خصائص الحكم العثماني:

خصائص الحكم العثماني:
ويتميز التاريخ العثماني في عهديه الأول والثاني بعدد من المميزات، نلخصها في الآتي:
1- أن الحكم العثماني كان حكمًا عسكريًّا، بمعنى أن الجيش العثماني الذي كان أداة للحرب والقتال، وهو الذي قامت على أكتافه الدولة واتسعت رقعتها حتى بلغت درجة هائلة من القوة، كان أيضًا في وقت السلم أداة هامة من أدوات الحكم والإدارة. ويتضح ذلك إذا ألقينا الضوء على أحوال مصر في العهد العثماني بشكل عام.
بعد أن تم فتح مصر عام "923هـ/ 1516م" ترك السلطان العثماني "سليم الأول" حامية من العسكر، انقسمت إلى أربع فرق "أو جاقات" لكل منها مهمة معينة. فعهد إلى الإنكشارية، والعزب "المشاة" بمهمة حراسة أسوار وأبواب مدينة القاهرة إلى جانب المحافظة على القلعة "مقر الحكم العثماني" بينما أسند إلى السباهية "الكرملية التوفكجية" أي: "الفرسان" حماية المدينة والدفاع عنها، وبذلك تركز وجود الحامية العثمانية بالقاهرة، وتداخلت اختصاصات الأوجاقات؛ مما أدى لحدوث كثير من المصادمات فيما بينهم، وكان الإنكشارية هم أصحاب الكلمة العليا غالبًا، وإلى جانب العسكر العثماني كون بقايا المماليك الجراكسة أوجاقا منفصلًا بعد أن سمح لهم السلطان "سليم الأول" بالانضمام إلى الحامية، وكان لهم زيهم الذي يختلف عن زي العثمانيين، وهكذا وضع السلطان "سليم الأول" نواة الحامية العثمانية التي ضمت في عهده خمس أوجاقات إلا أنه قصر وجودها على العاصمة دون تحديد واضح لمهام كل أوجاق، ولم يكتمل ترتيب الأوجاقات إلا في عهد خلفه السلطان سليمان القانوني.
2- سطحية الحكم العثماني: كانت سياسة العثمانيين تقوم على أساس الإفادة من العصبيات المحلية في حكم الولايات، وذلك في إطار الولاء للسلطان العثماني كما هو الحال في جبل لبنان؛ فقد حكم المعنيون ثم الشهابيون، هذا فيما عدا الولايات الهامة في مصر ودمشق وبغداد، وكان مفهوم العثمانيين عن واجبات الحكام ضيقًا، فواجباتهم -من وجهة نظرهم- هي الدفاع عن الولايات ضد أي خطر أجنبي يتهددها، وإقرار الأمن بالداخل وقت السلم، وذلك بالاستعانة بالحاميات العسكرية العثمانية في مختلف الولايات العربية، هذا بالإضافة إلى تطبيق أحكام الشرع الإسلامي في المعاملات وشئون الحياة المختلفة، ويقوم بهذه المهام القضاة ورجالهم في المحاكم الشرعية المنتشرة في كافة الولايات.
ولا شك أن هذا الأسلوب السطحي جعل تأثير الطبقة الحاكمة من الأتراك -وهم قلة- محدودًا مما ساعد على المحافظة على طابع المجتمعات العربية في الولايات، واحتفظت بتقاليدها وهويتها العربية، حتى إن بعض رجال الطبقة الحاكمة اندمجوا تدريجيًّا في أبناء الرعية من المحكومين، وذلك نتيجة لعدة عوامل منها التعامل المباشر والتزواج الذي تم تدريجيًّا بين الجانبين.
3- عدم القدرة على الابتكار والتجديد في النظم والقوانين الخاصة بالدولة العثمانية حتى تكون ملائمة، وتستطيع مسايرة التغيرات الدولية؛ فقد ظلت القوانين التي وضعت في عهد قوة الدولة العثمانية ومجدها على عهد السلطان "سليمان القانوني" دون تغيير كبير، وربما يعود ذلك أساسًا إلى أن الأتراك كانوا أصلًا رجال حرب وقتال، وليسوا أصحاب حضارة غنية قادرة على العطاء باستمرار.
4- تطبيق نظام مناسب في الولايات يقضي بأن تتولى كل ولاية الإنفاق على احتياجاتها من مواردها الخاصة، مع تخصيص جانب من دخل الولاية يرسل كإرسالية إلى الباب العالي سنويًّا "المال الميري" وذلك دون إرهاق لأهالي الولاية بالضرائب الباهظة، كما كان الحال في العصر المملوكي، ففي بعض الأحيان كان يتأخر بإرسال "المال الميري" أو تخفض قيمته؛ إذا تعرضت الولاية لظروف قاسية، ودعت الضرورة لذلك.
