حكم التقليد في العقيدة

حكم التقليد في العقيدة

11- إذ كل من قلد في التوحيد ## إيمانه لم يخل من ترديد

(قوله إذ كل من قلد إلخ) هذا تعليل لوجوب المعرفة السابقة[1] فكأنه قال: وإنما وجب على المكلف معرفة ما ذكر لأن كل من قلد.. إلخ، فإذ للتعليل. والتقليد: هو الأخذ بقول الغير من غير أن يعرف دليله؛ والمراد بالأخذ: الاعتقاد: أي اعتقاد مضمون قول الغير، والمراد بالقول: ما يشمل الفعل والتقرير[2] أيضاً؛ وخرج بقولنا “ من غير أن يعرف دليله “  التلامذة بعد أن يرشدهم الأشياخ للأدلة.
فهم عارفون لا مقلدون، وضرب لهم الشيخ السنوسي مثلاً للفرق بينهم وبين المقلدين بجماعة نظروا للهلال[3] فسبق بعضهم لرؤيته فأخبرهم به، فإن صدقوه من غير معاينة كانوا مقلدين، وإن أرشدهم بالعلامة حتى عاينوه لم يكونوا مقلدين؛
وقوله “ في التوحيد “  أي في علم العقائد ولو تعلقت بالرسل، فليس المراد بالتوحيد إثبات الوحدة بخصوصه
(قوله إيمانه لم يخل من ترديد) هذه الجملة خبر عن المبتدأ الذي هو “ كل من قلد إلخ “  والمراد بإيمانه: جزمه بأحكام التوحيد من غير دليل، وليس المراد به المعرفة، إذ لا معرفة عند المقلد، كذا يفيده كلام الشارح، ولعله مبني على أن الإيمان هو المعرفة وهو ضعيف، والراجح أنه التصديق وهو غير الجزم، لأن مرجعه الكلام النفساني وهو قول النفس: آمنت وصدقت. فالأولى أن المراد بإيمان المقلد: تصديقه التابع للجزم لا نفس الجزم[4]، والمراد من الترديد: التردد والتحير، من قولك[5] “ تردد زيد “  أي تحير، واستشكل بأن العبارة تقتضي أن الجزم يجامع التردد، مع أنه متى كان جازماً لا يكون متردداً أصلاً، فكيف يقول “ إيمانه لم يخل من ترديد “  وأجيب عن ذلك بأن كلامه على حذف مضاف، والتقدير: لم يخل عن قبول ترديد، أو المعنى: أنه مصحوب بالترديد بالقوة لا بالفعل، ولا يرد أن العارف لا يخلو أيضاً عن قبول الترديد أو لم يخل عن الترديد بالقوة، لجواز أن تطمس عين معرفته والعياذ بالله تعالى؛ لأن المراد بالقبول والقوة: القريبان من الفعل عادة ولا يضر غيرهما، ويمكن أن يحمل الترديد على اختلاف العلماء فيه[6]، فما يأتي كالتفسير لهذا المجمل فهو من ذكر المفصل بعد المجمل.



