اسباب سقوط الكورد

                      بدايات سقوط الأمبراطورية الكورد

        بعد انتهاء الأحتفالات عادت الأم بأبنها الى أنشان خوفاً عليه من اية مكيدة أخرى ، وعمت أنشان أيضاً الأحتفالات ، والأفراح ، ونحر الذبائح ، وما الى ذلك ، وترعرع الصبي في كنف أمه ، وأبيه الحقيقيين في أنشان حتى أصبح شاباً قوياً .
       عزف ، وأحجم الملك الميدي طوال عهده الذي استمر 35 عاماً عن الاشتباك في الحروب ، لحماية مملكته من العصيان والتمرد ، وأهمل شؤون مملكته . وكان هارباكس يتحرق غيضاً من الملك فوجد في ابن ماندانه سيروس الذي كان ضابطاً في الجيش الميدي أنذاك خلاصه ، وظل يتودد له ، ويرسل له الهدايا ، في المقابل عمل سيروس على تقوية نفوذ البرس في الجيش ، ومن ثم مهد الى بداية ظهور دولة الأخمينيين ، وعلو شأنهم ، وتحفزهم للاستقلال ، وباتوا ينتهزون فرصة للتخلص من سلطة الميديين ، وشرعوا في تكوين جبهة قوية ممتدة للوقوف بها في وجه ميديا ، وقد نجحوا في ضم اقوام آخرين الى جانبهم من الشعوب الخاضعة لميديا التي شقت عليها عصا الطاعة ، وأعلنت العصيان ، وبما ان الوزير هارباكوس كان يتحين الفرص للأنتقام من الملك لمقتل أبنه ، فقد أرسل الرسالة التالية الى سيروس ( يا ابن قمبيز ما دامت الالهة قد حرستك ، ومن دونها لما توفرت لك هذه الفرصة ، لمعاقبة استياغس الذي كاد ان يكون قاتلك ، فلو قدر له ان ينفذ امره ، لكنت الان من الاموات ، للالهة ، ولي يعود الفضل في انقاذ حياتك ، وبدون شك تعلم بالتفصيل ما حدث لك ، وكيف حاول استياغس معاقبتي ، وكيف اعطيتك الى راعي البقر بدلا من قتلك . اعمل بما انصحك به ، وسوف تصبح سيد كل مملكة استياغس ، حرض عشيرتك والعشائر الأخرى على التمرد ، وازحف بهم ضد ميديا ، لقد أمنت لك جانب الميديين المتنفذين بأن لايعصون أوامرك . سوف تكسب كل نبلاء ميديا لانهم راغبون في ازاحته ، والالتحاق بك بهدف إسقاطه هنيئا لك كل شيء اعمل بنصيحتي ، ونفذها بسرعة ، وسوف أقوم أنا بمؤازرتك للسيطرة على عرش جدك ، علماً ان غالبية قادة الجيش هنا معنا ، أني أدعوك للقدوم الى ميديا للسيطرة عليها قبل ان  يثور الشعب على جدك ، وساعتها سيذهب عرش أمك ، ويستولي غيرك على عرش ميديا ، وأنت أولى بها من غيرك لأنك ابن مندانة العزيزة )18 .         
بعد قراءة الرسالة من قبل سيروس قام بدعوة رؤساء العشائر التالية الى وليمة وهم :
( باسركادا ، مارفي ، وماسني ، بانيثيالي ، وديروساي ، وجرماني وكلها عشائر مستقرة اما الاخرى مثل داي ، وماردي ، ودروبس ، وسكارتي ، فهم عشائر رحل ) وأبرز هذه العشائر كانت عشيرته ( باسركادا ) لانها كانت تضم فخذ ( الأخمينين ) التي تبحث عن السلطة السياسية ، والعسكرية ، والمقترنة بالرغبة في الأستيلاء على الدويلات المجاورة ، وخاصةً هذه الممالك التي كان ملوكها الصغار يخضعون لسيطرة ( أكبتانا ) عاصمة الميديين . فعرض عليهم الثورة ، والتحرر من ظلم جده الميدي أستياغ  ، وتقبلوا بحماس افكاره التحررية ، والثورة على الميديين .
كما دعى في اليوم التالي أبناء هذه العشائر ، وسلمهم مناجل لغرض حصاد مساحة واسعة من الأرض ، من الصباح حتى المساء ، حتى أنهكهم التعب ، ثم دعاهم في اليوم الذي يليه الى وليمة كبيرة مفتوحة من الأكل ، والشرب ، واللهو ، ففرحوا بذلك .
فنهض بهم خاطباً ، وقال لهم أيهما كان الأفضل عمل البارحة المضني ..؟ ام عمل اليوم من اكل وشرب ولهوا ..؟
فقالوا جميعاً : طبعاًهناك بون شاسع بين اليوم وعمل ومشقة البارحة ..
فقال لهم ان طاوعتموني فيما أريد ، وهو خير لكم ، ستكون كل ايامكم مثل اليوم بذخ ، وراحة ، وعز .
فقالوا جميعاً : ومن منا لايحب الراحة ، والثراء ، والعز
فقال لهم : اذن هموا أنفسكم للثورة ، لتكونوا أسياد ميديا ، وآسيا وسوف تكون كل كنوزها واموالها تحت تصرفكم ، وتكونون انتم الأسياد وتخدمون ، وليس العبيد الخدم
