بيت المقدس

بيت المقدس وهو الاسم الذي دعاها به العرب المسلمون فهي أولى القبلتين وفيها ثالث الحرمين وإليها كان الإسراء والمعراج، وإيلياء هو الاسم الذي عرفها به العرب زمن الفتح وكتبه عمر بن الخطاب في العهدة العمرية، أما الاسم القديم للقدس (أورشليم) أي مدينة الإله سلم وقد ورد في نصوص اللعن المصرية العائدة للقرن التاسع عشر ق.م, كما تذكره رسائل العمارنة في القرن الرابع عشر*, والخريطة الموجودة في آخر (التوراة) الكتاب المقدس، والتي تبين أن الهيكل يقع تحت المسجد الأقصى بكل حدوده، إنما هي خريطة مفتعلة، ومن رسمها هو العالم اليهودي إسحق نيوتن عام 1725م ((صاحب نظرية الجاذبية المعروفة)) وليس كما يزعمون أنها رسمت ق.م.([1]) 
ويبدأ تاريخ القدس المكتوب من القرن الثامن قبل الميلاد، في عام 705 ق.م وفقاً للمعطيات الأثرية الحديثة التي نتولى تفسيرها بعيداً عن الإسرائيليات, وصل الملك الآشوري سنحاريب القدس وأخذ الجزية من ملكها حزقي إيل وشعبها، وفي عام 587 ق.م أحرق الملك الكلداني البابلي نبوخذ نصر أورشليم وسبى أهلها، ودمر هيكلها، وغنم كل ما فيه، وسبى قسماً من سكانها (وهو مايعرف بالسبي البابلي لليهود)([2]).
ولشدة اهتمام العرب بمدينة القدس فكر الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك بنقل عاصمة الدولة العربية الإسلامية إليها*، وعندما احتل الفرنجة القدس عام 1099م. ارتكبوا المذابح وقتلوا العرب المسلمين (لأنهم كفار) والمسيحيين لأنهم ((هراطقة)) ولما قام صلاح الدين بتحرير القدس من الفرنجة سمع العالم كله عن تسامح العرب ومعاملتهم الفريدة للفرنجة.
كانت القدس محور اهتمام صلاح الدين فيذكر مؤرخه ابن شداد أنه كان لديه من القدس المقيم المقعد فهي كانت همه الوحيد، وفي الحقيقة هذا ينطبق تمام الانطباق على القائد الخالد حافظ الأسد الذي كان يضع دائماً خلف مكتبه صورة حطين ويتطلع دوماً إلى حطين جديدة، وكانت القدس قضيته المركزية أوقف جل اهتمامه بها كرمز وكجوهر للقضية الفلسطينية([3]).
يكمن هدف هذا البحث في دراسة حياة القدس الفكرية ومشهدها الثقافي في العصر العثماني من خلال دراسة الجوانب الثقافية كالتربية والتعليم والتي تشمل المدارس والعلماء والطلاب والمساجد والزوايا والربط، وإبراز جوهر المكتبات والطباعة والصحافة وحركة الترجمة ودورها في الحفاظ على التراث المقدسي وإغناء الثقافة في القدس، وتسليط الضوء على المدينة التي عاشت أوج ازدهارها ومجدها على امتداد الحكم الإسلامي لها الذي امتد زهاء أربعة عشر قرناً، إنها القدس التي بلغ ما قد كتب عنها آلاف المجلدات والكتب والوثائق المحفوظة في الأرشيف العثماني باسطنبول([4]).
حظيت القدس باهتمام كبير في جميع أنحاء العالم, ولم يكن هذا الاهتمام دينياً فقط, ولكنه اتسع ليشمل اهتمامات أخرى حضارية وثقافية واجتماعية وسياسية وغيرها, ورغم اختلاف الدوافع من زمن إلى آخر , إلا أن المدينة بقيت مسرحاً لأحداث عظيمة مازالت موضع بحث وتقويم حتى اليوم, ومازالت مدينة تنبض بالحياة, لم ينقطع ماضيها عن حاضرها.
