اسباب ضعف الدولة العثمانية

ضعف الدولة العثمانية
الخليفة أحمد الثالث
(1115 - 1134هـ)
نجح في خداع الانكشارية، فنفذ مطالبهم، ووافقهم على قتل المفتي فيض الله حتى إذا اطمأنوا له، قتل رءوس الفساد فيهم، وعزل الصدر الأعظم المعين لرغبتهم، والذي كان قائدًا لثورتهم.
الحروب في أوروبا:
الحرب مع روسيا ومحاصرة القيصر: طلبت السويد دعم العثمانيين في حربها ضد الروس، ولكن الصدر الأعظم نعمان كوبريلي رفض ذلك، وما أن استلم بلطجى محمد باشا منصب الصدارة العظمى، حتى أعلن الحرب على روسيا، وأتيحت له الفرصة لِأَنْ يُفْنِيَ دولةَ روسيا من الوجود، بعدما تمكن من حصار القيصر وعشيقته كاترينا، التي أصبحت إمبراطورة فيما بعد، والتي تمكنت من إغراء الصدر الأعظم بالمجوهرات والمال، ففك الحصار، واكتفى بتوقيع معاهدة تتعهد فيها روسيا بالتخلي عن ميناء آزواف، وأن لا تتدخل في شئون القوزاق، وبسبب خيانة الصدر الأعظم، فقد تم عزله ونفيه لإحدى جزر بحر بجه وتولى منصبه يوسف باشا الذي أبرم مع روسيا معاهدة جديدة تقضي بهدنة مدتها 25 عامًا بين الدولتين، عرفت بمعاهدة أدرنه، ولكن ما لبثت روسيا أن عادت لنقض العهود، فتدخلت إنكلترا وهولندا لتأثير الحروب على تجارتهما وعقدت معاهدة أدرنه عام 1125هـ والتي تنص على سيطرة العثمانين على كافة السواحل الشمالية للبحر الأسود، وفي نفس الوقت لا تدفع روسيا جزية لخانات القرم.
بتظهير كريت من البنادقة: منذ فتحت كريت والأوضاع بها غير مستقرة نظرًا لوجود بعض المواقع ظلت البندقية تسيطر عليها في الجزيرة حتى تمكن العثمانيون من طردهم منها تمامًا عام 1129هـ.
معاهدة بساروفتس 1130هـ: استنجدت البندقية بالنمسا التي هددت العثمانيين بالحرب إن لم يعيدوا ما أخذوه من البندقية، فضرب العثمانيون بتهديدهم عرض الحائط، فنشبت الحرب بينهما، واستطاعت النمسا أن تنتصر على العثمانيين، وتحتل بلغراد عام 1129هـ، ثم عقد الصلح عام 1130هـ بمعاهدة بساروفتس التي بمقتضاها:
1- تفقد الدولة بلغراد، ومعظم بلاد الصرب جزءًا من الأفلاق للنمسا.
2- وأن تعود بلاد مورة للعثمانيين.
3- تظل البندقية مسيطرة على سواحل دلماسيا.
الحرب مع الصفويين: استغل العثمانيون ضعف الصفويين، بعدما تنازل الشاه حسين لأمير أفغانستان مير محمد عن الحكم، فضموا إليهم بلاد الكرخ وأرمينيا، واستغلت روسيا الفرصة فاحتلت بلاد داغتسان، وكاد العثمانيون يصطدموا بالروس لولا الوساطة الفرنسية.
وحاول الصفويون استرداد ما فقدوهن فهزموا وفقدوا تبريز وهمدان وغيرهما ثم جرى الصلح عام 1140هـ، ثم ما لبث أن تجددت الحربي بينهما بعدما تولى طهماسب حكم الصفويين، ولميل الخليفة للصلح ثار الانكشارية وقتلوا الصدر الأعظم ثم عزلوا الخليفة وولوا ابن أخيه مكانه.
استطاعت الدولة العثمانية أن تنزل بالصفويين الهزيمة عام 1144هـ ثم الصلح بتنازل الصفويين عن همدان وتبريز وإقليم لورستان، ولكن والي خراسان نادر شاه رفض المعاهدة، واستطاع أن يسير إلى الشاه ويعزله ثم تحرك لقتال العثمانيين وألحق بهم الهزيمة حتى عقد صلحًا بين العثمانيين والصفويين في مدينة تفليس ببلاد الكرج عام 1149هـ، تنازل فيه العثمانيون عن كل ما أخذوه من الصفويين وأصبح نادر شاه ملكًا على فارس.
