الحكم العثماني في البلاد العربية

علاقات الدولة العثمانية بالشرق الإسلامي "الصفويين - المماليك":
نعود إلى الوراء قليلًا، ففي عام "780هـ/ 1465م" حدث احتكاك بين المماليك والعثمانيين عندما تقاتل "بوادق" و"شاه سوار" وهما اثنان من أبناء "أرسلان بك" أمير البستان التركماني، فأيد المماليك "بوادق"، وأيد العثمانيون "شاه سوار" ولما علم "محمد الفاتح" بتولية "بوادق" أرسل في عام "872هـ/ 1467م" بعض قواته لمساعدة "شاه سوار"، الذي تمكن من طرد "بوادق"؛ وإزاء هذا الموقف قرر السلطان المملوكي "قايتباي" التدخل، ولكن الحملة التي أرسلها هزمت، وفي عام "876هـ/ 1471م" تمكنت القوات المملوكية بقيادة الأمير "يشبك الدوادار" من هزيمة "شاه سوار" الذي طلب الصلح والعفو من المماليك؛ نظير تعهده بالولاء والطاعة لسلطنة المماليك وعاد شاه "بوادق" إلى مرعش.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد انزعج السلطان "قايتباي" عندما علم بهزيمة حليفه "جهام شاه" -زعيم "القرة قيونلو" من بلاد التركمان"- من العثمانيين وحلفائهم "آلاق قيونلو" -من بلاد التركمان- وأعلن "قايتباي" الحرب على الدولة العثمانية، ولكنه هزم، وفي عام "877هـ/ 1472م" وجه "قايتباي" جيشًا آخر إلى الأراضي العثمانية، وواجه السلطان "محمد الفاتح" بنفسه، وهزم "قايتباي" عام "877- 878هـ/ 1472 - 1473م" في موقعة "بابرت".
وفي هذه الظروف التي كانت تتعرض لها دولة "الآق قيونلو" أطاحت بحكامها أسرة أخرى هي أسرة الصفويين التي ظهرت في أذربيجان، وأصبحت الصفوية حركة شيعية قوية، وكان زعيمهم هو الشيخ جنيد "851-586هـ/ 1447 - 1460م"، وكانت له أطماع سياسية، واكتسب أتباعًا كثيرين من بين قبائل التركمان التي كانت تشعر بضغط التوسع العثماني، ودافع "قايتباي" عن الشيخ "جنيد" الذي تزوج أخت السلطان "قايتباي".
ولم تنته المشاكل بين العثمانيين والمماليك عند هذا الحد، فقد تدخل العثمانيون في إمارة "ذي القدرية" بتنصيب شخص يدعى "علاء الدولة" حاكمًا على الإمارة، بعد أن منحه السلطان محمد الفاتح تأييده المطلق عام "885هـ/ 1480م" ضد "بوادق" المؤيد من قبل المماليك.
وعندما توفي "محمد الفاتح" في عام "886هـ/ 1482م" أيد السلطان المملوكي "قايتباي" الأمير "جم" ضد أخيه "بايزيد الثاني" فقام العثمانيون بغزو قلقيلية في عام "890هـ/ 1485م"، وتمكن داود باشا -الصدر الأعظم- من احتلالها في عام "893هـ/ 1487م" وفي هذا الوقت تخلى الأمير "علاء الدولة" عن حاميه العثماني، ولم يستمر الحال طويلًا في تعثير مفاوضات الصلح بين العثمانيين والمماليك، فقد جاء إلى مصر في عام "897هـ/ 1491م" رسول من قبل السلطان العثماني "بايزيد الثاني" ومعه مفاتيح القلاع التي استولى عليها العثمانيون، وعقد الصلح بينهما في عام "897هـ/ 1491م".