في حكم إيمان المقلد}

12- ففيه بعض القوم يحكي الخُلفا ##وبعضهم حقق فيه الكشفا

(قوله فيفيه بعض القوم يحكي الخلف) أي فبسبب تحيره وتردده[7] اختلف العلماء في إيمانه صحة وعدماً، فالفاء سببية والضمير لإيمان المقلد من حيث الصحة وعدمها، والخلف بضم الخاء وسكون اللام- بمعنى الخلاف لا بمعنى خلف الوعد وإن تعورف فيه.
وحاصل الخلاف فيه أقوال ستة، الأول: عدم الاكتفاء بالتقليد بمعنى عدم صحة التقليد، فيكون المقلد كافراً، وعليه السنوسي في الكبرى[8]. الثاني: الاكتفاء بالتقليد مع العصيان مطلقاً؛ أي سواء كان فيه أهلية للنظر أم لا. الثالث: الاكتفاء به مع العصيان إن كان فيه أهلية للنظر وإلا فلا عصيان. الرابع: أن من قلد[9] القرآن والسنة القطعية صح إيمانه لاتباعه القطعي، ومن قلد غير ذلك لم يصح إيمانه لعدم أمن الخطأ على غير المعصوم. الخامس: الاكتفاء به من غير عصيان مطلقاً، لأن النظر شرط كمال فمن كان فيه أهلية النظر ولم ينظر فقط ترك الأولى. السادس: أن إيمان المقلد صحيح ويحرم عليه النظر، وهو محمول على المخلوط بالفلسفة[10]. وما أحسن[11] قول بعضهم:
عاب الكلام أناس لا خلاق لهم ##وما عليه إذا عابوه من ضرر
ما ضر شمس الضحى في الأفق طالعة ## أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر
والقول الحق الذي عليه المعول من هذه الأقوال القول الثالث، والصواب أن هذا الخلاف مطلق: أي جار في النظر الموصل لمعرفة الله تعالى، دون غيره[12] كالنظر الموصل لمعرفة الرسل، خلافاً لمن خص الخلاف بالنظر غير الموصل لمعرفة الله تعالى، وقال: أما النظر الموصل لمعرفة الله تعالى فهو واجب بالإجماع، وقد جرى على ذلك الشيخ عبد السلام، والارجح أنه لا فرق في هذا الخلاف بين أهل الأمصار والقرى، وبين من نشأ في شاهق جبل، خلافاً لمن خصه بمن نشأ في شاهق جبل[13] دون أهل الأمصار والقرى، وقد جرى على ذلك الشيخ عبد السلام أيضاً. قال اليوسي: وقد تحدثت امرأتان بمحضري في زمن صغري، وذكرتا الذنوب، فقالت إحداهما: الله يغفر لنا، فقالت الأخرى: يغفر لنا إن وفقه الله الذي خلقه هو أيضاً آهـ، ومثل ذلك كثير من الناس؛ فمنهم من يعتقد أن الصحابة أنبياء وهذا كفر، ومنهم من ينكر البعث ويقول: من مات ثم جاء وأخبر بذلك؟ إلى غير ذلك من الكفر  الصريح، وحكى الآمدي اتفاق الأصحاب على انتفاء كفر المقلد، وأنه لا يُعرف القول بعدم صحة إيمانه إلا لأبي هاشم الجبائي من المعتزلة. وذكر ابن حجر عن بعضهم أنه أنكر وجوب المعرفة أصلاً وقال: إنها حاصلة بأصل الفطرة، واستدل على ذلك بقوله تعالى: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (الروم: من الآية30) وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة)[14]ولذلك قال أبو منصور الماتريدي: أجمع أصحابنا على أن العوام مؤمنون عارفون بربهم وأنه حشو الجنة، كما جاءت به الأخبار وانعقد به الإجماع؛ فإن فطرتهم جبلت على توحيد الصانع وقدمه وحدوث ما سواه وإن عجزوا عن التعبير عنه بإصطلاح المتكلمين، والله أعلم
(قوله وبعضهم حقق فيه الكشفا) أي وبعض القوم كالتاج السبكي حقق في إيمان المقلد البيان عن حاله بما يصير به الخلاف في الاكتفاء بالتقليد وعدم الاكتفاء به لفظياً[15]؛ والتحقيق يطلق على ذكر الشيء على الوجه الحق، وعلى إثبات الشيء بدليل، والأول هو المراد هنا.
13- إن يجزم بقول الغير##  كفى وإلا لم يزل في الضير
وقوله “ فقال.. إلخ “  معطوف على قوله “ حقق فيه الكشفا “  من عطف المفصل على المجمل. وقوله “ إن يجزم بقول الغير “  أي إن يجزم المقلد بصحة قول الغير جزماً بحيث لو رجع المقلد بالفتح لم يرجع المقلد بالكسر. وقوله “ كفى “  أي كفاه في الإيمان، وعلى هذا يحمل القول بكفاية التقليد؛ فيكفيه ذلك في الأحكام الدنيوية، فيناكح، ويؤمّ، وتؤكل ذبيحته، ويرثه المسلمون ويرثهم، ويسهم له، ويدفن في مقابر المسلمين، وفي الأحكام الأخروية أيضاً[16]،فلا يخلد في النار إن دخلها ومآله إلى النجاة والجنة، فهو مؤمن لكنه عاص بترك النظر إن كان فيه أهلية النظر.
وقوله “ وإلا لم يزل في الضير “  أي وإن لم يجزم المقلد بصدق قول الغير جزماً قويا بأن كان جازما لكن لو رجع المقلد بالفتح لرجع المقلد بالكسر لم يزل واقعاً في الضير، لأنه قابل للشك والتردد، وعلى هذا يحمل القول بعدم كفاية التقليد والخلاف إنما هو  فيالمقلد الجازم، وأما الشاك والظان فمتفق على عدم صحة إيمانهما، وإن كان كلام المصنف يوهم خلاف المراد،
والخلاف في إيمان المقلد إنما هو بالنظر لأحكام الآخرة وفيما عند الله، وأما بالنظر لأحكام الدنيا فيكفي فيها الإقرار فقط؛ فمن أقر جرت عليه الأحكام الإسلامية، ولم يحكم عليه بالكفر، إلا إن اقترن بشيء يقتضي الكفر كالسجود لصنم