دخول الطباعة الدولة العثمانية: ومما يذكر في عهد الخليفة أحمد الثالث إنشاء أول دار للطباعة في استنبول لتكون السابقة الأولى من نوعها في الدولة العثمانية.
الخليفة محمود الأول (1143-1168هـ):
عندما تولى الحكم كان النفوذ الأعظم لقائد ثورة الانكشارية بطرونا خليل الذي عزل الخليفة، ثم ما لبث أن اختلف معه الانكشارية وقتلوه.
معاهدة بلغراد:
احتلت روسيا بولندا بدعم من النمسا، وعندما رغبت فرنسا في إنقاذ بولندا أرضتها النمسا بمعاهدة فيينا؛ لكي تتفرغ النمسا لقتال العثمانيين، وبدأت روسيا بإشعال الحرب مع العثمانيين، واحتلت ميناء آزوف، فاتحدت الدولة العثمانية مع الفرس، واستطاعت وقف هجومهم، وفي نفس الوقت أخذت تلاحق الجيوشُ العثمانيةُ النمسا حتى تمكنت من هزيمتها، وعقدت معاهدة بلغراد عام 1152هـ والتي نصت على:
عودة بلغراد، وما تحتله النمسا من أراضي الصرب، والأفلاق إلى الدولة العثمانية.
وأن تلتزم روسيا بهدم قلاع مدينة آزوف، وألا تكون لها سفينة في البحر الأسود.
وتوفي الخليفة محمود الأول عام 1168هـ وتولى الخلافة أخوه عثمان الثالث.
الخليفة عثمان الثالث
(1168-1171هـ)
ولد عام 1110 هـ وكان عمره حين تولى الخلافة يزيد على الثامنة والخمسين عامًا، قتل الصدر الأعظم على باشا؛ لسوء تصرفه، وعين محمد راغب باشا مكانه، فكان عونًا له، وأهلًا للإصلاح، وكان الخليفة يسير متنكرًا في الليل، ويطلع على أحوال الرعية، ويعمل على الإصلاح. وقد توفي في عام 1171هـ.
الخليفة مصطفى الثالث
(1171-1187هـ)
وهو ابن الخليفة أحمد الثالث، وتولى الخلافة عام 1171هـ.
الحرب مع الروس:
أغار القوزاق التابعون لروسيا على حدود الدولة العثمانية، فأعلنت الدولة الحرب على روسيا، وقاد خان القرم كريم كراي الجيش وانتصر على الروس وعاد بعدد كبير من الأسرى الروس عام 1182هـ.
من الأشياء التي جدت في عهد هذا الخليفة ومن تبعه هو قتل الصدر الأعظم أو القائد إذا فشل أو انهزم في الحرب، حتى يكون عبرة لغيره، ففي الحرب مع الروس فشل الصدر الأعظم في فك حصارهم عن عدة مدن، فكان جزاؤه القتل، ثم جاء الصدر الأعظم الجديد، وحاول اجتياز نهر الدينستر وكان النهر في ذلك الوقت فائضًا فغرق الكثير من الجند، وهزم العثمانيون وكان ذلك عام 1183هـ واستطاع الروس احتلال إقليمي الأفلاق والبغدان.
وحاول الروس احتلال طرابزون، ولكنهم لم يستطيعوا، ولكنهم استطاعوا في عام 1185هـ فصل القرم عن الدولة العثمانية، وتعيين جاهين كبيرًا باسم الإمبراطورة كاترين الأولى إمبراطورة روسيا، وتوسطت النمسا لإنهاء الحرب ولكن الروس طلبوا شروطًا مجحفة، وهم يعلمون تمامًا أن الدولة سترفضها وذلك طمعًا في استمرار الحرب، ومواصلة تقدمهم في أملاك الدولة، فاندلعت الحرب من جديد، ولكن خاب ظن الروس، فقد صدت القوات العثمانية هجوم الروس، وتمكنت من إجلائهم عن كثير من المناطق التي احتلوها.
