الفكر التربوي


يمثل الفكر التربوي الإطار النظري، لما يحتاجه المجتمع في بناء نظامه وبرامجه التربوية ووضع أسسها وقواعدها ويشير (الكيلاني) إلى أن النمو الحضاري والنمو الفكري يسيران جنباً إلى جنب، وما الفكر التربوي إلاّ نتاج حضارة عريضة، امتدت على مدار أربعة عشر قرناً من الزمان وقد استمد قوته وحيويته من الدين واستطاع الفكر التربوي الإسلامي، أن ينتج الإنسان الصالح القادر على التكيف مع واقعه(1) .
وتأتي دراسة الفكر التربوي الإسلامي، في كل مرحلة من مراحل التاريخ، لتمكن الدارس من الوقوف على أفضل الأساليب وأجداها، في إعادة صياغة عقلية الإنسان المسلم في ضوء التغيرات، بدلاً من الوقوف جامداً، حيال ما يجري حوله من أحداث(2) .
وقد حوى القرآن الكريم إطاراً عاماً للمعرفة والقيم وتصورات أساسية عن المجتمع وغير ذلك(3)، وكان للقرآن الأثر الكبير، في إعلاء قيم المسلمين وترقية فكرهم وأخلاقهم وضبط سلوكهم وتوجيههم نحو التأمل والتدبر سعياً إلى اكتشاف المجهول، مما أثرى الحياة الفكرية .
وعلى الرغم من أن لكل مجتمع من المجتمعات، فكره التربوي الخاص به وأن ما يصلح لمجتمع لا يصلح لآخر، إلا أن المتفحص لمناهجنا التربوية في العالم العربي يجدها - في كثير من جوانبها – متأثرة بالفكر الغربي(4) .
وقد نتج عن ذلك معاناة الواقع التربوي العربي والإسلامي، من الازدواجية الخطيرة، الناتجة عن التبعية وفقدان الأصالة والذاتية، التي ولّدتها العلمانية في جميع مظاهر الحياة واتخذت لها أبعاداً خطيرة، أدت إلى الثنائية والإنشطار في الكيان الاجتماعي والفكري(5) .
وخروجاً من دائرة التخلف والضعف الحضاري والتراجع في مجال الفكر التربوي، كان لا بد من إعادة النظر في تراثنا الثقافي، لنجد فيه ضالتنا ونستلهم منه عوامل نهضتنا من جديد .

الفكر التربوي : 
يقصد بالفكر "اسم لعملية تردد القوى العاقلة المفكرة في الإنسان، سواء أكان قلباً أو روحاً أو ذهناً بالنظر والتدبر، لطلب المعاني المجهولة أو الوصول إلى الأحكام أو النسب من الأشياء"(8) .
وعرف الفكر التربوي، بأنه عبارة عن جزء من فكر إنساني مبدع، يتسم بالديناميكية والتطور المستمر في ميدان التربية ويستند إلى تاريخ المجتمع وفلسفته وثقافته وصفاته وحاجاته(9).
ويُعرف الباحث الفكر التربوي هنا بأنه " جملة المفاهيم والآراء والتصورات والمبادئ التربوية المستمدة من الكتاب والسنة والاجتهاد الموافق لروح الإسلام، من خلال إعمال الفكر ".
وأما معالم الفكر التربوي عند سيد قطب فيمكن تعريفها إجرائياً بأنها " جملة من المفاهيم والآراء والتصورات المتضمنة في تفسير الظلال والمتعلقة بخصائص المنهج الإسلامي في التربية والطبيعة الإنسانية والقيم والتغير الاجتماعي والثقافي والأسرة المسلمة كوسيط تربوي وتربية الجماعة المسلمة".

