أهمية التربية والتعليم في تطوير الثقافة المقدسية

أهمية التربية والتعليم في تطوير الثقافة المقدسية:
تبرز أهمية التربية والتعليم في تطور الثقافة المقدسية لما في القدس من مؤسسات تعليمية تنهض بها كالمعاهد والمراكز التعليمية من مدراس وخوانق وربط وزوايا وفي مقدمتها المساجد، ولاسيّما المسجد الأقصى المبارك، وقبة الصخرة المشرفة، وبعد ذلك المؤسسات التعليمية الصوفية، وكانت القدس في العصر العثماني نقطة جذب ومركزاً ثقافياً مهماً لعدد كبير من العلماء والمدرسين وطلاب العلم ولاسيّما سورية ومصر والمغرب العربي، وكانت تُدَّرس في هذه المراكز العلوم الشرعية وعلم الحديث والتفسير والقراءات المختلفة واللسانيات كالنحو والصرف واللغة والآداب العامة.([1])   
ويجدر الإشارة إلى أن القدس لم تعرف قبل سنة 1869 الحياة التعليمية بالمعنى الحالي المعاصر لهذه الكلمة إلا بعد أن استجابت الدولة العثمانية للضغوط الأوروبية، فقامت بحركة إصلاحات على الصعيد التعليمي، وأنشأت (إدارة المعارف) والتي تسمح بافتتاح المدارس الحكومية والمدارس الإسلامية الخاصة، والمدارس الخاصة التبشيرية كمدراس الراهبات الفرنسيسكان واليونان ومدرسة يهودية للأشكناز.([2])
ويمكن تصنيف أهم المعاهد والمدارس التعليمية في القدس في العصر العثماني إلى الفئات الآتية:
1- المساجد: يُعَّد المسجد الأقصى من أهم المراكز التعليمية وأقدمها، إذ لم ينقطع التدريس فيه إلا خلال مدة احتلال الفرنجة للقدس من عام 1098 وحتى 1187م، كما كانت وظيفة التدريس فيها مقتصرة في الغالب على عائلات معينة يتوارثها الأبناء عن الآباء، أما مصادر الإنفاق على المدرسين في المسجد الأقصى فقد كانت متنوعة منها الصرة الرومية ( العثمانيون)، والصرة المصرية، والمساعدات العينية المقدمة من أوقاف خاصكي سلطان، ومن المال الخاص للسلطان العثماني.([3])  
وقد درَّس في المسجد الأقصى كبار العلماء والذين كان لهم باع طويل في تدريس القرآن الكريم والتفسير كصالح أفندي الشهير بابن قاضي السلط، وخليل عبد اللطيف الشهابين وعبد الرحمن المبارك، وكذلك محمد أفندي ابن المرحوم أحمد أفندي الذي تولى وظيفة قراءة صحيح البخاري، وعمران الخزرجي الذي تولى قراءة القرآن بمسجد الصخرة المشرفة([4]).
وكان المسجد الأقصى محط اهتمام السلاطين العثمانيين, فقد أُعيد ترميم قبة الصخرة بواسطة السلطان محمد الثالث عام 1597م. والسلطان  أحمد الأول عام 1603م. والسلطان مصطفى الأول عام 1617م. فعندما زار الرحالة التركي أوليا الجلبي القدس عام 1648م سحرته القلعة والحرم. فقد وجد أن هناك ثمانمئة إمام وواعظ يعملون في الحرم والمدارس المجاورة ويتقاضون مرتبات, وأيضاً كان هناك خمسون مؤذناً وعدد كبير من مرتلي القرآن.([5])
ونستطيع القول: إنَّ المسجد الأقصى كان مركزاً للإشعاع الثقافي والعلمي, حيث كانت حلقات العلم والدراسة متاحة للكبار والصغار تنعقد في شتى جوانبه, ولم تكن مهمته فقط تقتصر على إقامة الصلوات والشعائر الدينية, بل كان الأقصى يحفل بالنشاطات السياسية والاجتماعية.