فهتف الجميع للثورة ، والعز ، والمجد ، وهكذا بث العزيمة والحماس في نفوسهم ،    كذلك أستطاع كورش العمل على اثارة القلاقل في المناطق الميدية المختلفة في وجه ميديا  فوجد كورش الظروف الملائمة لانتهازها ، بعد تحشيد ، وتحريض القبائل ، وقد نجح فعلاً في ضم اقوام ، وقيادات ميدية الى جانبه ، كأقوام البارث ، والهيركيا ، ومن ثم تحشيد قواته ، ضد جده فأندفعت هذه القبائل لازالة دكتاتورية ، وظلم ، وعبودية الملك ( أستياغس ) .
    بينما كان الملك  يفكر في أواخر حكمه ، بالهجوم على بابل ، والاستيلاء على حرّان ، وفعلاً حرك جيشاً بقيادته للآستيلاء على حران ، ولكنه قبل أن يقدم على الهجوم ، بلغه خبر تمرد القبائل البارسية عليه بقيادة حفيده كورش ، فاضطر للعودة إلى عاصمته .
     فقاد كورش جيشاً كبيراً ، وحمل لواء الحرب ضد الامبراطورية الميدية ، ودام الحرب بين الطرفين ثلاثة سنوات أخيراً زحف على رأس جيش جرار ، وتقدم به لأحتلال العاصمة اكباتانا بعد ان انظم اليهم اعداد كبيرة من القبائل من الفرس ، والكورد ، وبقية الطوائف المستائة من جور ، وظلم الملك الميدي حيث التقى بجيش جده ، واشتبكا معاً في معركة حامية الوطيس قرب العاصمة قادها الملك أستياغس بنفسه ، ودافع فيها دفاع المستميت ، وأبلى فيها بلاء حسناً يحدوه الأمل في المحافظة على عرشه ، وعلى شرف اسرته ، واستمرت المعركة سجالاً بين الفريقين ، وكان النصر يتأرجح بين الكفين الا ان الخائن (هارباكوس ) قد قرر مصير الحرب بعد ان باع  شرفه ، واجرم في حق وطنه ، فتقدم الى العدو طائعاً مختاراً ، وانضم من معه من القادة ، والجنود الى كورش عدو وطنه اللدود ، وبانضمامه الى جانب العدو وجه طعنة الى صدر استياغ ، وجيشه حيث ضعفت روح الجيش المعنوية ، وأخذت تنتابه هزائم متلاحقة لم يستطع امامها صموداً مما أدى الى اندلاع نيران ثورة جامحة في ميديا تمخضت عن خلع استياك عن العرش عام(550) ق.م , وهكذا كسب كورش المعركة ، وسبق ان كشفت السيدة ( مينا  زوجة كبير كهنة الموغ )19 عن هذه المؤامرة ، وعندما عرف أستياغ بالمؤامرة لم يتمكن من مجابهتها إذ كانت مستشرية ، وأصبحت ذات قوة إذ أنقسم جيش البلاد إلى قسمين ، وثمة مجابهات عديدة بينهما لذا قاد الجيش بنفسه ، ولكن كان النصر النهائي لكورش الذي قضى على حكم جده أستياغ ، هكذا لعبت الخيانة دورها في تغيير نتيجة المعركة ، وكان القليل منهم لايعرف المؤامرة فحاربوا ببسالة أما البقية ، فأما فروا ، أو أستسلموا ، وأنضموا الى الجيش الغازي ، وهكذا دخلت الجيوش الغازية ميديا ، وأسقطعت حكومتها ، وعزل ملكها ( أستياغس ) وعامل ( كورش ) جده الملك أستياغس بأحترام عظيم ، وأبقاه في قصره ، وأنهى حكم الإمبراطورية الميدية بإقامة إمبراطورية فارسية تحمل اسم الإمبراطورية الأخمينية  ، وذلك في سنة 549 ق . م .
    أحسن ، وكرم كورش معاملة هارباكوس الذي حسم المعركة لصالح أعداء وطنه الاخمينيين ، وانتهت الامبراطورية الميدية ، وقضي عليها بالزوال ، وقامت على أنقاضها حكومة الاخمينين الايرانية .   
     عندما تم عزل الملك أستياغس حضر ( هارباكوس ) وسخر منه تشفياً ، وقال له : ما هو شعورك الأن بعد أن تحولت من ملك الى عبد ..؟
الملك :  هل كان هذا من تدبيرك ..؟
هارباكوس  : نعم
الملك : ( بعد ان بصق في وجهه ) أنت لست رجلاً شريراً وحسب ، بل أكثر الرجال غباءً أيضاً... أنك غبي لانك فضلت بأن يكون غريب على رأس السلطة في حين كان بأمكانك أن تكون أنت الملك ، وأنت شرير لانك منحت السلطة لرجل غريب عن أبناء جلدتك الميديين الطيبين ، وحولتهم من أسياد الى عبيد بدل الأحتفاظ به لنفسك ، وكان رائعاً لو منحت هذا لشعبك الميدي ، وليس للبارسيين الغرباء .
     يذكر بعض المؤرخين بأن  الملك أستياغ مات في الصحراء عندما آثر على الإقامة في القصر كرجل عادي لا سلطة له بناءً على رغبة كورش    .