منهج الدراسة : 

ثالثاً : خصائص المنهج الإسلامي في التربية كما يراها سيد قطب :
تناول قطب خصائص المنهج الإسلامي في التربية، بما يجسد نواحي الإعجاز التربوي في هذا المنهج الرباني المستمد من كتاب الله وسنة رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام ويمكن بيان أبرز هذه الخصائص، كما وردت في تفسير الظلال على النحو الآتي :
أ) الانطلاق من التصور العقائدي :
فالمنهج الإسلامي في التربية، يقوم على أساس إرساء التصور الاعتقادي وجعله المحرك الأول والأكبر في النشاط الإنساني(33) .
وتمثل العقيدة الإسلامية " أصل الحياة الكبير، الذي ينبثق منه كل فرعٍ من فروع الخير وتنطلق منه كل ثمرة من ثماره "(34) .
وقد جاءت السنة النبوية، لتؤكد على أهمية العقيدة في التربية، حيث كانت تربيته صلى الله عليه وسلم لأصحابه، مبنية على أسس عظيمة وأصول كبيرة أولها العقيدة الصحيحة التي حواها القرآن الكريم، بما فيه من الآيات التي تدعو إلى التوحيد(35) .
ولكي تؤتي التربية ثمارها فإن " المنهج الإسلامي في التربية، يربط بين العبادة وحقائق العقيدة في الضمير ويجعل العبادة، وسيلة لاستحياء هذه الحقائق وإيضاحها وتثبيتها في صورة حية، تتخلل المشاعر ولا تقف عند حدود التفكير وقد ثبت أن هذا المنهج وحده، هو أصلح المناهج لإحياء هذه الحقائق ومنحها الحركة في عالم الضمير وعالم السلوك وأن الإدراك النظري وحده لهذه الحقائق لا يحركها حركة دافعة في حياة الفرد ولا في حياة الجماعة "(36) .

ب) مخاطبة الفطرة الإنسانية بالآيات الكونية :
التربية بالآيات من أساليب التربية الإسلامية الفاعلة ويقصد بها " تربية عقل الإنسان وسمعه وبصره ومشاعره بالآيات، على حسن الإدراك وعلى الاستبصار واستخدام الحواس وإرهافها لتوصله إلى معرفة مسبب الأسباب ومعرفة الحق في كل النتائج والأسباب "(37) .
وقد لخص (النحلاوي) أهم أهداف التربية بالآيات في الآتي :
1- بيان الحق للإنسان وإظهاره له جلياً .
2- تقديم البرهان على توحيد الله بالألوهية والربوبية .
3- ترسيخ الإيمان باليوم الآخر .
4- تربية الإنسان على الخوف من الله والابتعاد عن المحرمات(38)
ويشير قطب إلى تميز المنهج الإسلامي في التربية، من حيث كونه " يخاطب الفطرة البشرية بآيات الله الكونية المبثوثة حول الإنسان في هذا الكون والتي يعلم سبحانه أن فيها لغةً مفهومة وإيحاءات مسموعة ولذا لم يلجأ المنهج القرآني إلى الأسلوب الجدلي العقيم، الذي جاء فيما بعد عند المتكلمين والفلاسفة، لأن الله يعلم أن هذا الأسلوب، لا يصل إلى القلوب ولا يدفع إلى حركة ولا يؤدي إلى بناء حياة "(39) .
ومن الملاحظ أن القرآن الكريم، يعرض مشاهد عديدة من الكون، ملفتة للنظر تغري الإنسان المتدبر بأن يبحث عن تفسير لها وتشعره بأن هناك دلالة ونتيجة تكمن وراء هذه المظاهر ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في قوله عز وجل: " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ " (البقرة، آية : 164) .
ويلفت قطب انتباهنا إلى أن " المنهج القرآني يكثر من الربط بين عبودية هذا الكون لله ودعوة البشر إلى الاتساق مع الكون الذي يعيشون فيه والإسلام لله الذي أسلم له الكون والذي يتحرك مسخراً بأمره، ذلك أن هذا الإيقاع بهذه الحقيقة الكونية، كفيل بأن يهز القلب البشري هزّاً وأن يستحثه من داخله، على أن ينخرط في سلك العبادة المستسلمة فلا يكون وحده نشازاً في نظام الوجود كله"(40).
ومن الشواهد على هذا الربط بين عبودية الكون لله ودعوة الإنسان إلى التماثل معها والسير في فلكها، ما جاء في قوله تعالى :
" الرَّحْمَنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الإِنسَانَ* عَلَّمَهُ الْبَيَانَ* الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ* وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ" (الرحمن
، الآيات : 1-6) وفي موضع آخر من كتاب الله الحكيم، تصويرٌ رائع للجبل الخاشع لله عز وجل " لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " (الحشر، آية: 21) .

