نقد الخطاب الديني

نقد الخطاب الديني
أصبح نقد الخطاب الديني –كما يقول نصر حامد أبو زيد- مطلباً معرفيا ملحاً بالنسبة للدارسين[1]؛ فرواية " يحيى" تضعنا وجهاً لوجه إزاء سيف التكفير المسلط على كل من يحاول أن يفكر تفكيراً علمياً في فترة تاريخية  بات فيها التغيير ضرورة ملحة, وذلك ما تظهره الرواية حين تلقي الضوء على مرحلة من مراحل الأمة العربية تأزمت فيها الأوضاع على كل الصعد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية. وهي الأوضاع التي تحتم بالضرورة نمطاً من الكتابة يناقش المبرر التاريخي لمطالب تجديد الفكر الديني. ومن هنا تختار هذه الدراسة رواية " يحيى" بما تطرحه من رؤى تجديدية في إطار الفكر الديني, وبما تدعو إليه من ضرورة في إعادة النظر في ما اعتبر مسلمات فكرية وعقيدية ينطلق منها الخطاب الديني. ولا يخفى على متابع للخطاب العربي الآن أنه يعيش أزمة مقلقة تستدعي تحليلاً نقدياً, يستعين بكل بؤرة ضوء متاحة بغرض التفاعل معها أولاً, ومن ثم تقويتها[2].
تزخر هذه الرواية بديناميكية عالية على أكثر من مستوى, وهي الديناميكية الي ستتخذها الدراسة محركاً أساسياً في تحديد محاورها الرئيسية, بدءاً من التحول المكاني الذي برز محدداً رئيسياً في تحديد معالم فصولها, وهو ما واكبه تحول داخلي نفسي على صعيد الفكرة والمكون النفسي لأكثر شخوصها, وإن كنا بالضرورة سنركز على بطلها الرئيسي يحيى, الذي صارع الحياة من أجل البقاء ليبقى, وتحقق له ذلك حتى بعد أن اتخذت المؤسسة الرسمية قراراً بتصفيته. وهو ما يقحمنا على نحو حتمي بممارسة نقدية تطيح بقاعدة اللاتدخل التي كانت تحرم على دارسي الإنسانيات التعامل مع أسئلة السياسة والسلطة ومع ما هو صلب في حياة الناس في زمنهم الحاضر[3], وإن كنا هنا نتناول رواية تاريخية تعود بنا إلى الفترة الممتدة بين الربع الأخير من القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر, أي أربعة قرون إلى الوراء, فإن هذا يعني بالضرورة بحثاً عن ماض قابل للاستخدام في الحاضر, مذكرين بقولة جوتة بأن التاريخ البشري يحتاج إلى من يعيد كتابته من وقت لآخر, مما يجعل التاريخ نصاً قابلاً للتجدد[4].
في صفحاتها الأخيرة, تفصح لنا الروائية بأن الكركي لم يكن مهماً في صيرورة الحياة ولا ترك وراءه أقوالاً وأمثالاً, ولا أقيم له مقام أو زاوية, انتهى ذكره تماماً, إلا شذرات لا وزن لها, تمر خفيفة بين أرتال الكلام منسية لا يقرأها أحد. وأنه لسبب ما اختارها وأغواها وشدها إلى قلمها وهي في بدايات القرن الواحد والعشرين[5]. ونقول في هذا الشأن: إن اختيار الكاتبة ليحيى بطلاً لروايتها يتضمن تحدياً لكل نظام تاريخي يقصي المنشقّ والمختلف بالرأي، وهي بهذا تنحاز إلى سياق أدبي يسعى لاكتشاف الإنسان بدلاً من إسكاته، ويبث الشك حول ما يبدو مُطَمْئِناً في يقينيته. وهو ما يبدو منسجماً وقولة أراغون الشاعر الفرنسي المعروف من أن التاريخ يُكتَب في الأغلب من وجهة نظر المنتصرين، بينما يتطرق الأدب في بعض نصوصه لمقام المهزومين[6]. وهو ما يعطي الرواية وفقاً لستيفن كرينبلات سمتها الأخلاقية حين تكشف عن منطقة من الوجود كانت مجهولة[7]. خصوصاً أن الرواية تتحدى وبشكل ملحوظ معتقدات بعينها قامت لترسيخ علاقات الهيمنة والخضوع, عبر خطاب نفعي يقصي المنشقّ والمختلف في الرأي بوصفه تابعاً لإبليس، ويتوسل لذلك أشخاصاً توهموا أن من حقهم قتل الآخرين باسم الحق الإلهي, مستثمراً سلطة خادعة تجعل الآخرين يعتقدون أن جهة ما تمتلك السر الذي يمنح من يمتلكه موقعاً استثنائياً، وهو ما يعكس ثقافة مريضة لا تقبل الاختلاف في الرأي، وتتكئ على وعي يتعلق بدور الإنسان داخل عالم غير قابل للفهم. وتصبح الحقيقة بحسب ما تقدّم هبة إلهية من السماء، لمن ينفذ أوامر إلهية تبعثه من جديد، بل تمنحه جزءاً من هذه الألوهية[8].
