الحركة النسوية

الحركات النسوية
         إن محاولة الحفر في بعض ثنايا الذاكرة الجماعيّة تعدّ زاوية نظر مختلفة يمكن من خلالها مقاربة بعض الجوانب المتصلة بالمرأة، وهي مقاربة للموضوع تبدو على قدر كبير من الأهميّة، بما أنها غوص في ما تحمله هذه الذاكرة من تجسّدات وإفرازات تعبّر من خلالها بشكل مختلف عن مواقف ورؤى وتصورات من المرأة قد تبدو لا قيمة لها في حين أنها على قدر كبير من الفعالية بما أنها  شئنا أم أبينا تفعل فعلها فينا ونشُبُ على سماع البعض منها، إلى حد تتحوّل فيه بعض تلك الأمثال والقصص نبراسا يهتدي به الفاعل الاجتماعي في بعض المواقف العسيرة التي يُلتمس ويُستجدي فيه النصح .
         وتكمن الأهمية السوسيولوجيّة للأمثال والأقوال الشعبيّة وغيرها من المأثورات في أنها التعبير والإفراز التلقائي والعفوي الذي يعكس بكل وضوح ما ترشح به نفوس الأفراد وشخصيّة المجتمع الأساسيّة من مواقف تجاه المرأة، تجهر بها الذاكرة الجماعية مجتازة كل المعيقات والمكبّلات التي قد تحجب في سياقات أخرى مثل تلك التصورات والرؤى ومختلف أشكال التعبير فردية كانت أو جماعية.
         ولن ندّعي عبر هذا الحيّز الضيّق مقاربة مختلف تلك الجوانب و ما ترشح به الذّاكرة، ولكنّنا سنحاول التطرّق الى بعض تلك العناصر بشكل عام بهدف الوقوف على بعض الصّور النمطيّة التي افرزتها ذاكرة المجتمع حول المرأة، وارتباط تلك الصّور باختلاف أدوار المرأة ومواقعها المجتمعيّة، علّنا بذلك نصل إلى إبراز طبيعة العلاقة بين المرأة ككائن وكجنس بشريّ والوقوف على مختلف الأدوار الاجتماعيّة المتنوعة التي تلعبها في المجتمع. 

1- 1 :الذاكرة الجماعية وصورة المرأة المشرقة:
         إن الحفر في أعماق ما يترسّب في ذاكرتنا الجماعية من أمثال وأقوال ومأثورات حول المرأة يجعلنا نكتشف إن جانبا مهمّا منها يرسم للمرأة صورة ناصعة البياض، حيث ينسج المجتمع في بعض خطابه الشفوي حول المرأة أبعادا وتجليات ايجابيّة ترشح بها تلك الصورة المشرقة ذات الأركان البارزة والإطار المذهّب ذي البريق الأخّاذ، فتظهر المرأة ضمن البعض من إفرازات المجتمع القوليّة مثالا للحب والوداعة والسّكن والمودّة والرحمة، فهي الحبيبة الغالية ورفيق الدرب وسرّ النجاح وهي "نصف الدين" والأم الحنون والأخت الرحيمة والجدة الغالية والخالة الطيبة بل والملاك المخلّص الذي نستقوي به زمن الشدائد. ومما لا شك فيه ان هذه الصورة المجتمعيّة المشرقة للمرأة التي تجسّدها الكثير من أمثالنا العامية وأهازيجنا وحكاياتنا تتقاطع إلى حدّ كبير مع ملامح صورة ترسمها لها عديد الروايات والقصص والقصائد العربيّة المكتوبة.
         ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه الصورة المشرقة للمرأة التي تنسجها بعض أركان مأثورنا الشعبي غالبا ما ترتبط  بالمرأة في مواقع وادوار اجتماعية معينة، فهي في أحيان عديدة، خاصة في مستوى الحِكم والأمثال الشعبية،  تُرسم  في ارتباط مباشر بمكانة وبموقع ما تحتله المرأة في المجتمع، إذ أن الذاكرة الجماعية عندما تتحدّث عن المرأة في أبعادها الايجابية غالبا ما تتجنّب التعميم متحدثة عن صنف معيّن من النّساء ، ولعل مثال المرأة في دور الأم أبرز نموذج مجسّد لذلك، حيث لا نكاد نجد مثلا شعبيّا واحدا من الأمثال الأكثر تداولا يشكِّك في نُبل المرأة الأم أو يشوّه صورة المرأة المتقمّصة لهذا الدور البيولوجي والاجتماعي.
