مصطفى كمال أتاتورك وإسقاط الخلافة الإسلامية



خطوات أتاتورك لإلغاء الخلافة:

عهد الاتحاديين ونهاية الخلافة العثمانية:
لم يكن الأتراك متحدي الهدف بعد عودة الدستور، فقد آمن بعضهم بحركة الجامعة الإسلامية، واعتنق آخرون فكرة الجامعة الطورانية، بينما بقي فريق ثالث على إخلاصهم لاتجاه العثمنة.
أما الاتحاديون فقد اتجهوا في البداية إلى العثمنة التي كانت تستهدف إقامة إمبراطورية عثمانية متطورة، تستند إلى مؤسسات ليبرالية بإمكانها ضمان ولاء كل الفئات الدينية والعرقية الخاصة للدولة، وإن كان انتشار الروح القومية لدى رعايا الدولة قد قضى على آمال الاتحاديين.
اشتدت إجراءات القمع التي لجأ إليها الاتحاديون على الرعايا المسيحيين، بل إنها مست العرب والألبانيين في نفس الوقت، وسرعان ما دب الانقسام في صفوف الاتحاديين أنفسهم، ودخلت الدولة عهدًا دكتاتوريًّا إرهابيًّا لم ينته إلا بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى.
وبعد أن خسرت الدولة العثمانية أراضيها غير الإسلامية، وازدادت فيها أطماع دول البلقان وروسيا القيصرية؛ انضم الرأي العام التركي إلى عدنان (مندريس) في الدعوة إلى التخلي عن العثمنة واعتناق القومية التركية، واتجهت لجنة الاتحاد والترقي -التي طالما ساندت العثمنة- إلى إطراح العمل بها وصهر المحليات في بوتقة الإمبراطورية، واتجهت بشدة صوب القومية التركية وفرض سيادة الأتراك على غيرهم من رعايا الدولة، وجرت محاولات التتريك، واشتدت سواعد الاتجاه الطوراني الذي كان يهدف إلى تجميع أتراك آسيا في دولة واحدة.
أدت المشاكل في البلقان إلى تفجير الحرب العالمية الأولى، وما لبث أن ظهرت التكتلات التي احتكمت إلى السلاح؛ فدخلت بريطانيا الحرب إلى جانب روسيا وفرنسا (دول الوفاق) وأخيرًا انضمت الدولة العثمانية إلى دولتي الوسط (ألمانيا والنمسا) خاصة وأن ألمانيا قد اتبعت سياسة ناجحة تجاه الدولة العثمانية طيلة ربع قرن من الزمان.
وأثناء الحرب أبرمت الاتفاقيات السرية بين الحلفاء، والتي كان من أبرزها اتفاقية (سايكس بيكو في مايو 1335هـ/ 1916م) التي عقدت بين بريطانيا وفرنسا، ولقد أدى دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب إلى ترجيح كفة الحلفاء برغم خروج روسيا بعد نشوب الثورة البلشفية في مارس (1336هـ/ 1917م).
وفي أعقاب الحرب عقدت الدولة العثمانية معاهدة صلح في أغسطس (1920م) في (سيفر) قرب باريس، وبموجبها انتهى وجود الدولة العثمانية من الناحية الواقعية باعتبارها دولة أوروبية؛ إذ أنها لم تستبق سوى مساحة من الأرض أقل مما كانت في أيدي الدولة البيزنطية في أواخر عهدها، أما شروط المعاهدة الأخرى فقد قلصت سيادة ما تبقى من الدولة العثمانية، كما تنازلت الدولة العثمانية عن أملاكها ولم يبق للأتراك سوى الأناضول ذي الطابع التركي المميز، بالإضافة إلى قطاع ضيق في أوروبا يحيط باستانبول، وأطلق على هذه المساحة الآسيوية الأوروبية اسم تركيا وخاصة بعد قيام الجمهورية.
مصطفى أتاتورك:
ولد أتاتورك في شتاء عام (1881م) في مدينة سالونيك، ونسبته أمه (زبيدة) إلى (علي رضا أفندي) موظف في إدارة الجمارك العثمانية، والذي تزوجته فيما بعد. وهناك شكوك حول نسب (مصطفى كمال أتاتورك) وانتمائه إلى يهود الدونمة، والتحق مصطفى كمال بمدرسة دينية تابعة لأحد المساجد -بناء على رغبة والدته- ولكنه فشل في مواصلة تعليمه الديني، ثم التحق بإحدى المدارس التي تقوم بتدريس العلوم الدنيوية فواصل دراسته في هذا النوع من التعليم، وحقق نجاحًا فيه، والتحق بعد ذلك بإحدى المدارس العسكرية، والتي تخرج منها ضابطًا في الجيش العثماني.