أولاً: مصادر الحياة الثقافية في القدس والدراسات السابقة:
ظهرت عدة بحوث تاريخية وأدبية واجتماعية موثقة أحياناً, من رحالة ومؤرخين ومهتمين هدفت من خلالها دراسة المجتمع المقدسي في العصر العثماني, ولاشك في أن مصادر الحياة الثقافية والتعليمية في القدس إبان العصر العثماني (1517-1917) اعتمدت على الثقافة العربية الإسلامية بالدرجة الأولى، فمن ذلك كتب الأخبار والتراجم والرحلات، وكذلك كتب الفتاوى الشرعية الإسلامية، وقد وفرت سجلات المحاكم الشرعية التي كُتبت بالعربية مصدراً محلياً واسعاً ومباشراً لدراسة مدينة القدس، وأعطت الباحثين القدرة على الاستفادة من وفرة المعلومات التي احتوتها سجلات محكمة القدس الشرعية، ويمكن عن طريقها رصد جوانب الحياة المختلفة من إدارية واقتصادية واجتماعية وتعليمية وثقافية، وهذا المصدر المحلي يسدُّ النقص في المادة التي تقدمها كتب التاريخ عادة، ويعطي تفاصيل دقيقة عن مظاهر الحياة اليومية والأماكن والجزيئات التي يغفلها عادة المؤرخون، والرحالة الذين يقدمون الصورة من منظورهم الآني المحدد الزمن([5])
ويعدُّ الأرشيف العثماني في استانبول من أهم المصادر في فهم الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمدينة القدس ودراستها، وأهمية هذه الوثائق تنبع من احتوائها الكثير من المعلومات عن القدس ومخططات الصهيونية للاستيلاء عليها منذ منصف القرن التاسع عشر، فقد أولت الدولة العثمانية اهتماماً كبيراً بالوثائق والسجلات في عهد السلطان مصطفى- القرن الثامن عشر بإنشاء الخزينة الخاصة بالوثائق، ثم أنشئ الأرشيف أو خزينة الأوراق في عهد السلطان عبد الحميد ويحتوي هذا الأرشيف على مئة مليون وثيقة عن الوطن العربي*، وهناك خزانة خاصة بوثائق القدس وفلسطين في أواخر العصر العثماني، وتؤكد هذه الوثائق أن الدولة العثمانية وعلى رأسها السلطان عبد الحميد الثاني لم يفرطا في القدس على الرغم من كل الضغوط التي مورست عليهما، وقد استفاد بعض الباحثين الأجانب من هذه الوثائق التي كتبت عن البلاد العربية وقاموا ببعض الدراسات المتعلقة بها كالباحث البريطاني برنارد لويس الذي كتب بعض البحوث في هذا الشأن منها:
-   (الأرشيف العثماني كمصدر لتاريخ البلدان العربية) و( دراسات في التاريخ العثماني، كما وضع أوريل هايد (Uriel Heyd) وهو باحث يهودي دراسة عن تاريخ فلسطين ضمَّنها نماذج من الفرمانات (المراسيم) العثمانية المتعلقة بفلسطين، وذلك في كتابه (فلسطين العثمانية 1552-1626) الذي صدر عام 1960.([6])
كما تزودنا كتب الرحلات بمعلومات غزيرة وهامة عن القدس في العهد العثماني فترصد لنا اهتمام المسلمين ببناء المساجد في القدس، وتنبه على موضوع الأوقاف الإسلامية التي لا يمكن التصرف بها، حتى تبقى المدينة المقدسة عربية إسلامية أبد الدهر، ثم تعطينا أهمية خاصة للحياة الاجتماعية وعلاقة سكان القدس ببعضهم بعضاً وظهور الطرائق الصوفية المختلفة، وارتباطها بعناصر السكان المحليين، وهذا الجانب يشير إلى استمرار الشخصية الثقافية- المميزة للمدينة المقدسة، والتي شاركت فيها كل قطاعات الطوائف بدرجات متفاوتة.
وقد زار الرحالة التركي (أوليا جلبي) القدس عام 1670 فقال ((القدس بلد عظيمة، هواؤها عليل، وماؤها عذب، وسكانها نضار الوجوه. وفيها 240 مسجداً، و7 دور للحديث و 10 دور لتعليم القرآن، و40 مدرسة للبنين، و6 حمامات، و18 سبيلاً للماء وتكايا لسبعين طريقة إسلامية)).([7])
كما زار القدس العديد من الشخصيات العربية والعالمية مثل زيارة الشيخ عبد الغني النابلسي للقدس عام 1690، ورحالة إنكليزي اسمه هنري مندريل. زار القدس في سنة 1696 في عيد الفصح وأعجب بها، كما زارها المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون وتحدث عنها مطولاً في كتابه ((حضارة العرب)) في سنة 1884.