ج) تنظيم دوافع الفطرة وعدم محاربتها :
ولد الإنسان مزوداً بدوافع تمثل " القوى المحركة التي تبعث النشاط في الكائن الحي وتبدئ السلوك وتوجهه نحو هدف أو أهداف معينة والدوافع تؤدي وظائف ضرورية وهامة للكائن الحي، فهي التي تدفعه إلى القيام بإشباع حاجاته الأساسية الضرورية لحياته وبقائه كما تدفعه إلى القيام بكثير من الأفعال الأخرى الهامة والمفيدة له في توافقه"(41) .
وقد أشار قطب إلى أن " الإسلام لا يحارب دوافع الفطرة ولا يستقذرها، إنما ينظمها ويطهرها ويرفعها عن المستوى الحيواني ويرقيها حتى تصبح المحور الذي يدور عليه الكثير من الآداب النفسية والاجتماعية "(42) وعلى سبيل المثال فإن الإسلام لم يكبت الغريزة الجنسية كما فعلت المسيحية وإنما عمل على ضبطها والفارق الأساس بين الكبت والضبط يكمن في " أن الأول عملية ضارة وأما الثاني فعملية واعية،فعملية الضبط لا تتعرض للشهوة في منبتها قبل أن تظهر في الشعور كما يصنع الكبت، لأن ذلك يحبس النشاط الحيوي عن منطقه الطبيعي، فالضبط يتولى عمله بعد أن تخرج الشهوة من ظلمات اللاشعور إلى الشعور وتكون مهمته أن ينظم مسارها وينظفها ويتحكم في القدر الذي يصرح به منها"(43).
ويعمل المنهج الإسلامي على تنظيم الدوافع وتوجيهها بما يحقق مصلحة الفرد والجماعة، من خلال توجيه الإنسان إلى إشباعها عن طريق الحلال المسموح به شرعاً كاللجوء إلى الزواج لإشباع الدافع الجنسي بدلاً من اقتراف الزنا، كما يؤكد الإسلام على تنظيم إشباع الدوافع بأسلوب معتدل بعيداً عن الإسراف(44) .