    الحقيقة ان الميديين انفسهم ابتهجوا بانتصار كورش على ذلك الطاغية ، وارتضوه ملكاً عليهم ، ولم يكد يرتفع صوت واحد بينهم بالأحتجاج عليه ، وما هي الا واقعة واحدة حتى أنقلبت الأية فلم تعد ميديا سيدة بارس ، وبقية الولايات الميدية ، بل أصبحت بارس سيدة ميديا ( كما توقع الملك الطاغية ) لتكون سيدة عالم الشرق الأدنى كله ، ولتتحول اسم الأمبراطورية الميدية الى الأمبراطورية البارسية الأخمينية .

    هكذا أنسحب الميديون مبكراً من المسرح السياسي للشرق الأوسط القديم بعد أن كانوا أسياد أسيا في كل المنطقة الممتدة وراء نهر هاليس مدة مائه ، وثمانية ، وعشرين عاماً أجبروا على التخلي عن السلطة ، وكانت هناك بعض المحاولات لاعادة شرف الامبراطورية الميدية ، والاسرة الحاكمة من قبل بعض الغيورين ، ومنهم :


ثورة كؤماتا(20) سنة 522:

     بعد سقوط الأمبراطورية الميدية حمل هذا الرجل لواء الثورة ضد الملك الأخميني دارا الأول بدعم من الفلاحين ، وعامة الشعب الميدي في الوقت الذي كان ( داريوس ) الاول مشغولا بالقتال في بلاد ( بابل ) التي ثارت من جديد ، فاضطر في بادى الأمر لارسال جيش على ( ميديا ) لاخماد الثورة الناشبة فيها ، فلم يتمكن الجيش المرسل من عمل شيء ، ولكن ( داريوس ) بعد أن أخمد الثورة في ( بابل ) ذهب بنفسه الى ( ميديا ) ، واخمد الثورة (521 ق.م) وتم القبض على كؤماتا ، وقطع انفه ، واذنه ، ولسانه ، وفقأت عيناه ثم رمي بالسهام ، وقتل في اكباتا ، ومن الجدير ذكره هو إن دارا الأول بعد أن قضى على ثورة كؤماتا اضطر إلى إ جراء بعض الأصلاحات الأدارية ، والأهتمام  بالفقراء ، والفلاحين ليكسب ودهم    .  

