بحث عن حركات الاصلاح في الدولة العثمانية

بحث عن حركات الاصلاح في الدولة العثمانية
اسباب فشل حركات الاصلاح والتجديد في الدولة العثمانية
بحث حول الاصلاحات العثمانية
تاريخ الإصلاحات والتنظيمات في الدولة العثمانية
الاصلاح العسكري في الدولة العثمانية
اصلاحات الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر

حركة الإصلاح في الدولة العثمانية:
لقد تأكد للدولة العثمانية من الهزائم التي لحقت بها أنها لم تعد دولة مرهوبة الجانب، ومن ثم أدرك العثمانيون حاجتهم الماسة للإصلاح العسكري والاقتباس عن الغرب الأوروبي.
السلطان سليم الثالث:
شهد عصر (سليم الثالث) الذي تولى العرش عام (1204هـ/ 1789م) بدايات حركة الإصلاح الحديث، فاتجه للأخذ من ثمار الحضارة الغربية، وبدأ الإصلاح في الجانب العسكري؛ لكبح جماح الجند الإنكشارية الذين شكلوا العقبة الرئيسية في طريق الإصلاح، ففكر في إنشاء فرقة عسكرية جديدة على النظام الأوروبي الحديث أطلق عليها (النظام الجديد) ورغم أن هذه الخطوة ووجهت بمقاومة شديدة في البلاط العثماني إلا أن السلطان لم يكترث بذلك، واستخدم الخبراء والمدربين، واهتم السلطان أيضًا بإصلاح الأسطول العثماني، وإنشاء المدارس الفنية لتعليم الشبان العثمانيين علوم الغرب وفنونه، ورغم كل ذلك فلم يدرك السلطان ومستشاروه أن الإصلاحات التقنية الأوروبية وليدة ثورات اجتماعية واقتصادية وسياسية استمرت منذ عصر النهضة الأوروبية، وأن الحياة العثمانية بأسرها كانت تتطلب الإصلاح.
ولا شك أن إلغاء إصلاحات (سليم الثالث) بعد خلعه سنة (1222هـ/ 1807م) كان دليلًا على أنه لم يجد المساندة القوية من جانب العثمانيين الذين كانوا بخداعهم لأنفسهم يرفضون أيَّ تجديدٍ يأتيهم من الغرب الذي كان مثارًا للشك.
السلطان محمود الثاني: أفاد السلطان محمود الثاني (1223-1255هـ/ 1808-1839م) من تجارب سابقة (سليم الثالث) وخبراته، وتذرع بالصبر حتى يتمكن من القضاء على أعداء الإصلاح العسكري وهم رجال الانكشارية بعد أن أعد للأمر عدته في (1242هم/ 1826م) على الصورة التي نفذ بها محمد على مذبحة القلعة للمماليك سنة (1226هـ/ 1811م) وكان القضاء على الانكشارية من أهم أحداث التاريخ العثماني، كما قام بإصلاحات عسكرية في شئون التيمارات والزعامات، وضمها فيما بعد سنة (1237هـ/ 1821م) لأملاك الدولة، وفضلًا عن ذلك فقد قام بإصلاح أجهزة الدولة المركزية، وما لبث أن أدخل البرق والسكك الحديدية، وشق الطرق لإحكام قبضة الدولة على الأقاليم.
ورغم صدور التنظيمات الخيرية منذ (خط شريف جلخانة) سنة (1255هـ/ 1839م) وحتى أوائل السبعينات فإن ما حققته تلك التنظيمات لم يكن متوازنًا؛ فالتقدم الاقتصادي كان بطيئًا للغاية في الوقت الذي لم يتحسن فيه الإنتاج الزراعي، فقد تضمن الإصلاح الضريبي في عصر التنظيمات جهودًا لإلغاء النظام القائم على جباية الضرائب، وإدخال نظام الجباية المباشرة على أيدي موظفين حكوميين وغيرها من الإجراءات، وقد أثر التدهور المستمر في أوضاع الدولة المالية تأثيرًا سلبيًّا في حركة الإصلاح خاصة، وأن رجال التنظيمات لم يكونوا ضليعين في الاقتصاد أو الأمور المالية؛ فازدادت الديون وفوائدها العالمية، وخلال فترة التنظيمات ازداد طبع الإدارة بالطابع الغربي؛ فقد حلت محل الطبقة الحاكمة العثمانية القديمة طبقة جديدة من البيروقراطية.