[1] قوله "هذا تعليل.. إلخ" أي باعتبار ما تضمنه من وجوب الدليل، لأن وجوب المعرفة يتضمن وجوب أمور ثلاثة: الجزم، وكونه مطابقة للواقع، وكونه ناشئاً عن الدليل، وهذه علة للثالث وهو كونه ناشئا عن الدليل – أجهوري.
[2] قوله ما يشمل الفعل والتقرير، إن كان المراد فعل غير المعصوم وتقريره فلا وجه له لأنه لا تؤخذ منها الأحكام ولا يقلد فيها، وإنما يقلد في قوله، وإن كان المراد فعل المعصوم وتقريره فلا يكون تقليداً لأن المعجزة والعصمة دليلان على حقية ما يدل عليه الفعل والتقرير،فلا وجه لهذا الكلام.
[3] أي نظروا السماء لأجل رؤية الهلال.
[4] لحصول الجزم في الكفر العنادي مع فقد الإيمان. كما قال الله تعالى:  “ يعرفونه كما يعرفون ابنائهم وان فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون))
[5] يعني ان التردد من قولك تردد زيد يعني ان الترديد مستعمل في لازمه وهو التردد.
[6] وهذا الوجه وجيه ويدل عليه تعقيب هذا الكلام بقوله: "ففيه بعض القوم يحكي الخلفا" مقرونا بالفاء التفصيلية.
[7] يعني بالقوة القريبة.
[8] وأبو هاشم من المعتزلة.
[9] قوله "أن من قلد الخ" أي فيما توقف على الدليل العقلي: وهو ما تتوقف عليه المعجزة، وذلك ما  عدا السمع والبصر والكلام ولوازمهما، لأنه حينئذ في حكم المقلد لأخذه بالنقل وتركه الدليل العقلي. أجهوري. أقول: إن كان المراد من تقليد القرآن والسنة الأخذ بهما في معرفة الله تعالى وما ذكر من صفاته، ومعرفة  الرسول فلا يصح لأنهما لا يؤخذان منهما وإنما يؤخذان من الدليل العقلي وهو دليل وجوده تعالى والمعجزة، وإلا لزم الدور وإن كان مراد هذا القائل غير هاتين المسألتين من العقائد فالأخذ بالكتاب والسنة استدلال وليس تقليداً.
[10] لأن النظر على طريقة الفلاسفة يورث الشبه والشكوك بدلاً عن أن يوجب طمأنينة القلب وثلجه، وقد علل القاضي العضد في شرح مختصر ابن الحاجب، والتفتازاني، والمحلي في شرح جمع الجوامع هذا القول بأن النظر مظنة الوقوع في الشبه والضلال لاختلاف الأذهان والأنظار بخلاف التقليد، واعترض على هذا التعليل بأنه يقتضي تحريم النظر على المقلد بفتح اللام أيضاً لأنه مظنتها فلا يصح القول بأن التقليد واجب والنظر حرام، وأما اتباع صاحب الوحي فليس تقليداً بل علم نظري.
[11] أتى الشارح بهذين البيتين رداً للقول السادس وأنا أقول: "ما أقبح قول بعضهم" بدل قول الشارح "ما أحسن قول بعضهم" وذلك لأن الكلام المخلوط بالفلسفة بدلاً عن أن يورث طمأنينة القلب وثلجه يورث الشبه والشكوك فيه.
[12] الصواب وغيره بدل دون غيره، فإن النظر الموصل إلى معرفة الرسل مثل النظر الموصل لمعرفته تعالى.
[13] لم يخصه أحد به وإنما أجرى بعضهم الخلاف فيه لأن المطرد أن يكون غيره من المستدلين فيكون ذكره على سبيل المثال لا سبيل الحصر والتخصيص.
[14] أخرجه البخاري (1385) واللفظ له، وأخرجه مسلم أيضاً (2658) من حديث أبي هريرة.