كذلك لا يفوتنا ونحن نعلق على هذا الاختيار أن نقول إن المصادر التاريخية تجتزئ الأخبار, والكاتبة في أكثر من موقع تحيل إلى المصدر التاريخي الذي استقت منه, ويبدو من المنطقي القول إنها تناولت قبساً ما أشار إليه المصدر التاريخي, أو أعطاها خيطاً منه, فالتقطته وأضفت عليه أبعاداً مركبة ليأخذ شكله الواقعي, ويستوي أمامنا نموذجاً إنسانياً, ومن هنا طالعنا عن كثب يحيى التاريخي الذي تحول بفعل الإبداع حقيقة فنية ضمن وسائط فنية مشروطة, خضعت للخيال والابتكار, دون أن تكون بديلاً عن المادة التاريخية.
تنقسم الدراسة إلى محاور ثلاثة متتالية: تصب جميعها في الغاية الرئيسية الساعية إلى رصد التوسيع والانغلاق في الخطاب الديني. أول هذه المحاور هو التطواف الفيزيقي وأثره في التطور الروحي. وهو ما ستظهره الدراسة عاملاً قوياً في تشكيل بنية خطابية منفتحة, قبالة بنية أخرى سمتها التضييق والانغلاق. ثانيها: حوارية الخطاب الديني, وهو ما يصب مباشرة في عنوان الدراسة, وفيه محاولة لرصد محوري الخطاب الديني بالتحليل والأمثلة التي تدلل على تجاذب خطير يعكس إلى درجة كبيرة رؤى ومصالح خاصة بأنظمة ومؤسسات, دأبها منذ الأزل الحفاظ على أنماط متشابهة متكررة لأغراض ومصالح خاصة. يحضر المحور الثالث؛ البنية الفنية ليسلط الضوء على ما يجعل نصنا قيد الدراسة فناً وأدباً؛ وهو ما اقتضى رصداً لجملة من المعالم الفنية تدخل في إطار شحنات جمالية ما فتئت أن تكون وسيلة الأديب في التأثير على متلقيه.
نلمس في هذه الرواية توسلاً لعنصري الرحلة والتاريخ, وهو أمر بات شائعاً في أكثر من رواية عربية, بل إننا نستطيع أن نقول إن هذه الرواية في بنيتها السردية هي خير ممثل على القول إن الرحلة هي إحدى أمهات الأشكال الكبرى للأدب, وتدعم بشكل لافت رأي شكلوفسكي أن الرواية منحدرة من التاريخ ونصوص الرحلات. وفي هذا السياق برز في هذا النص السردي تعالق بين الروحي والترحال, فجاءت الرواية تدويناً لرحلة البطل يحيى, وهي الرحلة التي طوَف من خلالها في أكثر من بقعة جغرافية, كان لها وقعها الخاص عليه في اكتشاف الكون والعالم والإنسان على نحو خاص[9].
تتوزع أحداث الرواية عبر فصول ستة, يواجه يحيى خلالها تحديات كبرى, على أكثر من صعيد. في الفصل الأول الذي يمتد في الفترة ما بين 1575-1591 في جلجول, يبرز التحدي الأول مع الطبيعة, حيث الجراد, والأمراض, والأوبئة, ومحاولة التصدي لها من خلال أنواع العشب والنباتات, أو حتى بالاستعانة بمعتقدات خاصة رسخت في ذهن أهل جلجول من مثل؛ منع النسوة الحوائض من ولوج الخيمة على النفساء حماية لها من شرور الولادة. كذلك يأتي المشخص( عملة ذهبية يعتقد بإمكانيات سحرية لها) ليلعب دوراً خاصاً على المستويين الثقافي والفني معاً, يبدأ منذ الفصل الأول ويمتد إلى النهايات حيث الفصل الأخير الذي نشهد فيه لحظات قطع رأس يحيى. ونبقى في هذا الفصل, أي الأول من الرواية  مشدودين قبالة مريم أخت يحيى التي اجترحت معجزة الإبقاء على حياة شقيقها. يقول عيسى والدها في سره: " سبحان رب العباد, سيعيش, نعم, أما سميته يحيى! سيحيا, سيحيا"[10]؛ فمريم كما يقول الحلاق الشلبي:"...البنت قادرة, لم تترك عسلاً ولا سمناً ولا حليباً إلا أحضرته للولد, الجميع يقاسمونها ما لديهم, إذا عاش الولد, فإنه ليس ابنها وحدها, هذا اليتيم ابن جلجول والكرك كلها"[11].