ولم يقتصر التدريس في المساجد على مسجدي الأقصى والصخرة، بل امتد إلى مساجد أخرى مثل مسجد سنان باشا الذي درَّس فيه فضل الدين آغا العسلي، وإلى الكتاتيب التي كانت تقام بالقرب من المساجد، أو في منزل الشيخ المعلم، ويبدأ الطفل في سن مبكرة إذ  يتعلم القرآن والقراءة والكتابة والحساب، وكان يُطلق على المعلم في الكتاتيب لقب الشيخ أو المؤدب وعندما ينتهي الطالب من دراسته في الكتَّاب كانت تُقام له حفلة تنشد فيها المدائح النبوية مع وليمة غداء أو عشاء بهذه المناسبة.([6])
2- المدارس الدينية:
ارتبط إنشاء المدارس في القدس بأسباب دينية وسياسية، فقد ازداد الإقبال على إنشاء المدارس لتعليم المذاهب السنية، ولتقرب السلاطين من الرعية لنيل رضاهم، في منتصف القرن الثامن عشر كان عدد العلماء في القدس أكبر من عددهم في القرن السابع عشر، لكن المدارس أخذت في التدهور السريع، فلم يبق هناك سوى خمس وثلاثين مدرسة، نظراً إلى الوضع الاقتصادي المتدهور وفقر المدينة وقلة واردات الأوقاف المخصصة للإنفاق عليها، ومن المدارس التي تلاشت لهذه الأسباب المدرسة التنكزية التي استخدمت محكمة القدس مبانيها مقراً لها.([7])
وكانت المدارس داخلية، تتكون عادة من طابقين يخصص الطابق الأول للتدريس في حين يخصص الطابق الثاني لسكن الطلاب والمدرسين، وتعدّ وظيفة شيخ المدرسة من أرفع الوظائف إذ كان يختار لها أحد كبار العلماء ذوي السمعة الطيبة وكان يُخاطب بأجل الألقاب العلمية مثل (عمدة السادات الفخام) و(حدوثة العلم) السلطانية مثل عمدة السادات الفخام جار الله أفندي الذي عين في وظيفة المشيخة في المدرسة الموصلية.([8])
أمَّا الوظائف الإدارية في المدارس فهي متعددة يأتي على رأسها وظيفة الناظر أو المدير العام للمدرسة، وأهم واجباته إدارة شؤونها ويختار من بين العلماء القادرين على التدريس، فالناظر كان أحياناً يتولى مشيخة المدرسة فضلاً عن الإدارة، ومن هؤلاء بالقدس علم الدين العلمي الذي تولى مشيخة المدرسة المنجكية. أما الوظائف الإدارية الأخرى فهي الإمام والمؤذن والسقا والفراش والشغَّال والبواب والكنّاس.
أما أهم المدارس الدينية في القدس فكانت المدرسة الباسطية والتي أوقفها القاضي زين عبد الباسط ابن خليل الدمشقي، والمدرسة الحمراء التي تولى مشيختها أسرة العلمي، والمدرسة الصلاحية والتي تعدّ من أهم مدارس القدس وأقدمها فقد بنيت في عهد السلطان صلاح الدين والتي تنسب إليه وتقع بالقرب من باب الأسباط بالقدس وقد تنوعت العلوم الدينية التي كانت تُدَّرس في هذه المدرسة كالقرآن الكريم والحديث الشريف والفقه.([9])
وقد أدت هذه المدرسة خدمات جليلة للعلم وطلابه، إذ درس فيها عدد كبير من طلاب العلم الذين وفدوا إليها من أقاليم ومدن شتى, ودرسوا على شيوخها الذين تمتعوا بمكانة علمية مرموقة , فقصدهم طلاب العلم ونهلوا من علمهم الذي اشتهروا به في الآفاق.
كما كان بالقدس أنواع من المؤسسات التعليمية الصوفية كالخوانق والربط والزوايا وهي بمنزلة مدارس تدرس فيها أصول الصوفية وهي نوع من الحياة الروحية نشأت في صدر الإسلام اختلطت فيها ألوان الرياضة ومجاهدة النفس والفلسفة الروحية، وقد شجع العثمانيون الطرائق الصوفية، وأصبحت المناطق المجاورة للحرم مليئة بالمتصوفين، كما برزت عائلات مقدسية عُرفت بتصوفها، مثل عائلتي العلمي والدجاني، وكانت أهم الطرائق الصوفية في القدس المولوية والنقشبندية والخلوتية وكان لها أتباع وزوايا وتكايا، وقد اقتصرت المؤسسات التعليمية كما أسلفنا على ثلاثة أنواع من المدارس وهي الخوانق والربط والزوايا.([10])
وكانت أول (خانقاه) وهي كلمة فارسية وتعني مكان عبادة المتصوف تنشأ في القدس هي الخانقاه الصلاحية قرب كنيسة القيامة، وكان لها دور في الحياة العلمية في القدس حيث قرأ فيها المتصوفة القرآن وقام بالتدريس فيها مشايخ الصوفية الذين يعينون من السلطان العثماني.