       ورد في الكتاب المقدس ان داريوس كوردي ميدي(21) حيث يذكر في قصة الملك داريوس الميدي فأخذ المملكةَ داريوسُ الماديّ ، وهو ابنُ اثنتين ، وستين سنة". دانيآل: 5/31 ، كان داريوس ملكاً ميدياً مشهوراً، معروفاً بالمتنور، والحاكم المحبوب. حاول أن يحيط نفسه بالعديد من الناصحين ، والمستشارين الحكماء بمعزل عن منابتهم وأوطانهم . وكان مستشار الملك داريوس الأقرب يهودياً ، يُسمى دانيآل الذي كان رجلاً صادقاً، حكيماً، ومؤمناً." حينئذ إجتمع هؤلاء الوزراء والمرازبة (حكام الولايات) وقالوا له هكذا . أيها الملك داريوس عش إلى الأبد". دانيآل: 6/3

ثورة الزعيم خشريتا :   
     أعلن الثورة ضد الاخمينين بعد كؤماتا ، الزعيم ( خشريتا )22 ، وهو ينتمي إلى عائلة الملك الميدي الأبرز كيخسرو ، وسعى إلى إعادة الإمبراطورية إلى الحكم الميدي ، ولكنه لم ينجح في ذلك , فقد كانت هزيمته في آخر معركة تحمل اسم ) كوندورا ) ، هرب خشريتا  بعد خسارته المعركة إلى مدينة ري الحالية ، ولحق به الجيش الأخميني ثم ألقي القبض عليه ، وكانت نهايته بشعة جداً تقشعر لها الأبدان إذ قطع الملك إذنه ، وجدع انفه ، وفقع عينه ، وقطع لسانه ثم ربطه بشجرة في مدينة أكباتانا ، ورمي بالسهام حتى مات , وهذا ما يفتخر به دارا مع ذلك المتمرد على حد تعبيره عندما دونه على نقش بهيستون  في أخبار انتصاراته .

ثورة جتران تخوما :
   بعد ثورة الزعيم خشريتا ثار جتران تخوما(23) ، وحاول الأستقلال من حكم الأخمينيين ، ولكنه خذل من قبل أبناء جلدته ، وخيانة بعضهم له عندما قاموا بالقبض عليه ، وسلموه الى الملك داريوس في مدينة هولير ( أربيل ) ثم كانت نهايته ليست أرحم من نهاية سلفه خشريتا من حيث التعذيب ، وقطع الأنف ، واللسان ، والإذن …..الخ   .

     كان كل من كؤماتا ، وجيتران من نبلاء عائلة سياكرز ، وهكذا تلاشت الآمال في اعادة ما يمكن اعادته ، وبالتالي النيل من الذين تسببوا في سقوط الامبراطورية الميدية ، وخضعت جميع بلاد كوردستان كما خضعت غيرها من البلاد الميدية بعد سقوط حكومتها الى الحكومة الأخمينية ( الكيانية ) وبقيت على ذلك الحال حتى غلبة الأسكندر المكدوني على أيران بعد ذلك التاريخ بقرنين .

      حاول احد احفاد استياغ ، وهو ( كي بداخ )24 بعد قرن ، ونيف جمع بعض الامارات الميدية في دولة واحدة ، ولكنها لم تستمر طويلاً حيث استولى عليها الأسكندر المقدوني سنة 331 ق.م عند اجتياحه لبلاد ( أديابن ) واربيل25 .

      لم يكن إسكندر المقدوني متعصباً لجنسه ، أو لقوميته إلى درجة كبيرة كما يتصف به الاحتلال ، أو الاستعمار بل كان ليناً إلى حد ما إذ لم يقضي على ثقافة ، ولغة ، وحضارة منطقة الشرق الأوسط عندما وصل إليها بل أوجد حضارة ممزوجة تحمل اسم هلنستية أي هيلين + ايست 25( هيلين اسم جدة اليونانيين ، وأيست معناها الشرق باليونانية ) لذا فيما يتعلق بأرض ميديا وضع عليها شخصاً ميدياً لا يونانياً يحمل اسم اكسودات في سنة 350 ق .م ، ومن بعده أتروبات سنة348 ق.م ، وفي هذا العهد أقيم حفل زفاف كبير ، ومشهور في التاريخ إذ أقام إسكندر حفلة زواج فخمة له ، ولمئة من قواده العساكر ، وتزوجوا من الشرقيات ، وتزوج إسكندر الفتاة الميدية ( روكسانا ) وقائده المفضل  سلوقس من الفتاة الفارسية   )أباما ) وهكذا لبقية القادة أما بالنسبة لمصير ميديا أو الأرض التي يحكمها أتروبات ، فقد أخذت تحمل مع الوقت اسم أذربيجان     .

