الثقافة في السياسة المغربية

النصوص القانونية الرئيسية في الحقل الثَّقافي

النصوص القانونية المشار إليها في هذا الفصل توجد بجدول 1.5 مرتبة ومرقمة حسب تاريخ إصدارها. ويتم الرجوع إليها في الجدول عن طريق الرقم الذي تحمله والمشار إليه بعلامة
تنقسم النصوص التشريعية في المغرب إلى ثلاثة أنواع رئيسية: الظهير، القانون، المرسوم.
الظهير أو الظهير الشريف، يعني ختم الملك الموضع على النصوص المصوت عليها في البرلمان، أي أن الظهير هو قرار ملكي. ويمكن أن يطلق الظهير على نصوص من نوع آخر كنصوص تعيينات في مراتب سامية كما يمكن أن يوقع الظهير بالعطف من طرف الوزير الأول.
إن القوانين بحكم الدستور، لا يمكن إصدارها إلاَّ بالتصويت عليها من طرف البرلمان، ويخول القانون للحكومة، في ظرف من الزمن محدود ولغاية معينة، أن تتخذ تدابير بمقتضى مراسيم تدخل في حكم القانون. وتدخل حيز التطبيق بعد نشرها وعرضها على البرلمان بقصد التصديق.
تدخل القوانين حيز التطبيق بظهير وتنشر في الجريدة الرسمية بعد إصدار الظهير.

التشريع العام

المغاربة قبل الحماية، كانوا يعيشون ثقافتهم في حياتهم اليومية، مندمجين في كل أشكالها بدون أن يحتاجوا لا لإدارات ومؤسَّسات، ولا لقوانين تنظم تلك الثَّقافة، لكن حينما جاءت الحماية، حيث بدأت مَأسسة المجال الثَّقافي عبر مصالح ومديريات وأقسام، الشيء الذي يعني أن النشاطات الثَّقافيَّة والحياة الثَّقافيَّة أصبحت تخضع لإدارة وتسيير وتمويل وحقوق، وكل هذا طبعا اقتضى إطارا قانونيا وتشريعات ينظم بموجبها الحقل والعمل الثَّقافي بحيث تشجعه أو تدافع عنه أو تحميه وتحفظه وتخطط له.
وبتفحص المواثيق الرسمية الصادرة بخصوص الثَّقافة المغربية خلال الخمسين سنة الأخيرة، تحيلنا على مدى الاهتمام الذي أولته وتوليه السلطات العمومية للإطار الثَّقافي.

