السلطان عبد الحميد الثاني سلطانًا للدولة العثمانية الحديثة:

 اخر السلاطين العثمانيين
السلطان عبد الحميد الثاني سلطانًا للدولة العثمانية الحديثة:
كان السلطان عبد الحميد الثاني (1293-1327هـ/ 1876-1909م) هو السلطان الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية، تولى السلطنة وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، وعبد الحميد هو ابن السلطان عبد المجيد (1255-12778هـ/ 1839-1861م) صاحب فرمان التنظيمات الذي ينظم الدولة العثمانية على الطراز الأوروبي.
وإذا أردنا أن نتحدث عن مكانة السلطان عبد الحميد الثاني، فيجدر بنا أن نذكر حديث جمال الدين الأفغاني عندما سأله هرتزل عن رأيه في السلاطين؛ فقال: "إن عبد الحميد لو وزن بأربعة من نوابغ عصره لجرحهم ذكاء، ودهاء، وسياسة، وخاصة إذا رأينا ما يقام في ملكه من الصعاب من دول الغرب، ويخرج المناوئ له من حضرته راضيًا عنه، وعن سيرته مقتنعًا".
لم يكن السلطان عبد الحميد معاديًا لأيِّ إصلاحٍ لا يهدد سلطته، وهو لا يريد من الغرب الحضارة؛ لأنه كان يرى -بحق- أن للشرق حضارته الإسلامية الخاصة، وإنما كان يريد ما يهم الدولة فقط من العلوم الحديثة، وحتى هذا المهم لم يكن يريده دفعة واحدة وإنما يكون تدريجيًا، فالإسلام -في رأيه- لم يكن ضد التقدم، فكان اعتقاده أن الأمور القيمة يجب أن يكتب لها النجاح إذا كانت على شكل تطعيم من الخارج، وعلى هذا النحو أفاد السلطان عبد الحميد من الغرب بطريقته الخاصة، وبحسب حاجات الدولة كما كان يراها؛ فأنشأ عدة كليات للعلوم والآداب والحقوق وغيرها من المدارس، وأوفد البعثات العلمية إلى كل من فرنسا وألمانيا، كما أقام البلديات، ومد خطوط البرق والسكك الحديدية، وأنشأ إدارة للبريد.
ورغم التطور الثقافي الذي شهده عصر السلطان عبد الحميد الثاني، فإننا نجده ينشئ قسمًا للرقابة في وزارة المعارف، مهمته تطبيق مختلف قوانين الصحافة والمطبوعات، وخضعت المدارس لإشراف صارم، وخاصة في أواخر عهده حين تزايدت شكوكه ومخاوفه، ومما يذكر أن عصره يعد من أخصب الفترات الثقافية في التاريخ العثماني، ولا تعدله إلا الفترة التي شهدت عودة الدستور في أوائل القرن العشرين.
استطاع السلطان عبد الحميد الثاني أن يحكم الدولة العثمانية بكفاءة نادرة رغم الكوارث التي لحقت بها، واستفاد من تناقض مصالح، وسياسات الدول الأوروبية من أجل مصلحة بلاده، فكان بالفعل آخر سلاطين آل عثمان العظام. اعتلى السلطان عبد الحميد العرش، وكانت الأزمات تحيق بالسلطنة من كل جانب، خزانة مفلسة، وجند عزل، وفي أطراف الدولة عناصر تنادي بقوميتها، وشعب تواق للحكم البرلماني، وإلى جانب ذلك مؤامرات دولية على سبيل تحقيق الأماني القومية لبعض العناصر العثمانية، هذا بالإضافة إلى مؤامرات الدول الأوروبية للاتفاق على اقتسام إرث الرجل المريض، أي: الدولة العثمانية إبان ضعفها.