       يعد كورش الثاني المؤسس الحقيقي للسلالة الأخمينية الحاكمة ، بعد أن تمرد على جده الملك الميدي ، وأغتصب عرش مملكتة ، ووحده مع العرش الفارسي ، وسيطر على كل أيران ، وتحمل بالتالي تبعة كل الأتفاقيات ، والمعاهدات الميدية ، ومنها تحالفهم مع السلالة الأكدية الحاكمة في بلاد بابل الى أنه ، وبعد أن سيطر على ميديا ، وأقصى شمال بلاد الرافدين عند نهر الخابور ، وشمال بلاد الشام ، طمع في بلاد بابل ، فنقض المعاهدات ، وغزا بابل لأول مرة عام 547 ق.م ، وأحتلها بقيادة قائد كوردي ميدي هو ( غبارو )26 ، ونفي الملك البابلي ( نابونائيد ) الى كرمانيا ، وأنهى حكم البابليين الى الابد  في بابل ، ثم توسع إلى بلاد الشام ، ومن ثمّ التقدّم نحو الغرب ، والدخول في معارك ضارية مع الليديين بقيادة ملكهم " كريسوس Cresus" الذي كان إبن الملك " آليات ". وكذلك إلى غرب الأناضول إلى بحر إيجة ، وتوسع شمالاً إلى جبال القوقاز ، كما توسع شرقاً في آسيا الوسطى إلى أقصى ما وصلت إليه الحضارة ( يعتقد بوصوله إلى حدود قرقيزستان(27) ، وقام ابنه من بعده باحتلال مصر، ثم انشغل أحفاده بحروب ضد اليونان ، وشعوب البحر الأسود  .
     طبق كورش سياسته الخاصة بالأنفتاح على أهالي المناطق التي يحتلها ، فأحترم المعتقدات الدينية البابلية ، وحررها من عبادة القمر الذي فرضها نابونائيد على كهنة مردوخ ، مما جعل الكهنة يفرحون به لأنه أعاد أليهم أمتيازات الأرستقراطية الدينية كما سمح ليهود بابل بالرجوع الى أورشليم كما أرادوا .
     في هذا الصدد تروي لنا الحوليات ، أن عيلام نهضت من جديد في هذه الفترة ، وأحتلت أكد ، وأن ملكاً عيلامياً بدأ يحكم الوركاء ، أي أن الكورد حكموا من جديد بلاد أكد ، كما أن الميديون بقوا على رأس غالبية القيادات في الدولة الأخمينية ، يقول المؤرخ ( حسن بيرينا ) مشير الدولة سابقا ًفي كتابه القيم ( أيران قديم ) كانت ست أسر ميدية كبيرة تقيم في عاصمة الأخمينيين ( هخامش ) ، وكانت تأتي في المرتبة ، والدرجة الثانية بعد ست أسر فارسية نبيلة ، فكانت المناصب العليا خاصة برجال هاتين الطبقتين من الأسر الفارسية ، والميدية .      

      كما أحتلت الدولة الأخمينية مصر ، ودخلت في نزاع مع الدويلات ألاغريقية غرب اسيا الصغرى ، وكانت بداية الصراع اليونانى – الفارسي ، ومن ثم أنقراضها على يد الأسكندر المقدوني الذي أستولى على البلاد الأيرانية ، وبضمنها كوردستان .