ولا شك أن الحكم العثماني على نحو ما ذكرنا ساعد على تقوية الوحدة السياسية في البلاد العربية، كما تمسك العثمانيون بالشرع الإسلامي كمصدر أساسي للحكم، ولعبوا دورًا هامًّا في إنقاذ العالم الإسلامي من أخطار الأسبان والبرتغاليين، ولكن بداية من النصف الثاني من القرن السادس عشر توقف نشاط العثمانيين على إثر خلاف بين أبناء السلطان "سليمان القانوني" على السلطة، وتجمعت عوامل عدة أوقفت تقدم العثمانيين، ثم جعلتهم هدفًا لهجمات الآخرين، فانتقلوا من الهجوم إلى الدفاع، ثم تقهقروا أمام زحف أعدائهم، وأخذت الإمبراطورية تتقلص وتنهار، وذلك ما سنوجزه فيما بعد.
حضارة العثمانيين:
لعل من الأفضل أن نتحدث هنا عن حضارة العثمانيين وألوانها، قبل أن نصف الدولة وهي تنهار وتنكمش؛ وذلك لأن الحضارة التي سنتكلم عنها الآن هي في الحقيقة وليدة عصور القوة، وقد طرأت ظروف على عصور الضعف جعلت بها اتجاهات من نوع آخر؛ ستكون موضوع حديثنا عند الكلام عن هذه العصور.
إن الحضارة العثمانية كانت مزيجًا من العناصر المتنوعة، فقد أخذ العثمانيون عن الفرس كثيرًا من الأفكار الأدبية، كما أخذوا منهم بعض الأفكار السياسية كتعظيم السلطان. وكان مما منحته بداوة آسيا الوسطى للعثمانيين النزعة للحرب والفتح، والميل للاختلاط بالآخرين والامتزاج بهم. وقد أخذ العثمانيون عن البيزنطيين بعض المؤسسات الحربية والنظم الحكومية، ولكن العرب كانوا قبل الجميع معلمي العثمانيين، فقد أخذ العثمانيون عن العرب علومهم ودينهم بما فيها المبادئ الاقتصادية والاجتماعية والتشريعات الإسلامية، وأخذوا أيضًا الحروف العربية للكتابة، فظلت شائعة حتى عام "1347هـ/ 1928م" وانتقل إليهم من اللغة العربية ألوف الاصطلاحات الدينية والعلمية والشرعية والأدبية، ولا يزال كثير من هذه الاصطلاحات في قلب اللغة التركية على الرغم من المحاولات القومية الأخيرة لإخراجها منها.
الهيئة الحاكمة:
1- السلطان والحكم المطلق: كان الطابع العام للحكم العثماني استبداديًّا، وكان حكم الفرد من أهم مظاهر الاستبداد؛ إذ كان السلطان -في بعض الحالات الشاذة- يبدأ عهده بقتل إخوته خوفًا من أن يثوروا عليه. وقد استهل السلطان "محمد الثاني" حكمه "948هـ/ 1541م" بأن أمر بقتل أخيه "أحمد" ومنذ ذلك الحين صارت عادة قتل السلطان إخوته عادة شبه مطردة. فلما جاء محمد الثالث "1004 - 1012هـ/ 1595 - 1603م" أمر بقتل جميع إخوته الذكور، وكان عددهم تسعة عشر أميرًا، وأمر بإغراق نساء أبيه الحبالى وكان عددهن عشر نساء، وظلت هذه العادة القبيحة جاريًا حكمها حتى عهد محمد الرابع "1058هـ/ 1648م" حين منعته أمه ومنعه المفتي الأكبر من قتل أخيه.
وأكثر من ذلك لقد كان العقوق واضحًا بين الأب وابنه والابن وأبيه، ويرجع بعض المؤرخين أن سليمان الأول هو الذي دس لأبيه "بايزيد الثاني" السم؛ ليحصل على السلطان لنفسه بدلاً من أخيه "أحمد" الذي كان الأب يرشحه.
2- ألقاب السلطان: وكان للسلطان العثماني سلسلة من الألقاب لعلها اكتملت في عهد القوة إبان حكم "سليمان القانوني" وقد كتبها سليمان في مطلع رسالة منه إلى فرنسيس ملك فرنسا: "أنا سلطان السلاطين، وملك الملوك، مانح التيجان للملوك على وجه البسيطة، ظل الله في الأرض، سلطان البحرين الأبيض والأسود، وخاقان البرين، وملك الرملي والأناضول وبلاد الكرمان وبلاد الروم، وديار بكر وكردستان، وأذربيجان وفارس، ودمشق وحلب والقاهرة ومكة والمدينة والمقدس واليمن وكل البلاد العربية وبلاد كثيرة أخرى افتتحها آبائي الأشراف، وأجدادي الأمجاد؛ نور الله مراقدهم بقوة سلاحهم، وجعلتها جلالتي العظيمة تابعة لسيفي الملتهب ومهندي المنتصر".
أما لقب "الخليفة" فكان العثمانيون يضمونه لألقابهم منذ عهد مراد الأول "761 - 792هـ/ 1359 - 1389م".