 ويمكن الجزم بأن ذاكرة المجتمع لم تنسج صورة للمرأة أبدع وأجمل من صورتها في دور الأم، حتى أنها أضحت تحمل أكثر من رمز وأكثر من دلالة متجاوزة أبعاد وحدود الدور المعهود لينسحب على كل ما يُراد وصفه بالعطاء والسخاء مثل الوطن والموطن والأرض والدولة والأمّة. ولا يمثّل نموذج دور الأم المثل الوحيد في العلاقة بين صفاء صورة المرأة في المأثور الشعبي وبين الدور الذي تلعبه في هذا الاتجاه، بل يتجسّد كذلك في بعض الأمثلة التي تظهر فيها المرأة بحكم دورها الاجتماعي في أبهى الصور من ذلك صورة المرأة الطبيبة والمرأة الممرّضة والمرأة الحبيبة والمعشوقة، وتتكرّم الذاكرة على المرأة في مثل هذه الأدوار بأجمل وأبهى الأوصاف.

1-2 الذاكرة الجماعية والصورة المشوّشة
         بالتوازي مع كل ما تنسجه ذاكرة المجتمع عبر إفرازاتها القولية من معاني ايجابية تجاه المرأة والبعض من أدوارها الاجتماعية، نجد في مقابل تلك الصورة المشرقة صورة أخرى تنسج في اتجاه مخالف للاتجاه الأول مشحونة بكل معاني السلبيّة والعداء للمرأة.
         والأمثلة على ذلك عديدة سواء في الروايات والقصص والحكايات الشعبية أو في مستوى الأمثال والحكم، حيث يتم تصوير المرأة وإخراجها في شكل أفعى وعقرب وذئب وما إلى ذلك من صور التشبيه بالحيوانات السامة والمعروفة بدهائها وحيلها أو ببعض النباتات البريّة الموصوفة بالشدّة والغلظة.
         ومن الملفت للانتباه انه على عكس نزعة التخصيص المتجسدة في بعض أركان مدونات المأثور الشعبي، خاصة في المحمول الرمزي ذي الأبعاد الايجابية لصورة المرأة في بعض الأدوار الاجتماعية كدور الأم على سبيل المثال ، تتميز صورة المرأة المشوّشة في هذا المأثور بنزعة تعميم غالبا ما تنطق عن المرأة وكأنها كلّ لا يتجزأ، إذ تميل بعض الأمثال إلى الحديث عنها في المطلق دون ربطها في الغالب بدور اجتماعي معين كدور الأم أو الأخت مثلا وقد يبقى الاستثناء الأساسي في نزعة التعميم التي يتخذها المأثور في تشكيله للصورة السلبية للمرأة متميّزا ببعض التخصيص وذلك عند تجسيد الخيانة وعدم الوفاء وربطه بالمرأة الحبيبة أو الخليلة الخائنة. 
         ومما تجدر الإشارة إليه أن المقارنة بين وجهتي مدونات المأثور الشعبي نحو المرأة أي الوجهة ذات الشحنات الايجابية والوجهة ذات الأبعاد السلبيّة قد لا تستقيم ، فيما نعلم ، بحكم اتساع وامتداد ما رشحت وترشح به الذاكرة الجماعية من قصص وروايات وأغان وأمثال. وبالرغم من أن الحُكم أو تقدير نسبة كل وجهة بالنسبة للأخرى قد يعدّ اعتباطيّا فإنه بالإمكان القول انطلاقا مما يتواتر سماعه وترديده في بعض الأوساط وضمن بعض الشرائح الاجتماعية، أن نزعة المأثور نحو تجسيد الأبعاد السلبيّة للمرأة تبدو النزعة الأكثر بروزا ووضوحا، كما يبدو واضحا أن هذه النزعة تتكرّس من يوم لآخر بحكم عوامل عديدة قد تعود أساسا لنمط الحياة المعاصرة الذي فرض فرصا أكثر لتواجد المرأة في فضاءات عديدة كان ولوجها محجّرا عليها في السابق  فضلا عن اعتلائها مراتب ومناصب ومواقع  ربما كان من المفترض في رأي البعض أن لا تتواجد فيها، وهو ما نمّى من نزعة المعاداة والحقد لدى البعض على المرأة والتهكّم منها أحيانا بشكل أو بآخر كما يتجلى ذلك في أغلب ما يستجد من نُكت ونوادر وقصص وأغان شعبية .      