لم تقتصر التحديات التي يواجهها يحيى على عوامل بيئية طبيعية؛ ففي الفصل الأول أيضاً يبرز البشر عاملاً آخر في ظل فترة زمنية برز فيها الاستبداد التركي, وكانت أولى هذه الإطلالات حين اختفت أم يحيى( نفل) عبر موت غريب تربص بها " داخل حرملك العسكري العثماني, وفي إهاب جسدها المريض المتهاوي"[12]. وكما هو الحال دائماً مع المستبد, كان لا بد من وجود أعوان له, وهو ما كان جلياً في الرواية من خلال الشيخ صايل الذي قفز في طرفة عين إلى مصافي الشيوخ والأعيان, وهو ما تحقق له من خلال القطع الذهبية التي سرقها من خزنة الدفتردار التركي على ظهر باخرة كانت تمخر عباب المتوسط إلى الشواطئ الإيطالية, فجعلته أمواله شيخاً بلا قبيل " يكاد أن يكون الوحيد الذي لا يتذمر من مكوس وضرائب العثمانيين الروم, إذ إنه في أعماقه يعتقد أنه يدفع ضريبة ما نهب من خزائنهم..." [13].
يحضر أولاد الشيخ صايل امتداداً له في تعاونهم مع الأتراك, وهو ما يتعاظم بحس يتوالد لدى الشيخ بأنه اشترى موقعاً وراتباً لولده, الذي يفكر في الارتباط بمريم التي تتفنن في تحدي الأوطة, وتشترط على خاطبها الامتناع عن دفع الأوطة التي يفرضها القانون العثماني, وهو ما يسارع إلى رفضه خشية توريطه مع ثورة يجري إخماد إوارها بقسوة في دمشق وحتى جبال عجلون. وتبرز مريم آنئذ ابنة لها بأس الرجال[14], تعد الأدوية من النباتات البرية, وتنسج صوف الخيام والحصر, وأطلق عليها اسم النحلة الزنانة[15].
في ظل هذه الظروف ينشأ يحيى الذي بدا التفرد سمة ملازمة له منذ البدايات؛ فقد كان يقوم بجولاته في الغابات يتأمل ويرفع الفراشات والحشرات المرمية على الدروب إلى مواقع آمنة علها تشفى وتطير[16]. تأخر في حفظ  القرآن على يد المولى أمين لأنه مولع بالفهم, يسأل كثيراً عن كل صغيرة وكبيرة..وهو يجادل. وكان المولى قد هيأه  لضمان سير الكتاب تحت الشجرة بعده[17]. ويلفتنا في يحيى منذ البدء حرصه على قراءة اللوحات الرخامية المتناثرة, حادساً أنه سيظل عمره كله يفتش عما خط على بلاط الأضرحة, وما خفي من حقائق حول رجال مروا ثم غابوا. وهو ما كان منذ زيارته الأولى لقرية مؤتة مع أخته, حين تابع ما كتب فوق قبر جعفر بن أبي طالب حول بنائه وتجديد البناء أيام الملك الصالح[18]. وهناك يقرأ الحجر كمن يعود به الزمن, محققاً ولعه الغريب بقراءة ما خط الأولون على الحجارة وفي جدران الأبنية. كذلك يبرز كتاب عيون الحكمة لابن سينا, في مقدمة ما أثّر في يحيى؛ فقد كان كنزه الذي شق طريقه إليه قبل خمسمائة عام, على شكل مخطوط قديم أكلته الحشرات, كتب على واجهته "عيون الحكمة" للعلامة الطبيب الشيخ الرئيس ابن سينا, بورق يعود إلى الزمن المملوكي إبان كان السلطان الناصر يعيش طريداً في قلعة الكرك, ويدرس على يد أستاذ اسمه الخسرو شاهي. وهو الكتاب الذي أبكى رجلاً تواقاً إلى المزيد من أسرار الكتاب العتيق. انصرف يحيى مهووساً بهذا الكتاب, وقيل إنه فقد صوابه لفرط ما يعمل عقله فوق طاقة البشر[19].
