنكشارية والسباهية والطوبجية، وأوغل (محمد كوبرولو) في سياسة الذبح والقتل والشنق، ولم تذهب هذه الدماء هباء؛ لأنها أعادت النظام إلى صفوف الجيش، والأمن إلى البلاد، والنزاهة إلى أجهزة الدولة.
وقد حدث في القرن السابع عشر الميلادي تنافس بين الصدور العظام حاشية السلطان، وزاد من خطورة ذلك الأمر أنه أصبح تنافسًا عنصريًّا.
وخلال القرن السابع عشر حدثت تغيرات هامة في نظام جمع أفراد حاشية السلطان، وقد ارتبطت هذه التغيرات بانتهاء نظام ضريبة الغلمان (الدفشرمة) -السابقة الذكر- وكانت فرقة الإنكشارية قد بدأت تهدد نفوذ السلطان، ولم تخل (إسلامبول) أو المدن الكبرى في الدولة العثمانية من فرقة الإنكشارية التي أصبحت طبقة من طبقات الشعب انخرط أفرادها في الوظائف المدنية، وتزوجوا من السكان المحليين. وكان لإلغاء نظام ضريبة الغلمان أو الدفشرمة أثر كبير على الهيئة الحاكمة، وهكذا يرجع ضعف الهيئة الحاكمة، وانتشار الرشوة إلى فشل العثمانيين في إيجاد بديل للغلمان أو الدفشرمة الذين لا يعرفون لهم من أب سوى السلطان العثماني، ولا عمل سوى الجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمة الدين.
3- على أن من أهم عوامل ضعف الدولة العثمانية اصطدامها بدول كبيرة في الشرق والغرب هي: الروس والألمان والصفويون، وفي المياه الشرقية واجه العثمانيون قوة البرتغال، ففي القرن السادس عشر بدأت أوروبا تتوسع جنوبًا وشرقًا نحو أرض الإسلام، ومنيت الإمبراطورية العثمانية بهزائم كثيرة، وفقدت جزءًا كبيرًا من أراضيها، وأخذت حدودها تتقلص، وفي خلال القرن السادس عشر توقف الزحف العثماني في أوربا، كما طوقت حركة الكشوف الجغرافية التي قام بها الغرب عبر المحيطات تقدم الدولة العثمانية بشكل كبير، وبذلك تحولت منطقة شرقي البحر المتوسط -حيث تقع الدولة العثمانية- إلى منطقة بحرية غير ذات أهمية.
4- أحدث التدفق الهائل والمفاجئ لمعدن الفضة والذهب الأميركي الرخيص آثارًا مالية سيئة في الدولة العثمانية، وإذا كان الحكام العثمانيون قد تعودوا على أزمات نقص العملة، فإنهم لم يستطيعوا فهم أو مواجهة الأزمات الناتجة عن زيادة معدن الفضة. وشلت حركة السلع، واستنزف الذهب الإمبراطورية العثمانية.
وفي حين كانت الأزمة المالية على أشدها، اضطرت الإدارة العثمانية إلى زيادة موظفيها، وكانت تدفع لهم مرتبات نقدية، وأخذت طبقة أصحاب الأرض من الفرسان في الاختفاء، ووزع بعض هذه الأراضي على المحتكرين وأتباع القصر، ولما لم ينجح العثمانيون في تكوين نظام ناجح لتقييم الضرائب وجمعها، فلقد عهد إلى الملتزمين بجمع الضرائب.
5- ظل المستوى التكنولوجي للزراعة في الدولة العثمانية بدائيًّا، وكانت التجارة في وضع أحسن بدرجة قليلة: فنتيجة الفتوحات سيطر العثمانيون على كل سواحل المنطقة الشرقية للبحر المتوسط، واشتملت دولتهم على مراكز برية بالغة الأهمية، وهي التي كانت تمر بها طرق التجارة العالمية بين الشرق والغرب. إلا أن الصورة العامة للتجارة كانت في حالة تدهور منذ نهاية القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر.