وفي هذه الظروف، كان وضع الأسرة الصفوية خطيرًا للغاية، فقد تولى إسماعيل حفيد الشيخ جنيد الصفوي الزعامة على أذربيجان وغربي فارس والعراق، وتوج "شاه" على بلاد فارس، وضم شرق فارس إلى ممتلكاته، وفي عهد "بايزيد الثاني" لاقت الحكومة العثمانية مشاكل عديدة من النفوذ الصفوي في الأناضول، وفي عام "809هـ/ 1502م" أبعد السلطان العثماني من لهم ميول إلى الشاه إسماعيل من أراضي الأناضول، وفي عام "917هـ/ 1511م" قامت دعوة شيعية مفاجئة في الأناضول بزعامة شاه "قولي"، فوجه السلطان العثماني حملة من الإنكشارية يقودها الصدر الأعظم بنفسه، ولكنها هزمت، ونفذ العثمانيون سياسة الاضطهاد الديني ضد الشيعة المقيمين في بلادهم.
ولم يستطع السلطان سليم المحافظة على مركزه إلا بمحاربة وهزيمة أخيه الأكبر "أحمد"، فلجأ أحد أبناء أخيه المهزوم ويدعى الأمير "مراد" إلى الشاه إسماعيل الصفوي، وذهبت بعثة صفوية إلى مصر تطلب تأييد السلطان المملوكي قانصوه الغوري ضد زحفه تجاه الأراضي الصفوية، وفي هذا الوقت رفض الأمير علاء الدولة تزويد العثمانيين بالإمدادات والمساعدات، واستمر "سليم الأول" في زحفه والتقى بالصفويين في سهل "جالديران" في "أغسطس عام 1514م/ 920ه"، وانتصر العثمانيون ودخلوا العاصمة الصفوية "تبريز" في شهر سبتمبر، ولكن العثمانيين بدءوا في هذه اللحظة يقاسون من نضوب مواردهم، فأجبر الإنكشارية السلطان على الانسحاب.
دخول العثمانيين الشام:
ونتيجة للنهاية المتميعة التي تمخضت عنها موقعة جالديران، كان لا بد من قيام جولة أخرى بين العثمانيين والصفويين وأحلافهم المماليك ارتبطت بسباق بينهم على غزو الأقاليم المجاورة. وقد كان استيلاء "سليم الأول" على إمارة "دلغادر" الحاجزة بين المماليك والعثمانيين والقضاء على "علاء الدولة" بداية صراع جديد مع سلطنة المماليك في مصر، كما أن شكوك السلطان "قانصوه الغوري" في نوايا العثمانيين بدأت تتزايد بعد هزيمة الصفويين.
فقام "قانصوه الغوري" بالاتصال بالشاه "إسماعيل" الصفوي، وتعهد بأن يرسل القوات المملوكية إلى حدود سوريا لمنع استفحال خطر العثمانيين.
وسرعان ما وضعت المحالفة المملوكية -الصفوية موضع التنفيذ، عندما جهز السلطان سليم حملة جديدة ضد أحد الأقاليم الصفوية في ربيع عام "1516م/ 923هـ" فقام "قانصوه الغوري" بقيادة الجيش المملوكي إلى سورية تاركًا "طومان باي" أحد القادة الكبار نائبًا في القاهرة خلال غيابه، ولذلك اضطر السلطان "سليم" إلى حسم الأمر مع المماليك، ولم يجد الغوري مفرًّا من القتال، وفي "24 أغسطس عام "923هـ/ 1516م"، تقابل الجيشان المملوكي والعثماني في معركة في سهل "مرج دابق"، بالقرب من حلب، وفي هذه الأثناء سحب خاير بك القوات التي تحت إمرته، وأشاع هزيمة المماليك، وتحولت المعركة إلى هزيمة، سقط فيها السلطان الغوري قتيلًا.