وكعهده أبداً, ما كان للمستبد أن يرضى بما تخبئه الأيام من " ريح غريب جديد؛ ريح قد يقتلعه من موقعه, ويذروه في الفراغ"[20]. ومن هنا يزور أبناء الشيخ صايل الثلاثة القلعة متقدمين بشكوى من أستاذ خربة جلجول الشاب, مستغلين تخليه طوعاً عن حصته في تدريس الصبية بعد كارثة الجراد, موغلين صدر المولى عليه, متهمين إياه بالتوسع في تفسير القرآن ومناقشة آيات الواحد العلي, بما عدوه " استهانة بأسياده, وعدم التزام بما جاء في كتاب الله من علم يكفي البشرية.."[21]. فكانت المؤامرة الأولى على يحيى تفضي إلى إرساله جندياً في عسكر الامبراطورية, فأدرج اسمه وحده دون سواه على خارطة التجنيد, لا كعسكري محارب, ولكن أستاذاً يعلم الجند آيات القرآن[22]. وهو ما جابهته مريم بالقول:"...يحرم على يحيى خدمة ذباحين أمه نفل.."[23]. وصدقته بالفعل حين أخذته بعيداً عن بوابات الكرك وتوغلت جنوباً, اجتازت الوادي, والتقت بالدواج الذاهب إلى سينا, فأعطته المشخص الذهبي أجراً لقاء اصطحاب شقيقها إلى سينا[24].
في التيه يمتد الفصل الثاني سنتين اثنتين 1591-1593, تنقلنا بها الرواية إلى عوالم مختلفة تذهل يحيى, ويسيطر عليه شعور بأنه " مجرد نقطة حائرة ضائعة في فراغ مهيب.."[25]. فيتأمل حدوداً امتزج فيها الرمل والصخر الجرانيتي الأسود, وجف الهواء واشتدت سياط الشمس قسوة, فجففت الأكف, وسفعت الوجنات بحمرة اسودت مع هياج الرمل, وتغضنت الجباه وهو ومن معه " يزفون جفونهم يتقون حدة الضوء في العيون.."[26]. وما كان ليحيى أن يتوقف عن المعرفة والبحث؛ ففي سيناء ووراء المكتبة الخشبية يقلب المخطوطات, يتوه بين مئات الأناجيل وعشرات الكتب والمخطوطات السيناوية, وفرمان الراشدين, وهناك أيضاً بات العابرون والحجاج المسيحيون إلى دير سانت كاترين يبحثون عنه كي يقودهم دون خطأ في الدرب.
كانت الكرك في الفصل الأول بحمولتها الثقافية البيئية هي الإطار الذي ارتكزت عليه الرواية في مسارها الخارجي والداخلي, في هذا الفصل جاء التحول بادياً للعيان, على أكثر من صعيد؛ فبدت لنا أغاني الأطفال في الاستسقاء في سينا, كما لفتنا عقاب البشعة( طقس كي اللسان بالنار لإثبات الصدق), وغيرها من ممارسات ما فتئت ملتصقة بخصوصية المكان. أما المشخص فينتقل أمر حيازته إلى عروس مقبل, رفيق يحيى في سفره من الكرك إلى سينا. الذي لا يلبث أن يعود مرة أخرى إلى يحيى قبيل سفره إلى أرض المحروسة, إذ يأخذه مقبل من زوجته قبالة عزوفه عن متابعة السفر مع يحيى إلى المحروسة. يوقن يحيى بعدها أن بقاء المشخص في ملكيته بعد مضي كل هذه السنين, يدل على ارتباط مصيره وقدره بتلك القطعة التي اعتقدت شقيقته يوما أنها أنقذت حياته على صورة غامضة مذهلة[27].
