إميل دور كايم ونظرية العقل الجمعي:

إميل دور كايم ونظرية العقل الجمعي:
فرنسي تخصص في علم الاجتماع (1858-1917م) بل ويعتبر المؤسس الثاني لهذا العلم بعد أستاذه الفرنسي "أوجيست كونت".
من مؤلفاته: تقسيم العمل في المجتمع، وقواعد المنهج الاجتماعي، الانتحار، والأشكال الأولية للحياة الدينية.
أراد هدم الدين والأخلاق، إذ زعم في فلسفته العقل الجمعي أن العقل المشترك للجماعة الواحدة هو مصدر الدين والأخلاق والموجه لكل فرد والمكون لأفكار الأفراد ومذاهبهم، وبناء على ذلك يتم تفسير الظواهر الاجتماعية تفسيراً مادياً لا يعترف بالله مع إنكار الغيب، وأن الإنسان يكون أسيراً لأحكام العقل الجمعي مسلوب الإرادة والحرية الفردية.
وأن العقل الجمعي دائم التغيير يُحل اليوم ما كان حرمه بالأمس والعكس كذلك دون ضابط ولا منطق ولا معقول؛ فلا يمكن بمقتضى سلطان العقل الجمعي المتغير تصور ثبات شيء من القيم إطلاقاً، فلا الدين ولا الأخلاق ولا سائر القيم لها ثبات بل هي متغيرات بسلطان العقل الجمعي – كم يزعم – .
أما دراسته للدين فيرى أن أفضل ما يمثله ما يسميها المجتمعات البدائية التي أقام عليها دراسته في استراليا، وأن عبادة ما سماه "بالتوتم" أو النصب بدأت من العقل الجمعي من خلال اجتماع هذه القبائل في احتفالاتها الدينية والتي يمارس فيها الجماعة طقوسها تحت إيقاعات الطبول ولحن المزامير والصيحات المنكرة، ويركزون خلال ذلك الحفل الصاخب السارية التي تمثل العشيرة أو الطوطم وينتهي ذلك الحفل بانتهاك سياج المحرمات الجنسية، وهكذا –كما يعتقدون- يكون الاجتماع هو مبدأ التدين وغايته، وتكون الجماعة إنما تعبد نفسها من حيث لا تشعر.
تعتبر نظريته امتداداً للمذهب المادي الماركسي المنكر للإله وللوحي من جانب وامتداداً للنظريات التطورية عند "سبنسر" و"دارون" وأستاذه "أوجيست كونت".
  q   يزعم أن الدين ظاهرة اجتماعية صدرت عن المجتمع بل المجتمع هو الإله وبناء على هذا التفسير فالدين ظاهرة اجتماعية يطرأ عليه التغيير والتأثر بأي عامل من العوامل المؤثرة في المجتمع.
  q   ويدعي أن المجتمع يفرض قهراً اجتماعياً على الأفراد وأن الفرد مسلوب الإرادة بل حيوان خاضع للجبرية الاجتماعية فيلغي بذلك الإرادة الفردية، والحرية الفردية، والمسئولية الفردية.
  q   ينكر ربانية الأخلاق وفطرية الدين والأسرة والزواج ويدعو إلى تحطيم القيود الأخلاقية إذ ليس لها وجود في نفسها وإنما هي من تشكيل المجتمع، ولكل مجتمع إطار من الضوابط الأخلاقية تخصه لا تصلح لغيره نشأة عن المجتمع نفسه.
من الآثار الهدامة لهذه النظرية:
1ـ الترويج للإلحاد ومحاربة الدين وقداسته.
2ـ سلب الإرادة الفردية والمسئولية الفردية مما يؤدي إلى تبرير التصرفات والسلوكيات الفردية الخاطئة وتحرير الأفراد من تبعية أفعالهم.
3ـ بدعواه أن المجتمع هو الذي يخلق الأديان والعقائد والقيم فيه حط من قيمتها ومن مكانتها وأهميتها فبذلك يدعو إلى الزعم بأن الإلحاد والانحلال الخلقي أمر حتمي في كل مجتمع وقابل للتغيير من مجتمع إلى آخر.
4ـ انتقال الآثار الهدامة لهذه النظرية إلى طائفة من علماء الاجتماع المسلمين في تفسيرهم للظواهر الاجتماعية واعتبار الدين أحد هذه الظواهر الاجتماعية كما يزعمون، لذا تصبح النصوص الإلهية والثوابت الدينية قابلة للنقد والاعتراض.