الفتن الداخلية: حاولت روسيا إثارة الفتن داخل الدولة العثمانية، حتى تضربها داخليًا مع استمرار منازلتها خارجيًا.
ثورة نصارى المورة: أثار الروس نصارى المورة، واتجه الأسطول الروسي إلى المورة لدعم الثورة، ولكنه مَني بالهزيمة، ولكن بعض السفن التي أفلتت تمكنت من إحراق جزء كبير من الأسطول العثماني، ثم اتجهت لاحتلال جزيرة لمنوس فأجبرتها البحرية العثمانية على التقهقر عام 1185هـ وأخمدت الثورة في المورة.
ثورة علي بك الكبير في مصر: استطاع الروس أن يقنعوا علي بك والي مصر بمد نفوذه في الدولة العثمانية مستغلًّا انشغالها بالحروب مع روسيا، واتجه الأسطول الروسي في البحر المتوسط يمد علي بك الكبير بما يحتاج من ذخيرة، فدخل بلاد الشام، ولم يقو أحد على إيقافه، وخاصة أن الأسطول الروسي يتحرك معه، ولكنه فوجئ بتمرد نائبه في مصر محمد أبي الذهب؛ فعاد إلى مصر لقتاله، ولكنه هزم فاتجه إلى ضاهر العمر، وهو أحد قطاع الطرق، وكان في نفس الوقت من جباة الأموال، فوجد فيه سندًا له فواصل تقدمه في الشام، وكان خليفة في بداية الأمر يعترف بما ضمه علي بك، وذلك لانشغاله بقتال الروس، ولكن لما استفحل أمره التقى به الجيش العثماني بالقرب من مدينة صيدا؛ فانتصر علي بك الكبير، وخاصة أن الأسطول الروسي كان يساعده بإلقاء قذائفه على السواحل الشامية.
وبعد ذلك استعد علي بك الكبير لمهاجمة الأناضول، وفقًا لاتفاقه مع الروس، بأن يهاجم هو من الجنوب، ويهاجم الروس من الشمال، فتقع الدولة العثمانية بين فكيهما، ولكنه رأى أن يقضي أولًا على محمد أبي الذهب في مصر؛ فسار إليه والروس يدعمونه بأربعمائة جندي، والتقى بمحمد أبي الذهب في عام 1187هـ فهزم علي بك الكبير هزيمة منكرة، ومات متأثرًا بجراحه، ووقع في الأسر الجنود الروس الذين يدعمونه، وتخلصت الدولة من فتنة هذا الخائن التي كادت تقضي على الدولة وتفتح لروسيا أبوابها، وعين محمد أبو الذهب واليًا لمصر؛ نظرًا لإخلاصه وتفانيه في خدمة الدولة. وتوفي الخليفة مصطفى عام 1187هـ.
الخليفة عبد الحميد الأول
(1187-1203هـ)
كان محبوسًا في قصره حتى توفي أخوه فخرج ليتسلم الخلافة.
اتفاقية قينارجة 1187هـ:
أغارت أساطيل روسيا على مدينة وارنا (فارنا) البلغارية، وأنزلت قواتها التي استطاعت محاصرة معسكر العثمانيين، فطلب الصدر الأعظم الصلح، فعقدت اتفاقية قينارجة والتي نصت على:
1- اعتراف العثمانيين باستغلال القرم، وكذلك إقليم بسارابيا (يمثل الآن جمهورية ملدافيا وجزء من أوراكرانيا، ومقاطعة دوبروجة من جمهورية رومانيا) وكذلك منقطة قوبان الواقعة شمال غربي القوقاز، وكانت روسيا تهدف لاستقلال هذه المناطق تمهيدًا لاحتلالها.
2- حرية ملاحة السفن الروسية في البحر الأسود.
3- وأن تدفع الدولة العثمانية لروسيا غرامة حربية مقدارها 15 ألف كيس تدفع على ثلاثة أقساط في مطلع كل عام نصراني.
4- وأن يكون لروسيا حق حماية النصارى الأرثوذكس الذين يقيمون في الدولة العثمانية، وتبنى كنيسة في استنبول.
