الزواج



الزواج
الزواج بين المسلمين ضرورة دينية كما ورد ذلك في القران الكريم والأحاديث النبوية الشريفة ، وهو أيضا ضرورة اجتماعية تؤكدها ظروف العائلة والحمولة وملكية الأرض والعزوة الكبيرة .والمراحل التي يمر بها الزواج في معظم القرى متشابهة إلى حد كبير وإن اختلفت في بعض التفصيلات الثانوية .
كان الوالدان يقومان بالدور الأساسي في اختيار العروس لإبنهم بعد أن يتأكد الأب من رغبة ولده في الزواج . وعادة يفضل الزواج من الأقارب سواء من جهة الأبوالأم ومن نفس الحمولة ، وفي بعض الحالات تكون العروس من حمولة ثانية أو من قرية أخرى . وهناك أمثلة  كثيرة يتداولها الناس في القرية عن محاسن الزواج من الأقارب أو القرية نفسها تدعم وتشجّع هذا الاتجاه . "دور مع الدرب ولو دارت ،وخذ بنت العم ولو بارت" ،"من طينة بلادك ليّس خدادك " ، "وبنت عمك بتشيل همك". وربما يعيب البعض هذا الزواج الذي ليس للزوج فيه دور هام ، ولكن الواقع غير ذلك . ففي معظم الحالات يسهل على العريس رؤية الفتاة في القرية في مناسبات عديدة كالأفراح والأسواق وطريق "الملايات" أي حين تذهب إلى البئر لتملأ جرتها بالماء وفي الحقول المتجاورة.
وبعد هذه الخطوة ، يذهب الأب في "جاهه"أو "سوقة" مع عدد من الرجال الأعيان والوجهاء ، وخاصة أولئك الذين لهم "دالة وخاطر "  عند والد العروس أو ولي أمرها،يطلبون يد ابنته لابنهم ، وبعد تبادل المجاملات والترحيب المتعارف عليه ، يتم الاتفاق على المهر ، المعجل والمؤجل ، وشروط أخرى ، مثل الكسوة  ، وخشة الدار ،والمصاغ (الذهب) ، وطلعة العم والخال ، وثوب الاماية (الأم) . كثير من هذه الشروط مجرد تقاليد وعادات ربما لا ينفذ منها شيء . ثم يحدد موعد عقد القران (الصفاح) والكلمة من المصافحة بين والد العروس والعريس أثناء تلاوة المأذون لشروط الإنفاق وقبول الزواج . وكان الزواج بشكل عام يتم في سن مبكرة ، فيكون العريس حوالي العشرين من عمره بينما العروس مابين 15-18 عاما . وفي بعض الحالات يكون عمر العريس في أواخر العشرينات ، أما العروس غالبا يظل عمرها أقل من عشرين سنة . وبعد إتمام مراسم عقد القران وتسليم المهر أو جزء منه ، توزع الحلوى على الحاضرين . وكانتالحلوى تختلف من جيل إلى أخر فمن التمر والقطين في العهد التركي إلى الملبس والشوكولاتة في علب من الزجاج في القرن العشرين أو يستعاض عنها بوليمة كبيرة من الرز واللحم.
أما المهور فاختلفت كذلك من جيل إلى أخر ، ففي أواخر القرن التاسع عشر كانت في حدود عشرة ليرات عثمانية ، وبعد الحرب العالمية الأولى أصبح المهر حوالي عشرين جنيها ، وفي الثلاثينات تراوح المهر مابين 20-30 جنيها ، وفي الأربعينات ارتفعت المهور بشكل ملحوظ فتراوحت مابين 50-80 جنيها وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية زادت المهور زيادة يصعب تصديقها إذ تراوحت مابين (300-500) جنيها ، وربما كان ذلك لارتفاع الدخل وتبعا لذلك ارتفاع أسعار الملابس والذهب وغير ذلك من متطلبات الأفراح.
ونتيجة لهذا الارتفاع في المهور، اتجه كثير من الشباب ، ليس في اسدود فحسب بل في قرى عديدة للسفر إلى سوريا أو مصر للزواج من هناك لأن تكاليف الزواج في تلك الأقطار كانت بسيطة اذا ما قورنت بتكاليفه في فلسطين .( في سوريا أقل من 200 جنيه ، في مصر أقل من 100 جنيه).