خطوات أتاتورك لإلغاء الخلافة:
لم يكن أتاتورك أكثر من صنم ركبه الإنجليز للقضاء على كل أحلام الأتراك العظيمة، وللقضاء على كل الوشائج التي تربط تركيا بالعالم الإسلامي، ولإلغاء الخلافة... وهلم جرا.
ومن الحقائق المتواترة والواردة في كل الدراسات، صلة أتاتورك بالماسونية، وصلته في مرحلة كبيرة من عمله السياسي والعسكري بجماعة الاتحاد والترقي التي كانت نبتة ماسونية بحتة، بلغ الأمر بها أنها كانت تقيم اجتماعاتها في بيوت اليهود، وتعتمد في ميزانيتها عليهم.
لقد حاول أتاتورك الاقتراب بكل قوته من السلطان حميد الدين الذي خلف أخاه السلطان عبد الحميد الثاني، وقد عرض أتاتورك كل خدماته على السلطان الجديد. ويذهب أكثر المؤرخين المنصفين إلى أن السلطان وثق به، وأعطاه بعض الصلاحيات التي كان يطمع فيها في مواجهة منافسة الكبير (أنور باشا) وكان مما قاله أتاتورك للسلطان: "إن كلمة واحدة من جلالتك كافية بتقوية الحماسة الوطنية، فاجعلني وزيرًا للحربية في كومة قوية، وأنا كفيل بإنقاذ تركيا، لكن هذا البرلمان يجب أن يحل فإن نصف النواب خونة، وأعضاء في جمعية الاتحاد والترقي وأصدقاء (لأنور)".
وهكذا كما اعترف أتاتورك بلسانه هو- فإنه باع نفسه للسلطان، وإن كان السلطان قد رفض هذه الصفقة، كما أنه -أي أتاتورك- تنكر للجمعية التي ينتمي إليها ما دام في ذلك مكسب له، ووصم أعضاء البرلمان بالخيانة.
وعندما اشتد الصراع الألماني الإنجليزي أثناء الحرب العالمية الأولى حول سوريا، ووصل القائد الألماني الصديق للدولة العثمانية (فالكانهاين) ووضع خطة ضرب إنجلترا في بغداد وفلسطين، وشبه جزيرة العرب، اعترض على هذه الخطة كمال أتاتورك -وهو الذي كان مكلفًا بالدفاع عن سوريا- وقام من تلقاء نفسه بعمل جنوني، وهو عزل نفسه بنفسه، بما يجعله يستحق في قوانين الحرب: (الإعدام) وهو يتباهى بذلك في مذكراته ويقول: "متحملًا جميع العواقب، ومخالفًا لكل الأصول والقواعد، وبشكل لا يخلو من العصيان: فقد أعفيت نفسي بنفسي من قيادة الجيش، وأنهيت وظيفتي".
وقد كان بمقدور أنور باشا -بعد هذه الخيانة العسكرية الواضحة- أن ينال أتاتورك بالأذى، ولكنه لم يفعل، مما يدل على أنهما من معدن واحد، وإن اختلفت أطماعهما.
وعندما تمكنت الجيوش الإنجليزية من زحزحة الجيوش التركية إلى الشمال -وكانت لا تزال بعيدة عن الانتصار- اتفق مصطفى كمال أتاتورك سرًّا مع القائد الإنجليزي (اللينبي) على القيام من جانب أتاتورك بانسحاب فجائي يحرم الجيش التركي من ذراعي الاستناد، ويؤدي بذلك إلى وقوع الجيش في يد الأعداء، وهذه حادثة ثابتة.!
وإلى الآن لم تتضح حقيقة العلاقة التي ربطت بين أتاتورك وكيرزون الدبلوماسي الإنجليزي، لكننا نعلم أن كيرزون كان يتبادل مع أتاتورك رسائل بالشفرة، على أساسها اقترح كيرزون فتح جبهة قتال ضد مسلمي قفقاس، وذلك بعد أن فتح الطريق أمام الشيوعيين، بينما كان أتاتورك يلعب على الحبلين معًا: حبل البلاشفة، وحبل الإنجليز.
ولم تكد الحرب العالمية الأولى توشك على الانتهاء حتى كانت الدول الأوروبية قد أتمت المسرحية الهزلية، لاقتسام أملاك الخلافة الإسلامية الأخيرة، ولإبراز رجل ينفذ مخططاتهم وأطماعهم بحذافيرها.
ففي يوم (27 أكتوبر سنة 1341هـ/ 1922م) دعت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا إلى عقد مؤتمر في (لوزان) لتقسيم أملاك الرجل المريض (الدولة العثمانية) في ظل زوال حكومة اسطنبول الإسلامية، وتمثيل حكومة أنقرة الكمالية.