         إن هذه المحاولة العابرة لاستنطاق بعض ما ترشح به ذاكرة المجتمع من مدلولات رمزية عبر الصور التي تنتجها حول المرأة انطلاقا من بعض أشكال المأثور الشعبي وإفرازاته القوليّة الأكثر تداولا في المجتمع، أفضت إلى إبراز صورتين نمطيتين تجسّد كل واحدة منها موقفا مجتمعيّا من المرأة أحدهما سلبي تمثّله تلك الأمثال والحكم والقصص المحقّرة للمرأة ولشأنها في المجتمع، والمبرزة لخطاياها ولسوء نواياها، في حين يُعلي الاتجاه الثاني من قيمة المرأة ومن شأنها وأهمّيتها. وقد تم التأكيد على تلك النزعة التعميميّة التي تتبناها الذاكرة الجماعية وبعض إفرازاتها الشعبية عند محاولات إبرازها للأبعاد السلبية في المرأة، فتأتي الصور- خاصة في مستوى الأمثال - مجسّدة بشكل مطلق يتناول المرأة والنساء بشكل معمّم ،  في حين تنزع نفس هذه الذاكرة إلى التخصيص عند الحديث عن الأبعاد الايجابيّة للمرأة، حيث تصرّ في السياق الايجابي إلى التخلّص من شوائب التعميم والحديث المطلق فتُربط المرأة ضمن تلك الصورة المشرقة بأدوار اجتماعيّة معينة تلعبها في المجتمع كما هو الحال في مثال دور الأم .
         ان المقابلة بين هذين الوجهتين والموقفين المتناقضين من المرأة في خضم ذاكرة المجتمع، وربطهما بنزعتي التخصيص والتعميم قد يحيلنا إلى أمر قد يبدو غريبا ونأمل أن لا يكون حكما على هذه الذاكرة التي تراءت لنا، وكأن لسان حالها،عبر مقابلة الايجابي بالتخصيص والسلبي بالتعميم ، يطمح للقول بان السلبي في المرأة هو القاعدة والأساس و الايجابي فيها هو الاستثناء!!.
         وهو ما يحيلنا من الحديث عن الذاكرة وتقابل موقفيها من المرأة إلى التأكيد على ذلك التمركز المزدوج لمختلف المواقف من المرأة في ذوات مختلف أفراد المجتمع ذكورا كانوا أو إناثا، فيصبح بذلك الفصل بين موقفين مجتمعيين من المرأة أحدهما مناصر لها وآخر معاد ، فصلا منهجيا لا يمكن أن يتجسّد على أرض الواقع إلاّ بشكل نسبي، ورغم التناقض التام الذي قد يبدو بين الموقفين فإن تموضعهما معا وتلازمهما في ذواتنا يظلّ هو الأساس. فمن منّا ، ذكرا كان أم أنثى، لم يثُر يوما ساخطا على امرأة ما في موضع ما، بدت له امرأة غير مناسبة في المكان الذي تبوأه، ومن منّا في لحظة غضب عنيفة لم يلعن امرأة عكّرت مزاجه في فضاء ما، خاصّا كان أو عامّا . وبنفس حجم ذلك الانفعال أو ربّما بوتيرة أقوى، من منّا لم يعشق يوما امرأة ممجدا خصالها  صديقة كانت أو زميلة أو حبيبة أو زوجة أو أمَّا . ومن منا لم يجد نفسه يوما بين هذا وذاك ساخطا ومحبّا، ثائرا ومستجيبا يلعن ويمجّد المرأة في مختلف صورها وتجسّداتها الاجتماعية.
         ان تلازم تلك المواقف المتنافرة وتموضعها في ذواتنا في نفس الحين، قد يبدو مثيرا للاستغراب وقد يتراءى ويفسّر على أنه تناقض أو ازدواجيّة تجاه المرأة، ولكنه على العكس من ذلك محصّلة ما يُنحت عبر ثقافة المجتمع وقيمه ليخلق نوعا من السلوك والمشاعر تجاه المرأة الإنسان التي هي عصارة مزيح من الخير والشرَ والحبَ والكره وخلاصة جملة من الانفعالات والسلوكات والمشاعر المتولدة عن جملة من القيم  المستبطنة التي قد تروق للبعض في حين يستهجنها البعض الآخر .  

