أزمة الهوية الإسلامية



أزمة الهوية الإسلامية:-
تنتمي أزمة الهوية الإسلامية المعاصرة للشباب المسلم لذلك النوع من الأزمات المزمنة الذي تتشعب أسبابه وتتفرع متعلقاته، فالنظرة لها يجب أن تكون نظرة شاملة متعمقة دارسة للواقع الفعلي لذلك الشباب المسلم وتيارات التأثير التي تؤثر فيه ومنابع المد التي تمده وتغذيه، فهي أزمة تجتمع فيها مسارات سياسية وعقائدية وفكرية ثقافية وتنموية اجتماعية تجتمع كلها لتشكل أزمة التكوين الثقافي والسلوكي والعقائدي والفكري لذلك الشباب المسلم الذي ينتشر في ربوع الأرض، بعضه يعيش في موطنه والبعض الآخر خارج وطنه، والغريب الداعي للبحث أن كليهما يعاني من أزمة الهوية!!

إن المسار التاريخي قد أفرز فسحة في البناء الحضاري اسمها (القابلية للاستعمار)، وهذه الفسحة تعكس تنامي عوامل التفكك في الأبعاد الفكرية و السياسية والاقتصادية والاجتماعية كما تعكس تراجعاً كبيراً في الانتماء العقائدي للشباب في تلك المساحة الاستعمارية التاريخية، فهنا إذن مساحة تسمح للبؤر الناشئة في عصر التفكك والضعف بالارتباط بمركز آخر للتلقي والتوجيه ونفس الشيء يحدث بالنسبة للوعي عندما يبدأ بالتواصل مع مرجعيات مغايرة وليس المهم أنها تابعة للمركز الاستعماري بقدر ما هي مبتعدة عن المركز الحضاري الأصلي وهو في قضيتنا هنا الحضارة الإسلامية، وبالتالي فإن الوعي سيبدأ بالتغير وستفقد المقولات الأصلية التي تكون الهوية هيمنتها عليه فيغدو القبول بمقولات الآخر شيئاً مألوفاً،وبسلوكيات الآخر وطريقة تفكيره وربما يتنامى ذلك أيضاً للاعتقاد!!

 وهذا يعني إلغاء التجانس (الاقتصادي، الاجتماعي، السياسي، الثقافي، الفكري، الاعتقادي) ذلك الذي يعد أهم مظهر من مظاهر وحدة الحضارة وتحديد الهوية، ولذا يمكن أن نعرف ذاك التجانس بأنه (العناصر المشتركة التي تصلح كمقومات لبناء هوية مجتمع واحد للأمة)، وعليه فإن مقابلة أي تعدد سيعني زوال ذلك التجانس الذي يفرز الحضارة ويبني الهوية، فكما أن قضية الهوية الشخصية يعد أزمة موجبة للعلاج فإنه لابد للنظر إليها من خلال أزمة أخرى أكثر إيجابا للعلاج هي أزمة الهوية المجتمعية التي تسبب الضياع الفردي والذوبان في المغاير...

وتستعمل كلمة(هوية) في الأدبيات المعاصرة لأداء معنى كلمة Identity التي تعبر عن خاصية المطابقة: مطابقة الشيء لنفسه، أو مطابقة لمثيله، وفى المعاجم الحديثة فإنها لا تخرج عن هذا المضمون، فالهوية هي: حقيقة الشيء أو الشخص المطلقة، المشتملة على صفاته الجوهرية، والتي تميز عن غيره، وتسمى أيضاً وحدة الذات.

ولذلك فإذا اعتمدنا المفهوم اللغوي لكلمة هوية أو استندنا إلى المفهوم الفلسفي الحديث فإن المعنى العام للكلمة لا يتغير، وهو يشمل الامتياز عن الغير، والمطابقة للنفس، أي خصوصية الذات، وما يتميز الفرد أو المجتمع عن الأخر ون  من خصائص ومميزات ومن قيم ومقومات.
وخلاصة الأقوال: إن الهوية الثقافية والحضارية لأمة من الأمم، هي القدر الثابت، والجوهري والمشترك من السمات والقسمات العامة، التي تميز حضارة هذه الأمة عن غيرها من الحضارات، والتي تجعل للشخصية طابعاً تتميز به عن الشخصيات الأخرى.
أولاً: مظاهر ضعف الهوية الإسلامية لدى الشباب المسلم..
تتكاثر المظاهر التي قد يراها البعض انفتاحاً وتقدماً ورقياً في حين يراها الآخرون إذلالاً وتبعية وذوباناً للهوية..
يقول الدكتور محمد إسماعيل المقدم: يمكنك أن ترى أزمة الهوية الإسلامية في الشباب الذي يعلق علم أمريكا في عنقه وفي سيارته، وفي الشباب الذي يتهافت على تقليد الغربيين في مظهرهم ومخبرهم، وفي المسلمين الذين يتخلون عن جنسية بلادهم الإسلامية بغير عذر ملجئ ثم يفتخرون بالفوز بجنسية البلاد الكافرة وفي المذيع المسلم الذي يعمل بوقاً لإذاعة معادية لدينه من أجل حفنة دولارات،...... وفي أستاذ الجامعة الذي يسبح بحمد الغرب صباح مساء... وفي كل ببغاء مقلد يلغي شخصيته ويرى بعيون الآخرين ويسمع بآذانهم وباختصار: يسحق ذاته ليكون جزءاً من هؤلاء الآخرين " أيبتغون عندهم العزة "؟!