كان والد العروس أحيانا ، حسب حالته المادية والاجتماعية يحتفظ لنفسه ولعائلته بجزء من المهر ، ويصرف الباقي على كسوة ابنته ومصاغها من الذهب . وفي كثير من الحالات ، كان اهل العريس يفضلون ان يكون المهر شاملا كل شيء يلزم للعروس ليتفادوا أي خلاف أثناء تجهيز العروس والذي من الممكن أن يؤدي إلى فسخ العقد . أما والد العريس فيتكفل بكسوة أسرته وأرحامه ، كل حسب إستطاعته . وعلى العموم فالمشاكل في الأفراح لا بد منها كالملح للطعام . فمن النادر والنادر جدا أن يخلو زواج من مشاكل صغيرة أو كبيرة ، لكن كلها تنسى بعد مدة قصيرة وخاصة بعد الحمل والولادة وبالذات اذا كانت باكورة ذريتهم ذكورا . وكانو يلقون اللوم على الزوجة لجهلهم بأن الرجل ، بعد الله ، هو المسؤول عن انجاب الأطفال إذا كان الجهاز التناسلي للمرأة سليما . أما إذا لم يخلف الزوجان فالاحتمال أن يكون العقم في احدهما ولكن في أي الحالات ، كان الرجل يتزوج من جديد، ويلقي اللوم على الزوجة. وربما يتزوج الاثنان وكل منهما ينجب أطفالا ويكون الجهل سببا في الطلاق والحياة الزوجية التعيسة.
وبعد اتفاق الطرفين على موعد الزواج، يبدأ أهل العريس ، قبل الموعد المحدد بأيام ، بالإعداد لتلك المناسبة الفريدة في الحياة. فتقام الأفراح لعدد من الليالي (3-5) من دبكة وسامر وما يتبعها من أغاني وزغاريد وتوزيع الشراب –خاصة الشاي –على الحضور . كانت الدبكه محببة إلى الشباب ، والسامر أكثر قبولا لدى الأكبر سنا ، وإن كان بعض الشباب يرغبون السامر تمهيدا للمشاركة فيه بعد تقدمأعمارهم . وقبل الليلة الأخيرة من الموعد المحدد ، تقوم أم العريس ومعها بعض النساء من أقاربها بحمل الحنة الكافية وتوابعها للعروس وصديقاتها للقيام بالاحتفال بليلة الحنة في بيت العروس . كما يقوم أهل العروس بتوزيع حنة في صرر صغيرة من الورق على جيرانهم وأقاربهم لنفس الغرض.
وفي اليوم التالي يتم زفاف العروس في بيت والدها. أما العريس فيدعوه أحد أصدقائه للاستحمام في بيته وبعدها يلبس العريس ملابس خاصة بهذه المناسبة ،استعدادا "للصمدة" أو الزفة سواء في نفس البيت أو بيت أخر . وفي بعض الحالات يخرج العريس في موكب يطوف شوارع الحارة على الأقل ، وينتهي المطاف إلى بيت العريس، ومن هناك يذهب العريس وأهله وأقاربه إلى بيت العروس. وبعد إتمام جميع الشروط المتفق عليها يتم إخراج العروس من بيت أهلها إما على فرس ، إذا كانت من نفس القرية أو في تاكسي أو باص إذا كانت من قرية أخرى ، وقبل السيارات كانت تركب وعليها عباءة في هودج على جمل . وحين تصل إلى بيت العريس يبدأ حفل أخر للعروس من النساء فقط . وفي بعض الحالات يجهز أهل العريس قطعة من العجين لتلصقها العروس في أعلى باب البيت أو باب غرفة العروسين علامة تفاؤل بالخير والرزق مع قدومها.
وبعد صلاة العشاء ينفض الاحتفال ، ويبقى عدد قليل من النساء المقربات كأم العريس وأم العروس ويسمح حينها بدخول العريس إلى الغرفة التي بها العروس. وتكون والدة العروس قد أعدت عشاء خاصا للعروسين وغالبا ما يكون زغاليل الحمام المحشية . وهذه ما تعرف بليلة الدخلة . ويظل الأهل في البيت أو خارجهللاطمئنان على إتمام الدخلة.
وفي صباح اليوم التالي يأتي أهل العروس رجالا ونساء للمباركة للعروسين ولإعطاء العروس" النقوط" . ويكون معهم خروف يدعى فطور العروسينيقوم أهل العريس بذبحه وإعداده لإطعام الضيوف . وبعد ذلك يبدأ المهنئون بالتوجه إلى بيت العريس ومعهم أو ربما تسبقهم مايعرف "بالقود" وهو الخروف ، ليقوم أهل العريس بإعداده ،غداء للقادمين سواء كانوا من أهل القرية أو من خارجها.
جرت العادة أن تكون الأعراس بعد موسم الحصاد والجرن ليكون لدى الناس متسع من الوقت للاستمتاع باحتفالات الزواج التي تدوم أياما طويلة ، ولأن ليالي الصيف أجمل من ليالي الشتاء الباردة . كما اعتاد الناس على عدم الزواج أثناء شهر رمضان حتى لو كان صيفا.