وواصلت روسيا تحقيق أهدافها فأشعلت الفتن في القرم؛ لتجد لها مبررًا للتدخل، وبالفعل احتلت القرم، واشتاطت الدولة العثمانية من تصرف الروس، وكادت تعلن الحرب عليها؛ لولا ما أبداه السفير الفرنسي من استعدادات روسيا، ومن تضامن النمسا معها، وانتظار الفرصة لتفتيت الدولة العثمانية.
وواصلت روسيا استفزازاتها للزج بالدولة العثمانية في حرب معها كي تقتطع منها المزيد من الأراضي؛ فأعلنت حمايتها على بلاد الكرج، وأطلقت لجواسيسها العنان لإثارة الفتن، وخاصة في الأقاليم ذات الأغلبية الأرثوذكسية مثل: الأفلاق، والبغدان والمورة والصرب، وأخذت روسيا تشحن شعبها للحرب مع العثمانيين، فعندما زارت الإمبراطورة كاترينا الثانية القرم استقبلت بأقواس النصر المكتوب عليها الطريق إلى بيزنطة؛ والمقصود بها القسطنطينية، فالروس أصحاب المذهب الأرثوذكسي لم ولن ينسوا أن العثمانيين أخذوا أقدس مكان لهم على الأرض، بل وحولوه إلى مسجد، فكانت أسمى أمانيهم السيطرة على استنبول، وإرجاع ما كان في العهد القديم، وخاصة بعدما نقل مقر الكنيسة الأرثوذكسية إلى موسكو بصفة أن الروس حامي حمى الأرثوذكس في العالم وأقوى شعوبهم.
ولما علمت الدولة العثمانية بما يحدث، أرادت أن تبادر بالهجوم على الروس قبل أن ينقضوا عليها، فأبلغت السفير الروسي بعدة طلبات لروسيا كي تجد سببًا لجرها للحرب، وهذه الطلبات هي:
- رفع الحماية عن بلاد الكرج.
- تعيين قناصل عثمانيين في السواحل التي تحتلها روسيا من البحر الأسود بدلًًا من الذين يثيرون السكان.
- أحقية الدولة في تفتيش السفن الروسية التي تعبر مضيق الدردنيل.
- تسليم حاكم الأفلاق اللاجئ سياسيًّا لروسيا.
وكما هو متوقع رفضت روسيا الطلبات، فأعلنت الدولة العثمانية الحرب عليها، وجرت مناوشات بين الطرفين تمكنت روسيا عام 1203هـ من احتلال مدينة أوزي، وفي نفس الوقت انتهزت النمسا الفرصة للإغارة على بلاد الصرب، ولكنها فشلت في احتلالها.
التخلص من ضاهر العمر: استطاع محمد أبو الدهب بأمر من الخليفة أن يتتبع ضاهر العمر في الشام فحاصره في عكا، ثم فر إلى جبال صفد، ثم قتله عام 1188هـ.
وتوفي الخليفة عبد الحميد عام 1203هـ.
الخليفة سليم الثالث
(1203-1222هـ):
وهو ابن الخليفة مصطفى الثالث، تسلم الخلافة في وقت عصيب، فقد استطاعت روسيا أن تحتل إقليم الأفلاق والبغدان وبساربيا، وساعدها على هذا النجاح مساندة النمسا لها واحتلالها لبلاد الصرب ودخولها بلغراد.
ولكن جاءت عناية القدر، عندما ظهرت الثورة الفرنسية، وانشغل الإمبراطور النمساوي بها، وخاف أن تمتد إلى بلاده، فعقد صلحًا مع العثمانيين عام 1205هـ أعاد إليها بلاد الصرب وبلغراد، ولكن روسيا لم تتوقف في حربها ضد الدولة العثمانية، واستطاعت أن تحتل المزيد من الأراضي، وكانت إذا دخلت بلادًا للمسلمين ارتكبت الفظائع، وتجردت معهم من الإنسانية.
معاهدة ياسي 1206هـ:
توسطت إنكلترا وهولندا وبروسيا بين العثمانيين، والروس، وعقدت معاهدة باسي التي بمقتضاها:
1- تعود الأفلاق والبغدان للدولة العثمانية.
2- تعترف الدولة العثمانية بسيادة روسيا على القرم وباسارابيا، ومدينة أوزي وجزء من بلاد الشركس.
