تعريف العزيمة لغة واصطلاحا

العزيمة ،
الفرع الأول : العزيمة لغة  :   العزيمة تعني القصد على وجه التأكيد [1] ،  والعَزْمُ : ما عقد عليه القلب من أمر أنت فاعله [2] , ومن هذا قوله تعالى : {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } (   طه 115 ) ، أي لم نجد له قصداً مؤكداً .  ومنه سُمي بعض الرسل " أولو العزم " لتأكد قصدهم في إظهار الحق وصبرهم على ما واجهوه [3].   وعزائم الله : فرائضه [4] ، ومنه قوله r : " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه " [5] .
ومن هنا جُعل العزم يميناً ، حتى إذا قال : " أعزم " : كان حالفاً [6] ، وقوله تعالى : { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ } (   آل عمران 159 ) ، وآدم u لم يقصد مخالفة أمر الله ، ولم يكن يريد العصيان .

الفرع الثاني : العزيمة اصطلاحاً  :
فأوجز التعريفات وأجمعها أن العزيمة هي : " الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض " [7] .
قوله : الحكم الثابت : قيد يحترز به عن الحكم غير الثابت ، وهو المنسوخ ، فهو لا يُسمى عزيمة لأنه لما نُسخ لم يبق حكماً ، وبذلك لا يتوجه الخطاب إلى المكلفين للالتزام به .
وقوله : بدليل شرعي : قيد يخرج به ما ثبت بطريق العقل ، فإن ذلك لا تستعمل فيه الرخصة والعزيمة  [8].
ويلاحظ هنا أن التعريف يشمل كل أقسام الحكم التكليفي " الإيجاب ، والندب ، والإباحة ، والكراهة ، والتحريم " [9] ، إذ إنها جميعاً أحكام ثابتة بأدلة شرعية ، والعزيمة واقعة على كل هذه الأقسام .
وبقوله : خال عن معارض " : يخرج ما ثبت بدليل شرعي ، لكن لذلك الدليل معارضٌ مساوٍ  أو راجح : لأنه :  إذا كان المعارض مساوياً : لزم الوقف ، وانتفت العزيمة ، ووجب طلب المرجح الخارجي . وإن كان راجحاً : لزم العمل بمقتضاه ، وانتفت العزيمة وثبتت الرخصة .
ويمكن أن يمثل لها بالميتة : إذ إن تحريمها عند عدم الضرورة عزيمة ، لأنه حكم ثابت بدليل شرعي خال من معارض ، ولكن عند وجود الضرورة وُجد المعارض لدليل التحريم ، وهو وجوب حفظ النفس ، وهو أرجح من التحريم ، لذا يُقدم ، فجاز الأكل وحصلت الرخصة [10] .
وقال الغزالي في بيان حدّ العزيمة : ( والعزيمة في لسان حملة الشرع عبارة عما لزم العباد بإيجاب الله تعالى ) [11] .
 وقال الآمدي : العزيمة : ( عبارة عما لزم العباد بإلزام الله تعالى )[12] .
وبناءً على هذا : تختص العزيمة بما هو حتمي ، سواء في ذلك الواجبات أو المحرمات ، فهي  عنده أشبه بالمعنى اللغوي .
وقال السبكي  : ( فأما العزيمة : فالحكم الأصلي الذي شرعه الشارع ، ولم يتغير من ذلك الوضع بعارض كالصلوات الخمس والبيع ) [13] .
وقال السمرقندي  : ( العزيمة اسم للحكم الأصلي في الشرع لا لعارض أمر ) [14].
وبذلك يُطلق لفظ العزيمة على الأحكام الأصلية وتشمل : الفرائض والواجبات ، والمندوبات ، والمحرمات ، والمكروهات .
فالمقصود بها : ما هو مشروع منها ابتداءً من غير أن يكون متصلاً بعارض .
وبذلك يخرج ما شرع ثانياً ـ غير ابتداء ـ لاتصاله بعارض ، وهو ما يسمى بالرخصة .
ومنهم من عرّفها بأنها [15] : ما شُرع من الأحكام الكلية ابتداءً لتكون قانوناً عاماً لكل المكلفين في جميع الأحوال . كالصلاة والزكاة ، وسائر الشعائر التعبدية .
مثال: الصلاة : واجبة ، والزنى محرم ، وصيام ست من شوال مندوب ، وصوم يوم عاشوراء منفرداً مكروه ، وتناول الطيبات من الطعام والشراب واللباس مباح .
فهذه الأحكام شرعت ابتداءً دون نظر إلى ما قد يطرأ عليها من أعذار . فهي أحكام أصلية شرعت لتكون قانوناً عاماً لجميع المكلفين في أحوالهم العادية ، ولم ينظر في تشريعها إلى ضرورة أو عذر كالصلاة وسائر العبادات . ولا يطلق على الحكم أنه عزيمة إلا إذا كان يقابله رخصة .
ومعنى شرعيتها ابتداءً : أنها مشروعة على العباد ومن أول الأمر ، فلم يسبقها حكم شرعي قبل ذلك .


[1][1] ) الجوهري ، الصحاح 1 / 486 ، الأزهري ، تهذيب اللغة 2 / 90 ، ابن فارس ، معجم مقاييس اللغة  4 / 308 البيضاوي ، المنهاج / نهاية السول 1 / 128 ، الطوفي ، شرح مختصر الروضة 1 / 457 ، الشاطبي ، الموافقات 1 / 300 0
[2] ) ابن منظور ، لسان العرب 12 / 399 0
[3] ) الآمدي ، الإحكام 1 / 187  ، السرخسي ، أصول السرخسي 1 / 1170
[4] ) ابن منظور ، لسان العرب 12 / 400 0
[5] ) الهيثمي ، موارد الظمآن 1 / 228 ، البيهقي ، السنن الكبرى 3 / 140 ، ابن أبي شيبة ، مسند ابن أبي شيبة 5 / 318  0( صحيح ) ، الألباني ، إرواء الغليل 3 / 9 ، صحيح الجامع وزيادته 7 / 213 0
[6] ) السرخسي ، أصول السرخسي 1 / 117 0
[7] ) الطوفي ، شرح مختصر الروضة 1/ 457 0
[8] ) الطوفي ، شرح مختصر الروضة 1 / 458 0
[9] ) المرجع نفسه 1 / 457 0
[10] ) المرجع نفسه 1 / 458 0
[11] ) الغزالي ، المستصفى 1 / 98 0
[12] ) الآمدي ، الإحكام في أصول الأحكام 1 / 188 0
[13] ) السبكي ، رفع الحاجب 1 / 108 0
[14] ) السمرقندي ، ميزان الأصول / 55 0
[15] ) الزحيلي ، أصو ل الفقه الإسلامي 1 / 109 0