موقف السلطان عبد الحميد من أطماع الدول الأوروبية في الدولة العثمانية:
لا شك أن الأحداث الدولية التي شهدها السلطان عبد الحميد في أوائل حكمه كان لها أثرها في نزعاته المحافظة والاستبدادية. ففي (مارس 1295هـ/ 1878م) اضطرت الدولة لعقد معاهدة (سان استيفانو) التي نصت على استقلال إمارة الجبل الأسود، بعد إضافة أراض جديدة إليها، واستقلال الصرب التي ضمت هي الأخرى بعض المقاطعات، وعلى هذا النحو جرى تفتيت أملاك الدولة العثمانية في أوروبا، واستاءت بريطانيا لازدياد النفوذ الروسي في البلقان، واستعدت لمحاربة روسيا، وحصلت من السلطان في (يونيو 1296هـ/ 1878م) على حق احتلال جزيرة قبرص، وإدارتها على أن تبقى تابعة للدولة العثمانية مقابل تعهدها بالدفاع عن أملاك الدولة العثمانية في آسيا ضد التهديدات الروسية، على أن تتخلى بريطانيا عن قبرص في حالة جلاء الروس عن المناطق التي احتلوها في آسيا.
دعت ألمانيا بدورها إلى عقد مؤتمر دولي في (برلين) لمراجعة بنود الصلح السابق وتسوية نتائج الحرب (الروسية التركية) وفي كواليس المؤتمر نوقشت فكرة تقسيم الإمبراطورية العثمانية على مذبح السلام الأوروبي؛ فعرض على بريطانيا مصر، وعلى فرنسا تونس والشام، وعلى النمسا البوسنة والهرسك، وعلى روسيا البوغازين: البوسفور والدردنيل، على أن هذه العروض لم تكن رسمية، ولم تدرج في مقررات المؤتمر الذي كان من المعالم البارزة لتدهور الدولة العثمانية، والتي أرغمت على التنازل عن مساحات كبيرة من أملاكها، كما أنه أوضح إطراح كل من فرنسا وبريطانيا لسياستهما التقليدية الخاصة بالمحافظة على أملاك الدولة العثمانية.
ولم يمض وقت طويل حتى احتلت فرنسا تونس عام (1299هـ/ 1881م) بالإضافة إلى احتلالها السابق (1246هـ/ 1830م) واحتلت بريطانيا مصر عام (1300هت/ 1881م) ومن قبل كانت قد احتلت جزيرة بريم عام (1210هت/ 1759م) واحتلت عدن (1255هـ/ 1839هت) وعقدت تحالفات مع أمراء مسقط والحبرين والكويت أضافت جديدًا للنفوذ البريطاني في الخليج العربي.
كان السلطان عبد الحميد شديد الخوف من تدخل الدول الأوروبية، ومن ثم فقد بات حريصًا على ما تبقى لديه من أملاك، وهو يرى أن الحروب الصليبية على الإسلام لم تنته بعد، وبالتالي فإنه سعى بالإسلام إلى توحيد عناصر الدولة؛ بقصد تكوين جبهة للصمود في وجه الدول الأوروبية، فضلًا عن تكتيل كل مسلمي العالم، وبخاصة في الصين والهند وأواسط آسيا والبلاد العربية مع إيران الشيعية حتى تفوت الفرصة على كل من الإنجليز والروس.
وهكذا أصبحت الجامعة الإسلامية سلاحًا أيديولوجيًّا لمقاومة إمبريالية الغرب، والحركات القومية المسيحية، ولقد أصاب السلطان عبد الحميد بعض النجاح في ربط أجزاء الإمبراطورية بعضها ببعض، ورغم كل الاتهامات التي وجهت إلى عهده وشخصه؛ فإن (السلطنة أو الخلافة) كانت تحظى بقدر كبير من الاحترام لدى رعاياه، ورغم كل دعاوى أوروبا؛ فإنها كانت تخشى حركة الجامعة الإسلامية، ولعل توقف العدوان الأوروبي على أملاك الدولة العثمانية بعد احتلال بريطانيا لمصر راجع جزئيًا إلى استعمال السلطان للإسلام كسلاح في وجه المعتدين، غير أن هذا الاتجاه لم ينقذ الدولة من تيار القومية العربية المتنامي، كما أنه لم يقض على الأطماع الانفصالية التي راودت بعض الحكام العرب، وخاصة في شبه الجزيرة العربية ومنطقة الخليج.
