دور المرأة في القرية

دور المرأة في القرية
إن دور المرأة في المجتمع الفلسطيني قبل النكبة، لم يجد العناية المناسبة من الدراسات الجادة المتخصصة فيما عدا الدور السياسي خاصة في المدينة .أمّا المرأة القروية –للأسف ظلت كما مهملا. وفي أواخر القرن العشرين بدأت بعض المحاولات لدراسات انثروبولوجية "علم الإنسان: عاداته وثقافته" أو سياسية ولكنها اقتصرت على فترات زمنية متأخرة . أما دراسة المجتمع القروي بشكل خاص في أواخر العهد العثماني وعهد الانتداب ،فقد سبقنا إليه باحثون أجانب ومن أوائل هذه الدراسات عن الزواج في القرية الفلسطينية لباحثة فنلندية هيلما جرانكفيست ، قامت بدراسة ميدانية في قرية أرطاس جنوب بيت لحم في أواخر العشرينات من القرن الماضي.ونشرت بالانجليزية في عام 1931 ،هي دراسة وصفية تحليلية ، استفاد  منها كل الباحثين بعد ذلك.
لهذا ومن حق المرأة على الباحث تسجيل بعض الملاحظات البسيطة والتي تتناسب مع هذه الدراسة عن دور المرأة في قرية أسدود – القرى جميعها متشابهة –إنصافا لها من ناحية، وتسجيلا لدورها الذي أهملته الأجيال أو قللت من شأنه ، عسى أن تجد من الباحثين من ينصفها ولو بعد حين .
كانت المرأة في القرية محرومة من أبسط الحقوق حتى تلك التي وردت في القران الكريم والحديث النبوي ، فلم تكن تحصل على نصيبها الشرعي من الإرث إلا فيما ندر وبجزء بسيط جدا من حقها. وكانت المرأة تقتل إذا أخلت بقواعد الشرف والعفة، أما الرجل فكثيرا ماكان يسلم من العقاب . كان الرجل يقدم على المرأة في جميع الميادين والمناسبات حتى لو كان يصغرها عمرا ، إلا إذا كانت والدته أو جدته . كان الرجال في البيت الواحد ، في الأغلب يأكلون منفردين، وتأكل النساء لوحدهن، وأحيانا كانت الأم تأكل مع زوجها وأولادها البالغين.
للمرأة دور هام ورئيسي في حياة الفلاح ، فعلاوة على دورها في البيت بأعماله الشاقة والمجهدة ، كانت تشارك الرجل في الاعمال الزراعية أيضا : كالتعشيب والحصاد وزراعة الخضار وقطف الثمار وبيعها في السوق. ولنبدأ بشيء من الإيجاز بعملها اليومي في البيت : تستيقظ مبكرا والجميع نيام فتعجن وتخبز خبزا طازجا في الطابون ، وتكون قد جهزته "تحميه" لهذا الغرض قبل أن تنام . ثم تعد طعام الفطور قبل أن يذهب كل إلى عملهأو مدرسته . ثم تبدأ عملها بالبيت، فتكنس قاع الدار بمكنسة خشنة من نبات النتش الشوكي أو من سعف النخيل لأن أرضية البيت ترابية وربما تحتاج أحيانا لرشها بالماء حتى لاتثير غبارا ، كما تنظف البايكه من مخلفات الأبقار والدواب. بعد تجميع هذه الكناسة تأخذها في سل كبير إلى الحاكورة القريبة حيث تتجمع الزبالة في كومة كبيرة ثم تنقل على الحمار حيث تلزم.
إذا كان لديها بقرة حلوب أو نعجة تقوم بحلبها وتتركه فترة ليروب ثم تضعه في قربة من جلد الماعز لتخضه فتخرج منه الزبدة وبعد تجميع الزبدة تقدحها على النار لتحولها الى سمنه لاستعمالها حين اللزوم . أما مايتبقى من الحليب يصبح لبنا سائغا للشاربين وهو شراب مفضل للفلاحين سواء في البيت أو في الحقل .