أما الرُبط فقد استخدمها المتصوفون في القدس مكاناً للجهاد وضد النفس كما اتخذوها أماكن للمطالعة والكتابة بسبب وجود المكتبات فيها ومن أهم ربط القدس الرباط المنصوري الذي أنشأه الملك المنصور قلاوون عام 1282، ورباط الأمير بيرم جاويش الذي أنشأه في عام 1540 في عهد السلطان سليمان القانوني، أما الزوايا فقد كانت تقام فيها الأذكار وكان لها مغزى اجتماعي حيث يلتقي فيها أبناء البلد الواحد ممن كانوا في القدس كالمغاربة والهنود وغيرهم.
وأهم الزوايا الزاوية البسطامية في حارة المشارقة والزاوية النقشبندية، عند باب الغوانمة والزاوية القادرية نسبة لمؤسسها عبد القادر الجيلاني.([11])
كما أقيمت عدة قباب تذكارية في مدينة القدس أغلبها داخل الحرم الشريف ووظفت في بعض الأغراض الثقافية والتعليمية؛ ومن أهمها قبة المعراج، والقبة النحوية، وقبة سليمان، وقبة الأرواح، وقبة الخضر، وقبة يوسف.
3- المدارس الحكومية والخاصة:
شهدت القدس في القرن التاسع عشر ولاسيّما عصر التنظيمات تطوراً فكرياً وثقافياً وقد مهد حكم محمد علي لفلسطين(1831-1840) لهذا التطور وكانت نقطة تحول في تاريخ القدس، إذ شهد الحكم المصري شيئاً من تحديث الإدارة، ونشر روح التسامح، وطبَّق أفكاراً تحديثية في أسلوب الحياة في القدس عندما سمح بدخول التأثيرات الأوروبية التي زادت من النشاط الثقافي، وشعرت الدولة العثمانية بضرورة إنشاء مدارس حكومية لتدريب التلاميذ وتعليمهم حسب النظم الحديثة، فبادرت الدولة إلى إنشاء المكاتب الإعدادية، وصدرت أول حولية لنظارة المعارف العمومية العثمانية عام 1898 وأشارت إلى ضرورة تطوير المناهج في القدس بما يكفل تطبيق أحدث التطورات التربوية مع الحفاظ على قيمنا الروحية والقومية والاهتمام بالتربية البدنية والعسكرية، وضم المكتب الإعدادي في القدس في عام 1896   81 طالباً، وكان هناك أربع مدارس للطوائف المسيحية ثلاث إعدادية، وواحدة لكل من الروم والأرمن واللاتين ضمت 104 طلاب، والرابعة للروم بالمرحلة الأساسية ضمت 140 طالباً.([12])  
أما المدارس الأجنبية فقد كانت تابعة لمؤسسات تبشيرية مسيحية، فكان في القدس مدارس للفرنسيسكان يتعلم فيها التلاميذ القراءة والكتابة بالعربية والإيطالية واللاتينية، وأيضاً كان هناك مدرسة حياكة للفتيات العربيات، كما أنشأت النساء الألمانيات مدرسة لليهود قرب كنيسة ضريح المسيح لتعليم صبية اليهود الحرف، وفتحت الطائفة اليونانية الأرثوذكسية مدرسة للصبيان العرب على أساس منهج أشمل وأحدث من ذلك الذي كان يدَّرس في مدرسة ((القدس المخلص))، كما أسس الدكتور الألماني شنيلر (Schneller) سنة 1860 دار الأيتام السورية والتي كانت عبارة عن معهد لتعليم الأيتام الصنائع واللغات، ضمت نحو 700 تلميذاً، وكان فيها معامل للخزف وتعلم النجارة والحدادة، كما كان لليهود في القدس مدارس تعلم التوراة والتلمود ومدارس تعلم العلوم الحديثة، وأشهر مدارسهم في القدس كانت (مدرسة الأليانس) ومدرسة بيت ساليل ومدرسة لاميل وغيرها.([13])
وقد تعددت المدارس والمعاهد العلمية في القدس، من حكومية وطنية وأجنبية، وقد تابع الطلاب المتفوقون من هذه المدارس دراساتهم العليا في جامعات استانبول وبيروت، وبرز منهم علماء تولوا مناصب إدارية هامة من أمثال يوسف الخالدي رئيس بلدية القدس وعلي الريحاوي الشاعر الفصيح وإسعاف النشاشيبي أديب ولغوي وخليل السكاكيني الكاتب اللغوي في علم اللسان وحنا أفندي بطاطو الأديب المقدسي، وغيرهم من الكتاب والأدباء الكبار.