د) اعتماد أسلوب التربية بالعمل والممارسة والتجريب :
التربية الإسلامية في طبيعتها تربية عملية، تتحول بها الكلمة إلى عمل إيجابي وسلوك فاضل وقد حث الإسلام على الإيمان المقترن بالعمل الصالح ورغّب فيه " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً " (الكهف، آية : 107) .
ويؤكد قطب على أن منهج التربية في الإسلام، منهج واقعي عملي، لا منهج نظري معرفي، مهمته بناء نظرية وعرضها لذاتها(45).
ويقدم قطب تفسيراً تربوياً ونفسياً لطبيعة هذا المنهج في التربية بقوله : " فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية، لا تصاغ صياغة سليمة ولا تنضج نضجاً صحيحاً ولا تصح وتستقيم على منهج، إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب وتنقش في الأعصاب وتأخذ من النفوس وتعطي، في معترك الحياة ومصطرع الأحداث "(46).
ويكتسب أسلوب التربية بالممارسة والعمل أهميته من خلال كونه :
1- يؤدي إلى زيادة فهم التلاميذ لما تعلموه .
2- يحد من الملل الذي يصاب به التلاميذ من كثرة الدراسات النظرية داخل الفصول(47) .
3- ممارسة الشيء وتطبيقه، عامل قوي في حفظ المعلومة وصيانتها من النسيان ما أمكن(48) .
ومن الملحوظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم - في تربيته لأصحابه رضوان الله عليهم - كان يقرن بين العلم والعمل وقد جاء في الحديث الشريف الذي رواه أبو عبد الرحمن السلمي قال : " حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم كانوا يقترئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى، حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل قالوا : فعلمنا العلم والعمل "(49) .
وقد حذر بعض علماء التربية المسلمين، من الاستظهار الأعمى والحفظ الأصم للعلوم بلا تحليل وتطبيق ومن هؤلاء ابن الجوزي الذي أكد على التطبيق العملي والجمع بين العلم والعمل(50) .
ويذهب قطب إلى أن " الاتجاه التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الصناعية الأوروبية الحاضرة، لما ينشأ ابتداءً في أوروبا وإنما نشأ في الجامعات الإسلامية في الأندلس والمشرق، مستمداً أصوله من التصور الإسلامي وتوجيهاته إلى الكون وطبيعته الواقعية، ثم استقلت النهضة العلمية في أوروبا بهذا المنهج واستمرت تنميه وترقّيه، بينما ركد وترك نهائياً في العالم الإسلامي، بسبب بعده تدريجياً عن الإسلام "(51) .
ولم يُخفِ قطب إعجابه بطريقة المشروع المستخدمة في التعليم الغربي ورأى أنها يمكن أن تخرج بثروة علمية متنوعة، فضلاً عن كونها دراسة عملية لا تختلف كثيراً عن واقع الحياة وقد أوصى بتعديل الخطط والكتب المدرسية في مصر، بحيث تبتعد – قدر المستطاع – عن قاعدة الفصل بين المدرسة والحياة(52).
هـ) توجيه المسلمين إلى الانفتاح على الخبرات النافعة :
دعا القرآن الكريم المسلمين، إلى الانفتاح على التجارب والخبرات النافعة والاستفادة منها في تعديل سلوكهم وتطوير حياتهم، من خلال النظر في أحوال الأمم السابقة كما جاء في قوله تعالى : " أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَـاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ " (البقرة، آية: 214) .
وجاء في التوجيه النبوي الشريف " الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها فهو أحق بها "(53) .
وأشار قطب إلى اهتمام المنهج التربوي الإسلامي بتوجيه المسلمين إلى الانتفاع بخبرات وتجارب الآخرين ممن قبلهم وذلك من خلال قوله : " هكذا خاطب الله الجماعة المسلمة الأولى وهكـذا وجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها وإلى سنته سبحانه وتعالى في تربية عباده المختارين، الذين ينقل إليهم رايته وينوط بهم أمانته في الأرض"(54).
وما من شك في أن تجارب الآخرين القديمة، تعد من قبيل الخبرات غير المباشرة، التي يمكن أن تحقق درجة من التواصل الثقافي بين الأجيال، في حين يوفر أسلوب التربية بالممارسة والعمل الذي سبق الإشارة إليه خبرات مباشرة، وبذلك يوازن المنهج الإسلامي بين هذين النوعين من الخبرات مما يعني أنه يقدم محتوىً تربوياً ثرياً ومتنوعاً .

و) التدرج في معالجة السلوكات المنحرفة :
يشير قطب إلى " منهج القرآن العجيب وهو يأخذ بيد الفطرة الإنسانية خطوة خطوة ومرحلة مرحلة ويصعد بها – في هينة ورفق وفي حيوية كذلك وحرارة وفي وضوح وعلى بصيرة – درجات السلم في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة في المعرفة والرؤية وفي الانفعال والاستجابة وفي التكيف والاستقامة "(55) .
ويوضح قطب لنا القاعدة، التي يقوم عليها مبدأ التدرج في المنهج التربوي الإسلامي، فحينما يتعلق الأمر أو النهي بقاعدة من قواعد التصور الإيماني، فإن الإسلام يقضي فيها قضاءً حاسماً منذ اللحظة الأولى ولكن عندما ينطلق الأمر أو النهي بعادة أو تقليد أو بوضع اجتماعي معقد، فإن الإسلام يتريث ويأخذ المسألة باليسر والرفق والتدرج ويهيئ الظروف الواقعية التي تيسر الطاعة والتنفيذ(56).
ويضرب قطب مثالاً على استخدام التدرج، في معالجة العادات السيئة المألوفة، حيث بدأ القرآن بتحريك الوجدان الديني والمنطق التشريعي في نفوس المسلمين، بأن الإثم في الخمر والميسر أكبر من النفع، ثم كانت الخطوة الثانية بالنهي عن الدخول في الصلاة حالة السكر، إذ من المعروف أن المدمن يشعر بالحاجة إلى ما أدمن عليه من مسكر أو مخدر في الموعد الذي اعتاد تناوله فيه، فإذا تجاوز هذا الوقت بصورة متكررة، فترت هذه العادة وأمكن التغلب عليها، حتى إذا تمت هاتان الخطوتان، جاء النهي الجازم والأخير بتحريم الخمر(57).