وخلال ثلاثين عامًا من حكم السلطان عبد الحميد استطاع الاستفادة من تناقض السياسة الدولية من أجل المحافظة على ما تبقى من بلاده، وحاول إصلاح الدولة العثمانية، واتجه إلى تقليل دور وزرائه الذين دفعوا الدولة إلى نكبة معاهدة (سان ستيفانو) وأعلن السلطان عبد الحميد في (فبراير 1878م) تعطيل مجلس (المبعوثان) إلى أجل غير مسمى بعد عام من إنشائه، كما اتجه السلطان إلى تولي المسئوليات الرئيسية بمعنى أنه اتجه إلى الحكم الفردي، والإشراف على كل صغيرة وكبيرة في الدولة. وبعد احتلال إنجلترا وفرنسا وإيطاليا لأجزاء كثيرة من الدولة العثمانية اتجهت أنظاره صوب ألمانيا، تلك الدولة العظمى الجديدة، فقام الألمان بمشروعات عملاقة لخدمة الدولة العثمانية منها مشروعات خطوط السكك الحديدية لربط أجزاء الدولة العثمانية، وأيضًا التعاون بين القيصر الألماني والسلطان العثماني في المشروعات العسكرية والاقتصادية.
السلطان عبد الحميد الثاني والحركة الصهيونية:
الحركة الصهيونية نسبة إلى (صهيون) وهو اسم ربوة في القدس، ثم أصبحت الصهيونية كلمة خاصة تعبر عن اليهود، وهذا هو المعنى اللفظي للكلمة، أما المعنى السياسي فيختلف عن ذلك، فهي حركة سياسية عنصرية أحيت فكرة أرض الميعاد، وإقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين؛ ليجمع شتاتهم؛ متذرعين بادعاءات دينية وتاريخية، وزاد أملهم في فلسطين في ثمانينات القرن التاسع عشر، ونادوا بضرورة تهجير اليهود إلى فلسطين، وإنقاذهم من الاضطهادات التي يتعرضون لها في المجتمعات التي يعيشون فيها، وطالبوا بإنشاء دولة يهودية في فلسطين.
وتزعم الحركة كل من: الصحفي النمساوي (تيودور هرتزل) ورجل الأعمال والمصرفي المشهور (روتشيلد) وحاول الاثنان مع السلطان العثماني عبد الحميد الثاني أن يستصدرا فرمانًا يسمح لليهود بالهجرة إلى فلسطين في مقابل سداد ديون الدولة العثمانية، ولكن السلطان عبد الحميد رفض هذا الطلب؛ لأسباب سياسية ودينية.
وبعد لقاء السلطان (عبد الحميد الثاني) وتيودور هرتزل، استطاع معرفة حقيقة تلك الحركة اليهودية عن طريق رجال المخابرات العثمانية، وسفرائه في العواصم الأوروبية، والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، حيث كلفهم بمتابعة نشاط المنظمات اليهودية، وبالفعل اتضحت له حقائق كثيرة كان يفتقر إليها، وبدأت سياسته نحو اليهود تأخذ طريقًا آخر.
