الدراسات حول المرأة

التأسيس العلمي للدراسات حول المرأة
         انطلقت أولى محاولات التأسيس العلمي للدراسات حول المرأة منذ مطلع السبعينات من القرن العشرين أي تقريبا بالتوازي مع موجة التحركات والاحتجاجات النسويّة المطالبة بالاعتراف بحقوق المرأة وقضاياها، والتي كما سبقت الإشارة إليه، كانت أحدى أهمّ محرّكات الدفع باتجاه الاهتمام العلمي بالمرأة. ويمثّل ظهور "الدراسات النسويّة" أوّل خطوة في مسار اقتحام موضوع المرأة لساحات العلم، حيث اعتبرت هذه التسمية، التي سوف تتغير فيما بعد، انعكاسا مباشرا لأثر الحركات النسويّة التي عملت على اثارة موجة نقد لاذع اتهم فيها العلم في الغرب بالذكوريّة وأحاديّة التمركز الجنسي حول الرجال، كما اعتبر غياب موضوع المرأة عن ساحة العلوم الإنسانية من قبل البعض ترجمة واضحة لعلاقات الهيمنة والخضوع التي تميّز العلاقة بين الجنسين.
         وفي هذا الإطار يمكن اعتبار مسار التأسيس العلمي للدراسات حول المرأة انجازا ساهم فيه بقدر كبير تعالي أصوات النساء حيث مثّل ذلك المسار حسب البعض " نتائج نظريّة لغضب الفئات المحرومة" كما اعتبر بروز المرأة كموضوع للبحث وكحقل للمعرفة نتيجة أملاها تحوّلها إلى فاعل مؤثّر في حركة التاريخ ([i]) . وهو ما كان له الأثر الفعال في ارتفاع نسق ولوج النساء لمختلف تخصصات العلوم الإنسانية بالجامعات، ومطالبة البعض منهنّ بضرورة ابتكار حقول معرفيّة وأجهزة مفاهميّة علمية جديدة ومناهج بحث وأدوات تحليل مجرّدة من التحيّز للذكور على حساب النساء ([ii]) .
 ومن المفيد الإشارة إلى أسبقيّة الولايات المتحدة الأمريكيّة وكندا في تركيز ذلك التوجه والتأخّر النسبي في مستوى الدول الأوروبيّة وفرنسا تحديدا وبقيّة الدول الأخرى. وقد شهدت الولايات المتحدة الأمريكيّة أولى محاولات التركيز العلمي للدراسات حول المرأة عبر مسار إنشاء  أقسام دراسات المرأة[ Women's Studies ] في الجامعات الأمريكية مع بداية عقد السبعينات، والتي حاولت فرض نفسها كأقسام علميّة أكاديميّة متخصصة من خلال بعث مراكز بحث خاصة ونشر دوريات جامعيّة متعلقة بشكل أساسي بقضايا ودراسات المرأة، والتي تمّ تطويرها فيما بعد لتصبح أقسام دراسات المرأة والنوع الاجتماعي[ Gender Studies ].
أمّا في فرنسا، وبالرغم من أهميّة وحجم التحركات النسويّة بها، فإن مسار التمأسس العلمي والأكاديمي للدراسات حول المرأة ظل متعثّرا وبطيئا،ولم يواكب أجيج أصوات نسائها المتظاهرات، إذ ظلت المبادرات العمليّة لإنشاء وإقحام دراسات المرأة والنوع الاجتماعي في الحقول العلميّة محدودة إلى عهد قريب، ولم تتبلور دراسات النوع الاجتماعي خاصة كحقل علمي قائم الذات الاّ مع نهاية التسعينات.