رابعاً : مفهوم الطبيعة الإنسانية عند سيد قطب :
ما من شك في أن معرفتنا لطبيعة الإنسان وحقيقته ووعينا بخصائصه الفطرية، يساعدنا على التعامل معه بموضوعية وكفاءة ومن ثم يفتح الطريق أمام إطلاق طاقاته وتوجيهها، نحو بناء المجتمع القوي وقد شغل موضوع الطبيعة الإنسانية على مر التاريخ، مساحة واسعة من اهتمام الفلاسفة والتربويين، فجاءت آراؤهم متباينة وكان لسيد قطب اجتهاد وتصور خاص في هذا الموضوع يمكن تلخيصه فيما يلي :
أ) الفطرة الإنسانية مؤمنة في أصلها :
يُسلم قطب بأن " الفطرة البشرية في اصلها متناسقة مع ناموس الكون، مسلمة لربها إسلام كل شيء حي "(58)، وعبر عن هذا المضمون قوله تعالى : " فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ " (الروم، آية : 30) .
ويعتبر قطب " الدين حاجة فطرية في النفس البشرية، كحاجة الطعام والشراب لحفظ الذات وحاجة النسل لحفظ النوع سواء "(59) .
فليس الطعام والشراب والمسكن والجنس، هي كل مطالب الإنسان الأساسية، فهناك مطالب الروح وحرية الفكر والعقيدة وهي مطالب أساسية، بل هي أعلى في الاعتبار من مطالب الطعام والشراب والجنس، لأنها هي المطالب الزائدة في الإنسان على الحيوان وهي التي تعزز إنسانيته وبإهدارها تهدر إنسانيته(60) .
وهكذا تتميز نظرة قطب إلى حاجات الإنسان، عن كثير من نظريات علم النفس المعاصرة، التي تحدثت عن حاجات عديدة للإنسان، كالحاجة إلى الطمأنينة والحب المتبادل والحاجة إلى النجاح ، في حين أغفلت الحاجة إلى العقيدة والتدّين(61) .
ويؤكد قطب على مرونة الطبيعة الإنسانية وقابليتها للتشكيل والتعديل ويقدم تفسيراً منطقياً لذلك، بقوله : " إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحّدة، ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة بكل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته وفي العوامل والعناصر التي تتعامل معها "(62)
وعبر عن هذا المفهوم ما جاء في الحديث القدسي "وإنّي خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً "(63) .

