الجهل

الجهل :
الجهل ضد العلم ، وإنما جُعل من العوارض وإن كان أمراً أصلياً لأنه أمر زائد على حقيقة الإنسان ، وثابت في حال دون حال كالصغر .
وأما كونه من العوارض المكتسبة : فلأنه يمكن إزالته باكتساب العلم ، وهو في قدرة العبد ، فكان ترك تحصيل العلم منه اختياراً بمنزلة اكتساب الجهل باختيار إبقائه ، ولذلك عُدّ الجهل مكتسباً[1].
المطلب الأول : المقصود بالجهل :
الجهل [2] : اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به . وقيل هو : صفة تضاد العلم عند احتماله وتصوره .
وبناءً عليه : يخرج من التعريف ما لا علم له كالبهائم والجمادات ، فإنها لا توصف بالجهل لعدم تصوّر العلم فيها .
المطلب الثاني :  أثر الجهل على الأهلية :
لا منافاة بين الجهل والأهلية ، فلا تتأثر أهلية الوجوب بالجهل ، ولا أهلية الأداء ، إذ متعلقهما هو الذمة والعقل والتمييز ، ولا تأثير للجهل على هذه المقومات .
والجهل أنواع أربعة من حيث اعتباره عذراً تسقط به المؤاخذة أو لا تسقط :
الأول : جهل   باطل بلا شبهة ، ولا يصلح عذراً في الآخرة ، وقد يصلح في الدنيا : كجهل الكافر بالله ، ووحدانيته ، وصفاته ، وأسمائه ، ونبوة رسوله محمد r ، فهذا الجهل مكابرة وجحود بعد وضوح الدليل وقيام الحجة ، وورود الأدلة القاطعة ، والبراهين الساطعة على صدق نبوة رسل الله  ، وقد نُقلت معجزاتهم بعدهم بالتواتر ، وأنه لا سبيل إلى إنكارها ، ولذا لا عذر للجهل بها في الآخرة .
الثاني : جهل لا يصلح أن يكون عذراً في الدنيا ، ولا يصلح أن يكون عذراً في الآخرة ،  وهو دون الجهل الأول ، لكنه باطل ، كجهل صاحب الهوى في صفات الله سبحانه [3] ، والجهل  بالأحكام الشرعية في دار الإسلام ، ولا فرق بين أن يكون الجاهل مسلماً أو غير مسلم .
ويمكن أن يمثل له بمن تزوج امرأة ظن أنها حلال ثم تبيّن أنها أخته من الرضاعة ، فإن جهله بحرمتها يُعدُّ عذراً ولا إثم عليه ، وما حصل بينهما من علاقة تثبت أحكامها ، فيُنسب الأولاد إليهما ، وعليهما المفارقة ، ولا يحل لهما أن يستمرا في علاقتهم الزوجية لثبوت التحريم ، وعليها العدّة الشرعية ، ولها المهر المسمى بما استحل منها ، ولا يجوز أن يقال إن الجهل الأصلي بالحرمة يبيح لهما البقاء على ما هم عليه [4] .
الثالث : جهل يصلح عذراً في الدنيا والآخرة ، كما لو شرب البالغ العاقل شراباً ظنه حلالاً فسكر منه ، وتبين أنه خمر، فهو وإن كان يعلم أن الخمر محرمة إلا أنه لا يأثم لعدم قصده مخالفة الشرع ، ولا يقام عليه حد الشرب .
الرابع : جهل من يقيم في دار الكفر ببعض الأحكام الشرعية ، فهو عذر مقبول ، ولا إثم عليه ، ولا عقوبة في الدنيا ، كما لو شرب خمراً ظاناً إباحتها ، ولو أسلم في دار الكفر ولم يهاجر إلى دار الإسلام ولم يُصلّ ، أو دخل رمضان ولم يصم جهلاً منه بوجوب الصلاة والصيام  فلا إثم عليه ، ولا قضاء [5] .



[1] ) البخاري ، كشف الأسرار 4 / 533 0
[2] ) المرجع نفسه 4 / 534 0
[3] ) كجهل المعتزلة بصفات الله تعالى ، فقد أنكروها حقيقة بقولهم إنه تعالى عالم بلا علم ، وقادر بلا قدرة ، سميع بلا سمع ، وبصير بلا بصر ، ومثل قول المشبهة بجواز حدوث صفات الله وزوالها عنه ، مشبّهين الله تعالى بخلقه ، وهذا الجهل باطل لا يصلح عذراً في الآخرة ،  البخاري ، كشف الأسرار 4 / 545 0
[4] )    يمكن الاستدلال له بما رواه البخاري بسنده عن عقبة بن الحارث أنه تزوّج ابنة لأبي إهاب بن عزيز فأتته امرأة فقالت إني قد أرضعت عقبة والتي تزوّج فقال لها عقبة ما أعلم أنك أرضعتيني ولا أخبرتيني ، فركب إلى رسول الله r بالمدينة فسأله فقال رسول الله  rكيف وقد قيل ، ففارقها عقبة ونكحت زوجاً غيره ،   
البخاري ، صحيح البخاري ، باب تفسير المشبهات 2 / 724 0
[5] ) هذا ما ذهب إليه الحنفية ، بحجة أن الخطاب خفي في حق الجاهل لعدم بلوغه إليه حقيقة بالسماع ، وتقديراً باشتهار الحكم واستفاضته ، ودار الحرب ليست محلاً للاستفاضة والشهرة 0
 وذهب زفر بن الهذيل إلى وجوب القضاء لأنه بقبوله الإسلام صار ملتزماً بأحكامه ، والجهل بالخطاب لا يعني سقوط القضاء عنه ، بعد تحقق سبب الأداء ، فهو كالنائم إذا انتبه بعد خروج وقت الصلاة ،
البخاري ، كشف الأسرار 4 / 561 ، التفتازاني ، شرح التلويح على التوضيح 2 / 182 0