ورغم أن الدولة العثمانية لم تفقد أراضي خلال عصر التنظيمات، فإن هذه التنظيمات قد فشلت في إدماج شتى عناصرها، وازدادت خطورة الاتجاهات الانفصالية داخل الدولة العثمانية رغم محاولات تطبيق سياسة (العثمنة)، وبدخول الأفكار الغربية أرجاء الدولة العثمانية تحولت (الملل) إلى بؤر للقومية الإقليمية على النمط الأوروبي.
انهيار الدولة العثمانية:
1- انحسار أملاك الدولة العثمانية:
أخذت الدولة العثمانية تنحسر أملاكها بأوروبا جزءًا بعد جزء، وقد أثرت عوامل ضعفها -السابق ذكرها- على هذا الانحسار، ولكن بين شدةٍ وتراخٍ حتى أفلتت جميع أملاكها بهزيمتها مع ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وتكوَّنَ من أملاكِ الدولة العثمانية بأوروبا الدول التي تعرف الآن بالأسماء الآتية: اليونان، رومانيا، بلغاريا، يوغسلافيا، ألبانيا، المجر، ويمكن إيراد بيان موجز عن استقلال بعض الأجزاء الأوروبية عن الدولة العثمانية فيما يلي:
المجر: فقدتها الدولة العثمانية سنة (1111هـ/ 1699م) وكسبتها النمسا.
القرم وجنوب روسيا: فقدتها الدولة العثمانية عام (1188هـ/ 1774م) ثم ضمت إلى روسيا عام (1299هـ/ 1784م).
صربيا: فقدتها الدولة العثمانية سنة (1231هـ/ 1815م) إذ استقلت جزئيًا ثم استقلت استقلالًا ذاتيًّا سنة (1245هـ/ 1829م) واستقلالًا تامًّا عام (1295هـ/ 1878م).
رومانيا: فقدتها الدولة العثمانية عام (1245هـ/ 1829م) بزوال الحماية العثمانية عنها، واستقلت استقلالًا تامًّا عام (1295هـ/ 1878م).
اليونان: فقدتها الدولة العثمانية عام (1245هـ/ 1829م) ثم استقلت استقلالًا تامًّا عام (1246هـ/ 1830م).
أما الدول العربية فقد قامت بعدة انتفاضات، والواقع أن الدولة العربية كانت تقع بين عاملين كبيرين: أحدهما: يجذبها إلى الدولة العثمانية وهو إسلامي؛ فقد كان ارتباط الدول العربية بالإمبراطورية العثمانية نوعًا من الوحدة الإسلامية. أما العامل الثاني فهو: رغبتها في الاستقلال، وبناء نفسها بعيدًا عن الدولة العثمانية.
وعلى هذا العامل قامت حركات استقلالية من حينٍ إلى آخر، وكانت هذه الحركات تنتكس أحيانًا بسبب انتعاش العامل الأول، أو بسبب ضربات شديدة تسددها الدولة العثمانية لزعماء هذه الحركات، ومن أبرز هذه الحركات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ما يلي:
في مصر: حركة علي بك الكبير في القرن الثامن عشر، وحركة محمد علي في القرن التاسع عشر، وقد انفصل بمصر، وكانت السيطرة العثمانية على مصر -في عهده وعهد أبنائه- اسمية.
في فلسطين: حركة الزعيم البدوي ظاهر العمر ا لذي كان معاصرًا لعلي بك الكبير.
في لبنان: حركة الأمير فخر الدين المعني الثاني في القرن السابع عشر، وحركة الشهابيين في القرن التاسع عشر.
في العراق: حركات الباشوات المماليك، وعلى رأسهم سليمان باشا (أبو ليلى) في القرن الثامن عشر.
في اليمن: حركة الزيدية التي نجحت في فصل اليمن عن سلطان العثمانيين في القرن السابع عشر (عاد العثمانيون لليمن في القرن التاسع عشر).
في الجزيرة العربية: الحركة الوهابية.
في شمال إفريقية: ظهرت حركات استقلالية في ليبيا والجزائر وتونس وانتهت بنجاح جزئي، فقد استبد بالسلطة في كل منها زعماء مواطنون أو مستوطنون، ولم يبق إلا خيط دقيق يربط بين هذه الدول وبين العثمانيين في اسطنبول، وقد لعب السنوسيون دورًا كبيرًا في مصير بعض أجزاء الشمال الإفريقي.