3- ولاية العهد: كانت ولاية العهد عند العثمانيين للابن الأكبر من أولاد السلطان وظل الحال كذلك حتى عهد أحمد الأول "1012 هـ/ 1603م" فحاد عن هذا القانون بتنصيب أخيه مصطفى وأصبح من القواعد المعمول بها إلى آخر أيام العثمانيين أن يتولى العرش أكبر الأسرة المالكة سنًا أو أقربهم من الجد الأول.
4- أعوان السلطان: وبجانب السلطان كان يوجد الصدر الأعظم، وهو يعادل منصب رئيس الوزراء في العصر الحالي، ويليه منصب الولاة "الباشوات" وهم حكام الولايات، ويليهم السناجق أو الأولية، وكان تعيينهم من اختصاص الوالي.
الإقطاع:
كانت الدولة العثمانية تقوم على أساس النظام الإقطاعي الذي نظمه الحكام الأولون على الغرار البيزنطي، وكان الإقطاع الأصغر يدعى "تيمار" ويمنح لبعض الطموحين، ويظل الفلاحون بالإقطاع يزرعون لصاحب التيمار ويقدمون له المحاصيل "الإيجار" وعلى المقطع إليه نظير هذا الإقطاع أن يقدم للدولة عددًا من الفرسان يتراوح بين اثنين وأربعة أو عددًا من البحارة لخدمة الأسطول بالإضافة إلى بعض الضرائب المالية، وهناك إقطاع أكبر يدعى "زعامت" ويمنح لمن يقدمون خدمة شخصية للخليفة أو للدولة، ويقدم "الزعيم" وهو لقب صاحب هذا الإقطاع، مالًا للسلطة المركزية وجنودًا للجيش يتزايد عددهم تبعًا لإيراد الإقطاع، والتيمار والزعامت كانا يخضعان لتفتيش رجال الإدارة المركزيين، وهناك إقطاع أعلى هو "الخاص" ويمنح للولاة ولا يخضع للتفتيش.
وصدر قانون نامة عام "937هـ/ 1530م" لتنظيم الإقطاع، غير أنه لم يحدد وراثة الإقطاع؛ فكان ابن صاحب الإقطاع أحيانًا يكتفي بتيمار ليبدأ به، وأحيانًا كان يقسم الإقطاع بين الأولاد، وفي آسيا كانت الوراثة جائزة في الإقطاعات حتى للنساء، وطالما حاول ملتزمو الإقطاعات أن يتهربوا من الالتزامات العسكرية والمالية التي يفرضها عليهم النظام الإقطاعي.
الجيش:
اعتمدت الدولة العثمانية في نشأتها على قوتها الحربية، وكانت الفتوحات العثمانية في أوروبا والمشرق الإسلامي تعتمد اعتمادًا كليًّا على الجيش العثماني الذي يتكون من:
أولًا: السباهية: وهم الفرسان النظاميون في الجيش العثماني. و"السباهية" تطلق ويراد بها هذا المعنى العام؛ وإن كان لها معنى خاص فيما يتعلق بالسباهية الإقطاعية أي: أن لفظ السباهية كان يشمل: السباهية الإقطاعية، والتي كانت مهمتها تقديم عدد من الفرسان للسلطان حسب إقطاعيتهم، كما كان من مهمتها جمع ضرائب الدولة، وحكم المدن، والمقاطعات.
وإلى جانب هذا توجد وحدة تتبع "السباهية" بالمعنى العام ويطلق عليها سلحدار. أي: حملة السلاح، وهؤلاء كانت مهمتهم تقديم أربعة إلى خمسة فرسان، وهم أقل مرتبة من السباهية الإقطاعية، ثم يلي ذلك "علوف أجي" أي الفرق المأجورة، وهذه تنقسم إلى فرقتين: فرقة اليسار وفرقة اليمين، ثم الغرباء، وهم أقل منها مرتبة، وهي تختار من المسلمين في الولايات العثمانية الإسلامية، وفي أثناء الحرب كانت تشترك كل هذه التنظيمات في حماية السلطان، فتقف الإنكشارية في المقدمة، والسباهية الإقطاعية في اليمين والسلحدار في اليسار، بينما تقف كل من علوف أجي والغرباء في الخلف.
ثانيًا: الإنكشارية "يكي شري": يرجع الفضل في تكوينها إلى السلطان أورخان "717هـ/ 1317م" وهي فرقة "البيادة" أو المشاة، وكانت إقطاعية ومقصورة على الأناضول، ولكن يعيب هذه البيادة أنها كانت صعبة الانقياد، وكان من الصعب بحكم أنها إقطاعية وأفرادها من المشاة استخدامها في عمليات بعيدة عن إقطاعياتها، فكان من الطبيعي أن يفكر السلاطين العثمانيون في إبدالهم بفرق أخرى.