في الفصل الثالث والذي يمتد سبع سنين عددا 1593-1600, نرقب يحيى  وقد وصل إلى المحروسة برفقة الدواج. نلمس انبهاره أمام المدينة وسوقها, ونلاحظ انشغاله في التعرف إلى الناس. ولا يفوت الرواية أن تلقي ضوءاً باتجاه الوضع السياسي لمصر في تلك الآونة, إذ نتلقى أخبار يحيى ومصر غارقة في محنة وظلمة, بل تصير المحروسة كهفاً يبتلع أبناءه, إذ يتناوب فرسان الانكشارية أو الجند مهمة إرعاب الناس, وجني ما لديهم من أقوات ومتاع؛ فالجند الأتراك والمماليك يتنقلون بين العامة وينكلون بهم. والسلطان العثماني كان معنياً بتسييد الحقد والصراع بين الناس كي لا يجدوا وقتاً لتدبر شؤون البلاد[28]. في ظل هذه الأجواء كان يحيى يمارس مهنته في تعليم الصغار قصار السور وطوالها إذا وجد بينهم مهتماً. كذلك يمارس عملاً في سوق النحاس يثبت فيه حرفية وفنية عالية, توصله إلى الالتقاء بهفوف الكركية التي كان ابن الشيخ صايل قد باعها جارية للقائمقام, الذي أخذها بداية عهده بها إلى أدرنة, فأحسن معاملتها, ومن ثم نزل بها أرض مصر. واتخذها زوجة قبل أن يهبها الدار[29]. ومعها يلتقي بجمان التي تحبه ويحبها, وتكابد من أجله كثيراً من الصعاب. وتلاحظ أنه كان ينقش النحاس على إيقاع حزن كبير ثقيل, يتحول بعد اللقاء إلى إيقاع البهجة والفرح[30]. كما تلاحظ رسم السوسنة في كل آنية نحاسية ينقشها, فقد كان حريصاً على كنيته بنفس القدر الذي كان يحرص فيه على هذه الزنبقة السوداء التي تطلع كل ربيع في سفوح جبال الكرك[31].
إن كانت المدينة الصاخبة بالضجيج قد أبعدته عن قرطاسه وكتابه وعن عيون الحكمة, فإن هذا أمر سبب الكثير من الفزع ليحيى, لذلك نجده وقد  اختار الرجوع إلى حيث يجد ما تحب نفسه وتهوى من تمعن في الكلام وتنقيب عن المعرفة. وكان سبيله إلى ذلك موافاة أدهم في حانوت الوراق يقلب الكتب والقراطيس والمخطوطات وعلوم الفقهاء والأئمة, وهناك يحصل على نسخة من عيون الحكمة, كما يقرأ المقابسات والإمتاع والمؤانسة وتراجم ياقوت الحموي والفهرست والحيوان. ويتسنى لنا حينئذ معرفة قلب يحيى الذي ينبض لكل معرفة جديدة, وروحه التي تفتتن وهو يقرأ ألعاب حيوانات الجاحظ, كما عندما تتلاعب غمازات الفاتنة جمان, أو حين يدق بمطرقته السوسنة على طرف الصحن النحاسي[32]. ومن ثم يجلس يحيى طالباً في الأزهر, بصحبة المشخص, تلك القطعة الذهبية التي آمن بقدرتها على توثيق رحلة حياته, والتي اختار أن يعطيها لهفوف بعد رحلة طويلة من الكرك إلى بيداء التيه إلى المحروسة, لتعود مرة أخرى إليه في الفيحاء حين تصلها جمان بعد رحلة طويلة منهكة[33].
بعد غياب سبع سنوات تصفها الرواية بأنها كانت عجافاً على جلجول ومريم أخت يحيى, يقرر يحيى العودة إلى مسقط رأسه, وهي عودة تكالبت الظروف عليها, فكما كان شأنه في الترحيل القسري الأول, نجده في عام 1600 مضطراً أن يغادر المحروسة إلى الكرك, إذ ما كان لرجالات الأزهر التابعين لسلطة المستبد قبول يحيى بأفكاره الجريئة. كذلك وصلت يحيى أخبار مرض أبيه في موجة الحمى الصفراء التي اجتاحت جلجول ودفعت أهلها إلى مغادرتها إلى الكرك. فيكون لهذا توابعه الممضة إذ صارت جلجول ملكاً للإخوة الثلاثة الذين وضعوا أيديهم على الأرض المهجورة مانعين عودة الأحياء من أهل الخربة إليها, وحملوا مذكرات تقضي خلو البلاد من العباد, فسجلوها أراضي أميرية ووزعوها فيما بينهم. وتحولت جلجول برمتها ملكا خاصا لهم[34]. بل إنها أصبحت مزارع للتتن تمتد بلا انقطاع. وما كان لهؤلاء الإخوة أن يتركوا يحيى وشأنه, فاتهموه بأنه يحرض الناس على زراعة التتن, وبأن أحاديثه كانت محرضاً للناس للتعرض إلى المخمن العثماني الذين اختاروا طريقه يعبرون فيها عن غضبهم واحتجاجهم. يقول يحيى:" الكلمات نار ونور, وما وقع للمبعوث العثماني لا ينم عن حوار النور والنار, وإذا ما كان صبيان جلجول ورجال الكرك قد تأثروا بكلماتي فإنهم قد لمسوا الحكمة, ووقفوا على أبواب الإنسانية النبيلة, ونبذوا العنف سبيلاً لانتزاع الحقوق, ولا يمكن أن يكون هذا فعلهم, وإن رأوا حقاً في نتاج أراضيهم, لكن ما وقع فعل من اضطربت أخلاقهم وحارت دروبهم"[35].