وقد افتتح المؤتمر في (20 نوفمبر سنة 13451هـ/ 1922م) واستمر منعقدًا حتى (4 فبراير 1342هـ/ 1923م) حين باء بالفشل، وظل الحوار مفقودًا في العلن، وإن كان يجري من خلف الكواليس، إلى أن تقدمت حكومة أتاتورك بمقترحات ظاهرية، وإن كان الأمر قد عولج باطنًا فأعيد فتح المؤتمر في (23 أبريل) من نفس العام، حيث لم يستغرق الأمر طويلًا، فاتفق المؤتمر على توقيع معاهدة لوزان في (24 يوليو سنة 1324هـ/ 1923م) وقد تضمنت المعاهدة سبع عشرة وثيقة، كما تضمنت بعض الرسائل المتبادلة، وبعض الملاحق. وكانت معظم المواد (الظاهرة) تنص على تجريد تريا من كل أملاكها خارج حدودها الحالية بالمعنى القومي الإقليمي وتنص على بعض الالتزامات المالية.
وقد اعتبرت جماعة أتاتورك هذه المعاهدة انتصارًا، مع أنها كانت في الحقيقة واحدة من أسوأ المعاهدات الفاصلة في التاريخ.
ويكفي أن تكون ثمرة هذه المعاهدة -بالنسبة لتركيا- هي: ترك إقليم اليونان وترك الجزر لليونانيين، والتنازل عن كل الحقوق حول مصر وقبرص، وكف تركيا عن طلب التعويضات من اليونانيين، وعدم تحصين المضايق، والسماح ببقاء السكان اليونانيين في اسطنبول واحتفاظهم بثرواتهم.
ومع ذلك كله فهذه النتائج هي النتائج المعلنة والظاهرة، أما النتائج الأكثر خطرًا فقد تمثلت في الاتفاقية السرية التي كانت سببًا في نجاح المؤتمر الذي عرف بمعاهدة كيرزون، وهي تتضمن بنودًا أربعة قبلها أتاتورك، وكان أتاتورك مستعدًّا لأكثر منها، وهي:
1- إلغاء الخلافة الإسلامية نهائيًّا من تركيا.
2- أن تقطع تركيا الصلة الرسمية بالإسلام.
3- أن تضمن تركيا شل حركة جميع العناصر الإسلامية فيها.
4- أن يغير الدستور العثماني الإسلامي إلى دستور مدني.
وبعد الاتفاق على البنود السرية والعلنية في معاهدة (لوزان) انسحبت قوات الحلفاء من تركيا، وبعد انتهاء احتلال اسطنبول دخلتها القوات التركية في أكتوبر (1324هـ/ 1923م) وبعدها صارت (أنقرة) هي العاصمة الرسمية للدولة التركية بدلًا من اسطنبول التي تحمل ذكريات الخلافة والسلطنة. وفي أول مارس (1343هـ/ 1924م) قرر أتاتورك خلع الخليفة (عبد المجيد 1341-1343هـ/ 1922-1924م) وإلغاء الخلافة العثمانية، ونفي أفراد آل عثمان من الأراضي التركية بعد أن قضى أتاتورك على أعدائه ومناوئيه من أمثال علي شكري زعيم المعارضة ضد إجراءات أتاتورك الاستبدادية، وأعدم البطل ضياء الدين خورشيد، ثم كاظم قرة بكر، ورفعت باشا وغيرهم من الساسة، وعشرات من شيوخ الطرق الصوفية، وعشرات العلماء، وعشرات من العسكريين، ومئات من البسطاء، قضى عليهم كلهم أتاتورك الذي لم يتحمل أية كلمة نقد ضد إجراءاته المدمرة.
وفرض أتاتورك نظام الحزب الواحد ومضى قدمًا في فرض الطابع العلماني على الدولة، في الوقت الذي أضعف فيه النظام الإسلامي، وبذلك كانت تركيا هي الدولة الوحيدة المهزومة في الحرب العالمية الأولى الني نجت من مصير الاحتلال المباشر، لكنها وقعت تحت قبضة الاتفاقيات السرية ومعاهدات الصلح التي فرضها المنتصرون، وضحت بدينها وقيادتها للعالم، وهكذا زالت دولة الخلافة العثمانية أو الإسلامية التي دامت أكثر من أربعة قرون، وبزوالها لم يعد للمسلمين خلافة، فانقسمت بلادهم، وظهرت النعرات القومية، وتصارع بعضهم مع بعض حتى وهن أمرهم.
        الموسوعة الميسرة في التاريخ الإسلامي، لفريق من الباحثين.