السفر

السفر :
ويمكن اعتبارالسفر من العوارض المكتسبة لأنه يقع تحت إرادة الإنسان واختياره .
 والمقصود به  لغة : خلاف الحضر، ويعني الذهاب والمجيء [1] ، فهو قطع المسافة .
 وفي الشرع : هو الخروج على قصد المسير إلى موضع بينه وبين ذلك الموضع مسيرة ثلاثة أيام سيراً وسطاً ، بسير الإبل ومشي الأقدام[2] .
وقال الغزالي في بيان حدّ السفر : الانتقال مع ربط القصد بمقصد معلوم [3] .
 فالهائم على وجهه الذي خرج ولا يدري أين يتوجه ، لا يسمى مسافراً .

فرع : أثر السفر على الأهلية :
لا يُنافي السفرُ شيئاً من الأهلية  لبقاء القدرة الظاهرة والباطنة بكمالها ، فهولا يمنع التكليف وتعلق الخطاب [4] ، ولا يمنع وجوب شيء من الأحكام نحو الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها ، إلا أنه لما كان مظِنّة المشقة فقد جعله الشارع من أسباب التخفيف بنفسه مطلقاً من غير نظرٍ إلى كونه موجباً للمشقة أو غير موجب لها ، حتى لو كان سفرَ معصية [5] ، فيُرخص للمسافر بقصر الصلاة الرباعية فيصليها ركعتين ، ويكون ظُهْرُه كفَجرِه من غير أن يُطالَبَ  بقضاء ما ترك من الركعات [6] ، ويرخص له بتأخير امتثال خطاب الصوم إلى ما بعد رمضان أخذاً من قوله تعالى : { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } (  البقرة184 ) ، [7] ويمسح على الخفين ثلاثة أيام ، كما يُرخص للمسافر بالجمع بين صلاتي الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء .
ولا أثر للسفر على أهلية الوجوب ، فيثبت للمسافر الحقوق كلها ، وتثبت عليه الواجبات التي تتعلق بحقوق العباد ، ولكن الشارع الحكيم جعل السفر ظرفاً مخففاً عن المسافر ، فرخص له التخفيف في العبادات ـ كما سبق بيانه ـ بأن أسقط عنه جزءاً من بعضها دون مطالبة بقضائه ، وأذن له في تغيير زمن أداء بعضها ، مع بقاء التزاماته تجاه العباد على ما كانت عليه ، فلا تسقط عنه النفقات الواجبة ، ولا أجل الديون ، ولا أثر له على الزكاة من حيث مقدارها أو زمن أدائها .
الخطأ  :
وهو صدور فعل أو قول من الإنسان دون إرادة منه وقصد . 
وحد الخطأ  : قصد فعل على تحري الصواب فوقع غير صواب بلا قصد منه إلى الخطأ . ولهذا كان الخطأ ضد العمد ، والمخطئ كالناسي الذي لم يقصد ترك ما أُمر به [8] .
ومنهم من عرفه بأنه : ما أراد الرجل غيره ففعله لا عن قصد منه إليه [9] .
وإنما صار الخطأ من العوارض المكتسبة لأنه نشأ من عدم التثبت الذي هو تقصيرٌ وتركُ الاحتياط عند مباشرة العمل ، فيقع الفعل على خلاف ما قصد المخطئ ، وقد يحدث منه فعل دون أن يقصد إيقاع فعلٍ أصلاً ، كما لو تمضمض الصائم بقصد الوضوء فدخل الماء إلى جوفه ، أو رمى صيداً بسهم فأصاب إنساناً فقتله .

