اللغة العربية في المغرب

التنوع الثَّقافي (الأقليات، الجماعات، المجتمعات الثَّقافيَّة).

موضوعات وسياسات متعلقة باللغة
يعترف الدستور المغربي بلغة واحدة هي اللغة العربية ورغم عدم النص عليها دستوريا فإن الفرنسية هي اللغة الثانية في البلاد، وهي لغة المصارف وكل أنواع المعاملات الإدارية.
    
كانت الشريحة الأكبر من المتمدرسين في المغرب تتقن الفرنسية بشكل كبير وتتحدثها بطلاقة الفرنسيين في عهد الحماية. لقد كانت الفرنسية بالنسبة إليهم اللغة الأم. أما اليوم، فهذا الوصف لا ينطبق سوى على تلاميذ البعثة التعليمية الفرنسية وعدد قليل من المؤسَّسات التعليمية الخاصَّة. أما على صعيد المجتمع بشكل عام، فهذا الوصف لا ينطبق على أكثر من 5% من المغاربة. أما بقية المغاربة فهم:
- أميون لا يتكلمون سوى إحدى اللهجات العربية أو الأمازيغية الدارجة.
- متعلمون لا يتكلمون سوى العربية الفصحى.
متعلمون يتكلمون بالإضافة إلى اللغات الْمَحَلِّيَّة لغة أجنبية غير الفرنسية.
متعلمون يتكلمون الفرنسية بشكل محدود.

- لقد كانت الجهات الفرنسية والفرنكفونية أول من التقط حقيقة هذا التراجع، فغيرت المعاهد والروابط Instituts et alliances الفرنسية منهجها التعليمي من منهج "الفرنسية كلغة أم" إلى الفرنسية كلغة أجنبية comme Langue Etrangere LE Français

لقد كان المنهاج الأول يركز على القواعد وعلى دروس الفكر والتاريخ والحضارة الفرنسية، بينما يركز الثاني أكثر على التواصل والمحادثة Communication and conversation. وهذا التركيز ليس إلاَّ لتعويض فقدان الفرنسية كلغة شائعة في الشارع والمنزل كما كان في العقود الأولى بعد استقلال المغرب.

لقد نتج هذا الوضع عن عمليات التعريب المتلاحقة التي عرفها المغرب، والتي أدت إلى تراجع مستوى تعليم الفرنسية في المدرسة العمومية المغربية، خصوصًا مع الاستغناء عن أغلب المدرسين الفرنسيين. وكذلك عن التراجع الذي تشهده الفرنسية أمام توسع الإنجليزية في العالم أجمع.

على عكس هذا الواقع فإن المغرب يتمتع في الخارج بسمعة قوية بشأن استعماله للغة الفرنسية، فالنظرة السائدة إلى المغرب في الخارج هي أنه أكبر بلد فرنكفوني في العالم بعد فرنسا مباشرة، يساعد على بناء هذه الصورة وجود كثير من المثقفين والكتاب والفنانين المغاربة الذين لا يقدمون إبداعاتهم إلاَّ بلغة موليير. وأيضًا صورة المسؤولين المغاربة وهم لا يخاطبون العالم إلاَّ بالفرنسية.

على الرغم من تراجع مستوى إتقان اللغة الفرنسية في المغرب، فما زالت لها أهميَّة كبرى، وما زال الطلب عليها عاليا، خصوصًا أنها لغة التعليم العالي والمصارف والمقاولات وأغلب الجهات الحكومية، وكثير من المنشآت الاقتصادية والمؤسَّسات التعليمية التي توطنت في المغرب لا تستعمل سوى الفرنسية. لذا فإن الحاجة إلى إتقان الفرنسية شيء لا بدّ منه في المغرب لدخول الحياة العامَّة.

على صعيد آخر، ازدادت الحاجة إلى اللغة الإنجليزية في المغرب، بشكل كبير في السنوات الأخيرة.