يجيء بعدها القرار بالبطش بيحيى قبل أن يقود العامة إلى التمرد, ويكون مطلوباً للمثول أمام ديوان الحرب العرفي في عجلون, أمام قاضي القضاة, فيتم  تقييده وحمله إلى سجن القلعة بانتظار محاكمته, بتهمة قطع الطريق على الجابي والمخمن العثماني, وسلبه كل ما كان بحوزته من متاع ونقود تعود للدولة العلية كخراج عن زراعة حقول التبغ في جلجول, إضافة إلى تهمة تجميع الرعاع تحت سور قلعة الكرك وتحريضهم على التمرد والعصيان, ونشر أفكار تحرض على تفسير آيات الله بغير ما جاء به المفسرون الأوائل[36]. وهي التهمة التي دبرها له الإخوة الثلاثة بعد زيارته للمختار ومطالبته بحقه من إرث والده في أرض جلجول.
كان دأب يحيى القول: " أعلم طالب العلم التفكر بالخلق للوصول إلى الإيمان, وما أنا بأعلم من أصغر طالب إذا تفكر وتدبر, لا أداري عقله كما لو كان قاصراً أو عبداً مسيراً, إنما خلق الله على شاكلته روحاً حرة تختار فعالها, وتستزيد من علمه الذي أشاعه في الهواء والماء وكل عنصر كوني"[37]. فما كان جزاء يحيى إلا التجريس والجلد "..خرج وجسده يتمايل وعينيه تزوغان فوق وجه نحيل شاحب..ثم رفع يحيى على ذراع عبد قوي إلى سنام الناقة, وربط فوقها, ووجهه عكس سيرها, وظهره لرأسها, واصطف مرتزقة من الزط يدقون الدفوف خلفها... "...تأرجح رأس يحيى فوق نحره كأنه اقتطع, وانسدلت جفناه متعبتين فوق عينين تاه لونهما, ..."[38].
يقضي يحيى ست سنوات في مسقط رأسه يخاطب بعدها المفتي الميداني في دمشق, يصف له ما حل بالبلاد من "..استقواء كل من مر جيبه, أو شرع سيفه, على كل من فكر واجتهد..."[39]. ومن ثم يغادر يحيى إلى الفيحاء سنة 1608. ويأتي الفصل الخامس محملاً بتفاصيل صورية تنقل لنا بكثير من الإسهاب والتفصيل صناعات هذا البلد, خصوصا فيما يتعلق بالنسيج وتصنيع الورد, كما لاتغفل عادات وتقاليد خاصة عايشها يحيى عن قرب؛ بما في ذلك طبائع الأعراس بما تحمله من زغاريد شامية عتيقة, كذلك أوراد الاحتفال بالإسراء والمعراج, وغيرها. وإذ ينخرط يحيى في الحياة في الفيحاء, ويعمل نساجاً بإشراف زيدون المسيحي, إلا أنه يتخذ لنفسه مجلساً في بستان الورد يسترعي اتنباه علان الذي يطنب في همس كالفحيح بما يقع من تجاوزات في بستان الورد وما يقال فيه. لم يسترع انتباه القاضي إلا خطورة انعزال الزاوية في مكان قصي يجري فيه اجتهاد على الفقه والدين[40].