                الدستور

يستمد القانون الدستوري المغربي أسسه من:
1) نظام الخلافة وإمارة المؤمنين لتشكل هذه الإديولوجية، خلفية عقائدية ومنبعا جوهريا لشرعية استمرارية النظام. الملك يكون حجر زاوية النظام، هو ولي العهد للسلطان والذي بدوره ما هو إلاَّ مؤسَّسة منبثقة مباشرة من قانون عام إسلامي قديم وغني بتراكماته العقائدية المتنوعة على مدى عدة قرون. إن السلطنة في المغرب تمارس على أسس مستمرة منذ القرن التاسع وبالتحديد منذ السلالة الوطنية الأولى للأدارسة. وهكذا بدأ المغرب ينتظم تاريخيا حاملا معه بذور التشكيلة الحالية في إطار ثلاث حركيات بنفس الفترة تقريبا، هي نشأة الإسلام، التماسك الوطني وأسس الدولة المغربية. إن الملكية بالمغرب، والمستمدة تاريخيًّا من خليفة بغداد، كانت دائمًا عنصرًا لتنظيم الحقل الديني والسياسي اللذين يكونان بعدين متماسكين في ما بينهما. فكل السلالات المتعاقبة على المغرب كانت دائمًا تحرص على أن تستمد شرعيتها على أسس دينية والسلطان كان دائمًا الخليفة وأمير المؤمنين.
2)   بدأت الفكرة العصرية للملكية الدستورية تتطور تدريجيًّا منذ الاستقلال سنة 1956، بحيث انخرط المغرب تدريجيًّا في الحداثة المؤسَّساتية. ولا بدّ هنا من الإشارة إلى الحركة الدستورية الأولى التي قامت في بداية القرن العشرين قبل أن تفرض الحماية على المغرب. ففي سنة 1908 صدر في جريدة "لسان المغرب" بمدينة طنجة أول مشروع للدستور المغربي لكنه أجهض من طرف الاستعمار الفرنسي.
تطور الدستور المغربي
منذ بداية 1956 عين الملك محمد الخامس "المجلس الوطني الاستشاري" الذي يعتبر بمثابة النواة الأولى لمجلس المداولات والذي مهد الطريق إلى ظهور في 7 دجنبر سنة 1962 أول دستور مغربي في عهد الملك الحسن الثاني. عرف المغرب على التوالي 5 دساتير: دستور 1962، دستور 1970، دستور 1972، دستور 1992 ودستور 1996 [45]. وفي الحقيقة -وبغض النظر عن حياة دستورية وسياسية مضطربة عاشها المغرب أحيانًا- يمكن تحديد دستورين رئيسيين: الأول دستور سنة 1962 والثاني دستور سنة 1992. فالأول يعتبر دستور الدولة العصرية ما بعد الاستقلال والذي وضع القواعد لهيكلة منسجمة ولم يعرف إلاَّ بعض التحديثات التقنية في مراجعات سنوات 1970 و1972 بحيث لم تمس الاقتصاد العام لنظام سبق وإن حددت معالمه بصفة نهائية منذ 1962. بالمقابل، يعتبر دستور 4 شتنبر 1992 أكثر من مجرد مراجعة، بل يعد تطهيرا حقيقيا إذ أدخلت عناصر حداثة برلمانية واضعا بذلك قطيعة مع النظام المسطر في دستور السنوات السابقة ومحتفظا بقواعد الشرعية التاريخية للحكم الملكي. أما دستور 1996 فما هو إلاَّ تعديل من أجل إحداث برلمان ذي غرفتين.
الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور
إن الترتيبات الدستورية والقانونية المخصصة في هذا الباب مهمَّة، فإذا كان في المغرب يطرح مشكل الحقوق والحريات، فهو على مستوى تفعيل الترتيبات القانونية وليس على مستوى الخصاص في التشريعات. ولا بدّ من الإشارة إلى أن القوى الديموقراطية بالمغرب من أحزاب وطنية ومنظمات المجتمع المدني التقدمي وحقوق الإنسان ما فتئت تطالب بقوة وبإلحاح بضرورة تحيين النصوص في هذا المجال من أجل ملاءمة أحسن مع الثَّقافة العالمية لحقوق الإنسان.
يخصص الباب الأول من الدستور للمبادئ الرئيسية للحقوق والحريات الأساسية من تجول وحرية الاستقرار بجميع أرجاء المملكة وحرية الرأي والتعبير بجميع أشكاله وحرية الاجتماع وحرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في أي منظمة نقابية وسياسية ولا يمكن وضع حدّ لها إلاَّ بمقتضى القانون ولا يمكن انتهاك حرمة المنزل ولا تفتيشه إلاَّ طبق الشروط المنصوص عليها في القانون ولا يمكن انتهاك سرية المراسلة. ويحدد أيضًا في هذا الباب فصلاً خاصًّا حول ممارسة الدين إذ يؤكد أن الإسلام هو دين الدولة والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية في إطار خصوصيات الدين الإسلامي ومن ثَمَّ تمنع الردة.
ويتضح من خلال كل هذا أن القانون الدستوري المغربي غني وكثيف ويطبعه تطور متواصل مهتما من جهة باستمرارية النظام الضامن للاستقرار في أجواء إقليمية غير مستقرة ومن جهة أخرى عازما على توجه قوي نحو حداثة لا رجعة فيها. هذه الدياليكتية بين الاستمرارية - الاستقرار والحداثة - التجديد، تبدو سمة أساسية تلخص كل التناقضات والتعقيدات التي تعرفها البلاد. وبالفعل، فالمغرب يبدو أنه نجح في رهانه على الرغم من الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتي تكلف أحيانًا ثمنًا باهظًا.