على صعيد اللغات الوطنية الأخرى، فهناك اللغة اللهجات الأمازيغية.
وهذه الأخيرة غير معترف بها دستوريا، وفي السنوات الأخيرة أصبح هناك شكل من الاعتراف الرسمي بها، عبر إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وتأسيس قناة تلفزيونية بالأمازيغية، ومقاربة موضوعها في المحافل الرسمية كمكون أساسي للهوية الوطنية.
أما على صعيد الواقع، فهناك شريحة كبيرة من المغاربة تعتبر الأمازيغية لهجتها/لغتها الأم، ورغم عدم وجود إحصائيات دقيقة لهذه الشريحة، إلاَّ أنها بالتأكيد شريحة عريضة.رسميا، اللغة العربية هي وحدها اللغة الوطنية الجامعة لكل المواطنيين. ينعكس هذا تبنيا لها في السياسات والبرامج الثَّقافيَّة، لكن هذا لا يمنع الفرنسية من تسجيل حضور قوي لها في البرامج الوطنية، بحكم فرنكوفونية قطاع كبير من النخبة المغربية ونفوذها الواسع رغم محدودية حجمها.أما الأمازيغية فما زال إدراجها في إطار البرامج الرسمية في طور البدايات وبنتظر توسعها إعطاء الإجابات عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بها.

التعدد اللغوي من أهم حلقات الجدل في الساحة الثَّقافيَّة المغربية، وهو ملف يُطرح في سياق عدة "صراعات" دائرة في المغرب:
يمكن طرح أهم "الصراعات" كما يلي:
العربية - الأمازيغية:
هذه المواجهة ذات ظاهر لغوي، لكنها في العمق تُخفي عدة أبعاد، إنها تطال الهُوِيَّة الوطنية في أساسها، إنها ليست فقط تنافسا حول عنوان "اللغة الوطنية" أو محاولة لتقاسمه، إنها تترافق مع أسئلة كبرى مصيرية:
- من هم سكان المغرب الأولون؟ من ثَمَّ من هو "الأصيل" في هذه الأرض ومن "الطارئ"؟
- ما هي قومية المغاربة؟ وهل هم أحاديو القومية أم متعددوها؟
- ما هو أصل الأمازيغ؟ ساميون كما يطرح القوميون العرب؟ من العرق الأوربي كما يطرح الغربيون والفرنسيون تحديدا؟ أم من جنس الأفارقة كما طُرح مؤخرا؟
- ما هي قيمة التُّراث والإسهام الأمازيغية في الحضارة الإنسانية قبل "الفتح العربي/الإسلامي" ؟
- هل الأمازيغية لغة؟ أم أنها مجرد لهجات خصوصًا مع بلوغ عددها في المغرب وحده أربعين لهجة؟
- هل الأمازيغية مكتوبة أم محكية فقط؟ وما هي حقيقة وجود حروف خاصَّة بها؟
- هل يستدعي الاعتراف بالخصوصية الأمازيغية اعترافا بحق للأمازيغ في حكم البلاد أو في الحصة الأكبر فيه، بحكم كونهم أغلبية السكان، أو بحكم كونهم الأصلاء؟
- ما هي العروبة؟ وهل هناك وطن عربي؟ أو هناك فقط أقطار ناطقة بالعربية؟
- ما هي العلاقة بين الأمازيغية والعربية؟ كلغة؟ وكثقافة؟ وككيان سوسيوثقافي؟

العربية - الفرنسية:

يعتبر هذا الصراع من ذيول الصراع مع المستعمر الفرنسي، مستمر في شكل لغوي ثقافي، بين "اللغة الوطنية" و"اللغة الاستعمارية".
وهو كالأول يخفي أبعادًا أعمق، تتصل بالاستقلال الوطني والخصوصية الثَّقافيَّة، وترسيخ "الهُوِيَّة الوطنية" في مقابل "الثقافات الوافدة".