     لكن العشائر الكوردية ( كاردوخي )28 أحتفظت بأستقلالها الداخلي في جميع أدوار التاريخ أذ كانت مستقلة في عهد الحكومات ( الكيانية ، المكدونية ، البرثية ، الأشكانية ، والعربية ، والتركية ) وبعد سقوط ميديا بـ ( 49 ) عاماً عبر القائد اليوناني ( زينفون ) قائد ( رجعة العشرة الأف ميل ) الشهيرة ، والذي أنسحب عبر جبال كوردستان في عام (400 ق. م) ، وأستغرق عبوره من خلالها زهاء سبعة أيام واجه خلالها الكثير من المصائب والمشاكل ، وصفها في كتابه ( أناباس ) وهو أول من بحث عن هؤلاء القوم الذين ضايقوا جيشه في دربند ( زاخو ) مضايقة شديدة ، وقاتلوه قتالاً مستمراً ، وطاردوه في هذه المنطقة حتى عبرها بعد ان اعطى خسائر كبيرة ، وصف زنفون ( الكورد - الكاردوخ ) بأنهم شعب يسكن الجبال ، وهم قوم بواسل جداً ، وغير خاضعين لأحد .

     أصبحت كوردستان بعدها تؤلف جزء من الأمبراطوريات التي تعاقبت بعد أحتلال بابل من قبل الأسكندر المقدوني ، وقام الملك السلوقي أطيوخوس السابع بأخر حملة كبيرة له على بلاد الكاردوخي ، او ميديا ألا أنها أبيدت عن بكرة أبيها ، فبذلك حلت الكارثة الكبرى بالأغريق في الشرق ، وبالوجود الهيليني في بلاد الرافدين29 . في عهد السلوقيين في العام 140 ق.م .   

     في ( سنة 36 ق.م ) دخلت كوردستان في حكم القائد الروماني ( مارك انطوان ) الذي كان في نضال شديد مستمر مع الاشكانيين ، فادى هذا النضال المستمر في النهاية الى انكسار جيش الرومان شر كسرة ، واغتنام الاشكانيين كثيرا من الاموال ، والعتاد والذخيرة ، هذا وكانت ( ميديا الصغرى ) التي هي ولاية ( اذربيجان ) الحالية مستقلة تماماً .

      بعد مدة من الزمن زحف ( فرهاد ) الملك الرابع من ملوك الاشكان ، بجيش عظيم على حكومة ( ميديا الصغرة )30 فقضي عليها بعد معارك دامية ، وأسر ملكها ، واستولى على أرمينيا ايضا ، ونصب أحد أقاربه ملكاً عليها ، وقبل الميلاد بسنة واحدة ، عقدت الحكومة الاشكانية معاهدة مع حكومة روما تنازلت بموجبها عن مقاطعتى ( أرمينية ) و ( كوردستان ) لحكومة روما .



                              













                      
                       مصادر الفصل الثالث

1 - سدني سميث ، في ذكرى الأستاذ بور داقور ، بومبي عام 1951م ، ص 154
2 - هيردوتس في كتابه الشهير التاريخ عند ميديا ، والميديين ، ص 224
3– هيرودوتس ، مصدر سابق ، ص 226
4 – زرين كوب ، مصدر سابق ، 526
5- مينورسكي ، دراسات في تاريخ القفقاس ، لندن - 1957 ، ص 116 وما بعدها
6 - الاستاذ ف . مينورسكي ، قبائل ايران الضائعة ، المعهد الانثوبولوجي الملكي – 1949 ، ص 321
7 – أ . د . فؤاد حمة خورشيد ، اصل الكورد مصدر سابق ص86
8 – فؤاد نفس المصدر ، ص88
9 - براستد جميس هنري ، تاريخ العصور القديمة ، ترجمة داود قربان بيروت 1926 ص 135 .
10 - باسيل نكيتين ، الكورد : دراسة اجتماعية تاريخية ، باريس ، المكتبة الوطنية الامبراطورية - 1956 ، ص 432
11 - المؤرخ الروسي دياكونوف ، ميديا صفحة 170 .
12 – نفس المصدر ص172
13 - تاريخ الاكراد توماس بوا ، ترجمة محمد تيسير ميرخان ، دار الفكر المعاصر بيروت ، ص 240
14 – اغلب ما كتب عن حياة ، وتاريخ هذا الملك هو في كتاب ( التاريخ عن ميديا لهيرودوتس ) 
15 - د . زيار ، مصدر سابق  ، ص 115
16 – د . زيار ، مصدر سابق ص 165
17- د . زيار ، مصدر سابق ، ص 170
18 - اولمستيد ، تاريخ اشور ، نيوريوك – 1928، ص 117
19 – هيروديتس ، مصدر سابق ، ص 213
20 -  مشير الدولة ، حسن برينا ، كتاب تاريخ ايران القديم ، ص254-255
21 الكتاب المقدس ، مصدر سابق ، دانيال 5 / 31
22 -  - د . زيار  ، مصدر سابق ، ص 407
23 – نفس المصدر ، ص 412
24 – نفس المصدر ، ص 416
25 – كامرون ،  فراي ، تاريخ إيران ؛ زرين كوپ ، روزگاران ، ص 151 –150
26 – د . محمد حرب فرزات ، مدخل إلى تاريخ فارس ، وحضاراتها القديمة قبل الإسلام  109 .
27 – سير . أ . شتاين ، مصدر سابق  ، ص 43
28 – مشير الدولة ، حسن برينا ، مصدر سابق ، ص 321
29 – زينفون ، مصدر سايق ، 241
30 - المؤرخ الروسي دياكونوف ، مصدر سابق ، ص 173