         ولا شك أن لذلك عوامل عديدة ربّما يبقى من أهمّها تأثير احتجاج النسويّة الأصوليّة التي أثارت تحركاتها العنيفة ومطالبها الجنسانيّة حفيظة بعض الأوساط الفاعلة في الساحة الفرنسيّة، فعملت على تعطيل مشاريع مختلفة ارتبطت بقضايا المرأة سواء في المستوى التشريعي والسياسي بشكل عام أو في المستوى الجامعي والأكاديمي. ويمكن اعتبار مجمل المعارضات التي عرفها مفهوم النوع الاجتماعي ومحاولات تركيزه في المجال العلمي والبحثي جزء من ذلك، حيث لاقت أغلب محاولات إقحام هذا المفهوم في الجامعات الفرنسيّة مقاومة وتصد شديدين بشكل شكّك الى حد كبير في  مصداقية المفهوم العلميّة ، معتبرة إياه مجرد رجع صدى لأصوات الحركة النسويّة ([iii])  أكثر من اعتباره نضجا فكريا في التعامل مع قضايا المرأة، وقد تمّ ذلك خاصة ضمن بعض فروع العلوم الإنسانية كالتاريخ.
         وجدير بالذكر انه و بالرغم من الظهور المتأخر نسبيّا للدراسات حول المرأة والنوع الاجتماعي بفرنسا وأوروبا بشكل عام على خلاف الولايات المتحدة الأمريكيّة وكندا، فإن ذلك التوجه قد تدعّم بشكل تدريجي منذ التسعينات خاصة مع تعزّز مسار اقتحام الفتيات للجامعة ولمختلف أقسام العلوم الإنسانية تحديدا، وبلوغهن مراحلها العليا وتبوئهن مواقع مركزيّة في مستوى البحث والتدريس الجامعي، وهو ما سيكون له عميق الأثر في تكثّف الدراسات العلميّة حول المرأة لا سما ذات الصبغة التاريخيّة.
 ومن المعلوم أن أغلب تلك الدراسات سعت إلى الاهتمام أكثر بالتأريخ للحركة النسويّة ([iv] ) وتناول أوضاع المرأة عبر التاريخ، أكثر من اهتمامها بقضايا المراة الراهنة، وهو ما تمّ التوجه إليه عند توسّع مدى الدراسات والبحوث المتعلّقة بالمرأة نحو مختلف حقول العلوم الإنسانية والاجتماعيّة لاسيما علم الاجتماع و الأنثروبولوجيا، حيث تطورت ضمنهما جملة من التساؤلات المختلفة حول قضايا النساء ومسائل التمدرس والشغل والصحة وغيرها من المواضيع التي توازى تطارحها مع تطور وانبثاق حقول معرفية جديدة مثل علم اجتماع الأسرة وانثربلوجيا الأسرة، ودراسات علم اجتماع الشغل والمؤسسات.
         وقد نبّه أنصار مقاربات النوع الاجتماعي إلى ما شهده علم اجتماع الشغل في فرنسا من تغييب للمرأة في مختلف مدارسه ونظرياته وعبر أبرز أعماله ودراساته، إذ  بالرغم من الكثافة العدديّة للمرأة العاملة في المصانع المدروسة من قبل روّاد علم اجتماع الشغل في منتصف الخمسينات فإن الاشارة للمرأة العاملة ظلّت غائبة في أغلب تلك الدراسات. وقد احتجت بعض الباحثات على مسار إهمال الإشارة إلى المرأة في قطاع العمل ضمن أهمّ دراسات علم الاجتماع الشغل في الخمسينات والستينات كدراسات جورج فريدمان ودراسات ميشال كروزيي لمصانع التبغ في 1960، والتي كان حجم اليد العاملة النسائيّة بها على درجة كبيرة من الأهمية بالرغم من ان النسبة العامة لليد العاملة النسائية في تلك الفترة كانت تعتبر محدودة نسبيّا حيث لم تتجاوز في تلك الفترة 32 %  من مجمل اليد العاملة النشيطة بفرنسا ([v]) .

         وعموما يمكن القول ان حقول دراسات المرأة والنوع الاجتماعي على اختلاف تسمياتها تكاد تنتشر اليوم في أغلب جامعات العالم من آسيا الى استراليا ونيوزلاندا وفي بعض الجامعات العربيّة والإفريقية.  ويشار إلى أن بعض الدول الافريقية عرفت دعوات مبكّرة بعض الشيء، مقارنة ببعض الدول النامية الأخرى، لإرساء حقول دراسة جامعية حول المرأة،وكان ذلك منذ الثمانينات([vi]) ولكن تلك المناداة كانت مدفوعة أساسا باهتمامات تنمويّة للمرأة الإفريقية،أكثر من ارتباطها بدوافع علميّة أو فكريّة، وقد تمّ ضمن بعض الدول المطالبة بإعلاء خصوصيّة الدراسات النسائيّة الإفريقية المنجزة من قبل باحثي وباحثات القارة الإفريقية وليس من قبل من هم من خارجها .