وبفوز العثمانيين في معركة مرج دابق "923هـ/ 1516م" أصبح من اليسير أمامهم فتح مدن الشام؛ الواحدة تلوم الأخرى؛ فقد كان الأهالي يتمنون زوال الحكم المملوكي نظرًا لعيوبه، ومن المعروف أن أهالي حلب كانوا قد رفعوا شكواهم إلى السلطان سليم قبل نشوب المعركة؛ لما قاسوه من فظائع وجرائم على أيدي الجراكسة وأعلنوا انضمامهم إلى جانبه، وقد فتح "سليم الأول" حلب بدون قتال، وتمكن من دخول دمشق بعد ترحيب أهلها بالعثمانيين، الذين قاموا بقتل نائبها المملوكي ورجاله شنقًا على أبواب المدينة. وهكذا تتابع سقوط مدن الشام في قبضة العثمانيين دون عناء يذكر؛ وعين السلطان سليم الأول على كل مدينة نائبًا عنه، كما نصب قاضيًا ليسهر على تطبيق أحكام الشرع الشريف.
دخول العثمانيين مصر:
وقد كان السلطان "سليم الأول" يقدر أهمية فتح مصر، وأمام هذا، بادر السلطان "سليم الأول" بمفاوضة "طومان باي" الذي تولى حكم المماليك بعد مقتل "قانصوه الغوري" في "مرج دابق" ويبدوا أنه كان يأمل دخوله في طاعته سلمًا، ولما رفض "طومان باي" ذلك، كان من الضروري أن يعيد السلطان "سليم الأول" النظر في مسألة فتح مصر، وتشاور مع قادة جيشه، واستقر الرأي على توجيه حملة عسكرية لفتح مصر، وفي "22 يناير سنة 1517م/ 923هـ" وعند الريدانية التقى الجيش العثماني بالجيش المملوكي بقيادة "طومان باي" ولم تستغرق المعركة وقتًا طويلًا حتى انكسر الجيش المملوكي، وقد حاول طومان باي الثبات، ولكنه اضطر في النهاية إلى الفرار وفي "23 يناير سنة 1517م/ 923هـ" دخل الجيش العثماني القاهرة. وقد حاول طومان باي المقاومة لانتزاع القاهرة من أيديهم ولكن محاولاته المتكررة فشلت، وقبض عليه وشنق على باب زويلة أحد أبواب القاهرة في "30 يناير سنة 1517م/ 923هـ" وبذلك صارت مصر ولاية عثمانية.
كان على العثمانيين بعد أن قضوا على دولة المماليك في الشام ومصر أن يتصدوا للخطر البرتغالي، ويقتضي ذلك -بالضرورة- بسط سيطرتهم على الحجاز واليمن باعتبارهما نقطة انطلاق لمحاربة البرتغاليين، ويتحكمان في مدخل البحر الأحمر، وجاء الأمر سهلًا، عندما قابل جماعة من الفقهاء والقضاة من أهل الحجاز السلطان سليم في مصر وأعلنوا رغبتهم في التوسط لمكاتبة شريف مكة "الشريف بركات" للدخول في خدمة السلطان العثماني، وعلى هذا النحو قبل الشريف بركات، أن يبعث إلى السلطان سليم معلنًا استعداده لقبول السيادة العثمانية، فأرسل ولده إلى القاهرة ومعه مفاتيح الحرمين الشريفين.
وقد أحسن السلطان العثماني استقباله ومنحه تفويضًا بأن يتمتع والده بحكم الحجاز في ظل الدولة العثمانية التي أبقت على نظام الشرافة، إلا أنهم أسسوا صنجقية عثمانية في ميناء "جدة" يتولى حكمها أحد البكوات العثمانيين عرفت باسم صنجقية جدة أو "صنجقية الحبش" باعتبارها تضم جانبًا من الساحل الأفريقي "مصوع - أرتري".
دخول العثمانيين اليمن وشبه الجزيرة العربية:
أما اليمن فقد أقر السلطان "سليم الأول" الحاكم المملوكي "إسكندر الجركسي" حاكمًا عليها، على أن تكون الخطبة باسم السلطان العثماني، وقد مرت اليمن بفترة حافلة بالصراع الشديد بين الأمراء المماليك للوصول إلى الحكم، بينما قام نفر من الأمراء العثمانيين بالعمل على تقوية نفوذ الدولة، ولم تنته تلك الأحداث بنتيجة حاسمة، بينما كان الخطر البرتغالي، يستفحل تدريجيًّا في المحيط الهندي، ويتجه صوب البحر الأحمر.