الشئون الداخلية: بعد المعاهدات التي أبرمت مع روسيا، والنمسا حاول الخليفة إصلاح الشئون الداخلية للدولة، وجاء بفكرة الجنود النظامية؛ ليتخلص من الانكشارية الذين أصبحوا منبعًا للفتن والهزائم، وحاول تقليد أوروبا بعدما رأى التقدم الذي وصلت إليه، فجعل إنشاء السفن على الطريقة الفرنسية، واستعان بالسويد في وضع المدافع، وترجم المراجع العلمية في الرياضيات والفن العسكري.
وأثار إنشاء الجنود النظامية جنود الانكشارية، وخاصة بعد فصل الخليفة الأسطول والمدفعية عن الانكشارية، فثار الانكشارية ومعهم الجنود غير النظاميين، وأجبروا الخليفة إلغاء النظام العسكري الجديد، ولم يكتفوا بذلك بل عزلوا الخليفة عام 1222هـ.
الحملة الفرنسية على مصر وتوتر العلاقات:
ومما يذكر في عهد الخليفة سليم الثالث الحملة الفرنسية على مصر عام 1213 التي استطاع فيها نابليون دخول مصر، فتحول أعداء الأمس إلى أصدقاء، وعرضت روسيا مساعدة العثمانيين في الحرب مع فرنسا، وكذلك أبدت إنكلترا استعدادها لذلك، وفي ذلك الوقت كان نابليون يواصل توغله في الأراضي العثمانية، فدخل بلاد الشام، ولكنه فشل في دخول عكا لاستبسال واليها أحمد باشا الجزار، ومساعدة الأسطول الإنكليزي له، ثم استطاع الأسطول الإنجليزي تدمير الأسطول الفرنسي في الإسكندرية عام 1213هـ، واندلعت الثورة في أنحاء مصر، وكان للجامع الأزهر كبير الأثر في ذلك، وكان من أهم نتائج الثورة قتل كليبر خليفة نابليون في مصر عام 1215هـ.
وأصبحت فرنسا في مستنقع تفقد فيه الكثير من جنودها، حتى نزلت القوات العثمانية والإنكليزية في مصر، وواصلت تقدمها إلى القاهرة، فاضطرت فرنسا للانسحاب من مصر عام 1216هـ بعد إبرام اتفاقية العريش، وعادت العلاقات لسابقها مع فرنسا وتجددت الامتيازات.
ثم عادت روسيا للعداء مع الدولة العثمانية، وخاصة بعد أن عزلت الدولة أميري الأفلاق والبغدان المؤيدين من قبل روسيا، تدعمها إنكلترا، وهددا الدولة بدخول استنبول، إن لم تعط إقليميْ الأفلاق والبغدان لروسيا، وتعطي لإنكلترا أسطولها، وقلاع الدردنيل، وكادت الدولة أن تخضع لهذه الشروط لأنها لا تملك القوة التي تستطيع المقاومة، إلا أن العناية الإلهية قد تمثلت في اختلاف المصالح بين الدول، فجاء السفير الفرنسي للخليفة، وعرض عليه عون فرنسا، فوافق الخليفة، وتوجه الأسطول الفرنسي إلى مدخل مضيق الدردنيل مطوقًا الأسطول الإنكليزي في بحر مرمة، فاضطرت إنكلترا للانسحاب فورًا؛ خوفًا من تدمير أسطولها، وحاولت تعويض فرارها في الحملة التي شنتها على مصر بقيادة فريزر عام 1222هـ ولكن شعب رشيد الباسل قد لقنها درسًا لن تنساه؛ فانسحبت تجر أذيال الخيبة وراءها.
وكان محمد علي أحد الجنود الذين جاءوا ضمن الجيش العثماني لإخراج الفرنسيين من مصر، فما لبث أن جذب إليه المماليك والعلماء والأهالي، حتى نصب واليًا على مصر عام 1220هـ فما إن استتب له الأمر حتى تخلص من المماليك في مذبحة القلعة عام 1226هـ، وأثار الفتن بين العلماء لينفرد بالحكم وحده.