 ويقول الدكتور عصام هاشم: يوم أن ضيَّع أفراد الأمة هويتهم، وذهبوا يتخبطون في دياجير ظلمة الحضارة المعاصرة بحثاً عن هوية، ظهرت نسخة مشوهة من الحضارة الغربية بين شباب بلاد الإسلام، حيث ظهر من يقلدهم في لباسهم وأكلهم وشربهم وقصات شعورهم، بل وحتى في سعيهم البهيمي في إشباع شهواتهم، وظهر من فتيات الإسلام كذلك من تعرت وتفسخت وتركت حجابها وظهرت على شاشات الفضائيات والقنوات مغنية أو راقصة أو مقدمة، والأدهى من ذلك والأمر أن هناك من بني جلدتنا وممن يتكلمون بألسنتنا يسعون باسم الثقافة والتقدم إلى مزيد من طمس الهوية الإسلامية؛ فيسعون لكشف المحجبة، وإفساد المؤدبة، وإخراج المكنونة المستترة..

ويقول الدكتور عبد العزيز التو يجري: إن الخطر الأكبر الذي يتهدد الأمم والشعوب في هذا العصر، هو ذلك الخطر الذي يمسّ الهوية الثقافية والذاتية الحضارية والشخصية التاريخية للمجتمعات الإنسانية في الصميم، والذي قد يؤدي إذا استفحل، إلى ذوبان الخصوصيات الثقافية التي تجمع بين هذه الأمم والشعوب، والتي تجعل من كل واحدة منها، شعباً متميزاً بمقومات يقوم عليه كيانه، وأمة متفردة ً بالقيم التي تؤمن بها وبالمبادئ التي تقيم عليها حياتها.

 ومهما تكن الألفاظ الجامعة التي يوصف بها هذا الخطر الذي بات اليوم ظاهرةً تكتسح مناطق شتى من العالم، بما فيها المناطق الأكثر نموّاً والأوفر تقدّماً في المجالات كافة، وأياً كانت طبيعة هذه الظاهرة وحجمها والأدوات التي تستخدم في تحريكها، فإن مما لاشك فيه أن لهوية والثقافة بخصوصياتهما ومكوّناتهما ومقوماتهما، هما المستهدف في المقام الأول، وأن الغاية التي يسعى إليها الماسكون بأزّمة السياسة الدولية في هذه المرحلة، هي محو الهويات ومحاربة التنوع الثقافي، والعمل على انسلاخ الأمم والشعوب عن مقوماتها، لتندمج جميعاً في إطار النموذج الأمريكي الأقوى إبهاراً، والأشدّ افتتاناّ في العصر.
مظاهر ضعف الهوية:
لضعف الهوية لدى الشباب المسلم، عدة مظاهر في واقع المسلمين اليوم، من أبرزها:
1- الانبهار الشديد بالتقدم الغربي في الصناعة والحضارة المادية .
2- التطلع لمشابهة الغربيين وغيرهم من الشعوب المتقدمة، مع الشعور بالدونية والانكسار تجاه تلك الشعوب .
3- التحرر من القيم المقيدة للسلوك الإباحي تشبها بالتحرر الغربي الجنسي والسلوكي .
4- ضعف الولاء والانتماء للقيم الإسلامية، وضعف الالتزام بالأحكام الشرعية .
حينما ضيَّع أفراد الأمة هويتهم، ذهبوا يتخبطون في دياجير ظلمة الحضارة المعاصرة بحثاً عن هوية، فظهر من شبابنا من يقلدهم في لباسهم وأكلهم وشربهم وقصات شعورهم، بل وحتى في سعيهم البهيمي في إشباع شهواتهم .. وظهر من فتياتنا من تعرت وتفسخت وتركت حجابها، وظهرت على شاشات الفضائيات والقنوات مغنية أو راقصة.
شاب يعلق علم أمريكا في عنقه وفي سيارته .. وآخر يتخلى عن جنسية بلده المسلم دون عذر ملجئ ثم تراه يتيه فخراً بجنسية البلاد الكافرة .. ومذيع مسلم يعمل بوقاً لإذاعة معادية لدينه من أجل حفنة دولارات .. وأستاذ جامعة يلهج بمدح الغرب صباح مساء .. والأدهى من ذلك والأمر، بعض بني جلدتنا ممن يتكلمون بألسنتنا، ويكتبون في صحفنا، ويسعون باسم الثقافة والتقدم إلى طمس الهوية الإسلامية؛ فيسعون لكشف المحجبة، وإفساد المؤدبة، وإخراج الدرة المكنونة .. يرون العالم بعيونٍ زرقاءَ أمريكية، ويحللون الأحداث بشخصيات انهزامية، ويقيسون الأمور بعقول ملغية، ويرددون مقولات الغرب بألسن ببغائية .. حال الأمة معهم.