واستمر الوضع في اليمن على ما هو عليه باقي فترة حكم السلطان "سليم الأول" الذي توفي عام "927هـ/ 1520م" فتولى ابنه "سليمان" العرش، وهو المعروف بسليمان القانوني الذي اهتم بشئون اليمن وباقي شبه الجزيرة العربية. ففي عام "945هـ/ 1538م" أرسل حملة عثمانية إلى اليمن بقيادة "سليمان باشا الخادم" تضم عددًا من السفن التي أنشئت في السويس، تمكنت من تهدئة الوضع في اليمن.
وقبيل منتصف القرن السادس عشر الميلادي قامت حملة عثمانية بحرية بقيادة "بيري رئيس" أحد الأمراء البحريين ببعض الأعمال البحرية على شواطئ الجزيرة العربية الجنوبية والشرقية، فاحتلت "عدن" سنة "954هـ/ 1547م"، ثم احتلت "مسقط" عام "959هـ/ 1551م" ووصلت حتى رأس الخليج الفارسي، ولم يتم فتح اليمن إلا في عهد ابنه "سليم الثاني" عام "976هـ/ 1586م".
دخول العثمانيين العراق:
أما في العراق فقد حارب السلطان "سليمان القانوني" الدولة الصفوية، إذ أن عامل بغداد من قبل الصفويين تمرد عليهم لتشيعهم، وانحاز إلى السلطان "سليمان القانوني" لأنه سني، ليحمي نفسه وأتباعه السنيين بالعراق من ضغط الشيعة، فجهز الشاه الصفوي حملة ضده وأخضعه، فهب السلطان "سليمان القانوني" ليدافع عن حليفه، وانتصر "سليمان الثاني" على الصفويين، وتقدم حتى وصل عاصمتهم "تبريز"، ولكنه رجع اكتفاء بسيطرته على العراق ولحدوث تمرد في جيشه، وكان فتح سليمان للعراق سنة "941هـ/ 1534م".
دخول العثمانيين شمال أفريقيا:
أما دول شمال أفريقيا؛ فقد كانت مضطربة بسبب محاولة أسبانيا الاستيلاء عليها عقب هزيمة المسلمين بأسبانيا وانسحابهم منها، وقد انتهز العثمانيون هذه الفرصة فتدخلوا في شئون هذه البلاد، واستولوا على الجزائر بواسطة "خير الدين بربروس" عام "924هـ/ 1518م" في عهد "سليم الأول" ثم استولى "خير الدين بربروس" نفسه على تونس باسم الباب العالي عام "941هـ/ 1534م" من بني حفص، واستولى "سنان باش" على طرابلس وطرد فرسان القديس يوحنا المالطيين عام "958هـ/ 1551م" وهكذا دخل الشمال الإفريقي تحت سلطة العثمانيين ما عدا المغرب الأقصى، فكان مستقلًّا بعيدًا عن سيطرة العثمانيين، وبذلك بلغت الدولة العثمانية أقصى مداها.
الحكم العثماني في البلاد العربية:
أدت الفتوحات العثمانية في البلاد العربية خلال القرن السادس عشر إلى تكوين وحدة سياسية متكاملة ضمت معظم البلاد العربية في إطار السيادة العثمانية، ويمكن تقسيم الحكم العثماني للدول العربية إلى عصرين أساسيين:
- العصر العثماني الأول: ويشمل الفترة من أوائل القرن السادس عشر حتى أواخر القرن الثامن عشر. واعتمدت فيه الدولة العثمانية على العصبيات المحلية في بعض الولايات العربية بشرط تقديم الولاء والتبعية وإرسال الأموال المقررة للباب العالي سنويًّا، ولكن إذا فكرت إحدى العصبيات في الخروج على طاعة الدولة؛ فإن السلطان العثماني كان يرسل إليها من يخضعها ويعيدها إلى سلطانه. ويمكننا القول بأن الدول العثمانية كانت قوية ومتماسكة إلى حد ما مما قوى قبضتها على الولايات.