رابعاً- دور المكتبات في الحفاظ على التراث المقدسي:
كانت المكتبات الأولى التي عرفتها القدس هي مكتبات الأديرة المسيحية وكان بعضها موجوداً في فلسطين قبل دخول الإسلام إليها،كما وجدت المكتبات في الجوامع والمساجد والزوايا بعد الفتح العربي الإسلامي، كان من أقدم مكتبات المدارس مكتبة دار العلم الفاطمية في القدس التي أنشأها الحاكم بأمر الله في القرن الحادي عشر الميلادي، على غرار مكتبة دار العلم الفاطمية في القاهرة.([14])
وقد عرفت القدس خلال الحكم العثماني نوعين من المكتبات، هما المكتبات العامة، والمكتبات الخاصة. أمّا المكتبات العامة فتشير بعض المصادر إلى وجود نحو خمسين مكتبة في مدينة القدس امتلأت خزائنها بآلاف الكتب المنوعة، وأهم هذه المكتبات مكتبة المسجد الأقصى، ومكتبات المدارس، ومكتبات الأديرة، وتعدّ مكتبة المسجد الأقصى من أهم دور الكتب في القدس، إذ كان المسجد كغيره من المساجد الكبيرة مركزاً للحياة العلمية، ومدرسة لتدريس العلوم الدينية وتحتوي مكتبة المسجد الأقصى على عدد كبير من الكتب في مختلف الموضوعات، مثل اللغة والحساب والدين والتاريخ، كما تحتوي عدداً من نسخ القرآن الكريم التي وقفها رجال الدين الإسلامي، وأفراد الهيئة الحاكمة.
وجاء في حولية لنظارة المعارف العثمانية ( أن في بيت القدس مكتبة تدعى المكتبة الخالدية في حي السلسلة أنشئت عام 1317هـ/1900م جمعت 1318 كتاباً أقامتها والدة الحاج راغب الخالدي).([15])
أما مكتبات المدارس فكانت عبارة عن قاعة مخصصة للكتب في كل مدرسة، يشرف عليها أحد الموظفين، وقد كانت في المدرسة الأمينية  قاعة مخصصة لكتب الشيخ محمد صالح الإمام، شيخ المدرسة في القرن التاسع عشر الميلادي. وأما مكتبات الأديرة فقد أشارت سجلات المحاكم الشرعية في القدس إلى وجودها حيث وجدت مكتبة في دير السلطان كتبت بلغة الأحباش.([16]) 
وما يخص المكتبات الخاصة فكانت لدى الأفراد من كبار العلماء والأعيان والمدرسين ثم العائلات في القدس مكتبات خاصة تتناول العلوم الدينية واللغة والفلسفة والتاريخ والطب، ومن هذه المكتبات مكتبة عبد الحي جار الله، وكانت تضم كتباً في الفقه والحديث والفلسفة والتاريخ واللغة والطب، ومكتبة الشيخ سليمان أفندي المدرس ومكتبة فتحي صالح أفندي ومكتبة حسين أفندي نقيب الإشراف، ومكتبة محمد نسيبة ومكتبة خليل الجاعوني. كما كانت في القدس مكتبات مهمة مثل مكتبة أبي السعود المقدسية ومكتبة آل البديري ومكتبة آل قطينة وسواها، وكانت تضم آلاف الكتب ومئات المخطوطات.
وكانت في القدس مكتبات تابعة للطوائف المسيحية ومن أقدمها مكتبة القديس المخلص والتي تضم ما يزيد على 25 ألف كتاب بلغات مختلفة, وكذلك المكتبة البطريكية الأرثوذكسية والمكتبة الإنجيلية وغيرها, والتي كان لها دور هام في الحفاظ على التراث المقدسي.