كانت سياسية السلطان (عبد الحميد الثاني) تجاه اليهود -تقريبًا- مثل أسلافه؛ فعاملهم معاملة طيبة، وكان أول حاكم عثماني يعطيهم المساواة أمام القانون، وبعد اعتلائه العرش أصرَّ على إعطاء رواتب شهرية لحاخام تركيا الأكبر، أي: أنه عامله كما يعمل موظفي الدولة، واتخذ تقليدًا بأن يرسل سنويًّا في عيد الفصح إلى حاخام الأستانة ثمانية آلاف فرنك؛ لتوزع على فقراء اليهود في العاصمة العثمانية، وعندما منعت حكومة كريت المحلية في عام (1299هـ/ 1881م) مشاركة اليهود في الانتخابات البلدية؛ وَبَّخَ السلطان عبد الحميد الثاني حكومة كريت؛ لتعديها على حقوق اليهود.
وفي عام (1300هـ/ 1882م) نتيجة للحريق الذي شب في الحي اليهودي حسكاني Haskani، تشردت ستة آلاف عائلة يهودية في الأستانة، فبذل السلطان (عبد الحميد الثاني) ما باستطاعته؛ لتخفيف هذه الكارثة عن اليهود، وفي إطار تلك المعاملة الطيبة أنعم السلطان (عبد الحميد الثاني) بالوسام (المجيدي) عام (1314هـ/ 1896م) على حاخام الطائفة اليهودية بمصر وتوابعها (رابي أهراون بن سيمنون) وفي عام (1320هـ/ 1902م) منحه السلطان (عبد الحميد الثاني) الوسام العثماني الثاني.
على أنه مما لا شك فيه أن هؤلاء اليهود الذين عوملوا معاملة حسنة قد تعاونوا مع الصهيونية باعتبارها الحركة المكلفة بإعادة الأراضي لمقدسة إلى الشعب اليهودي ضد السلطان (عبد الحميد) وفي خلعه عام (1327هـ/ 1909م).
ومن المعروف أن اليهود أعلنوا انفصالهم عن الحركة الصهيونية؛ لإبعاد الشبهات عنهم، وعدم إظهار حقيقة خططهم، واتباعهم مبدأ الغاية تبرر الوسيلة من أجل جمع المال للتحكم في مجريات السياسة الدولية في العالم.
السلطان عبد الحميد والأحرار العثمانيون:
رغم التقدم المادي والثقافي الذي شهده عصر السلطان (عبد الحميد) فإن المعارضة انطلقت من مصدرين، هما: الأحرار العثمانيون، والروح القومية لدى المجموعات غير التركية. وقد أدت الإصلاحات التعليمية (لمدحت باشا) إلى إعداد مئات من البيروقراطيين، والأطباء، والضباط، والكتاب الذين كانوا على استعداد للعمل في إطار النظام القائم، ولقد أتاح ذلك التقدم لبعض العثمانيين الاطلاع على الكفر السياسي الليبرالي في أوروبا الغربية.
وأدى إلغاء السلطان عبد الحميد العمل بالدستور في بداية عهده إلى ازدياد المعارضة ضد استبداده بالحكم، واتباعه لسياسة القمع عن طريق جواسيسه الذين نقلوا له كل صغيرة وكبيرة تحدث في أقاليم الدولة. ولن نركز كثيرًا على الأسباب السياسية التي أدت إلى ازدياد المعارضة ضد السلطان عبد الحميد؛ لأن الأسباب الاقتصادية كانت المحرك الأقوى لتلك المعارضة، فقد ساءت المحاصيل في الأناضول، ولم تكن حصيلة الضرائب تصل بالسرعة الكافية، مما أدى إلى تأجيل صرف الرواتب، ووقف الترقيات مما جعل كثيرين من الضباط والجنود والبيروقراطيين يعبرون عن سخطهم بترك وظائفهم.
يضاف إلى ذلك الأزمات المالية، وتراكم الديون منذ حرب القرم، وطوال عهد السلطان عبد الحميد. وقد استغلت جمعية تركيا الفتاة سخط الجيش والشعب على حدٍّ سواء في كسب المزيد من المعارضين.