تتعاظم الأحداث وتتصاعد على نحو مأساوي حين تقضي سلطة الاستبداد العثماني بإرسال بعض من الحرفيين إلى القسطنطينية ليعمر مسجد السلطان أحمد في استانبول, دون مراعاة لأحوالهم الأسرية ومسؤولياتهم الحياتية واختياراتهم[41]. ولا يتوقف مسار الظلم بإدراج اسم زيدون المسيحي في سجلات العثمانيين. إذ يعثر عليه جثة جرفها ماء النهر البارد في الغوطة حتى اصطدمت بفرع تدلى على شجرة جوز ضخمة عتيقة تعارض المياه. كان قبلها قد ضرب وسرق جرابه بآثار تماثل تلك التي تتركها حوافر خيل الانكشارية الثقيلة والمحملة بالرجال والعتاد[42]. وما كان ليحيى إلا أن يحزن لخسارة الرجل الذي رعاه واصطفاه, فيستعيد كلمات برهان شيخ زاوية العميان في الأزهر عن دنيا يسود فيها الجور, ويفتري فيها القادر على من لا يقدر, فلا يقام عدل, ولا ينصف مظلوم[43]. يبادر يحيى بعدها إلى بعث رسالة إلى قاضي القضاة- ردا على ما اختتم به خطبته بالدعاء المعتاد للسلطان- يقول فيها: " وهل تصح الدعوة للسلطان الجائر على منابر الهدى؟ وفي موقع الدعاء والتقرب إلى رب العباد؟ وهل تجدد بيعة المسلمين لمن ظلم وأفقر وبطش؟ هل لأفواه الأئمة أن تبايع دون إجماع العامة المظلومين وموافقتهم؟"[44]. مما يقضي بأنه معتوه لا بد من تحويله للعلاج والإقامة في البيمارستان, وفحصه وعلاجه من مس أصابه على أن يحبس فلا يغادر مكانه أبدا[45].
 لم تقف الأمور إلى هذا الحد, فبعد سنتين يقضيهما يحيى في الفيحاء, يأتي فصل الزلزلة, الفصل الأخير من الرواية. يُستدعى فيه يحيى إلى المحكمة بحضور جمع من علماء دمشق, كي يبتوا بأمره جماعة, وكانوا قد أرسلوا إلى الوالي العثماني الذي قضى بالتشهير به وقتله قطعاً لدابر الفتنة[46]. في طريقه إلى المحكمة تضع جمان المشخص بين يديه " فعب من الهواء تنشقا وسع صدره, وولج باب المحكمة باسمًاً مستبشراً محلقاً كأنما يطير"[47]. فما كان لغير عقل يحيى وقلبه أن يكون سيداً عليه, فعلى الرغم من استتابة يعلن فيها يحيى ندمه على مواجهته الظلم, نجد الرواية وقد حافظت عليه مالكاً لنفسه, وما كان ليحيى إلا أن يحيا, حتى لو انتقموا من جسده وعاقبوه, فقد صار كما قال عنه أبو سندس" فكرة حية لا تموت وانتصر"[48].
حملت فصول الرواية المتتابعة تجاذباً واضحاً بين إخبار يضيء الأشياء بمنظور يعتمد المعاينة والقراءة والتأويل والسماع، ممّا يمكن وصفه بأنه تطواف في الوجود الفيزيقي المستند إلى مرجعية ملموسة في الزمان والمكان من جهة، وبين سرد متقصد يعمل لصالح بطل يبدأ حائراً متسائلاً,  وهو ما دفع باتجاه جعل الرحلة[49] وسيلة من وسائل تسجيل انطباعات يحيى ومشاعره عبر منظور خارجي يتولاه راو يحرص على رصد نتاج تفاعلات يحيى مع البيئة والموروث الفكري والمعرفي الذي تابعناه معه بكل فضول؛ وكما الدراسات الثقافية برزت ثقافة المكان حقيقة أعانت وتعين على تشكيل وتنميط التاريخ[50]. فما كان ليحيى بقناعاته التي رصدناها أن يكون بعيداً عن عوامل التشكل المركب للفعلية الثقافية, وهو ما أعانت عليه مسارات بيئية متغايرة, هيأت له اكتشاف العالم والإنسان, ومثلت له سبيلاً من سبل البحث عن التوازن الروحي والفكري[51]. ويبقى يحيى في مساره الصعب شاهداً على أن ممارسي الظلم والعنف هم أهل سلطان, لا أصحاب إيمان. ولطالما حرصوا على استخدام ستار من التأويلات الدينية تسمح لهم بممارسة العنف لأغراض لا شأن لها بالديانة، وهنا يأتي دور الرواية الرائد – حسب كونديرا- والمتمثل في حرص متعمد على تمزيق كل ستار يحجب الحقيقة[52], ويتمسك بأنساق موروثة تحجب عن الإنسان حقه في سؤال يجترئ على الحاضر, ويعلن تمرد المحاصَر على المحاصر.


[1] انظر كتابه, التجديد والتحريم والتأويل بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير, المركز الثقافي العربي, دار البيضاء, 2010.
[2] أبو زيد, نصر حامد, المرجع نفسه, ص90.