-2 ظهور مفهوم النوع الاجتماعي
إن الاهتمام العلمي بمفهوم النوع الاجتماعي كمفهوم إجرائي وكأداة لتحليل الواقع الاجتماعي لم يتبلور بشكل بارز إلاّ مع العقدين الأخيرين من الألفيّة الثانية، وقد تأخّر الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية بين الجنسين على خلاف الدراسات المتعلقة بالمرأة .
         ويمكن القول بأن مقاربات النوع الاجتماعي تمكّنت من فرض نفسها مؤخرا كحقل علمي وبحثي قائم الذات إلى جانب حقل الدراسات حول المرأة. وبالرغم من صعوبة التمييز الموضوعي والمنهجي بين الاختصاصين وبالتحديد في علاقتهما بالمرأة، يذهب البعض إلى اعتبار مقاربات النوع الاجتماعي إفرازا منطقيا لتطور الدراسات حول المرأة، بما أن كلاهما يُعتبر وليد الحركات النسويّة الأمريكيّة التي سعت في مرحلة متقدمة من تطورها إلى إنتاج مفهوم النوع لإبراز البعد الاجتماعي المحض للتمييز بين الرجال والنساء .
          وعلى عكس هذا القول يذهب البعض الآخر الى اعتبار ظهور مفهوم النوع الاجتماعي قطعا مع مجمل توجهات الحركات النسويّة التي تختزل نظرتها أحاديّة الجانب الواقع الاجتماعي في جنس معين وهو النساء لتلغي بذلك أيّ حضور للجنس الآخر، وتنفي عبر ذلك  أهميّة فعل الروابط الاجتماعية الجامعة بين الرجال والنساء الذي هو جوهر اهتمام مقاربات النوع الاجتماعي.

         إن عمليّة البحث في جينيولوجيا مفهوم النوع الاجتماعي قد تحيلنا إلى جذعين مركزيين له ينغرسان بعمق في أبرز نتائج الانثربولوجيا والأنثروبولوجيا الثقافـويّة لاسيما مدرسة الثقافة والشخصيّة المنحدرة منها وبعض دراسات علماء النفس الأمريكان.  
و تتحوصل مجمل أفكار مدرسة الثقافة والشخصيّة في محاولة فهم مدى تأثير ثقافة ما على شخصية عناصرها وأفرادها، وتأكيدها على تنوع الثقافات وعلى خصوصية كل واحدة منها. وقد أولت هذه المدرسة أهمية مركزيّة لدور الطفولة والتنشئة الاجتماعية في صوغ شخصية ثقافية تضفي على جميع العناصر هوية محدّدة، كما تميّزت أبرز مقاربات هذه المدرسة باعتمادها على علم النفس كوسيلة للبحث عن الشخصية الثقافية التي تختص بها جماعة من الجماعات. وقد تمّ من خلال ذلك تطوير جملة من المفاهيم كالثقافة والسمات الثقافيّة من قبل عدد من روّاد الانثربولوجيا الثقافويّة الأمريكيّة كروث بنديكت[Ruth Benedict  ] (1887-1948) ومرغريت ميد[ Margaret Mead ](1901-1978).
واعتبرت الثقافة من طرف هؤلاء أوّل معطى مهيكل للوجود الإنساني،كما نظروا إليها باعتبارها نظاما من السلوك المكتسب والمنتقل في المحيط الاجتماعي عبر قنوات التربية والتقليد. وعلى هذا الأساس حاولت ماغريت ميد تطوير أطروحة أساسيّة سوف يكون لها عميق الأثر في تبلور مفهوم النوع الاجتماعي فيما بعد، وهي مسألة التمييز بين الطبيعي والثقافي التي أرادت ميد تبيان ارتباطها بشكل جوهري بالتمييز بين ما هو بيلوجي وفطري وبالتالي بين ما هو مشترك بين الناس وبين ما هو مكتسب في الوجود الاجتماعي ويمثّل محور اختلاف المجتمعات والثقافات .