السلطان عبد الحميد الثاني والجمعيات السرية:
وفي عام (1307هـ/ 1889م) أسس عدد غير قليل من تلاميذ مدارس الطب العسكري بوجهٍ خاصٍّ الجمعية السرية التي تحولت -فيما بعد- إلى لجنة الاتحاد والترقي، وفيما بين عامي (1902-1906م) أخذت حركة تركيا الفتاة في الانتشار في القاهرة وجنيف والأستانة ذاتها.
وبدأت حركة الاتحاد والترقي في الانتشار بقوة في مدينة (سالونيك) التي لعبت دورًا فعالًا كقاعدة للثوار الاتحاديين والمحافل الماسونية، وكعقل مدبر لكافة الأحداث التي وقعت في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وظهرت الماسونية بشكلٍ واضحٍ في مدينةِ سالونيك منذ وصول يهود الدونمة إلى المدينة، حيث سهلت لهم أوضاع المدينة السياسية والاجتماعية؛ ولا سيما الامتيازات الأجنبية فرصة افتتاح الكثير من المحافل الماسونية التي تتبع المحفل الأعظم البريطاني، أو الشرق الأعظم الفرنسي أو افيطالي، ثم تطور الأمر بالماسون إلى أن قام اليهودي الماسوني (عمانويل قارصوه) بافتتاح محفل ماسوني في سوالنيك يرتبط بالماسونية الإيطالية، وقد كان لهذا المحفل دور في الثورة التي قامت بها (جماعة الاتحاد والترقي) ضد السلطان (عبد الحميد)، كما أنشأ (حليم باشا) مجمعًا وطنيًّا ماسونيًّا، وتعددت محافله والمنتسبون إليه حتى أصبح عدد الماسون الأتراك عام (1300هـ/ 1882م) حوالي عشرة آلاف تركي معظمهم من الوزراء والنواب وقادة الجيش، وكان منهم أعضاء جماعة تركيا الفتاة.
وكان السلطان (عبد الحميد) يخشى سطوة الأحزاب والجمعيات السرية؛ ولا سيما (الماسونية) فصمم على إخضاعها للرقابة، ولكن حماية الدول الأوروبية -وخاصة إنجلترا- كانت تخفف من قيود تلك الرقابة، وقد تمكن السلطان (عبد الحميد الثاني) من إغلاق المحافل الماسونية جميعها في تركيا عام (1312هـ/ 1894م) ما عدا محافل سالونيك؛ للرعاية الدولية التي تتحلى بها. وفي عام (1313هـ/ 1895م) أصدر السلطان (عبد الحميد) أوامره بزيادة أعضاء مجلس إدارة ولاية سالونيك لزيادة الرقابة على محافلها الماسونية.
أما عن دور المحافل الماسونية في التخطيط لثورة الاتحاديين فيتلخص في أن اليهود استغلوا المحافل الماسونية للاستفادة من الحركة الثورية السياسية التي سنها رجال تركيا الفتاة، والأحرار العثمانيون، ونادى بها المنفيون السياسيون في فرنسا وإنجلترا وألمانيا، وأخيرًا جمعية الاتحاد والترقي وسخروها جسرًا لجعل فلسطين وطنا قوميًّا لليهود، وهو ما فشلوا في تحقيقه عن طريق السلطان (عبد الحميد).
وعندما بدأ الأحرار العثمانيون يشكلون جمعياتهم وخلاياهم الثورية ضد حكم السلطان عبد الحميد تلقفتهم المحافل الماسونية اليهودية، وفتحت لهم أبوابها، واستقطبت الشخصيات البارزة فيهم، مثل: طلعت باشا، وأنور باشا، وجمال باشا، فانتسبوا إليها وترقوا في درجاتها، وأعطوا رواتب ومكافآت شهرية، حتى أصبح طلعت هو الرأس المدبر في سالونيك.