ضريبة الغلمان: "الدفشرمة": هي الحل الذي لجأت إليه الدولة العثمانية في مواجهة تمرد فرقة الإنكشارية، وكانت عبارة عن فرقة تكونت في البداية من الأسرى المسيحيين، وهؤلاء أصبحوا عبيدًا بحكم الأسر، وكانت رغبة السلطان العثماني "مراد الأول" اختيار الأقوياء منهم كأجناد، ولكن الصعوبة جاءت من ناحية الشرع الإسلامي، إذ من أهم مبادئه أن للمسلمين وحدهم الحق في حمل السلاح؛ ولذلك تعين على الدولة إقناع النصارى الذين اختيروا لتأليف هذا الجيش الجديد على الدخول في الدين الإسلامي، فإذا جمع الصبية أو الغلمان دربوا تدريبًا جسمانيًّا وعقليًّا حتى تظهر مواهبهم، ثم ينقسمون إلى:
أ- أوج أوغلان: وهم أحسنهم في الجسم والعقل، وهؤلاء يستخدمون في مناصب البلاط أو القصر.
ب- "القولاري": أي: العبيد ومكانهم الجيش، ويطلق عليهم "عجمي أوغلان" أي: الصبية الغرباء.
ثالثًا: الفرق غير النظامية: أهمها: الأكنجي أو "الفرسان" والعزب "المشاة"؛ أما الأكنجي فمعسكراتهم على حدود الولايات الأوروبية، ويعيشون على ما يخرجون به من غارات، وإلى جانب العزب والأكنجي كان هناك الكرد على الحدود الفارسية.
- الأسطول:
أرغمت الظروف الدولة العثمانية على الاهتمام بالأساطيل البحرية، فقد خاضت غمار الحروب مع اليونانيين والبنادقة، فكان على الأسطول أن يلعب دورًا هامًّا في هذه الحروب، كما كان عليه أن يلعب دورًا هامًّا في ضم المشال الإفريقي للدولة، وقد بلغت القوة البحرية العثمانية غايتها في أواخر القرن السادس عشر حتى إنه لم يكن لأية بحرية أخرى أن تجول في البحر الأبيض المتوسط دون إذن من السلاطين العثمانيين. ولما أعطى السلطان محمد الثالث امتيازًا لفرنسا بجولان أسطولها في البحر المتوسط اغتاظ الإنجليز وعملوا لدى السلطان حتى حصلوا على مثل هذا الامتياز لأسطولهم.
وكان الإشراف على بناء السفن في أغلب الحالات في أيدي البنادقة، وكان الصناع والعمال في العادة من اليونانيين الذين لم تكن خدمتهم في دور الصناعة تتسم بطابع الدوام؛ فهي تتأثر بأحكام الحاجة ومقتضيات الظروف مما أضعف الصناعة وأخر بها. وكان الملاحون في العادة من النصارى الطليان أو اليونان القادمين طمعًا في المغانم الوافرة، وكان هناك بين الملاحين عنصر آخر أقل جدارة وهم البحارة العبيد الذين يشد وثاقهم إلى السفينة.
الهيئة الإسلامية:
تشمل جميع المسلمين في الدولة العثمانية خارج الهيئة الحاكمة من الذين كانوا أعلى شأنًا من المسلمين العاديين، وكان لها نظام تعليمي خاص. كما كانت هذه الهيئة تتكون في شكل هرمي، على رأس هذا الشكل الهرمي يجلس السلطان العثماني الذي كان يعين من يتولى أهم مناصب الهيئة الإسلامية، ويشرف على دخلها المالي، ويعين المشرفين على هذا الدخل، وتنقسم الهيئة الإسلامية إلى ثلاث فئات هامة: "فئة الإداريين الدينيين - فئة المفتين - فئة القضاة".
الفئة الأولى لم يكن لها نفوذ كبير، كما لم يكن تعليمها عظيمًا، وهذه الفئة تنقسم بدورها إلى خمس طوائف: الشيوخ "الوعاظ" - الخطباء "وهم الذين يقومون بخطبة الجمعة" - الأئمة وهم الذين يقومون بإقامة الناس في الصلاة - المؤذن "القائم الذي يتولى الإشراف على المسجد".
وإلى هؤلاء أيضًا ينتمي الدراويش، وهم ليسوا أعضاء في هيئة العلماء وينقسمون إلى طرق كثيرة، وكان لهم سلطة كبيرة على جماهير الناس.
أما الفئتان الثانية والثالثة فيطلق عليهما معًا "هيئة العلماء" من الذين أكملوا دراستهم للقانون وتولوا مناصب الإفتاء أو القضاء.
المفتون:
فكانوا يعينون في المدن الهامة في صحبة القاضي، وكانوا بمثابة مستشارين للسناجق، ويبلغ عددهم ما يقرب من مائتين، وكانوا يعينون لمدى الحياة ومهمتهم الإفتاء في الأمور الدينية على مذهب "أبي حنيفة" وتسمى هذه الاستشارات "الفتاوى" وفي المدن العادية كان المفتي يأتي في المرتبة بعد القاضي إلا في إسلامبول نفسها حيث كان مركز المفتي خطيرًا جدًّا، وأطلق عليه منذ عهد السلطان "محمد الفاتح" لقب "شيخ الإسلام" وكان من حقه تعيين جميع المفتين في الدولة العثمانية، كما كان تحت تصرفه إدارة أطلق عليها "فتوة خانة" التي أنشأها السلطان "سليمان القانوني" وكان مركز شيخ الإسلام عظيمًا في الدولة، بحكم أنه يمثل الشريعة الإسلامية.