وحسب المؤرخ شوقي شعث (كان في القدس قبل النكبة عدد كبير من المكتبات العامة والخاصة بلغ عددها ما يربو على تسع وأربعين مكتبة وقد تأسست أقدمها عام 558م. وهي مكتبة القديس المخلص وآخرها تأسس عام 1944 وهي مكتبة قلم المطبوعات بحكومة فلسطين, ومن تلك المكتبات فضلاً عن المكتبتين المذكورتين أعلاه: مكتبة الخليلي (1725), ومكتبة القديس جورج (1890), والمكتبة الإنجيلية الأثرية الفرنسية (1890), والمكتبة الخالدية (1900), ومكتبة المدرسة الأمريكية للبحوث الشرقية (1801), ومكتبة المعهد الألماني الإنجيلي (1902), ومكتبة الآثار البريطانية (1920)).([17])
تعرضت هذه المكتبات في عام 1948 إلى السرقة والتدمير على يد الصهاينة، وكذلك فعلوا بمكتبات القدس الشرقية بعد نكسة 1967، وقامت بعض المؤسسات الفلسطينية وعائلة الخالدي بالتصدي للأطماع الصهيونية والحفاظ على التراث المخطوط في القدس وحمايته وصنع فهارس مفصلة لجميع المخطوطات.([18])  
خامساً- أهمية حركة التعريب والطباعة والصحافة المقدسية:
أسهم عدد من المثقفين والمبدعين في القدس بنصيب كبير في الترجمة منذ وقت مبكر من النهضة العربية وأغنوا الحركة الثقافية فيها، وقد بدأ نشاطهم في هذا الميدان منذ سنة 1860، ومن بين الترجمات ما قام به يوسف دباس اليافي بترجمة فرانسيسكو سوافيواس ((مرشد الأولاد))، وأخذت حركة التعريب تتقدم بتقدم المجتمع المقدسي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. كما عرَّب بندلي صليبا الجوزي كتاب (الأمومة عند العرب) عن اللغة الألمانية وطبعه في قازان عام 1902.([19])
ومنذ عهد إبراهيم باشا ظهرت عدة أنواع من الصحف أثرت في الحياة الثقافية في القدس، ونشأ مناخ ملائم للترجمة في فلسطين، ومن أهم الصحف التي أسهمت في تنشيط حركة التعريب مجلة ((النفائس العصرية) لخليل بيدس الذي بذل جهداً كبيراً في الترجمة عن اللغة الروسية فقد ترجم ما لا يقل عن عشرة كتب ما بين عامي 1898 و 1919 ، فضلاً عن ترجمة الروايات القصيرة التي كان ينشرها في مجلته، كما ترجم انطوان بلان أحد أساتذة المدرسة الروسية في القاهرة الذي عرَّب رواية ((سبيل الحب)) عام 1912 وحكايات ((سياحة في عالم الخيال)) وخواطر من كتاب (( طريق الخيال)) لتولستوي، وترجم العديد من الكتاب أمثال سليمان بولس وإبراهيم جابر وعبد الكريم سمعان ولطف الله الخوري الصراف والسيدة كلثوم عواد روايات ومقالات عديدة عن الرواية نشروها في ((النفائس العصرية))، كما أسهمت مدارس الإرساليات الروسية في الناصرة وبيت جالا في رفد حركة التعريب، فترجم خريجها سليم تبعين عن تولستوي وبوشكين وغوركي كتباً رائعة ككتاب ((حكم النبي محمد )) و((محكمة جهنم)) لتولستوي.([20])
كما ترجم جبران مطر عن الألمانية عدة قصص وحكايات. وشارك في التعريب من الألمانية بندلي الجوزي والياس نصر الله الذي ترجم رواية (( ناثان الحكيم)) للكاتب الألماني لسنغ وطبعها في مطبعة دار الأيتام في القدس.
وقد اهتمت الطائفة الأرثوذكسية في القدس باللغة اليونانية، فترجم توفيق اليازجي قصائد عدة للشاعر اليوناني يوانس بوليتي، وكان من البديهي أن تكون للقدس صلة باللغة التركية (العثمانية) التي كانت تكتب بالأحرف العربية) وقد ترجم عبد الله مخلص كتاب نامق كمال ((سيرة الفاتح السلطان محمد الثاني))([21]).
ويرى المتتبع لحركة الترجمة في فلسطين أنّ معظم أعمالها طُِبعت في مطابع القدس، وكانت الكنائس المسيحية قد اشترت بعض المطابع في عام 1862 من أوروبا، وكان لدار الأيتام الإسلامية بالقدس مطبعتها الخاصة, وقد أثرت الصحف وحركة الترجمة والطباعة المقدسية في حركة الفكر والثقافة ودفعتها إلى الأمام، وعكست مدى عزم أهل القدس على التفتح والتنوع الثقافي والحداثة.