كما قام (إبراهيم تيمو) أو (أدهم) -وهو يهودي ماسوني ألباني- بالسعي في تشكيل الجمعية السرية بين صفوف طلاب المدرسة العسكرية الطبية في الأستانة، والتي كانت النواة الأولى لجمعية الاتحاد والترقي، وذلك عام (1307هـ/ 1889م).
بعد أن تشكلت جماعة (الاتحاد والترقي) واتخذت شعارها: (الإخاء والحرية والمساواة) اتضح أنه نفس الشعار المعروف لدى الماسونية ومحافلها، وهو ما أكدته الوثائق البريطانية.
ويتضح دور اليهود أيضًا -بشكل بارز- من خلال الدعم المادي والمعنوي الذي قدمه اليهود والماسون لجماعة الاتحاد والترقي، فقد قدموا لهم الأموال الكثيرة للصرف على احتياجات الثورة والتخطيط لها، وفتحوا أبواب المحافل والقاعات للاجتماعات السرية.
يضاف إلى ذلك دور المفكرين اليهود داخل وخارج الدولة العثمانية، والذين نادوا بالفكرة القومية الطورانية، ولى رأس هؤلاء كل من (لاملي دافيدز، ليون ركاهون فامبري) وهؤلاء أسهموا بالفكر والتأييد لجمعية الاتحاد والترقي.
إن جماعة الاتحاد والترقي ليست تركية ولا إسلامية؛ فمنذ نشأتها لم يظهر في المنتسبين إليها تركي وطني مسلم مخلص، فأنور باشا ابن رجل بولندي، وجاويد باشا من طائفة يهود الدونمة، واسمه (دافيد)، و(قارصوه) من اليهود الأسبان المهاجرين إلى سالونيك... وغيرهم، كما أن جماعة الاتحاد والترقي تضم يهودًا لا يشك في يهوديتهم، مثل: نسيم روسوا، ونسيم مازلياخ، وكان نفوذ اليهود في الجمعية عظيمًا وواضحًا.
ويتضح لنا مما سبق أن الماسونية واليهودية قد وجدوا فرصتهم في الأحرار العثمانيين القادمين على السلطة العثمانية، والذين تشكلت منهم جماعة الاتحاد والترقي؛ فتسللوا بين صفوفهم وضموهم إلى محافلهم، حتى أصبح الاتحاديون العثمانيون ملغمين بالعناصر اليهودية الماسونية والصهيونية، والذين كان لدعمهم المادي والمعنوي أكبر الأثر فيما كان الاتحاديون مقبلين عليه؛ فقد وجدوا في تلك المحافل المكان الآمن الذي يستطيعون فيه ومنه الاجتماع والتخطيط، والتحرك بعيدًا عن أعين السلطان (عبد الحميد الثاني) مما جعل الطريق نحو الثورة قد أضحى ليبدأ الاتحاديون في وضع الخطط والبرامج موضع التنفيذ لخلع السلطان (عبد الحميد) وتحقيق برامجهم الإصلاحية في الدولة العثمانية.
سقوط عبد الحميد الثاني:
بدأت ثورة الاتحاد والترقي في (17-23 يوليو 1326هـ/ 1908م) وكانت بدايتها من سالونيك، واشترك فيها الجيشان الثاني والثالث (50 ألف جندي)، كما تدفق الأهالي على سالونيك هاتفين بالحرية، ومعلنين تضامنهم مع جمعية الاتحاد والترقي، وأرسلوا برقية إلى السلطان عبد الحميد يطالبونه بإعلان الدستور في ظرف (24 ساعة) وإلا تحرك الجيشان لاحتلال العاصمة.