وبعد ذلك تعود إلى دورة الخبز من جديد ، فتعجن العجين وتتركه يخمر بمفعول الخميرة التي تحتفظ بها من العجنة السابقة . وفي هذه الفترة تنشغل في تحمية الطابون وذلك بإزاحة الرماد جانبا ووضع القصل حول القحف ثم تغطيه بالرماد فيحترق دون لهب حتى يصبح القحف حارا وجاهزا للخبز. حينئذ يكون العجين قد اختمر فتبدأ بتقريصه "عمل أقراص" لوضعها في داخل القحف حتى تنضج ، وتتكرر العملية حتى تنتهي كمية العجين. وبعد إخراج الأرغفة من الطابون تنزع منها الحصى الصغير أو الرضف ( قطع فخار ) التي تساعد على الاحتفاظ بالحرارة وعدم التصاق العجين بأرضية الطابون.
أما الطبخ يتم أحيانا في وعاء من الفخار (طباخة) توضع في داخل الطابون أو في الرماد الحار على الجانب . وهذا النوع من الطبيخ يستغرق وقتا طويلا لأنه يطبخ على نار هادئة . والطريقة الأخرى تتم في قدر من فخار على موقد تشعل فيه النار حتى ينضج ، ويكون جاهزا لوجبة العشاء حين يعود الرجال من أعمالهم سواء في الزراعة أو غيرها . كان طعام الفلاح بوجه عام يعتمد على الخضار صيفا لتوفرها وعلى البقول والخضار المجففة شتاء. ومن الأكلات الشائعة : الملوخية، البامية، والكوسا، والباذنجان، القرنبيط ،الملفوف في الربيع والصيف. وفي الشتاء : بامية وعدس ، بامية وبندورةناشفة، ملوخية ناشفة وفول مجروش وأحيانا يستبدل بعدس مجروش "بصارة" وميه وبصله مع زيت الزيتون وهذه لاستهلاك الخبز البارد من اليوم السابق لفته في الشوربة.
وفي خلال اليوم التالي ، لابد أن تذهب أكثر من مرة لإحضار الماء من البئر أو البيارة القريبة من البيت. يكون هناك اتفاق مع صاحب البئر للتزود بالماء للمنزل ، وأيضا لسقي الماشية سنويا مقابل أجر يؤدى إليه بعد موسم الحصاد من القمح والذرة . تحمل المرأة 0الأم أو الابنة أو الكنه "زوجة الابن") الماء في جرة على رأسها وربما عسلية على جنبها لمسافة تتراوح من( 100-200 )مترا.
علاوة على هذا العمل اليومي للمرأة في البيت، تقوم بغسل الملابس أسبوعيا على يديها وربما شهريا غسل الملاحف وأكياس الوسائد، وغطاء الفرشات وغيرها. كما تؤدي التزاماتها الاجتماعية من زيارات للمباركة والتهنئة للأقارب والجيران في مناسبات كالأفراح والختان والولادة والمرض والعزاء وغير ذلك.
ومرة في السنة، كانت المدرسة تطلب من أبناء الفلاحين أن يحضروا سل زبالة لتزبيل " تسميد" حديقة المدرسة التي يتدرب الطلبة فيها على مبادئ الزراعة، فكانت الأم في أغلب الأحيان تقوم بهذه المهمة.
إلى جانب كل ماذكر أعلاه ، كانت المرأة تساعد في أعمال الزراعة. فبعد أن تنبت المزروعات كالقمح والشعير كان عليها القسط الأكبر من عملية التعشيب وحمل هذه الأعشاب إلى البيت علفا للماشية أحيانا . وفي موسم الحصاد ، كانت تشارك في قلع النباتات كالعدس ، والكرسنة،والجلبانه. التي لاتحتاج إلى قطع كالقمح والشعير والذرة التي يقوم بها الرجال، ولكنها كانت تساعد في نقل الغُمور(جمع غِمر، وهي حزمة من النباتات المحصودة) من خلف الحصادين وتجمعها في الحلة(مكان تجميع الغُمور) ، كما كانت تساعد في تنظيف أو تلقيط ما يتناثر خلف الحصادين من نبات القمح . بعد العصر تعود إلى البيت لإعداد طعام وجبة العشاء.