القضاة:
وهؤلاء كانوا يتولون المحاكم للنظر في جميع القضايا سواء كانت خاصة بالجرائم أو القضايا المدنية، ويتدرج القضاة ومهامهم في الدولة العثمانية على النحو التالي:
1- قاضي القضاة "قاضي عسكر" ومهامه هي: الإشراف على أعمال القضاة في أقاليم الدولة العثمانية، وترشيح من يشغل وظائف القضاء، وإعداد التقارير الخاصة بقضاة الأقاليم، وفي عصر السلطان "محمد الفاتح" تفرع منصب "قاضي عسكر" إلى قسمين: "قاضي عسكر الرومللي وله المكانة الأعلى - قاضي عسكر الأناضول" ثم استحدث قاضي عسكر إفريقية، ثم أصبح لكل قطر كبير قاضي عسكر، وكان قاضي عسكر الرومللي يتمتع بمكانة أعلى من قاضي عسكر الأناضول.
2- قضاة التخت "تخت قاضي"؛ وهؤلاء يأتون في المرتبة الثانية لقاضي القضاة ويمثلون قضاة إسلامبول وضواحيها، ومهامهم مساعدة الصدر الأعظم في نظر القضايا، وحضور جلسات السلطان العثماني مرة كل أسبوع، وهم يقيمون بصفة دائمة على مقربة من السلطان العثماني، ومن هنا أطلق عليهم اسم التخت "العرش"، وكانوا يرافقون الصدر الأعظم في جولاته التفتيشية.
3- القضاة في مرتبة مولى كبير: ويقوم شيخ الإسلام بتعيين هؤلاء، ثم يوافق الصدر الأعظم، ثم يصدر فرمان من السلطان العثماني بشغلهم لمناصبهم، وهم يشغلون مناصبهم طوال العمر، وهناك ستة علماء ينتمون إلى هذه الفئة وهم "خوجة السلطان أي: مستشار السلطان في المسائل الدينية - والإمامان: وكانا يؤمان السلطان في الصلاة بالتناوب -حكيم باشي أي: طبيب السلطان الخاص- جراح باشي أي: كبير الجراحين - منجم باشي أي: كبير المنجمين الذي يعد التقويم".
4- مفتشو القضاء: ومهامهم تتلخص في الإشراف على الأوقاف السلطانية، والإنفاق من إيرادات الأوقاف على المؤسسات الدينية والخيرية.
5- النواب: ومهاهم هي: مباشرة القضاء في المدن الصغيرة أو القرى الكبيرة، والقيام بوظيفة القاضي عند غيابه بسبب مرض أو إجازة.
وكان القضاة في أغلبهم وفي أكثر الأحيان من السكان المحليين، وكان القاضي هو الحاكم الشرعي للمدينة، فهو الذي يوجه الوظائف الدينية، وهو الذي يثبت مشايخ الحرف في مشيخاتهم، ويفض منازعاتهم، كما يشرف على الأوقاف، ويعين المتولين عليها، وكان القاضي يقوم بالإشراف على الموظفين في الإمارة التي يتولى القضاء فيها، كما قاموا بالإشراف الكامل على العملية التعليمية، كما أشرف القاضي على المؤسسات الدينية من مساجد ومقامات وغيرها.
وكان للقضاء -أيضًا- حق في الإشراف على أعمال الري والزراعة، وكان القضاة في الثغور يشرفون على الجمارك لمنع التهرب الجمركي، كما كان القاضي في الثغر يحضر عمليات تفتيش السفن، واستقبال قناصل العاملين بالثغور، ومراجعة القرارات الإدارية الخاصة بالقناصل وتسجيل الشحنات المسافرة، والإشراف على العاملين بالمراكب في الأنهار الداخلية.
وفي عصور الضعف دخل عالم القضاء أشخاص لا يملكون المؤهلات الدينية والعلمية والأخلاقية، وقد برر بعض شيوخ الإسلام، والقضاة والمفتين قتل بعض السلاطين لإخوتهم خشية أن ينافسوهم في الحكم. وقد جرت بعض المحاولات من قبل بعض السلاطين لإصلاح القضاء الشرعي؛ كان أهمها في عهد السلطان عبد العزيز "1072 - 1087هـ/ 1861 - 1876م" فقد قام عدد من العلماء والباحثين والفقهاء بتنظيم الأحكام الشرعية، وفق المذهب الحنفي، وبعد سبع سنوات من العمل صاغوا الأحكام الشرعية في "شعبان 1293هـ" في "1851" مادة، وقد أطلق عليها اسم "مجلة الأحكام الشرعية".