[3] وهو ما أغضب حراس المؤسسة وأثار موجة من التصدي للتاريخانية الجديدة, ومصادر التأثير عليها, وأهمها فوكو ونقاد ما بعد الحداثة. الغذامي, عبد الله, النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية, المركز الثقافي العربي, الدار البيضاء, 2000,ص42.
[4] وهذا الوعي بنصوصية التاريخ  جعل التاريخانية الجديدة تبدو لدى البغض وكأنما هي مجرد عودة إلى الماضي, في ما يعد تخصيباً لمشروع النقد التفكيكي. انظر الغذامي, عبد الله, النقد الثقافي, مرجع سابق, ص47.
[5] الرواية, ص444.
[6] رشيد, أمينة, سردية التاريخ وتاريخية النص الأدبي, مجلة فصول, العدد 67 صيف-خريف 2005, ص154.
[7] حليفي, شعيب: المتخيل والمرجع, سيرورة الخطابات, مجلة فصول, العدد66, ربيع 2005, ص236.
[8] إيكو, أمبرتو, التأويل بين السيميائيات والتفكيكية, ترجمة سعيد بنكراد, المركز الثقافي العربي, 2004, ص37-41.
 [9] وانظرحليفي, شعيب, لمتخيل والمرجع: سيرورة الخطابات، مجلة فصول, مرجع سابق، ص236.
[10] الرواية, ص27.
[11] الرواية, ص31.
[12] الرواية, ص30.
[13] الرواية, ص32-33.
[14] الرواية, ص61.
[15] الرواية, ص70.
[16] الرواية, ص63.
[17] الرواية, ص64, ص65.
[18] الرواية, ص67.
[19] الرواية, ص80.
[20] الرواية, ص64.
[21] الرواية, ص85.
[22] الرواية, ص91.
[23] الرواية, ص91.
[24] الرواية, ص95.
[25] الرواية, ص99.
[26] الرواية, ص100.
[27] الرواية, ص147.
[28] تذكر لنا خلافاً زرعه السلطان سليم بين فريقين( الفقارية والقاسمية) عبر لعبة مبارزة تحت بيارق ملونة, أحدهما أبيض والآخر أحمر. ولم تعد المنافسة على نياشين السباق للتسلي, فأوغرت القلوب كي لا يجد رافعو الرايات الوقت لتدبر شؤون البلاد, أو مقارعة السلاطين الذين حولوا البلاد إلى مزارع خاصة بهم. انظر الرواية, ص166-167.
[29] الرواية, ص161-162.
[30] الرواية, ص171.
[31] الرواية, ص153.
[32] الرواية, ص166.
[33] الرواية, ص179.
[34] الرواية, ص241.
[35] الرواية, ص251.
[36] الرواية, ص258.
[37] الرواية, ص258.
[38] الرواية, ص261.
[39] الرواية, ص269.
[40] الرواية, ص341-342.
[41] الرواية, ص342-343.
[42] الرواية, ص345-346.
[43] الرواية, ص346.
[44] الرواية, ص353.
[45] الرواية, ص360.
[46] الرواية, 434.
[47] الرواية, ص403.
[48] الرواية, ص420.
[49] وهو ما يذكرنا بأكثر من رواية عربية, منها على سبيل المثال (عزازيل) التي برز فيها عنصر الرحلة رئة تنفس منها المتخيل, وجاء فيها كل ما هو فكري معلوماتي في إطار أدبي غير منفصل عن جنس السيرة الأدبية بما تحمله من ترجمة وتأريخ لحياة الأفراد.
[50] الغذامي, عبد الله, النقد الثقافي, مرجع سابق, ص17.
[51] نصار، حسين، أدب الرحلة، الشركة المصرية العالمية للنشر، 1991، القاهرة، ص20. نذكر هنا أن التعالق بين الروحي والديني والترحال، دفع بالعديد ممن يمتلكون حساً أدبياً إلى تدوين رحلات أبطالهم، باعتبارها منعطفاً يساعدهم على التخلص من الضيق والأزمات، أو حتى اكتشاف العالم والإنسان عموما.  ففي رحلة بالداسار لأمين معلوف مثلا، تشد الرحال إلى كل الأمكنة، وكل الأزمنة، حيث يقضي البطل حياته في البحث عن كتاب للمازنداري، كحل وحيد للخلاص من وطأة ما أطلق عليه عام الوحش، وهو البحث الذي يتزامن مع العديد من الحوادث الغريبة والمثيرة، التي تكشف الكثير عن أسرار العالم.
[52] كونديرا، ميلان: الستار: الرواية يوتوبيا لعالم لا يعرف النسيان، ترجمة محمد برادة، مجلة فصول، العدد67.