2- دور يهود الدونمة في انهيار الدولة العثمانية:
يهود (الدونمة) هم فئة من اليهود ظهرت بالتحديد في النصف الثاني من القرن السابع عشر؛ فلقد رحب السلاطين العثمانيون باليهود المنفيين والمهاجرين، وعاشوا في ولايات الدولة العثمانية وبالأخص في سالونيك اليونانية وأزمير، ولعبت هذه الفئة (يهود الدونمة) دورًا مؤثرًا في التطورات التي شهدتها الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر وكذلك في انقلاب (1326هـ/ 1908م) وخلع السلطان عبد الحميد عام (1327هـ/ 1909م) وحتى يمكننا معرفة حقيقة تلك الفئة من اليهود علينا أن نبحث في جذورها التاريخية.
لم يعترف اليهود بعيسى -عليه السلام- نبيًا، لذلك ظلوا ينتظرون المسيح اليهودي، ليعيد مملكة داود -عليه السلام- وليحكموا العالم بوصفهم شعب الله المختار -حسب اعتقادهم. وقد تسبب هذا الاعتقاد في ظهور كثير ممن ادعى أنه المسيح المنتظر مثل (تيوداس الروماني) عام (44م) و(موسى التكريتي) و(أبو عيسى الأصفهاني) ثم (شبتاي زيفي الأزميري) وهو مؤسس طائفة الساباتائية).
لقد زهر (شبتاي) والدولة العثمانية تمر بأحرج أوقاتها؛ الجنود يعيثون في الأرض فسادًا، ويقتلون سلطانهم (إبراهيم) عام (1058هـ/ 1648م) ويسحقون بشدة السخط العشبي الذي ظهر نتيجة لمقتل السلطان، وكانت أساطيل البندقية تهدد سواحل الدولة، والجيوش عاجزة أمام كل هذه الصعاب، والأخطار محدقة بها من كل جانب. وفي هذه الظروف التاريخية في عام (1036هـ/ 1626م) ولد في (أزمير) يهودي يدعى (شبتاي) لأب يدعى (موردخاي زيفي) كان يعمل بالتجارة في أزمير، وكان من أصل يهودي أسباني، وتذكر الروايات أن (شبتاي) نال قسطًا كبيرًا من التعليم الديني، وكان تقيًّا ورعًا، ولكنه كان مصابًا بحالة من الصرع ومعتلًّا في صحته، وكان حاخامات أزمير ينفرون منه.
وفي تلك الفترة، قال بعض أحبار اليهود: بأن حساب الجمل لبعض الكلمات الواردة في التوراة، تقول: بأن المسيح سيظهر في عام (1058هـ/ 1648م) ليقود اليهود، وسيظهر في صورة نبي وسيحكم العالم من فلسطين، وتكون القدس عاصمته، وفي العام المحدد (1058هـ/ 1648م) ادعى شبتاي بأنه المسيح اليهودي، وزار بلدانًا كثيرة منها مصر وفلسطين، ثم عاد إلى أزمير عام (1077هـ/ 1666م) حيث كانت شهرته قد طبعت الآفاق، وأصبح (شبتاي) أسطورة عصره، وجاءت إليه وفود من كل يهود العالم لمبايعته، ونعتوه بلقب (ملك الملوك) وادعى شبتاي أيضًا الإتيان بمعجزات الأنبياء السابقين.
فلما كثرت الفتن في (أزمير) ووصلت أخباره إلى مسامع الباب العالي، أصدر السلطان محمد الرابع (1058-1099هـ/ 1648-1687م) قرارًا بالقبض على (شبتاي زيفي) وتمت محاكمته أمام السلطان والصدر الأعظم (أحمد باشا الكويرلي) وشيخ الإسلام، وأنكر شبتاي كافة التهم المنسوبة إليه، ولكي ينجو من المصير المحتوم الذي ينتظره -وهو الإعدام- اعتنق شبتاي الإسلام، وسمى نفسه (محمدًا) وخصصت له وظيفة في القصر وراتب شهري.
ويذكر المؤرخون أن إسلام (شبتاي) كان نكبة على الدولة العثمانية، فإسلامه كان مجرد كلمة فاه بها؛ لينجو برأسه، وليخلق سرطانًا رهيبًا في الجسم العثماني يستفحل وينتشر، وينتقل من جيل لآخر، محافظًا على نشاطه الهدام؛ إذ ما لبث أن طلب (شبتاي) من السلطان السماح له بالخروج من القصر؛ ليدعو ذويه وأقاربه، ومن يثق به إلى الإسلام، وقد استجاب السلطان لذلك، فسمح له بجولات حرة في أنحاء الدولة العثمانية.