                الفصل التشريعي

يعرف المغرب منذ مطلع هذا القرن، تحوُّلات جد عميقة على مستوى تشريعاته وذلك في مختلف المجالات بما فيها تلك التي تتعلق بالمجال الثَّقافي. إذ أن المغرب فتح ورش تحيين وملاءمة قوانينه مع ما هو متعارف عليه دوليا وبخاصَّة تلك المتعارف عليها في دول الاتحاد الأوربي نظرًا إلى الروابط المتينة التي تجمع المغرب بهذا الاتحاد على عدة مستويات وبالأخص في الميدان الثَّقافي. إن التشريع المغربي -وبخاصَّة في المجال الثَّقافي- يبقى مستوحى أصلا من التشريع الفرنسي بصفة عامَّة نظرًا إلى العلاقات التاريخية التي تربط المغرب بفرنسا.
جل النصوص القانونية والتشريعية المتعلقة بتنظيم المجال الثَّقافي سبق أن أشرنا لها ضرورة في الفصول 2، 6، و7 وهي مدرجة في جدول 1.5.
على مستوى وزارة الثَّقافة
في إطار التوجهات الحكومية الرامية إلى تحديث وتطوير الإدارة العمومية وجعلها قريبة من انشغالات المواطنين، تمت في سنة 2006 إعادة هيكلة وزارة الثَّقافة بموجب مرسوم [11] مركزيا وجهويا مرتكزة في ذلك على عنصرين أساسيين:
1)   إعادة تحديد مهام الوزارة من أجل الانتقال من إدارة للتسيير والتنفيذ إلى إدارة للتنشيط وتوجيه وتفعيل تدخلات مختلف الفاعلين في الحقل الثَّقافي، وتثمين الدور السياسي للوزارة
2)     إعادة النظر في توزيع المسؤوليات بين مختلف مستويات التنظيم بالوزارة مركزيا وجهويا ومَحَلِّيّا عبر تخويل المصالح غير الممركزة مزيدا من المسؤوليات في كل ما يتعلق بتدبير وإنجاز المشروعات.
على مستوى السمعي البصري
شكل إصلاح قطاع السمعي البصري أحد أولويات الحكومة (حكومة التناوب لسنة 1998) والذي تمخض عنه إحداث إطار تشريعي وتنظيمي سنة 2005 بإصدار قانون [20] تتخلى بموجبه السلطات العمومية عن احتكارها لهذا القطاع وحصر دورها في الوظائف الأساسية للضبط والتنظيم وتحديد الاستراتيجيات، مع الأخذ بعين الاعتبار الحريات العامَّة وحقوق الأفراد والقيم الحضارية والحياة السياسية للبلاد وتكييف مناخ الاتصال وتحسينه عن طريق الدفع بالصناعات المرتبطة بالاتصال وتشجيعها.
على مستوى الجماعات الْمَحَلِّيَّة
طبقا لظهير سنة 1959 كما تم تتميمه وتعديله [2] سنة 2009 يتكون التقسيم الإداري للمغرب من الجهة (عددها 16)، العمالة (عددها 21)، الإقليم (عددها 62) والجماعة الحضرية (عددها 82) والجماعة القروية (عددها 1421). تضم الجهة عددا من العمالات والأقاليم، أما العمالة والإقليم فهما وحدتان إداريتان لا يختلفان من حيث التنظيم، غير أن الفرق بينهما يكمن في كون العمالة تتشكل دائمًا في المدن الحضرية الكبرى.