وعلى هذا النحو وافق السلطان (عبد الحميد) على مضض على إعلان الدستور، ونجح الاتحاديون في الانتخابات التي أجروها بقوة السلاح، وتم لهم ما أرادوا وافتتح مجلس "المبعوثان" في (17 ديسمبر 1326هـ/ 1908م) وشرع الاتحاديون في تنفيذ مبادئهم وبرامجهم الإصلاحية، وحكموا البلاد حكمًا دكتاتوريًا، ووصل بهم المر إلى حد قتل معارضيهم وتشريدهم خارج البلاد، كما خشيت الدول الأوروبية من نجاح الاتحاديين في تنفيذ الإصلاحات في موعدها، وأن تتمكن تركيا من استعادة قوتها بفضل المساعدات التي قدمتها ألمانيا لها، فبادرت هذه الدول إلى عرقلة جهود حكومة الثورة. ففي أكتوبر من نفس العام ضمت إليها ممتلكات الدولة العثمانية في البلقان، وضمت بلغاريا إلى أراضيها الجزء الشرقي من الروملي.
كما قامت عصابات بلغارية وأرمينية بنشاط ثوري، ونهبوا بيوت المسلمين، وبالتالي تحركت جموع المواطنين، وقتلوا من جماعات الأرض والبلغاريين حوالي سبعة آلاف، وقتل من العثمانيين ما يقرب من ألفين.
وكان من الطبيعي أن تفقد هذه الضربات المتلاحقة الحكومة الثورية هيبتها، وتهز شخصيتها ومكانتها، وتشجع المعارضة ضدها، وقد نجح السلطان (عبد الحميد) في تعبئة الرأي العام ضد حكم الاتحاد والترقي، وقامت ثورة ضدهم؛ فهرب زعماء الاتحاد إلى قاعدتهم القديمة سالونيك، وقرر قائد الجيش في سالونيك التحرك جنوب العاصمة لإخماد الثورة ضد الاتحاديين، ونجحوا في ذلك، ودخل الجيش الأستانة، واعتقل زعماء الانقلاب، واجتمع مجلس "المبعوثان" وأعلن الموافقة على خلع السلطان (عبد الحميد) بمقتضى فتوى من شيخ الإسلام، وجرى تعيين السلطان محمد رشاد (محمد الخامس) الذي أعلن أن سيخدم الإرادة التي اختارتها الأمة، ولم يكن السلطان الجديد يعرف الكثير عن العالم الخارجي نتيجة لعزله في القفص قبل توليه الحكم؛ ولهذا فإنه ما لبث أن أصبح ألعوبة في يد لجنة الاتحاد والترقي التي عينته؛ خاصة وأن الاتحاديين بادروا بتطهير القصر، وتعيين رجالهم في مناصبه الرئيسية، ومنذ ذلك الوقت وحتى انهيار الإمبراطورية العثمانية أصبح الاتحاديون الذين أعلنوا حزبهم السياسي في (إبريل 1327هـ/ 1909م) هم أصحاب الكلمة العليا في الدولة العثمانية.
وفي هذه الأحداث برز دور اليهود في خلع السلطان (عبد الحميد) عندما مارس الاتحاديون الضغط على شيخ الإسلام (محمد ضياء الدين) بإصدار فتوى الخلع، ثم أوفد يوم (الثلاثاء 24 أبريل 1327هـ/ 1909م) وفد مكون من (عارف حكمت باشا) رئيسًا، وعضوية كل من (أسعد طوتباني باشا)، و(غالب باشا) و(آرام أفندي الأرمني) و(قارصوه) وهو زعيم اليهود الماسون.
وبعد عزل السلطان عبد الحميد حرض الاتحاديون على سجنه، وإمعانًا في إذلاله نفي إلى سالونيك -المركز اليهودي الماسوني الاتحادي الدولي- حيث نقل إلى هناك، وكان يرافقه بعض حريمه، وحاشية صغيرة في (27 أبريل 1327هـ/ 1909م) وسجن في فيلا ألاتيني Alatini وهي تخص أحد أصحاب البنوك اليهودية الأغنياء في جمعية الاتحاد والترقي، وبعد العزل هللت الصحف اليهودية في سالونيك للتخلص من (مضطهد إسرائيل).