         وقد ارتبطت الاهتمامات الانثربولوجية  لميد في هذا السياق بنضاليّتها في صفوف الحركة النسويّة الأمريكيّة ،وهو ما سوف يوجّه بقدر كبير مجمل دراساتها الحقليّة المنجزة في منتصف الثلاثينات في أماكن مختلفة من العالم، والتي آلت، من خلالها ،على نفسها  اختبار أطروحتها التي نفت ضمنها وجود ميول طبيعية في السلوك، ذاهبة الى ردّ السلوك، حتّى ذلك المرتبط بالعلاقة بين الجنسين، إلى أسباب ثقافية ([vii]).
         وجدير بالملاحظة الاشارة الى  ما كان لمختلف دراسات ميد ونتائجها النظريّة وسائر دراسات الانثربلوجيا الثقافويّة الأمريكيّة المتواصلة مع ما سبقت إليه أفكار سيمون دي بوفوار، وغير ذلك من مختلف الأفكار المطورة  منذ نهاية الستينات  من قبل بعض علماء النفس المستخدمين للفظة "النوع" للتمييز بين البيولوجي والنفسي، من بالغ الأثر في ظهور أولى محاولات التطبيع العلمي والنظري لمفهوم النوع.
وقد تمّت أولى محاولات الضبط العلمي لمفهوم النوع عبر عالمة الاجتماع النسويّة  آن أواكلي [ Ann Oakley]  التي صرّحت بأن "الجنس" يمثّل مفردة تشير إلى الفوارق البيولوجيّة بين الذكر والأنثى ، في حين تحمل  لفظة "النوع" على العكس من ذلك، إحالة إلى الثقافة ، أنها تشمل على حد تعبيرها "التصنيف الاجتماعي للذكوري والأنثوي، وعلينا تبنّي الإقرار بثبات الجنس مثلما علينا اعتبار تغيّر النوع " ([viii] ) . وهكذا فقد أصبحت قضايا النوع الاجتماعي أكثر ارتباطا بالمكانة والدور الاجتماعي للمرأة والرجل في الوقت الذي ظل الجنس مؤشّرا يحيل إلى الفروق البيولوجيّة بين الذكور والإناث، وحمل مفهوم النوع في دلالاته الإجرائيّة إشارة للخصائص والصفات المرتبطة بالجنس كما تترجم عنها وتفرزها ثقافة المجتمع وقنواته التنشيئيّة .
         لقد كان لهذه الخطوة الفكريّة المتجسّدة في التمييز بين الجنس والنوع الأثر البارز في الانحراف عن تناول ودراسة المرأة بشكل منفصل، ليتعزّز التوجه نحو البحث ودراسة العلاقات الرابطة بين الجنسين، وهو ما دعت له أغلب أفكار المتبنية لمفهوم النوع فيما بعد. وتمثّل أفكار المؤرخة الأمريكيّة جوان سكوت [Joan W.Scott] أبرز الأمثلة على ذلك ، حيث نادت بضرورة تجاوز الحديث عن التعارض بين الرجل والمرأة، والنظر إلى ذلك التعارض باعتباره يمثّل "إشكالا " في حدّ ذاته، يمكن ان يكون محور بحث ودراسة بشكل منفصل، لأنّ تعارض الذكوري والأنثوي يترجم عن وجود روابط  وعلاقات قوّة يهيمن فيها أحد الطرفين على الآخر([ix]). و يبقى الإشكال الرئيسي حسب سكوت على غير ذي علاقة بالمرأة أو بالرجل في حدّ ذاتهما ولكن في طبيعة الروابط المؤلفة بينهما.
         وخلاصة القول أن محاولات التقنين العلمي للمفهوم النوع تواصلت على اثر هذا عبر زوايا نظر مختلفة من طرف  جملة من الباحثين والباحثات من ذوي الاختصاصات العلميّة المختلفة،و التي سوف تشكّل جملة أفكارهم وأطروحاتهم قاعدة تركّز عبرها هذا المفهوم، وتطورت من خلالها جملة أدواته التحليليّة والإجرائية، ليصبح مفهوما علميّا على قدر كبير من الأهميّة يتم عبرها اليوم الاشتغال والتعاطي مع الواقع الاجتماعي من قبل العديد من الدارسين والباحثين. وقد استطاعت مجمل المقاربات المنبثقة عن مفهوم النوع من رسم ملامح حقل معرفة ذاع صيته وفاقت شهرته حلبات الجامعة ومراكزها البحثيّة ليتمّ تبنيه واعتماده من قبل كبرى الهيئات والمنظمات العالميّة.