وفي هذا العصر انعكست أحوال الدولة العثمانية وظروفها السياسية على مدى سيطرتها، على الولايات التابعة لها. ففي النصف الأخير من القرن السابع عشر ظهرت بوضوح علامات التدهور في البناء السياسي للدولة العثمانية.
كما أن من خصائص الحكم العثماني -إبان تلك المرحلة- تلك السطحية التي عرف بها، وعدم التدخل المباشر في شئون العصبيات المحلية الحاكمة في الولايات طالما قامت هذه العصبيات بواجباتها نحو الدولة العثمانية. وهناك العديد من العوامل التي دفعت تلك العصبيات المحلية خلال القرن الثامن عشر؛ لأن تقوم بأدوار متفاوتة للتخلص من السيادة العثمانية بشكل فعلي رغم الانتماء الأسمي للدولة العثمانية.
واختلفت قوة تلك العصبيات في كل ولاية حسب أوضاعها وتكوينها والظروف المحلية والسلطة العثمانية التي عاصرتها، ومدى أهمية تلك الولايات بالنسبة للدولة من جهة، وبالنسبة للدولة الأوروبية الطامعة من جهة أخرى، وباستثناء "الأسرة المعنية" والتي ظهرت في جبل لبنان منذ أوائل القرن السابع عشر بشكل فعال على عهد الأمير "فخر الدين المعني" إلى جانب عصبية أخرى ظهرت في دمشق "بلاد الشام" وهي عصبية "آل العظم" فإن معظم أصحاب تلك العصبيات الأخرى كانوا من جنسيات مملوكية عملت في خدمة الدولة العثمانية، أو عناصر عثمانية رغبت في تحقيق حكم وراثي لأسرهم، ولا شك أن القرن الثامن عشر قد شهد فساد نظم الإدارة العثمانية وتدهورها في الولايات العربية وانتعاش تلك العصبيات على حساب ضعف الدولة وهيئاتها المختلفة.
وتلخصت سياسة الدولة العثمانية تجاه تلك العصبيات التي لم تحظ بتعضيد الشعوب العربية باعتبارها تمثل مصالح خاصة للقائمين بها، في محاولات للقضاء عليها بإرسال حملات عسكرية غالبًا ما تفشل في أداء المهام العسكرية الموكولة إليها، أو القيام بتغيير الباشوات الحاكمة أو اتباع وسائل المؤامرات بتأليب القوى الداخلية ضد بعضها البعض لتصفية تلك العصبيات دون التدخل العسكري، أو إلى إضعافها على الأقل ريثما تجد الدولة الفرصة لتدخل عسكري.
وفي كل هذه المواقف كانت الدولة تمر بحالات من الإفلاس السياسي والعسكري عاجزة عن استعادة قبضتها بقوة وحزم، ولعل أهم تلك العصبيات في بلاد الشام الأسرة المعنية ثم الأسرة الشهابية في جبل لبنان، وآل العظم في دمشق، وضاهر العمر في فلسطين، وفي مصر كان المماليك خلال القرن الثامن عشر وبخاصة في عهد علي بك الكبير، أما في ليبيا فكانت الأسرة القرمنلية "نسبة إلى أحد القادة العسكريين وهو أحمد القرمنيلي" وفي تونس كانت الأسرة الحسينية "نسبة إلى حسين أغا بن علي" وهو من القادة العسكريين.