وفي عهد الخليفة سليم الثالث تكونت جمهورية مستقلة في بلاد اليونان تحت ضغط دول أوروبا، وبرغم أن هذه الجمهورية تكون تحت حماية الدولة العثمانية إلا أن الوضع الذي أصبحت عليه سيمهد لها الطريق إلى الاستقلال التام عن الدولة العثمانية كما سنرى في الصفحات المقبلة.
الخليفة مصطفى الرابع
(1222-1223هـ)
وهو ابن السلطان عبد الحميد الأول.
وفي ذلك الوقت لم تُرِدْ روسيا التخلي عن الأفلاق والبغدان، وفي نفس الوقت كانت روسيا في حرب مع فرنسا، وانتصرت فرنسا في الحرب، ففرضت فرنسا رأيها على العثمانيين بأن يخلي الروس ولايتي الأفلاق والبغدان، على ألا تدخلها الجيوش العثمانية فوافق العثمانيون، ولكن روسيا لم تترك الولايتين.
في البداية انصاع الخليفة لأوامر الانكشارية بعدما عزلوا عمه وعين قائدهم قباقجي أو غلي حاكمًا لقلاع البوسفور، ثم ما ليث أن اختلف الانكشارية، وقتل قبابجي أوغلي، وطلب القائد الجديد للانكشارية إعادة الخليفة سليم الثالث، ولكن سليم وافته المنية فقتل الخليفة مصطفى القائد الجديد، واجتمع عليه الانكشارية وعزلوه، وولوا أخاه محمود الثاني عام 1221هـ.
الخليفة محمود الثاني
(1223-1255هـ)
امتلأ عهد محمود الثاني بأحداث هامة سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي.
الحركة الوهابية:
نتيجة للضعف الشديد الذي دب في أوصال الدولة العثمانية ظهر فيها اتجاهان.
الاتجاه الأول.. والذي أرجع ما وصلت إليه الدولة العثمانية من ضعف إلى الابتعاد عن الإسلام، الذي ما كان للمسلمين أن تقوم لهم قائمة في الأرض إلا بالتمسك به.
الاتجاه الثاني.. يقوم على ضرورة تقليد أوروبا تقليدًا أعمى، لكي نصل إلى ما وصلت إليه من تقدم وازدهار.
الاتجاه الأول: تمثل في الحركة الوهابية التي قامت في أنحاء الجزيرة العربية، واجتذبت إليها الكثير من أهلها.
والاتجاه الثاني: كان متمثلًا في محمد علي، الذي أخذ في إرسال البعثات إلى أوروبا لتأتي بكل ما تجده في أوروبا، حتى لو كان لا يتفق مع الدين، ولذلك نجد الأوروبيين قد أثنوا دائمًا عند الكتابة عن محمد علي، واعتبروا أن النهضة في مصر قد بدأت منذ عهده.
ولما زاد أتباع الحركة الوهابية، أوحى الأوروبيون وغيرهم من أعداء الوهابيين إلى الدولة العثمانية، بأنها حركة انفصالية خارجة عن سلطة الدولة، وكانت الجيوش العثمانية في ذلك الوقت في حروب مع أوروبا، فتركت مهمة القضاء على الحركة لمحمد علي، الذي استطاع أن يجهز جيشًا قويًّا يحمي به نفوذه، ويخوض به المعارك، فأسرع ببناء أسطول لنقل القوات إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ونزلت القوات التابعة لمحمد علي بإمرة ابنه طوسون، واستطاعت أن تسيطر على المدينة المنورة؛ ولكنه حوصر في الطائف فجاءه أبوه بنفسه، فاحتل مكة المكرمة، ثم واصل طوسون زحفه في الجزيرة العربية، فأرسل إليه عبد الله بن سعود أمير الدولة السعودية الراعية للحركة الوهابية، وطلب الصلح فتم، ولكن طوسون اضطر للعودة إلى مصر بعدما سمع بتمرد جند والده، وما إن هدأت الأوضاع في مصر حتى بعث محمد علي حملة جديدة بقيادة ابنه إبراهيم، واستطاع الوصول إلى الدرعية قاعدة السعوديين، فاستسلمت وعقد الصلح في عام 1233هـ وبذلك قضي على الحركة الوهابية، وسافر عبد الله بن سعود إلى استنبول، بعد أن أمنه الخليفة، ولكن ما لبث أن قتل بمجرد وصوله.