التطور التاريخي للدراسات حول المرأة
1- تأخر التساؤل العلمي حول المرأة
لقد بقيت محاولات الكتابة في المواضيع المتصلة بالمرأة محاولات محتشمة ونادرة إلى وقت غير بعيد، وبالرغم من أن أولى تلك المحاولات ظهرت في تواريخ متقدمة نسبيّة إذ تعود بعض الكتابات المناصرة لقضايا المرأة والمنادية بالمساواة بين الجنسين في أوروبا إلى مطلع القرن الخامس عشر للميلاد ([i]) فإن عملية التفكير والبحث العلمي في قضايا المرأة وفي علاقتها بالرجل ظلت معطّلة بحكم عدم طرحهما كموضوع إشكالي إلى فترة متأخرة من تاريخ العلوم مما تسبب في شبه غياب لمبحث المرأة من دوائر الجدل العلمي والنقاش المجتمعي بشكل عام.
         وبالرغم من الاهتمام المبكِر للعلوم الإنسانية والاجتماعية وعلم الاجتماع تحديدا بقضايا اجتماعية حسّاسة متّصلة بشرائح اجتماعية معينة مثل الطبقات العمالية وشرائح المهمّشين والمقصيين في المجتمعات الحديثة والمعاصرة، فقد ظل الخوض في قضايا المرأة والظاهرة النسائية بشكل أعم موضوعا لم تجرأ العلوم الإنسانية على خوضه إلاّ مؤخرا. وتبعا لذلك فقد اتسمت الظاهرة النسائية بنوع من التهميش العلمي والبحثي في جل فروع العلوم الإنسانية والاجتماعية أمام تكثّف الاهتمام بظواهر وإشكاليات مجتمعية أخرى.
ويُعدّ بروز أولى التحركات النسويّة مع بدايات الحداثة الأوروبيّة المحرك التاريخي الأساسي والمثير الأبرز الذي حوّل الأنظار تجاه قضايا النساء، وسوف يكون لتلك التحرّكات التي تطورت تدريجيّا وتوسّع مداها على نطاق عالمي الفضل في شدّ انتباه السّاسة والمفكّرين والباحثين وإعلاء صوت المرأة كصوت اعتبر إلى حد تلك المرحلة صوتا ملجّما ومكتوما.

2- ظهور الحركات النسويّة الغربيّة وتصاعد أصوات النساء
بدأت بعض الأصوات النسائية الأوروبيّة المنادية بالمساواة مع الرجل في البروز والتعالي منذ أوائل عصر الثورة الصناعية، وقد مثلّت تلك الأصوات بدايات مساعي لفت الأنظار صوب ما كانت تتعرض له المرأة في المجتمعات الغربيّة آنذاك من ضيم وجور، إلا أن مختلف تلك النداءات والمساعي لم تتحول إلى حركة اجتماعية احتجاجيّة ولم تتخذ شكل التعبير المنظّم الاّ مع القرن التاسع عشر، حيث برزت أولى الحركات النسويّة المهيكلة حول مبادئ تحرير المرأة والمطالبة بمنحها جميع حقوقها المدنيّة والاجتماعيّة، وسوف تشهد هذه الحركات مستوى أعلى من التنظيم خلال القرن العشرين، والذي سوف يمثّل مهد احتجاجات نسوية ذات أشكال من التعبير أكثر حدّة ومطالبة أشد ضراوة وراديكاليّة.    
         ويمكن القول أنّ حصر ولادة المطالبات النسائيّة المنظمة يعود إلى الفرنسيّة هبرتين اكلارك [ Hubertine Auclert ] التي قامت سنة 1881 بإحياء مصطلح النسويّة ([ii] )[ Féminisme ] ومنحته معاني المطالبة بحقوق النساء والاستماتة من اجل الدفاع عن ذلك، كما كانت من أوائل الذين تمكّنوا من تعبئة النساء وإخراج أولى الأفواج النسائيّة  الغاضبة والمحتجة على أوضاعها  إلى شوارع باريس للمطالبة بحقها ، تماما كالرجال، في الانتخاب وولوج صفوف الجيش والحرس الوطني. وهو ما خوّل للحركات النسويّة الفرنسيّة تدريجيّا من الظهور والنموّ من خلال تزايد عدد المناضلات في صفوفها، بفضل ما عرفته من مساندة ودعم من قبل بعض الرّجال وخاصة من لدن بعض الفلاسفة والمفكرين الذين أيّدوا تلك الحركات بالرغم من كثرة المعارضين لها، والذين اعتبروا في تعالي أصوات النساء وفي مطالبهن الاحتجاجية نوعا من الثورة على طبيعة الحياة ومسارها الاعتيادي.