6- البعد عن منهج الإسلام وجوهر الإيمان: ظهر الخلل في الدولة والمجتمع في العصر العثماني بعد وفاة السلطان سليمان القانوني عام (974هـ/ 1566م)، وظهرت بعض العلل المستحدثة مثل الإهمال في العدالة، وتفويض الأمور لغير أهلها، ومكابرة أهل الحكم والإدارة، وعدم الأخذ بمشورة العلماء والحكماء، وظهور الارتشاء، وظهور طور جديد في المجتمع العثماني عرف بـ"دورلاله" أي: عصر الزهو نسبة إلى اهتمام المجتمع ورجال الدولة بالمظاهر المترفة في الحياة. ومن مظاهر البعد عن منهج الإسلام، وجوهر الإيمان: بروز النزعة الصوفية في المجتمع العثماني، وتعطيل الجهاد.
7- إن الحركات الباطنية المتكررة مثل: حركة بدر الدين الذي دعا إلى مبدأ الشيوع بين الناس، وإنكار المعتقدات الإسلامية، وانتهت حركته بمقتله عام (823هـ/ 1420م) كذلك عداء الدولة الصفوية الشيعية في بلاد فارس، قد أسهما في إضعاف الدولة العثمانية مع مرور الزمن، وتجلى ذلك في وجود بقايا لكل حركة باطنية، وإنهاك الصفويين للعثمانيين بالهجوم المتكرر.
8- الغزو الفكري: مهدت العلاقات العثمانية الفرنسية الحسنة منذ أواخر عهد السلطان سليمان القانوني -في القرن العاشر الهجري- للتسرب التدريجي للمؤثرات الفرنسية بخاصة، والأوروبية بعامة في المجتمع العثماني الإسلامي، وقد استغل الأوربيون إهمال العثمانيين وتراخيصهم في نظام الامتيازات الأجنبية في التمكين للكنيسة والجمعيات، فأنشئت المدارس الأجنبية في الدولة العثمانية، وأصبحت سلاح الغزو الفكري المنظم إلى جانب الاستشراق، وكان أكثر المدرسين في هذه المدارس من الرهبان الذين قاموا بدور التنصير أو التشكيك في الدين الإسلامي، ولعبت هذه المدارس دورًا بارزًا في محاولة طمس الهوية الإسلامية، ووصفها بالجمود والتأخر، وفي تمجيد الحضارة الغربية، وإبعاد أجيال المسلمين عن لغتهم وثقافتهم، بتعليمهم اللغات الأجنبية المختلفة وخاصة الفرنسية والإنجليزية، ليتمكنوا من تمثل الفكر الأوروبي.
ومن الآثار الاجتماعية والسياسية لهذه المدارس والإرساليات: تغيير القيم الإسلامية، وإيقاظ الحركة القومية، وإثارة الفتن، وتشجيع الأقليات على التخلص من الحكم العثماني.
9- في داخل الولايات العربية حدث تفتت: وقامت محاولات لتركيز السلطة في أيدي بعض الزعماء المحليين؛ فقد حاول بعض الحكام المحليين الاستقلال الذاتي عن الحكومة المركزية، وذلك بإطالة فترة حكمهم، ومحاولة تأسيس أسر محلية. وكان ذلك تطورًا مشابهًا لما قام به (الدرة بكوات) أو الأعيان في الأناضول. ولقد تحققت هذه المحاولة في بغداد، ولو أن التعاقب على حكم الولاية قد انتقل بعد الجيل الثاني إلى المماليك، وكانت أسرة (العظم) التي سيطرت في القرن الثامن عشر أيضًا على دمشق والولايات السورية الأخرى أقل نجاحًا. أما أكثر مؤسسي الأسر المحلية نجاحًا وشهرة فكان (محمد علي) والي مصر الذي قام بإصلاحات، وحصل أبناؤه من بعده على اعتراف رسمي بهم من السلطان العثماني، ومثال ذلك: الأسرتان اللتان حكمتا لبنان على التوالي، وهما المعنيون والشهابيون، وكذل كالسيادة المؤقتة التي فرضها كل من الشيخ (ظاهر العمر) في الجليل والشيخ (همام) من قبيلة (الهوارة) في مصر العليا. ففي مصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر أضحى للقبائل البدوية نفوذ كبير، وكانت هذه مصدر خطر على طرق المواصلات، وعلى حياة الفلاحين، كما كانت مركزًا للمؤامرات المملوكية ضد السلطة القائمة في القاهرة، فوجهت إليهم ضربات قاصمة من (علي بك) والحملة الفرنسية ومن (محمد علي) فيما بعد، وظهر خطر القبائل البدوية في الصحراء السورية، وقام تحالف من قبائل (الموالي) بحماية الحدود الشمالية لصحراء سوريا، وكان زعيمهم أبو ريشة، ولقد لعبوا دورًا مهمًا في مساندة الأتراك ضد العصبيات المتمردة في العراق.