وكان للزيارة الهامة التي قام بها الإمبراطور الألماني غليوم الثاني إلى القدس عام 1898 والتي دامت أحد عشر يوماً صداها في العالمين العربي والإسلامي حيث زار كنيسة القيامة والمسجد الأقصى ودشن كنيسة ألمانية إنجيلية وقال( إن مجيئي إلى القدس الشريف لم يكن مبنياً على غايات سياسية ، بل لأنني كنت أميل إلى زيارة  هذه المدينة المقدسة التي مات فيها السيد المسيح، ثم قام وصعد إلى السماء).([8])
وأكدت هذه الزيارة الصداقة الألمانية – العثمانية وأكد الإمبراطور الألماني في خطبة له في دمشق (( بأنه يُطمئن السلطان والثلاثمئة مليون مسلم أنهم سيجدون في إمبراطور ألمانيا صديقاً لهم على الدوام))([9])، ثم زار ضريح البطل صلاح الدين الأيوبي ووضع عليه إكليلاً من الزهور، وأمر بوضع مصباح من الفضة للضريح هدية له بوصفه أحد المعجبين إعجاباً بالغاً بالبطل المسلم.
وقد نشر عدد من الأوربيين بحوثهم في كتب مستقلة أو في مجلة Palastine Exploration Found وفيها معلومات قيمة عن الأوضاع الثقافية في القدس.
ومن بين الكتابات الحديثة والعديدة التي وصفت مدينة القدس نجد كتب عارف العارف عن (القدس) والذي كان متمرساً بخبرات المؤرخ الإسلامي الموسوعية, وتقاليده الكتابية, فضلاً عن متابعة نتائج الدراسات التاريخية واللغوية والآثارية الحديثة نموذجاً لذلك.
وكتاب كارين ارمسترونج (القدس مدينة واحدة ثلاث عقائد) والتي عالجت فيه أهمية القدس السياسية والدينية والبنى الاجتماعية فيها. كما يعدُّ كتاب زياد المدني (مدينة القدس وجوارها خلال المدة 1800 – 1820) من أهم الدراسات التي استفادت من المعلومات التي احتوتها سجلات محكمة القدس الشرعية.


* الذي ورد في نصوص اللعن هو أشاميم وتعني بلاد الشام، لكن جرى اعتماد التمويم بدلاً من التنوين.
( - ([1]انظر: محمد بهجت القبيسي، القدس مملكة السماء، في: صحيفة الوطن السورية ، دمشق، العدد(632) 23/4/2009، ص14.
[2])) - انظر الموسوعة العربية، المجلد الخامس عشر، دمشق،2006، ص251.
* وهذا موثق من خلال ترجمة سليمان بن عبد الملك في كتاب "تاريخ دمشق" لابن عساكر و"الأنس الجليل" للحنبلي.
(([3] - انظر نجلاء دنورة, ندوة حوارية عن القدس في التاريخ في صحيفة الثورة, دمشق, العدد 13817 , 19/1/2009.
([4]) - عيسى القدومي, الأرشيف العثماني وكنوز تاريخ القدس, في مجلة المعارج, العدد 107 , 2008, ص 730.
([5] ) - زياد المدني، مدينة القدس وجوارها1800-1830، منشورات بنك الأعمال، عمَّان 1996، ص17.
*- حسب ماذكره الباحث التركي أحمد زكي أوزجي المختص في الوثائق العثمانية في استانبول في مجلة المعارج, المرجع السابق,ص71 .
([6]) - عيسى القدومي، المرجع السابق, ص71-73.
([7])بلادنا فلسطين, بيروت, دار الطليعة 1971, ج10,، ص53.
([8]) - إبراهيم الأسود، كتاب الرحلة الامبراطورية في الممالك العثمانية، تقديم خيري الذهبي، منشورات وزارة الثقافة- دمشق 2008، ص64.
([9])-  Alex Carmel: Der Kaiser –reist ins Heilige Land, Stuttgart 1991 S.170.