         ومع مطلع القرن العشرين انبثق عن تطور تلك الحركة النسويّة ظهور توجهين أساسين اختلفت مقارباتهما النضالية لفائدة المرأة وتباعدت بينهما أشكال الاحتجاج والتعبير وفحوى المطالبات. وقد انسحبت سمة المطالبة النسويّة البورجوازيّة ذات المنحى الإصلاحي على التوجه الأوّل، في حين اعتبر التوجه الثاني ذا نزعة اشتراكيّة وذا صبغة أكثر أصوليّة وثوريّة.

2-1 الحركة النسويّة والتوجهات الإصلاحية
اعتبرت الحركة النسوية الناشئة في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر من أهم الحركات الاجتماعية التي أنتجتها الحداثة الأوروبيّة عبر مختلف ما حملته من تحولات جذرية وهيكليّة في صلب المجتمعات الأوروبية، بما أن تعالي أصوات تلك الحركة مثّل ردة فعل نسائية وتعبير معلن عن رغبتهن في الحضور الفاعل في صلب مجتمع الحداثة الجديد.
         وقد انطلقت الموجة الأولى من حركة النساء الاحتجاجية في فرنسا من التأكيد على مفارقة غياب حقوق النساء في بلد أشهر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولقد توفـّقت الحركة في حسن توظيف هذه المفارقة في مطالبها، حيث سيطر على أغلب نشاطها التأكيد على قصور مسارات الحداثة الفرنسيّة التي تبنت مبادئ الثورة وارتكزت على أسس فلسفة الأنوار وشهدت إعلان المواثيق الدولية لحقوق الإنسان في الوقت الذي تُحرم فيه المرأة الفرنسيّة من أبسط حقوقها السياسية والمدنيّة.
         ومما لا شك فيه أن الطابع السياسي كان المسيطر الأبرز على جلّ المطالبات النسويّة خلال هذه الحقبة، وقد عملت أغلب التظاهرات وأشكال التعبير الاحتجاجي خلال النصف الأول من القرن العشرين على التركيز على جملة من المطالب السياسية كالمناداة بحق النساء في الانتخاب وإبداء رأيهن في عمليات تسيير هياكل الدولة والمجتمع، فضلا عن المطالبة ببعض الحقوق المدنية والاقتصادية للمرأة والعمل على إخراجها من بوتقة القصور القانوني التي يضعها فيه القانون الفرنسي تحت تصرّف الزوج والأب. كما ذهبت بعض الأصوات النسائيّة للمطالبة بحق المرأة  في التعليم والطلاق والتصرّف في الممتلكات الشخصية الى جانب المناداة بتحسين أوضاع المرأة العاملة، والعمل على مزيد إدماجها في الفضاء العام وتعزيز مشاركتها في المجتمع.
         اعتبرت هذه الموجة الأولى من الاحتجاجات النسائيّة بمثابة موجة إصلاحية توفيقيّة بما أنها لم تشكّل ثورة عارمة في وجه أوضاع المرأة ومواقعها في المجتمع، ولم تقطع مع مكانتها ومختلف أدوارها المجتمعيّة، حيث ظلت جلّ المطالبات الاحتجاجيّة خلال هذه المرحلة من تطوّر الحركة النسائيّة  مطالبات لم تعلن إلغاء  أدوار المرأة الاجتماعية والأسريّة، كما أنها لم تعمل على إفراغ فحوى المطالبة بتحرير المرأة من محتواها المجتمعي والإنساني، بما أنها وطّنت كل ما تمّت المناداة به ضمن وضعيّة أمومة المرأة وموقعها العائلي كزوجة وربّة بيت.
          وتبقى الشواهد التاريخيّة الدّاعمة للتوجّه المجتمعي لهذه الحركة والمكرّس للأدوار الأسريّة للمرأة عديدة كعملها على تحويل يوم 8 مارس، المُعلن منذ 1911 كيوم عالمي للمرأة إلى يوم سميّ سنة 1951 بـ " اليوم العالمي للمقاومة من أجل السلم وسعادة الأطفال" ([iii])، ويبرهن ذلك على الأهميّة المعطاة من قبل هذا الجيل من الحركة النسويّة لحياة المرأة الأسريّة ودورها كأمّ وكربّة بيت، وهو ما سوف يفتقد من قائمة مطالب الجيل الثاني لهذه الحركة والتي سوف تشكـّل توجّها مختلفا عن سابقتها منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين.