أسباب ضعف الهوية:
هل هناك أسباب لضعف الانتماء وذوبان الهوية لدى الشاب المسلم؟ ما الذي يدفع الشاب أن يلبس لباساً أو يتصرف تصرفاً أو يعتنق مبدءاً لا يمت بصلة لدينه الذي يعتقده، ولا يناسب بلده الذي ينتمي إليه، ولا يشرف أسرته التي ينتسب إليها؟.الأسباب كثيرة، منها:
1- ثقافة العولمة والتغريب التي تمتلك اليوم القوة والدعم، من حيث التخطيط والتنظيم، وتمتلك القوة العسكرية، والتقنية الإعلامية ووسائل الاتصالية الحديثة .
هناك غزو فكري وثقافي عبر وسائل الإعلام والإنترنت يشكل تهديداً خطيراً ومعول هدم للهوية الإسلامية.
2- ضعف المسلمين اليوم وتخلفهم دولاً وشعوباً، وانبهارهم بحضارة الغرب، والمغلوب يتأثر حتماً بثقافة الغالب القوي  .
3- .الهجمة العالمية الشرسة على الإسلام والمسلمين .. إن الغرب اليوم يعلم أن الإسلام هو البديل الحضاري الأوحد لثقافتهم وحضارتهم، وهو الذي يمكنه أن يملأ الفراغ الذي تعانيه البشرية اليوم، فلا غرابة أن يهاجم كل ما هو إسلامي، وأن يصور المسلمين بصورة دونية ذليلة، وأن تستغل أعمال العنف غير المحسوبة التي تقوم بها بعض جماعات الغلو المحسوبة على الإسلام لتشويه صورة المسلمين .. هذا التشويه الإعلامي الذي يدفع بعض أبناء الإسلام إلى الهروب من الصورة المنكرة إعلاميا إلى الصورة المحبوبة إعلامياً بالتنكر لدينه ومبادئه .
4- الجهل وضعف الارتباط بالهوية والثقافة الإسلامية في مناهج التعليم، وضعف الاهتمام بتعليم العقيدة الإسلامية في كثير من الدول الإسلامية.
5 - الاختلال في القد وات والشخصيات النموذجية التي تستحق أن تقدم للناس وللشباب، فبعد أن كانت الأمة الإسلامية تقتدي وتعتز بكبار وعظماء الأمة في تاريخها الزاهر وعصرها الحديث، قام المفسدون بتقديم  نماذج  سيئة لشباب ونساء الأمة .
6- .ظن بعض الشباب المقصرين أن شرفَ الانتماء إلى الإسلام والاعتزازَ به محصور في فئة المتدينين أو المستقيمين، أما المقصر فذمته بريئة، ويسعه الذل والخنوع، ولا يلزمه الاعتزاز بالدين والدفاع عنه، بحجة أنه مقصر، وليس على درجة كبيرة من التدين، وهذا خطأ عظيم، بل الانتماء للدين والاعتزاز به والذود عنه مسؤولية كل مسلم وإن وقع في بعض التقصير .
7- الهزيمة النفسية عند عامة المسلمين، بل وعند بعض المنسوبين إلى الفكر الإسلامي أو العلم الشرعي .. وقد تسرب هذا الداء إلى بعض البرامج والقنوات التي تصف نفسها بالإسلامية، فقدمت الإسلام وللأسف بقالب مليء بالتنازلات والانبطاحات، وخرق الثوابت إرضاءً لهم (الغرب)، وتحسيناً لصورة الإسلام زعموا، وهم في الواقع يهدمون طرفاً من الدين، ليحسنوه في نظر الآخرين .