3- 3 مفهوم ومقاربات النوع الاجتماعي وردود الأفعال حولهما
كنا قد أشرنا فيما سبق الى بدايات التمأسس العلمي لمفهوم النوع، و ما برز من معارضات أعاقت بسط المفهوم في الساحة العلميّة الفرنسيّة بالتحديد، كما تمّت الإشارة إلى ما صاحب المفهوم من صخب شكّّك في علميته وأرجعه إلى نضالية الحركة النسويّة الأصوليّة.  وربّما يصبح ذلك الموقف الفرنسي المعارض لاقتحام مفهوم النوع باحات أقسام العلوم الانسانيّة بالجامعة الفرنسيّة مبرّرا إذا ما ربطناه بسياقه السوسيوتاريخي الذي تميزت ضمنه أجواء تلك الجامعة بنزعة تحفظ شديد ([x]) حرصت على تحصين العلم من شوائب ومتاهات الصراع السياسي. ولعلّ لذلك أثره في تعطيل توجه الدراسات حول المرأة بفرنسا نحو التمأسس العلمي إلى حدود مطلع التسعينات، باعتبارها دراسات ارتبطت بنوع من نضالية سياسيّة نسويّة.
         هذا ومن المهم التأكيد على أن مفهوم النوع الاجتماعي لم يتمكّن من فرض نفسه في ساحات العلوم الإنسانية الفرنسيّة حتى بعد ترجمة مقال جوان سكوت في سنة 1988 وما لقيه من ذائع صيت في أوساط عديدة، حيث ظلّ استخدام المفهوم غير مستساغ إلى وقت قريب كما بقي الاستعمال الفرنسي يتّسم باستعمال ألفاظ بديلة مثل "الفروق بين الجنسين " "العلاقة بين الذكور والإناث" و "الروابط الاجتماعية بين الجنسين"([xi]). وباستثناء بعض الحالات فإن مفهوم النوع في فرنسا خاصة لم ينتشر بين المتحدثين عن تاريخ المرأة إلاّ في منتصف التسعينات وبداية الألفية الثالثة

         ومما تجدر الإشارة اليه في معرض الحديث عن المعارضات التي شهدها مفهوم النوع، التعرض لمواقف بعض الباحثات النسويات من هذا المفهوم، الذي بالرغم من أن عددا كبيرا من الدارسين يعتبر انبثاقه وتطوره محسوب لصالح الحركة النسويّة، فان بعض النسويات الأكثر تشدّدا وراديكاليّة يعتبرنه تراجعا عن الدفاع عن قضايا المرأة وخطوة إلى الوراء، ولا يمثّل تطور مفهوم النوع الاجتماعي بالنسبة لهن مكسبا يحسب لصالح النضال النسوي ، بل اعتبر من  طرف بعض علماء الاجتماع ذوي التوجه النسوي الأصولي مفهوما غامضا غير قابل للتفكيك، ويخفي وراءه نسقا متحركا من الهيمنة الخفيّة بما أنّه يدعو إلى تجاهل الهيمنة الذكوريّة عبر تغييب أدوار المرأة ضمن عمليات التوالد البيولوجي والاجتماعي التي تحفّ بخضوعها وتبعيتها ([xii]) .

         وعلى العموم وبغض النظر عن جملة ما أثاره ويثيره المفهوم إلى اليوم من جدل في أوساط وحلبات عديدة، فمن الأكيد ان هذا المفهوم ومجمل المقاربات المنبثقة عنه قد تمكّنت من فرض نفسها في الساحة العلمية وغيرها من الساحات الأخرى، إلى درجة انّه أضحى من المفاهيم رائجة الصيت، يتهافت عدد كبير من الباحثين والدارسين على تناوله واستخدامه في مناطق عديدة من العالم مدفوعين بأغراض وغايات متنوّعة ومتعددة.