كانت هناك عدة أنواع من الزواج ، أكثرها شيوعا ماذكر أعلاه زواج المهر . علاوة على ذلك كان زواج البدل . من أسباب هذا النوع من الزواج الحالة المادية –خاصة في فترة غلاء المهور وعدم قدرة الأهل على دفع تكاليف الزواج. كما يجوز أن يكون السبب قلة حظ الفتاة من الجمال ، وهذا مايدفع الأب أن يشرط زواج ابنه بزواج ابنته ، وربما يكون الهدف تقوية أواصر القرابة أو العلاقات الأسرية لتصورهم بان البدل يحقق ذلك. ويتم هذا الزواج بين عائلتين لديهما شابان في سن الزواج ولديهما أختان ، يتفقان على أن يتزوج كل شاب أخت الثاني ، وعند كتابة عقد الزواج يحدد المهر لكل منهما مساويا للأخرى . وتقوم كل عائلة بتجهيز ابنتهم من ملابس ومصاغ وغيره بالتساوي تقريبا . وأحيانا يكون بين أبوين يتزوج كل واحد ابنة الأخر لأن الزوجة الأولى لاتنجب أولادا أو عاقر ، أو أن يبدل الأب ابنته مع شاب له أخت في سن الزواج. ومن هنا جاءت الأمثال الشائعة بدلوا النخلة بسخلة ، وضرتها من سرتها.
لم يكن هذا النوع من الزواج شائعاً كثيراً ، لكنه كان موجودا وأحيانا يكون ناجحا ، وأحيانا أخرى تتبعه مشاكل تؤدي إلى الطلاق وتعاسة أحدهما أو كليهما . ففي بعض الحالات تكون أحداهما على غير وفاق مع زوجها بسبب العمر أو العائلة أو المعاشرة، فإذا طلبت الطلاق ، لابد للأخرى ان تطلق حتى لو كانت سعيدة في حياتها الزوجية . وفي حالات الخلاف المؤقت ،لو حردتأحداهمالابد للثانية أن تحرد أيضاً (أي تعود إلى بيت أهلها). ولكثرة هذه المشاكل الناجمة عن زواج البدل ، لم يكن محببا للغالبية العظمي من أهل القرية ، ومن هنا جاء المثل الشائع " زواج البدل قلة عقل" مثل أخر " زواج البدل مافيه عدل" وكانت هناك حالات من هذا الزواج في جميع الحمايل بأسدود ، ومنها ماكان ناجحا وموفقا.
ونوع أخر هو الزواج من الأقارب، وكان هذا النوع مرغوبا لأمور عديدة منها معرفة العائلتين للعريس والعروس معرفة وثيقة والاطمئنان إلى سلوك وأخلاق كل منهما . وكذلك حرص العائلتين على عدم التفريط بنصيب البنت من الإرث في الأرض لزوج غريب ، وبذلك يضمن والدها أن تظل ملكية الأرض داخل العائلة ، أو يحتفظ الوالد بالجزء الأكبر من نصيب ابنته أملا في إقناعها بالقليل مع أن ذلك مخالف لقانون الشرع الإسلامي.
وكما ذكرنا سابقا كان هناك زواج من خارج القرية سواء من قرية أخرى أو من قطر أخر ، والأول كان أكثر شيوعا في العهد العثماني حيث أن قانون التجنيد الذي صدر في القرن التاسع عشر ، نص على إعفاء كل من تزوج غريبة من التجنيد . أما الزواج من خارج البلاد في عهد الإتنداب فكان بسبب الحالة المادية وغلاء المهور . وكانت في أسدود حالات عديدة من النوعين ( من سوريا ومصر).
وأخيرا زواج الغرّة ( الغرّة : العبد والأمة). هذا النوع من الزواج نادر جدا . ويتم في حالات الدم بين عائلتين ، إذا قتل شخص شخصا أخر غير متعمد ، وحسب القضاء العرفي ، إذا عجز أهل القاتل عن دفع الدية ، أو رفض أهل القتيل قبولها ، يكون الحكم حينئذ أن يتزوج أخو القتيل، إن لم يكن للأخير ولد ، أخت القاتل أو ابنته. وفي بعض الحالات يقترن الزواج بدفع الدّية أيضا. هناك حالة واحدة في أسدود حدثت في ثلاثينات القرن العشرين بين عائلتيّ تمراز وطه من حمولة زقوت. يرى البعض أن هذا الزواج ربما يؤدي إلى الوئام بدلا من العداء والخصام بين العائلتين.