- العصر العثماني الثاني: ويشمل القرن التاسع عشر حتى قبل نشوب الحرب العالمية الأولى "1323- 1327هـ/ 1914- 1918م" ويتميز بظهور اتجاهات جديدة في الشرق العربي منها الحركة الوهابية في شبه الجزيرة العربية، وتنسب إلى محمد بن عبد الوهاب الذي ولد عام "1108هـ/ 1696م" وخلاصة مذهبه "التوحيد الخالص لله -أي: توحيد الربوبية وتوحيد الصفات، وتوحيد الألوهية-عدم التوسل بالأنبياء والأولياء أو استخدام مدافنهم كأماكن للعبادة، وعدم زيارة القبور وبناء القباب للتبرك بها، وتكفير الشخص الذي ينطق بالشهادتين ما دام مستمرًا في ممارسة الشرك كما حدده الوهابيون- أدان الشيخ جميع أنواع البدع، ورفض آراء الذين يذهبون إلى أن البدعة قد تكون صالحة أو مستحسنة، وأيد آراءه بشواهد من القرآن والسنة.
ويعتبر الوهابيون من قبيل البدع المرفوضة: الاحتفال بالمولد النبوي، والتماس التوسل بالأنبياء والاجتهاد في نظر الشيخ يجب أن لا يخرج عن نصوص القرآن والسنة وآثار السلف الصالح ومحاربة التدخين وسماع الموسيقى" المهم أن أمر الدعوة الوهابية قد عظم في مطلع القرن التاسع عشر بمعاونة محمد بن سعود أمير نجد، فاحتلوا مكة والمدينة سنة "1218هـ/ 1803"، وصاروا خطرًا على الدولة العثمانية، فطلب العثمانيون من "محمد علي" والي مصر القضاء عليهم، وانتهز محمد علي هذه الفرصة ليتخلص من الجنود الألبانيين الذين كانوا يثيرون المتاعب ويتمردون من حين لآخر، فأعد حملة كبيرة ووضع على رأسها ابنه "طوسون" ولما تعثر هذا في الانتصارات، خرج محمد علي بنفسه فلحق به، وحقق بعض النصر ثم عاد، وعقد "طوسون" صلحًا مع الوهابيين، ثم مات هذا بعد عودته إلى مصر.
ونقض الوهابيون الصلح، فأرسل محمد علي ابنه إبراهيم الذي استطاع أن يدمر "الدرعية" عاصمة الوهابيين سنة "1234هـ/ 1818م" وجاء إليه أميرهم "عبد الله" وسلم نفسه، فأرسله إبراهيم إلى الأستانة حيث أعدم، ولعل المروءة كانت تقضي بألا يفعل ذلك.
وظهر في هذا العصر بوضوح بدايات الضغط الأوروبي على المنطقة العربية وكانت الحملة الفرنسية على مصر والشام عام "1213هـ/ 1798م" فاتحة ذلك الصراع الاستعماري على المنطقة، وقام بها نابليون بونابرت لقطع طرق المواصلات بين بريطانيا ومستعمراتها في الهند، وكان أثر الحملة الفرنسية ملموسًا في مصر أكثر من غيرها؛ لأنها موجهة إليها أساسًا، كما استقرت بها الحملة خلال فترة وجودها "1213 - 1216هـ/ 1798 - 1801م" وقد حاول نابليون بونابرت قائد الحملة الفرنسية توسيع النشاط الفرنسي في الشام؛ فقام بحملة إلى هذا الإقليم.
ولكن الحملة لم تأت بالنتائج المرجوة منها بسبب الدعاية الإنجليزية ضد الفرنسيين؛ فقد صورتهم الدعاية بأنهم يهاجمون الدولة العثمانية وأملاكها في العالم الإسلامي، وتصور حكام المنطقة أن الخطر الصليبي عاد في شكل جديد، فكانت النتيجة على غير ما خطط "بونابرت" حيث تأكد النفوذ الإنجليزي في الشرق العربي بشكل غير مباشر خاصة بعد أن استولت إنجلترا على جزيرة "بريم" في مدخل البحر الأحمر سنة "1799م" وعقدت معاهدة مع سلطان "لحج" عام "1802م" وكذلك مع سلطان مسقط.