الفرنسية- الإنجليزية:

كما هو على الصعيد العالمي، فالمغرب يعرف صراعا فرنكوفونيا أنغلوساكسونيا، وبدأت في الآونة الأخيرة أسئلة من قبيل:

- أيهما أهم للتواصل مع العالم: الفرنسية أم الإنجليزية؟

- هل تتواصل فرنسا نفسها مع العالم (خارج مستعمراتها) بالفرنسية، أم أنها نفسها تلجأ إلى الإنجليزية؟

- هل تتحمل الفرنسية شيئا من المسؤولية حول تخلف المدرسة والتعليم في المغرب؟

4-3-2 التماسك الاجتماعي والسياسات الثَّقافيَّة.
المسألة الامازيغية:
كما تقدم ذكره، فإن هناك شريحة كبيرة من المغاربة تعتبر الأمازيغية لهجتها/لغتها الأم، ورغم عدم وجود إحصائيات دقيقة لهذه الشريحة، إلاَّ أنها بالتأكيد شريحة عريضة.
إن المعالجة الرسمية للتعدد اللغوي في المغرب تجلت بعد تجرِبة فترة الحماية، في تجرِبة مشروع التعريب مع بدايات الستينيات من القرن العشرين، بما طبع هذه التجرِبة من شعارية في التناول. غير معالم الطريقة التدبيرية لتناول الملف اللغوي لم تتضح إلاَّ مع التصديق على نص الميثاق الوطني للتربية والتكوين في نهاية القرن العشرين، مع ما ترتب عن ذلك من تصورات إصلاحية لمناهج للتعليم عامَّة (ماي 2000).
ولم يشرع هذا التصور ذو النفس التدبيري للملف اللغوي في بلورة تصورات ملموسة في ما يتعلق بالأمازيغية على الأخص إلاَّ بصدور الظهير الملكي المؤسس للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (17 أكتوبر 2001)، وما تلا ذلك وما انبنى عليه من إخراج فعلي لذلك المعهد إلى حيز الوجود، ومن الشروع في إدماج الأمازيغية في المدرسة، وبداية الاعتراف بها عمليا في المحيط العام. ورغم أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين لم يخول أيَّ وضعيةٍ اعتبارية للغة الأمازيغية، إلاَّ انه أدرجها باعتبارها واقعا وطنيا ضمن أوراق الملف اللغوي.
وفي هذا الصدد يسجل الظهير المؤسس للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية تقدمًا كبيرًا بالقياس إلى الميثاق الوطني للتربية والتكوين، حيث ينص ذلك الظهير تنصيصًا على البعد الأمازيغي ضمن أبعادِ الهُوِيَّة الوطنية (الفقرة الثانية من بيان الأسباب الموجبة للظهير). كما أن ذلك الظهير قد جعل من بين أهداف المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، العملَ على تسهيل تدريس الأمازيغية وتعلُّمها وانتشارها بشكل يضمن "تكافؤ الفرص أمام جميع أطفال بلادنا في اكتساب العلم والمعرفة ويساعد على تقوية الوحدة الوطنية" (الفقرة 7 من بيان الأسباب الموجبة).
وفي هذا الاتجاه يضع من بين مهمات المعهد المؤسَّس مهمَّة "الإسهام في إعداد برامج للتكوين الأساسي والمستمر لفائدة الأطر التربوية المكلفة بتدريس الأمازيغية، والموظفين والمستخدمين الذين تقتضي مهنتهم استعمالها، وبوجه عام كل من يرغب في تعلمها" (الفقرة 5 من المادَّة 3).
كما أن الظهير يُسند وظائف أخرى للغة الأمازيغية ويتصور لها موقعا في الفضاء السوسيو- لغوي العام، زيادة على تسطيره لأبعادها الهوياتية ولوظائفيتها القطاعية، وذلك حين تحدث عن سياسةٍ يتعاون من خلالها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية مع السلطات الحكومية والمؤسَّسات المعنيَّة، "تساعد على إدراج الأمازيغية في المنظومة التربوية وضمان إشعاعها في الفضاء الاجتماعي والثَّقافي والإعلامي الوطني والجهوي والْمَحَلِّيّ" (المادَّة الثانية من الظهير).