وقد تضمنت كتب المجلة الستة عشر ما يلي:
المقدمة ويها بيان القواعد الفقهية، ويختص الكتاب الأول ببيان الاصطلاحات الفقهية المتعلقة بالبيع، والثاني بالإجارات، والثالث بالكفالة، والرابع بالحوالة، والخامس بالرهن، والسادس بالأمانات، والسابع بالهبة، أما الثامن فيختص بالغصب والإتلاف، والتاسع بالحجر والإكراه والشفعة، والعاشر بالشركات، والحادي عشر بالوكالة، والثاني عشر بالصلح والإبراء، والثالث عشر بالأمور المتعلقة بالإقرار، أما الرابع عشر فيختص بالدعوى، والخامس عشر بالبينات والتحليف، والسادس عشر بالقضاء.
التعاون بين الهيئة الإسلامية وأولي الأمر العثمانيين:
مع إطلالة القرن الحادي عشر الهجري، تنبه أحد علماء الدولة العثمانية، وهو الشيخ حسن كافي الأقحصاري "ت1024هـ/ 1615م" إلى بداية الخلل في الدولة والمجتمع، وألف كتابًا أسماه: "أصول الحكم في نظام العالم" أوضح فيه بعض العلل المستحدثة، وقال في حرية فكر: "انكشف لي في ذلك وجوه وأسباب، والله تعالى أعلم بالصواب. الوجه الأول: الإهمال في العدالة والضبط، وسببه عدم تفويض الأمور إلى أهلها، الثاني: المسامحة في المشاورة والرأي والتدبير، وسببه العجب والكبر في الكبراء، واستنكافهم عن مصاحبة العلماء والحكماء، الثالث: وجه المساهمة في تدبير العسكر، واستعمال آلات الحرب عند محاربة الأعداء، وسببه عدم خوف العسكر من الأمراء، الرابع: ثم سبب جميع الأسباب، وغاية ما في الباب، طمع الارتشاء ورغبة النساء.
وتجدر الإشارة إلى مواقف أخرى لعلماء ومصلحين ألفوا كتبًا ودونوا تقارير للسلاطين والحكومة عما يجب فعله تجاه ظاهرة الانحلال والتدهور، فمثلًا ألف قوجي بك كتاب: "نصيحت نامه" وقدم تقريرًا للسلطان عثمان الثالث "ت1171هـ/ 1758م" قال فيه: "إن تطبيق الشريعة الإسلامية وأحكامها بقوة وحزم هو العامل الأساسي في وقف تدهور الدولة وحفظ الأمن، ووقف التمردات والفوضى في البلاد، ومن ثم تستطيع الدولة التقاط أنفساها؛ لتتفرغ لإصلاح نفسها، وإن المسلمين إذا استجابوا لدواعي الشرع بقوة سيرجعون إلى عهد الفتوحات".
الإدارة المالية:
كان يقوم بإدارة الشئون المالية في الدولة العثمانية دفترداران، أحدهما يقيم في "روميلي" والآخر في "الأناضول" يساعدهما اثنان أقل مرتبة منهما، أحدهما في حلب والآخر في البلاد الدانوبية، وكان للدفتردارين حقوق وامتيازات كثيرة، ودخل كبير، ولهما حق مقابلة السلطان لاستشارته في الشئون المالية الخاصة بالدولة.
وتنقسم الإدارة إلى خمسة وعشرين قسمًا يطلق عليها أقلام، وكان السلطان "محمد الفاتح" هو واضع هذا النظام، ويرأس كل قلم من هذه الأقلام "خوج" وبين هؤلاء وبين الدفتردارين حلقة يمثلها عدد من الموظفين أهمهم "روزنامجيان" أو القائمان برصد الحسابات.
الديوان:
وجد الديوان للتشاور في المسائل الإدارية والقضائية فقط، وكان الديوان يعقد اجتماعات لساعات طويلة في أربعة أيام من كل أسبوع "السبت - الأحد - الاثنين - الثلاثاء" طوال السنة عدا شهر رمضان، وهو يشمل أكبر موظفي الهيئة الحاكمة، إلى جانب تمثيله اثنين للهيئة الإسلامية، فالديوان لم يكن بمثابة المجلس الإداري الأعلى، بل أيضًا المحكمة العليا في الدولة. وعلى ذلك فالديوان لم يكن جزءًا من الهيئة الحاكمة، ولكن همزة الوصل بين الهيئة الحاكمة والإسلامية، ويجمع بينهما وحدة على رأسها السلطان نفسه، وكان السلطان العثماني قبل السلطان "سليمان القانوني" يحضر جلسات الديوان.