ب) ازدواجية الطبيعة الإنسانية :
ينظر قطب إلى الطبيعة الإنسانية، على أنها مزدوجة من حيث كون الإنسان خلق من عناصر الطين اللزج المتحول إلى صلصال ثم من النفخة العلوية التي فرّقت بينه وبين سائر الأحياء ومنحته خصائصه الإنسانية ولا انفصال بين هذين العنصرين في تكوين الإنسان(64).
وبناءً على هذه التركيبة، يدرك المنهج الإسلامي ضعف المخلوق البشري الذي تهبط به ثقلة الجسد أحياناً إلى درك الفاحشة وتهيج به فورة اللحم والدم فينزو نزوة الحيوان في حمى الشهوة وتدفعه نزواته وشهواته ورغباته إلى المخالفة عن أمر الله في حمى الاندفاع، فالإسلام يدرك ضعفه فلا يقسو عليه ولا يبادر إلى طرده من رحمة الله، فهو يعلم أن فيه بجانب الضعف قوة وبجانب الثقلة رفرفة وأشواق ربانية، فهو يعطف عليه في لحظة الضعف ويأخذ بيده إلى الصعود ويربت عليه في لحظة العثرة(65) .
ومن قبيل الازدواجية في الكائن البشري، أنه مزود باستعدادات متساوية للخير والشر والهدى والضلال، بحكم تكوينه من طين الأرض ونفخة الله فيه من روحه وهو مع ذلك قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شر(66) وتتفق هذه النطرة، مع ما ذهب إليه (الغزالي) الذي أكّد على أن الطبيعة الإنسانية فيها فطرة طيبة تهفو إلى الخير وتُسر بإدراكه وتأسى للشر وتحزن من ارتكابه وترى في الحق امتداد وجودها وصحة حياتها وفيها إلى جوار ذلك، نزعات تشرد بها عن سواء السبيل وتزين لها فعل ما يعود عليها بالضرر(67) .
كما تختلف هذه النظرة الإيجابية إلى الطبيعة الإنسانية، عن نظرة بعض الفلسفات والمدارس الفكرية، التي تعتبر الإنسان محاطاً بالخطيئة منذ قدومه إلى هذا العالم(68) .
ويتحدد اتجاه الإنسان نحو الخير أو الشر – كما يرى قطب – بناءً على مدى استثماره للقوة الواعية المدركة في داخله والتي تناط بها التبعة، فإن استخدم هذه القوة في تزكية نفسه وتطهيرها وتنمية استعداد الخير فيها وتغليبه على استعداد الخير فقد أفلح ومن أظلم هذه القوة وخبأها فقد خاب(69) وهذا ما ينسجم مع التوجيه القرآني " قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا " (الشمس، الآيتان : 9، 10) .

ج) أسباب فساد الفطرة وانحرافها :
يتحدث قطب عن فساد الفطرة وانحرافها ويعلل ذلك بخروج الإنسان بنظام حياته عن قاموس الكون وخواء حياته من منهاج الله الذي ينسق حركة الإنسان والكون الذي يعيش فيه ومن ثمّ يعاني من خواء الروح والشقاء والاضطراب(70) .
ومن الأسباب المسئولة عن فساد الفطرة الإنسانية، الخوض في المتاع طويلاً والترف الذي يفسد القلب ويبلد الحس وينتهي إلى ضعف الحساسية بالله وانطماس البصيرة(71) .
وتلعب الجاهلية دوراً كبيراً في إفساد الفطرة الإنسانية، لكونها تمسخ أذواق الناس وتصوراتهم وموازينهم وتعريهم من التقوى والحياء، إذ تجعل العُري الحيواني تقدماً ورقياً والستر الإنساني تأخراً ورجعية وليس بعد ذلك مسخٌ لفطرة الإنسان وخصائصه(72) .
ولكون الإنسان – بطبعه – شديد الحب للمال والمتاع وأغراض الحياة الدنيا، فإنه لا ينصلح حاله ما لم يخالط الإيمان قلبه فيغير من تصوراته وقيمه واهتماماته ويحيل كنوده وجحوده اعترافاً بفضل الله ويريه القيم الحقيقية التي تستحق الحرص والتنافس والكدح، فالإنسان بغير إيمان يبقى صغير المطامع صغير الاهتمامات مرتكساً في حمأة الأرض، سجيناً في سجن الذات، لا يرفعه إلا الاتصال بعالم أكبر من الأرض وأبعد من حياة الدنيا، عالم يعود إلى الله الأبدي وتتصل فيه الدنيا والآخرة بلا انتهاء(73) .
وجاء في التوجيه النبوي الشريف، إشارة واضحة إلى أثر الإيمان الكبير في استقامة الإنسان والحفاظ على الفطرة من الانحراف حيث روي "عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسال عنه أحداً بعدك قال : قل آمنت بالله ثم استقم"(74).
وفي ضوء ما سبق ينبغي أن تنطلق العملية التربوية في مدارس المسلمين من عقيدة الإيمان باعتبارها الأساس الأول في تربية الفرد والحفاظ على فطرته سليمة نقية في ظل عالم يموج بالأفكار والأيديولوجيات المنحرفة عن منهاج الله عز وجل .