المطلب الأول :  أثر الخطأ :
لا تأثير للخطأ على الأهلية بنوعيها الوجوب والأداء لوجود الحياة المستقلة في المخطئ ، وتحقق البلوغ والعقل ، إلا أن الشارع الحكيم جعله عذراً صالحاً للتخفيف عمن صدر منه ، ويُنظر إلى ذلك من وجهين :
الأول : من حيث الإثم : فلا إثم على من أخطأ ، وهو مدلول قوله تعالى : {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } (  الأحزاب5 ) ، وقوله تعالى حكاية عن آدم u : {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } (  طه115 ) ، أي قصداً بليغاً [10] ، ويُفهم منه أن آدم u لم يكن يقصد معصية الله سبحانه وتعالى .
الثاني : من حيث ضمان المتلفات :  لا يُعدّ الخطأ عذراً في سقوط حقوق العباد ، فلو أتلف مال إنسان خطأً كمن رمى صيداً فأصاب شاة لغيره ، أو أكل مالاً ظاناً أنه ماله فتبين أنه مملوك لغيره ، فالواجب عليه ضمان ما أتلف ، لأن المال الذي أتلفه معصوم ، وحصول الخطأ لا يُلغي هذه العصمة .
ولمّا كان الصبي والمجنون والسكران والنائم ملزمين بضمان ما أتلفوا من حقوق العباد ، فالمخطئ البالغ العاقل أولى بالالتزام ، وإلا تجرّأ بعض الناس فأتلفوا أموال غيرهم ثم ادعوا أن ذلك كان خطأً بلا قصد ، وعندئذ تضيع الحقوق ويسود التهارج .
فالدية في القتل الخطأ واجبة حقاً لأولياء المقتول ، وهي من حقوق العباد ، ووجب على القاتل الكفارة [11] ، ولم يُجعل الخطأ عذراً في سقوطها لأن المخطئ لا يخلو من التقصير وترك التثبت ، ولذلك قال الله عنها " تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ " ولا بد أن تكون التوبة من ذنب وقع ، والأصل أن يؤخذ المرء بذنبه ، ولكن لعدم القصد خفف الله عنه ، وهذا من رحمة الله بالخلق ولطفه بهم .
أما حق الله تعالى :  فإن الخطأ يعتبر عذراً صالحاً لسقوط حق الله تعالى إذا حصل عن اجتهاد ، كمن اجتهد في تحديد القبلة وصلى صحت صلاته ، ولا إثم عليه حتى لو أخطأ في تحديدها .
ومن اجتهد في الفتوى واستفرغ  وسعه ، وبذل جهده في تحري الحق لا يأثم ، وله نصيب من الأجر .
ومن زُفت إليه امرأة وظنها زوجته فوطئها ثم تبين أنها ليست زوجته فلا إثم عليه ، ولا يُحدّ للزنى ، مع أن إقامة الحدود حق لله تعالى لا تقبل الإسقاط .





[1] ) ابن منظور ، لسان العرب 4 / 367 0
[2] ) البخاري ، كشف الأسرار 4 / 514 ، التفتازاني ، التلويح على التوضيح 2 / 193 0
[3] ) الغزالي ، الوسيط في المذهب 2 / 2430 0
[4] ) ابن أمير الحاج ، فواتح الرحموت 1 / 1640 0
[5] ) هذا ما ذهب إليه الحنفية ، وقال الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة بأن الرخص لا تُناط بالمعاصي ،
    قال صاحب مسلم الثبوت : " سفر المعصية لا يمنع الرخصة عندنا خلافاً للأئمة الثلاثة " 0
     البخاري ، كشف الأسرار 4 / 621 ، ابن أمير الحاج ، فواتح الرحموت 1 / 164 ، الغزالي ، الوسيط في المذهب  
     2 / 251 ، الحصني ، كفاية الأخيار / 136 0
[6] ) ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن السفر مسقط لشطر الصلاة من ذوات الأربع حتى لم يبق الإكمال مشروعاً أصلاً ، فالقصر عزيمة لا رخصة ،  وذهب الشافعي إلى أن حكم السفر ثبوت حق الترخص له بأن يصلي الرباعية ركعتين إن شاء كما الحال في الإفطار ، ويترتب على ذلك أنه إن فاتته صلاة رباعية في السفر فقد وجب قضاؤها أربعاً كما فاتت 0
   البخاري ، كشف الأسرار 4 / 614 – 615 ، الماوردي ، الحاوي الكبير 2 / 453 ، الغزالي ، الوسيط في المذهب  2 / 251 ،  الحصني ، كفاية الأخيار / 136 0
[7] ) المسافر والمريض مأموران بصوم رمضان ، مخيران بينه وبين صوم غيره ، وذهب بعض المالكية إلى أن المسافر مخاطب بالصوم دون المريض ، وقال أبو الحسن الكرخي من الحنفية بأن المسافر والمريض غير مخاطبين بالصوم 0
انظر ، الباجي ، الإشارة في معرفة الدليل / 1730 0
[8] ) الدبوسي ، تقويم الأدلة / 435 0
[9] ) المنبجي ، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب 2 / 688 0
[10] ) الغزالي ، المستصفى 1 / 98 0
[11] ) كفارة القتل خطأ هي : تحرير رقبة مؤمنة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، ودليل ذلك قوله تعالى  : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً } (  النساء92)  0