فقد أصبحت القدس مركزاً ثقافياً وإعلامياً خلال العهدين العثماني والبريطاني. وظهرت فيها صحف حكومية، من أهم تلك الصحف:
1-   القدس الشريف: تأسست هذه الجريدة كجريدة حكومية عام 1876, وكان يرأس تحرير القسم العربي من الجريدة الشيخ علي الريحاوي, أما القسم التركي فقد رأسه عبد السلام كمال وكانت تصدر مرة واحدة في الشهر باللغتين العربية والتركية.
2-   الغزال: تأسست عام 1876 كجريدة رسمية أيضاً تصدر مرة واحدة في الشهر يرأس تحريرها الشيخ علي الريحاوي.
3-   الأصمعي: وهي مجلة أدبية اجتماعية, وكانت تصدر في القدس ويافا مرتين في الشهر بإشراف الأستاذ حنا عبد الله العيسى.
4-    سورية الجنوبية: كانت تصدر بالقدس بإشراف الأستاذ المؤرخ عارف العارف ومحمد حسن البديري عام 1919.
5-    الدستور: صدرت بالقدس عام 1913 بإشراف خليل السكاكيني.([22])   
هذا إلى جانب عدد آخر من الصحف والمجلات. ومما ساعد على انتشار الصحافة في القدس إنشاء مطابع خاصة كمطبعة جورج حبيب (1894), والمطبعة البروتستانتية (1867).
وبعد عام 1908 انتشرت المطابع, وأصبح لكل جريدة مطبعة خاصة بها ومنها النفير, ويعدُّ عام 1908 نقطة انطلاق الصحافة العربية, وذلك لأن الدستور العثماني ضمن حرية الصحافة وسمح بإصدارها حيث بلغت الصحف في ذلك العام 15 صحيفة منها 12 في القدس, وقد أدّت تلك الصحف دوراً بارزاً في الكشف عن الأهداف الحقيقية للصهيونية لتهويد فلسطين, كما قامت بحملات ضد الهجرة اليهودية.([23])


([1]) - حسن الحسيني، تراجم أهل القدس في القرن الثاني عشر الهجري، دراسة وتحقيق سلامة النعيمات، عمان 1985، ص10.
([2]) - كارين أرمسترونج، المرجع السابق، ص564.
([3]) - كامل العسلي، معاهد العلم في بيت المقدس، عمًَّان 1981، ص41.
([4]) - زياد المدني، المرجع السابق، ص265.
([5]) - كارين ارمسترونج, المرجع السابق, ص538.
([6]) - إحسان الدين أوغلو ، الدولة العثمانية، تاريخ وحضارة، نقله إلى العربية صالح سعداوي، عمَّان، ط1، 1991، ص309.
([7]) - زياد المدني، المرجع السابق، ص266.
([8]) - العسلي، المرجع السابق، ص51.
([9]) - مجير الدين الحنبلي، الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل عمَّان 1973، ج2، ص247.
([10]) - زياد المدني، المرجع السابق، ص275.
([11]) - مصطفى الدباغ، المرجع السابق، ج9، ص267.
([12]) - انظر مصطفى الدباغ، بلادنا فلسطين ج 10 ، ص135.
([13]) -  Lexikon Arabische Welt,  Gunther Barthel (Hrsg) Darmstadt 1990. S.307.
([14]) -  صلاح الدين المنجد، المخطوطات العربية في فلسطين، بيروت، دار الكتاب الجديد، 1972، ص24.
([15]) - انظر مصطفى الدباغ، ج10، ص137.
([16]) - زيادة المدني، المرجع السابق، ص282.
([17])- شوقي شعث, القدس الشريف, تقديم خيري الذهبي, وزارة الثقافة , دمشق 2009, ص236.
([18]) -  عائلة الخالدي من أقدم العائلات الفلسطينية في القدس، تنسب لخالد بن الوليد، تولت مناصب القضاء والإفتاء والتدريس في القدس منذ القرن الثامن الهجري.
([19]) - نضال علما، الترجمة الفلسطينية ومطابعها المقدسية في: المعارج ( العدد 107 ) 2008 ، ص222.
([20]) - نضال علما، المرجع السابق، ص223.
([21]) - المرجع السابق، ص224.
([22]) - انظر شوقي شعث, المرجع السابق, ص239.
([23]) - انظر الموسوعة الفلسطينية, ج3, ص8.