وأعلن السلطان العثماني الحرب على الفرنسيين في مصر، ودعا إلى الجهاد الديني، أما بريطانيا فقد لعبت دورًا هامًّا في إجبار الفرنسيين على مغادرة مصر والشام؛ حيث حاصرت الحملة الفرنسية بعد أن حطمت الأسطول الفرنسي في "أبي قير" واتخذت من "عكا" مركزًا للأسطول البريطاني في علاقات مع زعماء المنطقة. كل ذلك كان له أثره في حصر مجال الحملة الفرنسية وإضعافها وخروجها من مصر عام "1216هـ/ 1801م".
وخلال فترة وجود الحملة الفرنسية في مصر أوجدت فكرة التغيير في المجال السياسي، ولكنها لم تحدث التغيير في حدث ذاته، فعندما خرجت الحملة الفرنسية من مصر سنة "1801م" تغيرت أوضاع البلاد نسبيًّا  عما كانت عليه من قبل، وفشل الحكام العثمانيون والمماليك في العودة إلى الحكم والسلطة بأساليبهم التقليدية "الرشوة والمؤامرات" فكانت الفترة من "1216هـ/ 1801م" حتى "1220هـ/ 1805م" بمثابة فترة انتقال في الأوضاع السياسية، قويت فيها سلطة الزعامة الشعبية التي لم تهدأ إلا بتنصيب وال برغبة الزعماء الشعبيين ليحقق آمالهم، وقد تظاهر "محمد علي" أمامهم بالخضوع لرأيهم والعمل على تحسين أوضاع البلاد من كافة النواحي بمشورة الزعماء الشعبيين وموافقتهم، إلا أنه لم يلبث أن انقلب على من رفعوه إلى الحكم، وتخلص من الزعامة الشعبية، وحطم المماليك؛ ليتفرغ لحكم البلاد دون منازع.
وقد اتبع سياسة اقتصادية وعسكرية وثقافية تعمل على النهوض بأحوال مصر، وقام بمقاومة تجارة الرقيق، ومساعدة المكتشفين الأوروبيين والتجار بتمهيد الطرق وتأمينها في أفريقيا عبر السودان، وحماية الأجانب، واتباع سياسة التسامح الديني في بلاد الشام، وقامت فرنسا بمساعدة محمد علي بإرسال وفود عسكرية لتدريب وتطوير الجيش، كما وقفت بجانبه في إنشاء الأسطول المصري، إلا أنها لم تستمر في ذلك طويلًا فقد تخلت عنه في الوقت المناسب. أما إنجلترا فلم ينخدع ساستها بخطة "محمد علي" ودعايته، فكانت تخشى من ازدياد نفوذه بشكل يهدد مصالحها السياسية في الدولة العثمانية.
وكانت تنظر بعين ملؤها الحذر لإمكان اتجاه السلطان العثماني لطلب معونة روسيا ضد محمد علي، وهذا ما حدث عندما زحفت قوات محمد علي إلى آسيا الصغرى عام "1249هـ/ 1833م" مما دعا السلطان لإبرام معاهدة مع روسيا، وكانت إنجلترا حريصة على المحافظة على أملاك الدولة العثمانية لتتمكن من الحصول على نصيبها في الوقت المناسب وهي لا تثق في نوايا "محمد علي" الذي كان اتجاهه واضحًا، ويمله تجاه فرنسا قويًّا. وقد فشلت كل جهوده بموجب تسوية لندن "1256- 1257هـ/ 1840- 1841م".
اتجه السلاطين العثمانيون للعمل على إصلاح أحوال الدولة؛ لمواجهة تلك التغيرات. ومن ثم كانت حركة التنظيمات العثمانية خلال القرن التاسع عشر تهدف إلى إعادة قوة الدولة وتجديد شبابها، إلا أنها عجزت عن مقاومة التيار الجارف للاستعمار الأجنبي الأوروبي.