الآثار المعمارية:
السمة الرئيسية في العمارة العثمانية كانت مرتبطة بالدين، فهي تتراوح بين المساجد والمدارس الدينية، والربط والزوايا في أكثر الأحوال، ويعتبر المسجد الذي كان قبلًا كنيسة القديسة صوفيا أهم مساجد العاصمة، وقد بذل مهندسو السلطان محمد الفاتح جهدًا كبيرًا لجعل هذه الكنيسة مسجدًا، فغطيت صور الكائنات الحية بطبقة من الكلس، وأدخل على الكنيسة محراب ومنبر، وكتبت على مساحات متباعدة بعض أسماء الله الحسنى، واسم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأسماء الخلفاء الراشدين، وخارج المسجد شيدت مآذن شاهقة، وإلى جانب ذلك، هناك مسجد أبي أيوب الأنصاري الذي يعتبر موضع إجلال السلاطين العثمانيين؛ ففيه يتقلدون سيف عثمان إشعارًا ببدء خلافتهم.
التنظيمات الحرفية:
لقد انتظمت الأصناف والحرف "أي: النقابات" في الدولة العثمانية تنظيمًا اجتماعيًّا تسير عليه فئات المجتمع؛ فجميع الناس الذين تجمعهم مهنة واحدة، أو عمل واحد ينظمون أنفسهم في شكل طائفة لرعاية مصالحهم الذاتية "نقابة - صنف"، ولهذا فقد كان نظام "الأصناف" يشكل أهم ظاهرة في حياة المجتمعات المدنية في الدولة العثمانية خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين، السابع عشر والثامن عشر الميلاديين.
على أن وظائف "الصنف" الاجتماعية والاقتصادية تبدو واضحة من خلال وضع أو تطبيق النظم المهنية والحرفية، والتي تؤدي في الغالب إلى ضمان الترابط بين الحرفيين أنفسهم؛ من ذلك إقرار أسعار عادلة، والمحافظة على أسرار الحرفة، وضمان مستويات مهنية معينة، والتجانس في أنماط الإنتاج. ورغم أن الأصناف والحرف كانت مستقلة من الناحية الرسمية عن الدولة، إلا أنها كانت خاضعة لرقابة حكومية شديدة، كانت تمارس حتى القرن الثامن عشر بواسطة الرؤساء "المشايخ" الذين كانوا يقومون بحفظ النظام داخل الحرفة ورعاية مصالحها، والفصل في الخلافات أو الخصومات بين أفرادها.
إن شيخ مشايخ الحرف وشيوخ الحرف كانوا يعينون من قبل القاضي، لكن ثمة إرادة شعبية مهنية كان يعبر عنها التنظيم الاجتماعي - الاقتصادي المحلي عبر اختيار شيخهم المناسب، وكان شيخ المشايخ من الوجهاء أو من كبار رجال الدين، وكان منصبه وراثيًّا.
وكانت مهمة هذا الشيخ تشمل الإشراف على كل طوائف الحرف ومشايخها، ويقوم بمهمة الوصل ما بين الوالي والقاضي من جهة، وهذه الطوائف من جهة أخرى، ولا يتم أي تغيير فيها إلا بعلمه ورأيه، وكان مشايخ الحرف كلهم ينتخبون بحضوره ويزكون بتزكيته.
أما سلطة شيخ الطائفة فكانت تشمل إدارة شئون أبناء الطائفة، والاهتمام بمشاكلهم، والإشراف على تنفيذ اتفاقاتهم، وطلب تسجيل هذه الاتفاقات من القاضي، وكان يرفع شكاوى الطائفة على طائفة أخرى إلى القاضي بنفسه. وكان الوالي يتصل بالطائفة عن طريقه، كما أن النظر في قضايا الحرفيين انحصرت في يد شيوخ الطوائف الحرفية، ومع ذلك فقد يظلم شيخ الطائفة، وهنا يثور الأعضاء على تصرفات شيخ الحرفة ثم يقومون بخلعه واختيار شيخ آخر.
ومراحل التعليم الحرفي في الدولة العثمانية تخضع لترتيبات دقيقة. ومن هذه الترتيبات: أن شيخ الحرفة من حقه أن يشد المبتدئين الماهرين فيصيرون صناعًا أو معلمين، وذلك في "حفلة الشد" التي هي حفلة "ترفيع" المبتدئ إلى صانع أو الصانع إلى معلم، وذلك من خلال شيخ الحرفة والنقيب والشاويش، ومن خلال المشاركين فيها، وهم أهل الحي والأقارب وأهل الحرفة. وهو مشهد سلطة أهلية نلمح فيه رموز حركات دقيقة لها دلالاتها في التوزيع الوظائفي للسلطة في المجتمع الحرفي، وفي الالتزام بعهود ومواثيق دينية؛ لها فعل الضوابط لأصول الحرفة وإتقانها وعدم الغش فيها.
والنقيب في العصر العثماني هو مندوب شيخ المشايخ في طوائف الحرف، ينوب عنه في حضور حفلات الشد، ويتلو الأدعية. أما الشاويش فهو رسول شيخ الحرفة يستحسنه أهل "الكار" ويقوم بتنفيذ أوامر الشيخ، ويبلغ الدعوات والأحكام، ويقوم بدور أساسي في حفلات الشد.