         هذا ولا يفوتنا في هذا السياق التعريج على الدور الأساسي الذي لعبته منظمة الأمم المتحدة ومجمل الهيئات التابعة لها في نشر المفهوم، وتعميم استخدامه على نطاق عالمي لاسيما فيما يتعلّق بالمجال التنموي خاصة في الدول الناميّة إذ عملت مختلف التقارير الأمميّة على اعتماد مفهوم النوع بشكل مباشر منذ سنة 2000 حيث تضمّن تقرير الأمم المتحدة حول السكان لنفس السنة إشارة واضحة له، أكّدت على انه في الوقت الذي تكون الفوارق الجنسيّة بين الذكور والإناث عامة وعالمية وثابتة فان التفريق على أساس النوع الاجتماعي من المسائل المفروضة بحكم الثقافة وتبعا  لعوامل اجتماعية واقتصادية تختلف وتتنوع بحسب اختلاف المجتمعات وتنوع الثقافات وتعاقب الأزمنة ،وهي بكل هذا مسائل مكتسبة اجتماعيا بحكم التنشئة الاجتماعية والتطبيع الاجتماعي والتربية والتعليم ([xiii] ) .


([i] )Christine G, Eric N, Féminins- Masculins, p19                                                                            
([ii] ) نفس المرجع والصفحة
([iii] ) Perrot .M, Dictionnaire critique de féminisme, Puf 200, p 103                                                        
([iv]) Fournier Martine, Combats et débats p 8,
(([v] Maruani, M, Les nouvelles frontières de l'inégalité. Hommes et femmes sur le marché de travail. La découverte, 1998 ,p 45
(([vi] أنظر، سلوى جمعة الشعراوي، دراسات المرأة كحقل دراسي في الجامعات العربيّة، ورقة مقدمة لمنظمة المرأة العربيّة، ضمن الدورة التدريبيّة حول إدماج  مفهوم  النوع الاجتماعي في مناهج البحث، القاهرة 8-11 ماي 2006.
([vii] ) درست ميد كما هو معلوم الشخصية الثقافية لثلاث قبائل من غينيا الجديدة، وهي الأرابيش والموندوغومور والشمبولي، وعبر معاينتها الميدانية لأنماط السلوك المتبعة اكتشفت أنماطا مختلفة من الشخصيات، وقد انتهى بها الأمر إلى استنتاج مفاده أن شخصية المجموعة الأولى يغلب عليها طابع اللطف والهدوء، وأنها أقرب إلى الجانب الأنثوي من السلوك سواء عند الرجل أو المرأة، أمّا المجموعة الثانية فيطغى عليها طابع العدوانية والعنف على سلوكها، وقد بينت ميد عبر دراساتها اهمية التربية في دفع الأفراد إلى العدوانية والعنف منذ مراحل التنشئة الاجتماعية الأولى، كما حاولت إبراز كيفية تأثير ذلك في قضايا التمييز الجنسي بين الذكور والإناث وارتباطه بالثقافة وبعمليات التنشئة، حيث أبرزت من خلال بعض النماذج الميدانيّة المدروسة سيطرة الوداعة واللطف على الرجال، و خصال النشاط البدني الكبير والعمل خارج المنزل بالنسبة لنساء بعض القبائل المدروسة. انظر :
Mead, M. Sex and temperament in three primitive societies, 1935
([viii] )Christine G, Eric N, Féminins- Masculins, p 23  
(,p 60( [ix] Scott, JW, Gender and the politics of history .Columbia University Press, 1988
([x] )Teixido Sandrinine, Les gender   studies: Genèse et développement. Revue Sciences Humaines, p36 
([xi] )نفس المرجع السابق والصفحة، وانظر أيضا
Margaret Maruani, (Dir). Femme, genre, société. La découverte Paris 2005, p 60

( [xii] ) نفس المرجع السابق، ص 63
([xiii] ) الدويبي عبد السلام بشير، أبعاد ومضامين التمييز على أساس النوع الاجتماعي، مجلة العلوم الاجتماعيّة والإنسانية. س 11، عدد 11، سنة 2003، الهيئة القوميّة للبحث العلمي، طرابلس، ليبيا، ص 35.