لقد تم قطع أشواط مهمَّة في إطار تدبير شأن اللغة الأمازيغية، فعلى المستويات السياسية العليا تم إبرام اتفاقية الشراكة بين وزارة التربية الوطنية والمعهد الملكي للثقافة الأمازيعية (23 يونيو 2003) وذلك تأسيسا على نص وروح الظهير المؤسس لهذا المعهد الملكي وعلى مختلف النصوص الأخرى التي مهدت له. وبفضل التراكم الأكاديمي لجيل كامل من اللسانيين المغاربة في ميادين النظرية اللسانية العامَّة، وعلوم الأصوات، والصرف، والتركيب، والمعجم، والإملائية، تمكن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، على المستوى العملي والأدواتي، من معيرة الإملائية الأمازيغية، ومن معيرة نصيب من المفردات الأساسية، ومن التراكيب الأساسية على طريق الانتقال باللغة الأمازيغية من وضعية غلبة الشفهية إلى وضعية اللغة المكتوبة وعلى طريق تجاوز إشكالات اختلاف الأوجه الْمَحَلِّيَّة، كما أُعدت أدوات المصاحبة البيداغوجية (مدخل إلى الأمازيغية، معيرة الأمازيغية، كتب التلميذ والأستاذ 1، 2، 3)، وتم إصدار ما يفوق أربعين مؤلفا في مدة قياسية من طرف المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية مِمَّا له تعلق بالثَّقافة الأمازيغية. ثم شـُرع في التجرِبة الميدانية لإدماج الأمازيغية في المدرسة بشكل فعلي منذ سبتمبر 2003، ولو أن ذلك قد تم ولا يزال يتم باللجوء إلى إجراءات موقتة وضعيفة المردودية على مستوى تكوين الأساتذة.
من جهة أخرى، فإن المطالبة بدور أكبر للغة الأمازيغية لا يمر دون إثارة احتقانات مجتمعية وتوترات عرقية بين الفينة والأخرى. ففي ما يصر كثير من الأمازيغيين على تمسكهم بالوحدة الوطنية الملتئمة حول الدين الإسلامي واللغة العربية، ويوجد بعضهم في مراكز القرار في الأجهزة الرسمية والهيئات السياسية والاقتصادية والثَّقافيَّة، تدعو فئة من الأمازيغيين المتعصبين إلى قيام دولة «تمازغا»، من سيوا بمصر إلى جزر الكناري بالمحيط الأطلسي. ولا يخفي هؤلاء معاداتهم لكل ما هو عربي، مطالبين باعتماد الأمازيغية لغة رسمية للمغرب إلى جانب الفرنسية.

4-3-3 المساواة بين الجنسين والسياسات الثَّقافيَّة.

إن التصريحات المقدمة من طرف عدد من الفنانين والمسؤولين في وزارة الثَّقافة تفيد ما يلي:
تسود قيم الانفتاح والإبداع اللا مشروط والحرية الصادمة أحيانًا لبينية المجتمع القيمية داخل الساحة الفنية المغربية مِمَّا تنتفي معه أية مظاهر لتقييد أو تغييب دور المرأة كفنانة ومبدعة، على العكس من ذلك فإن عددا من الأفلام والمسرحيات التي طبعت الإنتاج الفني الوطني كانت بتوقيع نسائي. المهرجانات والتظاهرات الفنية المخصصة للإبداعات النسائية الهدف منها التميز وتسليط الضوء والتكريم وليس تحقيق المساواة أو رفع الحيف.
إن دعم الإبداع النسائي يأتي عبر تخصيص الوزارة المعنيَّة تظاهرات وجوائز خاصَّة بالمبدعات في مجالات فنية مختلفة إضافة إلى الحرص على توجيه الدعوة إلى الكتاب بوالفنانين والمبدعين نساء ورجالا، وعلى تحقيق تمثيلية متوازنة بين الجنسين في التظاهرات الثَّقافيَّة.
يبلغ عدد النساء الموظفات في وزارة الثَّقافة 36 في المئة مقابل 64 في المئة من الرجال. تتولى النساء مناصب قوية في وزارة الثَّقافة بدءا من التكليف بالمسؤولية الوزارية نفسها لأول مرة للسيدة ثريا جبران قريطيف ورئاسة عدد من المصالح والأقسام والمديريات وكذا مؤسَّسات التعليم العالي التابعة لوزارة الثَّقافة.