وإن جاز لنا أن ننتقل إلى الفترة الحديثة من العصر العثماني؛ فإننا نجد أن الأصناف ما زالت تقوم بدورها، أو على الأقل، تكافح للبقاء على دورها، محتفظة بطابعها الأصيل المعروف في العصور الإسلامية السابقة، بالإضافة إلى الخصوصيات العثمانية. 


الموقف العثماني تجاه القضية الأندلسية
لقد شهد الحوض الغربي للبحر المتوسط في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر الميلادي نهاية الحكم الإسلامي ببلاد الأندلس "897هـ/ 1492م" وبالتالي برز دور كل من أسبانيا والبرتغال كقوتين مهمتين استفادتا من الوضعية المتداعية التي عاشتها منطقة الشمال الأفريقي في ظل تفككها إلى دويلات، مما أخل بميزان القوى الذي أصبح في صالح العالم الصليبي.
لكن ظهور الدولة العثمانية على مسرح الأحداث باعتبارها القوة الإسلامية الوحيدة آنذاك اقتصاديًّا وسياسيًّا أهلها إلى إعادة موازين القوى إلى حالة التوازن الذي كان سائدًا من قبل، مما ساهم في حماية الجاليات الإسلامية المتبقية ببلاد الأندلس من الاعتداءات النصرانية بقيادة الكنيسة الكاثوليكية المتحالفة مع ملوك إسبانيا، كما ساهم الوجود العثماني في إيقاظ الهمم وحماية سكان الشمال الأفريقي من الحملات الصليبية.
لقد وقفت الدولة العثمانية موقفًا إيجابيًّا مؤثرًا وفاعلًا من مسلمي الأندلس حيث وفرت لهم كل أسباب النجاة، وأنقذت هويتهم من الانصهار في المجتمع الأسباني الجديد.
لقد كان تأسيس الأيالات الغربية للدولة العثمانية في منطقة الشمال الإفريقي قاعدة الانطلاق لنجدة مسلمي الأندلس.
وبالرغم من أن الدولة العثمانية بعد عهد السلطان سليم الثاني دخلت مرحلة التوقف عن الفتوحات وبداية التقهقر، فإنها أولت عناية فائقة لمسألة مسلمي الأندلس، حيث فتحت لهم أبواب النزوح والهجرة إلى الأراضي العثمانية، كما عملت على تأمين سبل الوصول والهجرة إلى بقية البلدان الإسلامية، ويتجلى الدور العثماني في الاستقبال الحار الذي حظي به مسلمو الأندلس على سواحل الشمال الإفريقي؛ مما أحيا الآمال بين الجاليات الأندلسية في حياة كريمة بعد رحلة عذاب وقهر.
ومن الظروف الإيجابية التي خدمت الموقف العثماني إزاء مأساة المسلمين في الأندلس، ثقة الأندلسيين بالدعم العثماني، والتفات العثمانيين لجبهة البحر المتوسط، ونجاحهم في التصدي للأسبان، وتخليص الجزائر وتونس من السيطرة الإسبانية، وترحيب علماء وأهالي المنطقة بالعثمانيين، وبروز نجم مجاهدين أفذاذ أحيوا الجهاد البحري وأرعبوا الأسبان، ثم نجاح العثمانيين في بعض المراحل في إيجاد حكومات موالية لهم من بين حكام فاس، ومراكش، ونجاح تحالف الدولة العثمانية مع فرنسا ضد أسبانيا، وأخيرًا فإن تركيز العثمانيين على البعد الديني للقضية من خلال مبدأ الأخوة في الدين ونصرة المؤمنين، وجهاد الكافرين، وانتهاج سياسة متعاطفة تكفل الحياة الكريمة للمهاجرين الأندلسيين في الأراضي العثمانية قد ساهم في ضمان استمرار الموقف الإيجابي للعثمانيين.
ومن الظروف السلبية التي عرقلت المساعي العثمانية تجاه القضية الأندلسية: بعد المسافة الجغرافية بين الأندلس واستانبول، وضعف القوة البحرية للعثمانيين في البداية مقارنة بقواتهم البرية، وتوتر العلاقات بين العثمانيين والمماليك، وتعدد الجبهات المعادية، ونشوء الأحلاف الصليبية بزعامة أسبانيا والبابا، ثم ظهور الشاه إسماعيل الصفوي في بلاد فارس والعراق، وتسرب الأساطيل البرتغالية الصليبية إلى مياه البحر الأحمر، والخليج، وتهديد الأماكن المقدسة، وأخيرًا إخفاق حركة مسلمي الأندلس في "978هـ/ 1570م" وعدم قدرة الأسطول العثماني على التحرك لصالح مجاهدي الأندلس بسبب عملية فتح قبرص، وبسبب هجوم أسبانيا والبندقية والبابا ضد الأسطول العثماني وتحطيمه في ليبانتو.