ومما يجدر ذكره أن بعض النساء كن يشاركن أزواجهن في المشورة لاتخاذ قرار عائلي هام كزواج الابن أو البنت . ويتضح من هذا السرد الموجز أن المرأة كانت الشريك الكامل للرجل في إدارةشؤون العائلة في البيت وفي الحقل ، وما كانت تعانيه من مشقة وجهد يؤهلها حقا لهذه الشراكة ومع ذلك فالمجتمع لم ينصفها حين حرمها من بعض حقوقها مادية كانت أم معنوية . ولكن لابد من الاعتراف بدورها الفعال في الأسرة وفي المجتمع على مدى العصور بالرغم من عدم تمتعها بحقوقها كاملة.
خلال سنوات الحرب العالمية الأولى عانى الكثير من العائلات ، في اسدود وغيرها من القرى، من ضنك العيش والجوع ، بسبب التجنيد الإجباري، وغياب معظم الرجال القادرين على العمل عن البيت ،وعدم توفر الأيدي العاملة الكافية لزراعة الأرض ، علاوة على الدمار الذي صاحب ظروف الحرب وهجرة الكثير من سكان أهالي غزة والقرى المجاورة هربا من ويلات الحرب . ومما زاد الطين بله ، انتشار الجراد في عام 1915 الذي هاجم المزروعات ، ولكنه من ناحية أخرى وجد فيه الناس فرصة لسد رمقهم . وقد سمعت من والدتي وبعض الأقارب قصصا عن مقاومتهم للجراد بجمعه وسلقه في الماء وأكله .والمعروف أن مايؤكل من الجراد هو الأنثى – للبويضات في داخلها – وفي ذلك الصيد مقاومة وغذاء في أن واحد ، حماية للمزروعات والأشجار المثمرة ،وطعام لهم ولأولادهم يسد رمقهم في سنوات القحط.
وبعد ثلاث محاولات فاشلة ، احتل الجيش البريطاني غزةفي 7/11/1917 ، بعد أن تكبد خسائر فادحة.ولاتزال قبور جنودهم (في مقبرة غرب المغازي) أكبر شاهد على المقاومة التي أبداها الجيش العثماني. ثم تابع الجيش البريطاني زحفه شمالا فاحتل اسدود الساعة التاسعة صباحا ، يوم 9/11/1917 ،وتقدم شمالا فسيطرعلى النبي يونس لأهمية الموقع استراتيجيا . في أعقاب ذلك ، قررت الإدارة العسكرية البريطانية لفلسطين متابعة مد سكة الحديد من سيناء إلى الساحل الفلسطيني. تطلب ذلك حفر خندق في أسدود لتصريف مياه بركة الفران حفاظا على سكة الحديد ، وللوقاية الصحية من تكاثر بعوض الملاريا . قام بحفر الخندق جنود من الجيش معظمهم من الهند ، فوجدت بعض النساء فرصة للكسب . والرواية ، كما سمعتها من والدتي وجاراتها ،كانت بعض النساء القادرات جسديا والمحتاجات ماديا يذهبن إلى وادي حنين ، والتي تبعد عن اسدود حوالي 20 كيلو مترا ، مشيا على الأقدام ليشترين البرتقال ويحملنه في سلال على رؤوسهن إلى اسدود ، لبيعه على الجنود بربح زهيد ، ثم ينتظرن لجمع قشر البرتقال لأكله . هذا دليل قطعي ليس على المجاعة فحسب ، بل على جهد المرأة الكادحة وتصميمها على الحياة والعيش الكريم، والكفاح من أجل البقاء. هذه هي المرأة القروية السدوديه التي تستحق التحية والإكبار والتخليد.