ولكن انهيار نظام القبائل في الصحراء السورية وقسوة الباشاوات، أخرجت هذه القبائل من وظيفتها التقليدية؛ حراسًا للطرق الصحراوية إلى قطاع طرق، ووجدت الحكومة العثمانية أن من الحكمة الاعتراف بالوضع الجديد ومحاولة الاستفادة منه، وكلفتهم بمهمة حراسة حدود الصحراء بين حلب ودمشق في مقابل رسوم معينة يفرضونها على القوافل، وفي شبه الجزيرة العربية كان الوهابيون يكونون دولتهم الأولى بزعامة البيت السعودي.
10- انعكست مظاهر الضعف في الدولة العثمانية على مجريات الأحداث في الشرق العربي: فانقسمت مجتمعات الشرق العربي إلى عصبياتٍ وأحزابٍ، ومثال ذلك: النزاع بين القيسية واليمنية في الشام؛ فتاريخ الولايات العثمانية في آسيا إبان القرنين السادس عشر والسابع عشر قد استغرقه -إلى حد كبير صراع على السلطة، كما انشغل بالجهود العرضية لاستعادة التوازن، إلا أن التكوين الطبيعي للإمبراطورية حال دون ممارسة السلطة المركزية بطريقة أكثر فعالية.
11- وانقسم العالم الذي عاش فيه موظفو الإدارة العثمانية إلى حكام ورعايا أوجدتهم العناية الإلهية لكي يمدوا الحكام بكل ما يحتاجونه: فالباشا (الصالح) في نظرهم هو الذي كان يرسل كل المبالغ العينية التي تطلبها خزانة السلطان، وكانت هذه أول خطوة نحو الرشوة، وتكوين ثروة كبيرة، وساد الاستهتار، وشجع عجز الباشاوات على الخروج على القانون، وحدوث التمرد؛ فانتشر بالتدرج واتسم بالعنف.
وهكذا تجمعت كل هذه العوامل وسواها على الدولة العثمانية، فأخذت في الضعف والانكماش والانهيار ابتداء من منتصف القرن السادس عشر.
المسألة الشرقية:
لقد اتخذ الصراع الأوروبي ضد الدولة العثمانية شكلًا دينيًّا واضحًا؛ إذ تكون ضدها (حلف مقدس) من النمسا، وبولندة والبندقية، وكان لهذا الحلف أثر كبير في التغلب على الدولة العثمانية وضعضعة قوتها، ثم دخلت روسيا باسم الدين أيضًا هذه الحروب تؤيدها جميع الدول المسيحية، وأنزلت بالخلافة الإسلامية ضربات قاسمة، وخسائر فادحة، وكانت نتيجة هذه الأحداث أن هوت الدولة العثمانية من شاهق، وهان أمرها حتى أصبحت تعرف بـ (الرجل المريض) وكان من الممكن القضاء على الرجل المريض بسرعة؛ لولا اختلاف دول أوروبا على تركته. فمن الذي يرث بوغازي الدردنيل والبسفور؟ إن ورثتهما روسيا امتد نفوذها إلى البحر المتوسط، وهددت مصالح إنجلترا وفرنسا، وإن ورثتهما إنجلترا خنقت روسيا في البحر المتوسط، وحلًّا لهذه المشكلة اتفقت الدول على ألا تجهز على (الرجل المريض) وأن تبقيه على قيد الحياة؛ لا حرصًا عليه، ولكن كراهة لما ينجم من خلال حول ميراثه، وموقف أوروبا من الدولة العثمانية سواء إبان امتدادها وزحفها، أم إبان انكماشها وانهزامها يعرف في العرف السياسي لها بالمسألة الشرقية.