التف حول (شبتاي) الكثيرون من يهود تركيا، ودعاهم إلى إشهار إسلامهم بأفواههم، وقدم لهم قائمة تتضمن أسس دعوته، ووجهها إلى كل المؤمنين به، وكانت هذه القائمة أو الميثاق تحوي ثمانية عشر أمرًا، ومضمون هذه الأوامر: (الإيمان بأن مسيح اليهود هو المسيح الحق، ولا مخلص غيره وهو: شبتاي زيفي، وأنه من نسل داود -عليه السلام- ويجب قراءة مزامير داود سرًّا كل يوم، ويجب مراعاة جميع المظاهر الدينية الإسلامية، وعدم الزواج من المسلمات) وبهذا يكون قد نشأ ما يمكن أن نسميه المذهب اليهودي الإسلامي.
وانكشف أمر شبتاي وأتباعه، وأشهر اجتماع انكشف فيه أمره كان في إحدى ضواحي استانبول على البوسفور تدعى (كوروجشمة) حيث ضبط يخاطب أتباعه بالعبرية، ويحثهم على السيطرة على الشئون المالية والتجارية للدولة، واستخدام كافة الوسائل الممكنة من أجل ذلك، وكان من المفروض أن يعدم (شبتاي) لولا تدخل شيخ الإسلام الذي نصح بنفيه إلى مكان بعيد، ولأن قتله سيجعله شهيدًا ويضاعف من الأساطير التي أشيعت حوله، وفي مدينة سالونيك اليونانية نفي (شبتاي) ولحقه أتباعه؛ ليعدوا لمخططهم من أجل إسقاط الدولة العثمانية، وفي تلك المدينة أيضًا توفي شبتاي في (أواخر سبتمبر 1086هـ/ 1675م) عن عمر يناهز (49 عامًا).
وأطلق الأتراك على أتباع (شبتاي) لفظ (الدونمة) ويهود الدونمة ثلاث فرق: (اليعاقبة، والقرقاشية، والقابانجية) ولكل منهم اسمان: اسم يهودي خاص، واسم رسمي عام، وبصفة عامة لعب يهود الدونمة دورًا في الأحداث السياسية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فقد صار عددهم يزيد عن ثلاثين ألف يهودي، ولهم تأثيرهم في مجالات الحياة المختلفة في تركيا وغيرها من البلاد الأخرى.
وصل أتباع شبتاي ويهود الدونمة إلى مراكز هامة في الدولة مثل: منصب أمين الترسانة البحرية، وكاخدا المدينة، وكاخدا القصر، وفي حركة الاتحاد والترقي في أواخر عهد الدولة العثمانية، تغلغل فرع القبانجية من يهود الدونمة في خلايا الحزبن وأداروا الجزء الأكبر من انقلاب تركيا الفتاة، الذي أطاح بحكم عبد الحميد الثاني وأفسح المجال لحكم الاتحاد والترقي أواخر الحكم العثماني.
ومن أبرز أسماء يهود الدونمة في الحياة السياسية التركية في بدايات القرن العشرين (قراصو) عضو اللجنة التي قابلت السلطان عبد الحميد لخلعه، و(قراصو) كان عضو لجنة الاتحاد والترقي الذي أثار الشعب ضد السلطان عبد الحميد لتهيئة الفرصة لعمل الجمعية، وهو ذاته الذي باع ليبيا لإيطاليا بعد أن خان دولته العثمانية نظير رشوة من الإيطاليين.
وهناك أسماء أخرى كثيرة من يهود الدونمة برزت في شتى فروع الحياة في تركيا منها (محمد جاويد) وزير المالية في عهد الاتحاد والترقي، و(نزهت فائق) وهو أيضًا أحد وزراء مالية العهد ذاته، و(مصطفى عارف) أحد وزراء الداخلية في عهد الاتحاد والترقي، ومصلح الدين عادل، وكان مستشارًا لوزارة التعليم، وأحد أساتذة الحقوق.
ومن أبرز عائلات الدونمة في تركيا الآن عائلات قبانجي، وكبار، وإيبكجي وهذه الأخيرة لها إمكاناتها الضخمة في الحياة الإعلامية في تركيا.
ومن خلال هذه السيطرة المالية والاقتصادية والإعلامية لعب اليهود وبصفة خاصة يهود الدونمة دورًا فعلًا في الأحداث السياسية خلال فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني وما تلاها.