5ـ يظهر التشابه فيما يدعيه أصحاب الفكر العلماني في مجتمعاتنا من الدعوة إلى نقد المقدس وهجر الموروث كما يسمونه، وذلك من خلال استعراض مقولات دور كايم حول الإصلاح الأخلاقي فيقول:"إن علينا أن نصنع أخلاقاً لأنفسناً.. إنه لكي نستطيع إصدار حكم سليم على الأخلاق ونعطيها حقها الواجب من الفهم فعلينا أن ننطلق من معطيات الحاضر… إن الإصلاح الأخلاقي في المجتمع لا يتم إلا بالإلغاء التدريجي لنظام الميراث".
1ـ ويظهر الأثر الكبير لفكر دور كايم في المجتمعات العربية من خلال ترجمة كتبه على يد علماء الاجتماع المنبهرين بفكرة هذه المدرسة الفرنسية، بل وأصبحت مفاهيم هذه النظرية تدرس في المدارس والجامعات العربية على أنها مسلمات وحقائق لا تقبل النقاش، ومن أراد الاطلاع على أثر هذه المدرسة في العالم العربي فليرجع إلى كتاب: علماء الاجتماع وموقفهم من الإسلام، للدكتور: أحمد إبراهيم خضر أستاذ علم الاجتماع في جامعة الملك عبد العزيز سابقاً، والكتاب من إصدار المنتدى الإسلامي، لندن.
2ـ والقول بسلب الإرادة الفردية والمسئولية الفردية، زعم يبطله ما جاءت به الشرائع الإلهية من إقرار حرية الإرادة الإنسانية ومسئولية الفرد عن أعماله، ففي باب حرية الإرادة الإنسانية تقرر الآيات تلك الحقيقة قال تعالى: ]وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ[. البلد 10   وقال تعالى]إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراوَإِمَّا كَفُوراً[. الإنسان 3
 وقال تعالى:
]فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ[. الكهف 29
وفي نفس المسار يؤكد الله تعالى على تحمل الشخص نتاج عمله، وأنه مسئول عن أفعاله قال تعالى: ]إنما تجزون ما كنتم تعملون[. الطور 16
وقال تعالى: ]فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره[. الزلزلة 7،8
 ومنهج أهل السنة منهج الوسط والحق في باب أفعال العباد بين المرجئة الذين سلبوا الإنسان حرية الإرادة وبين المعتزلة الذي زعموا أن الإنسان خالق لأفعاله.

نقد نظرية إميل دور كايم في تصوره لنشأة الدين:
خلافاً لمعظم التصورات الوضعية لنشأة الدين سواء كانت نظرية إميل دور كايم أو أوجيست كونت، أو النظرية التطورية أو الطبيعية أو غيرها من النظريات الغربية فإن الإسلام يبدأ بالاعتراف بفطرية الدين في النفس الإنسانية منذ أن أخذ الله الميثاق على الإنسان ]وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى[. الأعراف 172
وإن من عناية الله ورعايته أن لم يترك أمة من الأمم تجتهد في التعرف على معبودها بنفسها كما تزعم النظريات الغربية بل أرسل إليهم رسلاً مبشرين ومنذرين قال تعالى: ]وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ[. [فاطر: 24].
وكان من عدل الله تعالى ورحمته أن لا يعذب العباد  إذا حادوا عن شرع الله حتى يبعث فيهم رسولاً قال تعالى: ]وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً[. [الإسراء:15].
ولقد كانت مهمة الأنبياء والمرسلين دعوة الناس إلى التوحيد ونبذ الشرك قال تعالى: ]وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[. النحل 36
وما حدث من عبادة الأصنام أو الطوطم كما عند "دور كايم" أو أي معبودات أخرى من دون الله إنما هو انحراف عن التوحيد وتمرد وعصيان بعد أن بلغتهم الرسل بدعوة الحق، ولم يكن ذلك الانحراف هو الأصل الذي كانت عليه عبادة الناس في قديم الزمان كما تزعم تلك النظريات.
ولقد كانت العناية الإلهية والتكريم الإلهي للإنسان منذ أن خلق آدم عليه السلام لا كما يزعم أرباب تلك النظريات بأن الإنسان لم يصل إلى ديانة التوحيد إلا بعد اجتيازه أطوار الحياة البدائية –كما يدعون- فالعناية الإلهية والتكريم لهذا الإنسان منذ أن خلق آدم عليه السلام واهبطه إلى الأرض قال تعالى: ]قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ[. البقرة 38
فلم يترك الإنسان سدى كما أخبر الله تعالى بذلك قال تعالى: ]أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى[. [القيامة: 36].
وقال تعالى: ]أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)[. [البلد: 8-10].
وقد أخبر الله تعالى أن الأديان من عند الله تعالى وأنها وحي منزل من الله إلى أنبيائه ومنبعها واحد، وأنها جاءت جميعها بالتوحيد وأن الدين عند الله الإسلام ]إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ [.  آل عمران 19.
فهذا هو الدين الحق وهذا هو المصدر الإلهي للدين الذي ينكره الملحدون من أرباب تلك النظريات الوضعية