33-{ المراد بالتقليد هنا مقابل النظر في الدليل }
[15] الذي قاله السبكي ليس هو الجمع بين القولين، وإرجاع الخلاف إلى اللفظ، وإنما الذي فعله السبكي بيان أنه ليس مرادهم بكفاية التقليد هنا التقليد المعتبر في الفروع بل إن المراد بالتقليد هنا مقابل النظر في الدليل، وهو المراد بالاجتهاد هنا، ولو كان الناظر عامياً بالمعنى المعتبر عند الفقهاء، وهو المقابل للمجتهد عندهم، نص على هذا القاضي عضد الدين والسبكي في شرح مختصر ابن حاجب، ويدل عليه قولهم: إن العوام غير مقلدين ههنا لنظرهم في الدليل الإجمالي، وإن لم يكن على طريق المتكلمين.
واعلم أن منع التقليد في أصول الدين مبني على أنه مستثنى من قوله تعالى: $(فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) للأمر في الأصول بتحصيل العلم اليقيني وهو المأخوذ عن الدليل ولو كان الدليل إجمالياً دون التقليد.
 وإليك نص كلام تاج الدين السبكي، قال السبكي في شرح المختصر: التقليد يطلق تارة بمعنى قبول قول الغير بغير حجة، ويسمى اتباع العامي لأمامه تقليداً على هذا، وهو العرف، وتارة بمعنى الاعتقاد الجازم لا لموجب، والتقليد بالمعنى الأول قد يكون ظنياً، وقد يكون وهمياً كما في تقليد إمام في فرع من الفروع مع تجويز أن يكون الحق في خلافه، ولا شك أن هذا لا يكفي في الإيمان عند الأشعري وسائر الموحدين، ولعله مقصود الأشعري بقوله: لا يصح إيمان المقلد.
وأما التقليد بالمعنى الثاني فقد كان أبي رحمه الله يقول: لم يقل أحد من علماء الإسلام: إنه لا يكفي في الإيمان، إلا أبو هاشم من المعتزلة.
وأنا أقول: إن هذا لا يتصور فإن الإنسان إذا مر عليه زمن لا بد أن يحصل عنده دليل، وإن لم يكن على طريقة أهل الجدل، فإن فرض مصمم جازم لا دليل عنده فهو الذي يكفره أبو هاشم، ولعله منسوب إلى الأشعري، والصحيح أنه ليس بكافر، وأن الأشعري لم يقل ذلك نعم اختلف أهل السنة في أنه هل هو عاص؟ والأصح عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه مطيع، وعند آخرين أنه عاص، وهو الخلاف في وجوب النظر فاعرفه، وإن قلنا: إنه عاص، وان النظر واجب فالواجب نظر ما ولا يشترط نظر على طريقة المتكلمين، وهذا لا خلاف فيه نعلمه ثابتاً عن أحد من سلف الأمة. انتهى. قال الشربيني في تعليقه على شرح المحلى لجمع الجوامع بعد نقله لهذا الكلام عن السبكي: 2/443 وفيه فوائد جمة منها أن من قال يلزم غير المجتهد التقليد مراده بغير المجتهد بالنسبة لأصول الدين غير القادر على الدليل ولو الإجمالي، ومراده بالتقليد المعنى الثاني في ما تقدم، ومن منع إنما منعه للقادر ولو على الإجمالي لأن المطلوب في أصول الدين العلم كما تقدم..
ومنها أن التقليد نوعان متعارف وغيره..
ومنها أن الخلاف في وجوب النظر ليس عائداً إلى صحة الإيمان بل إلى العصيان وعدمه، ومنها غير ذلك. انتهى
وبهذا ظهر أيضاً أن حمل الشارح فيما سيأتي الجزم على الجزم القوي، وقوله: إن المعتبر في صحة الإيمان عند السبكي هو هذا الجزم وأن الجزم غير القوي ليس بمعتبر عنده ظهر أن هذا الحمل غير صحيح.
[16] الكلام في كتب العقائد إنما هو على الإيمان المنجي من الخلود في النار في الآخرة، وأما الإيمان الذي تترتب عليه الأحكام الدنيوية فلا خلاف في أنه يكفي فيه التلفظ بالشهادتين، وإن كان على وجه النفاق فإن المنافقين مثل المسلمين في الأحكام الدنيوية كما سيأتي قريباً عن الشارح.
34-{ تحقيق مسألة أول الواجبات على المكلف}