 























                              الخاتمة
       البحث عن تاريخ  ميديا واحدة من الامور الصعبة المعقدة التي أنهكت افكار العديد من المؤرخين لكون المديين لم يخلفوا لنا اية كتابات تذكر كما اسلفنا ، لكني أستناداً الى جميع كتب العرب ، والكورد ، والغرس ، والأجانب من الكتاب ، والمؤرجين ، وتبعاً لدراسات موثوقة ، واستناداً لبعض البحوث العلمية المحايدة ، والدقيقة بالأضافة الى الاثار القديمة المكتشفة ، واللغة وجدت ان جميعها تؤكد ان الأمبراطورية الميدية هي اكبر امبراطورية كوردية برية رعوية شهدها تاريخ الشرق الأدنى .
      كما إني وجدت التاريخ الكوردي غني جداً ، ولا يمكن لأحد الانتقاص منه على الرغم من محاولات البعض هنا ، وهناك ،  فلا يمكن إخفاء الشمس بالغربال ، كما وجدت ثمة أقلام جادة محايدة تبذل جهوداً حثيثة لأمانة المهنة إنسانياً ، وهي كثيرة للكشف عن هذا التأريخ وبيانه حسب وعائه الحقيقي .
وحسب الكورد ان أرضهم قد ذكرت في القرآن الكريم ( ورست على الجودي ) حين رست عليها سفينة نوح ، ومن أرضهم أبتدأت السلالة البشرية الثانية بعد فناء الأولى بالطوفان .
     كما إن تاريخ الكورد الرائع يمتد آلافاً من السنين، وأكثرية هذا التاريخ ، تم تسجيله في الكتاب المقدس ، حين كان الكورد يدعون بـ "الميديين".  ، وتخبرنا قواميس الكتاب المقدس ان الكورد ينحدرون من الميديين : ( أن ميديا كانت بلاداً آسيوية قديمة ، تقعُ في جنوب بحر الكاسب ، شمال عيلام ، شرق جبال زاغروس ، وغرب بارثيا. إنها قسم من الأرض التي نسميها اليوم كوردستان . كانت ميديا معروفة بأحصنتها العجيبة الخيالية ؛ أرض غنية ، وثروات كبيرة . في ذروة مجدها كانت تحكم من اليونان إلى طهران   (كما يقول الكتاب المقدس: ( أن الرب ، أقام جنة عدن بين نهري دجلة ، والفرات، اللذين لايزالان يجريان في أراضي كوردستان إلى اليوم .، يمكن إرجاع بدء زمننا على الأرض التي تسمى اليوم كوردستان ، والمنطقة المحيطة بها )  تستطيع الإطلاع، وقراءة ذلك في سفر التكوين ، كتاب موسى الأول حيث كتب ( غرس الرب الإله جنةً في عدن شرقاً. ، وكان نهرٌ يخرج من عدن ليسقي الجنة ، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس. إسم الأول فيشون ، واسم النهر الثاني جيحون ، وهو المحيط بجميع أرض كوش . واسم النهر الثالث حداقل . وهو الجاري شرقي أشّور . والنهر الرابع الفرات ، وأخذ الرب الإله آدم ، ووضعه في جنة عدن ليعملها ، ويحفظها ) سفر التكوين:2/8/15