ويعتبر دستور 1996 في الفصل 100 منه، الجماعات الْمَحَلِّيَّة هي كلا من الجهة والعمالة والإقليم والجماعة الحضرية والجماعة القروية. ويعرف الميثاق الجماعي [32] لسنة 2002 أن الجماعة الْمَحَلِّيَّة هي وحدة ترابية داخلة في حكم القانون العام تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي. وتنتخب الجماعة الْمَحَلِّيَّة مجلسا لها يتكلف بتدبير شؤونها تدبيرا ديموقراطيا طبق شروط يحددها القانون ويمارس المجلس بالأخص اختصاصات ذاتية واختصاصات تنقلها إليه الدولة. وتلعب الجهة دورا هامًّا على الصعيد الوطني إذ أن ثلاثة أخماس مجلس المستشارين (الغرفة الثانية في البرلمان) يتكونون من أعضاء تنتخبهم في كل جهة من جهات المغرب هيئة ناخبة تتألف من ممثلي الجماعات الْمَحَلِّيَّة. ينتخب مجلس الجماعة الْمَحَلِّيَّة الحضرية أو القروية عن طريق الاقتراع المباشر وتنتخب مجالس الجهة والعمالة والإقليم بطريقة غير مباشرة. يتولى العامل، ممثل الإدارة المركزية (الحكومة)، تنفيذ قرارات مجلس العمالة والإقليم كما يراقب أعمال مجلس الجماعة الحضرية والقروية طبق شروط يحددها القانون.
على صعيد التدبير المالي، فإن الجماعة الْمَحَلِّيَّة تملك نظاما جبائيا خاصا مَحَلِّيّا، كما تتمتع بالاختصاص في تحديد آليات وضع أساس معدلات بعض أنواع الضريبة، وكذا آليات تحصيلها وتحديدها. وتستفيد الجماعة الْمَحَلِّيَّة من تحويل حصة تعادل 30% على الأقل من ناتج الضريبة على القيمة المضافة TVA -، زيادة على ثلاثة ضرائب تحصلها مصالح الدولة ويتم تخصيصها للجماعات الْمَحَلِّيَّة (ضريبة التجارة - Patente، ضريبة النظافة - Taxe d"édilité، الضريبة الحضرية - taxe urbaine)، وتتمتع الجماعة القروية بالمداخيل الغابوية. كما تستفيد من مداخيل صناديق خاصَّة مدعمة من طرف الدولة (صندوق التنمية القروية، القروض الممنوحة للجماعات الْمَحَلِّيَّة، صندوق تنمية الجماعات الْمَحَلِّيَّة وهيئاتها). فعلى الرغم من الصفة اللا مركزية التي يخولها القانون للجماعة الْمَحَلِّيَّة، فإن وصاية الإدارة المركزية عليها تبقى حاضرة بقوة تمارس عليها بواسطة العامل وعلى الخصوص على مستوى التدبير المالي.
عرف الشأن الثَّقافي الْمَحَلِّيّ في تشريعات الجماعات الْمَحَلِّيَّة تطورًا ملحوظًا، ففي سنة 1960 تطرق أول نظام جماعي لمغرب ما بعد الاستقلال إلى الشأن الثَّقافي الْمَحَلِّيّ بطريقة محتشمة، إذ يشير في الفصل 25 منه إلى إمكانية مجلس الجماعة بأن يبدي فقط رغبات لها علاقة بالشأن الثَّقافي والديني، في حين نجد ظهير[58] الصادر في 30 أبريل 1917 (عهد الحماية) المتعلق بتنظيم المجالس البلدية، ينص في فصله الثاني على أن هذا الأخير يرخص لتأسيس المحلات المعدة للتمثيل والرقص والملاعب والموسيقى. أما في قانون لسنة 1976 المتعلق بالتنظيم الجماعي ينص في بابه 30 المتعلق بالاختصاصات على أن مجلس الجماعة يفصل في قضايا الجماعة ويتخذ التدابير اللازمة ليضمن للجماعة كامل نموها الاقتصادي والاجتماعي والثَّقافي وتوجه الاقتراحات والرغبات إلى السلطات المختصة في هذا الباب.
في ما يخص الميثاق الجماعي [32] لسنة 2002 فإنه يخصص مادَّة 41 منه "التجهيزات والأعمال الاجتماعية والثَّقافيَّة" بأكملها للشأن الثَّقافي، إذ أن هذه المادَّة تنص على أن المجلس الجماعي يقرر أو يساهم في إنجاز وصيانة وتدبير التجهيزات الاجتماعية والثَّقافيَّة والرياضية.