   
2-2 الحركة النسويّة والنزعة الأصولية   
مثّل النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة تاريخيّة ذات خصوصيّة اقتصادية واجتماعيّة وسياسيّة،حيث غلبت على هذه المرحلة تحوّلات مجتمعيّة كبرى مسّت دولا عديدة في العالم ، وقد عُرفت هذه المرحلة بروز ونموّ أصوات حركات احتجاجية مختلفة كحركات التحرّر الوطني  ومناهضة الاستعمار الأوروبي وتنامي التيارات الاشتراكية وتصاعد أشكال النضال العمّالي والطلابي وارتفاع الأصوات النقابيّة. 
         وضمن هذا السّياق السوسيوتاريخي ترعرعت حركة النساء الاحتجاجيّة لتعرف تناميا عدديا غير مسبوق مع مطلع السبعينات وتلج بذلك حقبة جديدة من تاريخها سوف تتكاثف ضمنها ولادة الحركات النسائية في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وسائر دول العالم رافعة شعارا مستجدّا ميّز هذه المرحلة وهو شعار "تحرير المرأة".
         وقد كان لحركة الاحتجاجات الطلابيّة في فرنسا خلال سنة 1968  والتيارات الماركسية ومدارس التحليل النفسي وكتابات الأديبة الفرنسيّة سيمون دي بوفوار[ Simone de Bouvoir ] (1908-1986) الأثر البارز في اذكاء جذوة تلك الحركة الاحتجاجيّة وأبرز روافدها الى حدّ أضحت فيه بمثابة ثقافة مضادة ([iv] ) تهيكلت حول أجواء التمرّد التي أنتجها النصف الثاني من القرن العشرين. وهو ما كان له بالغ الأثر على هذه المرحلة من النضال النسوي التي سوف تتخذ وجها مختلفا اصطبغت ضمنه التحرّكات النسائيّة بجرأة غير مسبوقة، وانبثقت عنها جملة من المطالب ذات صبغة جنسانيّة قطعت جذريّا مع مطالب المرحلة الأولى من الاحتجاجات النسويّة.
          ومن زاوية نظر مختلفة لقضايا المرأة، وخارج أطر الأمومة ومكانة المرأة الاجتماعية كأمّ وزوجة، نادى الجيل الثاني من الحركات النسويّة بحقّه في التحكم في الخصوبة، وحقّه في الإجهاض رافضا كلّ الاعتبارات التي من شأنها تكريس النظرة الدونيّة للمرأة. وقد تمّت المطالبة بالحريّة المرأة الجنسيّة، وحقّ تمتّعها اللامشروط بشهواتها، كما تمّ إشهار تحدي المرأة للجنس الآخر وإعلان الرفض والاحتجاج على بطريياركيّة الرجل وهيمنته الذكوريّة من خلال المناداة بحرية تعاطي المرأة مع جسدها.
         وسوف تكتسب مطالب وشعارات الجيل الثاني من الحركات النسويّة صبغة فكريّة ونوعا من المشروعيّة عبر نشر بعض الأعمال الفكريّة والأدبيّة في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكيّة، وسوف يمثّل البعض منها مراجع رئيسية ونبراسا فكريّا للحركات النسويّة الأصوليّة في النصف الثاني من القرن العشرين.
ويعتبر كتاب "الجنس الثاني" للأديبة الفرنسية سيمون دي بوفوار Simone de Bouvoir ،المنشور بفرنسا سنة 1949 وفي الولايات المتحدة الأمريكيّة سنة 1953 أحد أهم تلك المراجع التي شكّلت محرّكا تاريخيا وفكريا ساهم في تأسيس أصوليّة الحركة النسويّة خلال تلك المرحلة، كما ساهم كذلك في تدشين مراحل التفكير وإعادة النظر في طبائع العلاقة بين الجنسين.
         وقد اجتهدت سيمون دي بوفوار ضمن كتاب "الجنس الثاني" في تحليل الأوجه السوسيولوجية والنفسية والاقتصادية لإشكالية التمييز بين الجنسين كما عملت ضمنه الى بيان انعدام وجود قدر بيولوجي أو نفسي أو اقتصادي محتوم يرسم الصورة التي تتبناها المجتمعات البشريّة للأنثى، محاولة بذلك نفي وجود طبيعة أنثويّة ما قبليّة تسوّغ التفرقة بين الجنسين. وكان هدفها في مقابل ذلك  السعي لإبراز الدور الذي تلعبه الثقافات والحضارات في صنع وتشكيل ذلك المنتوج الوسيط بين الذكر والجنس الآخر الذي يسمى أنثى، وقد حوصلت دي بوفوار جملة أفكارها في عبارتها الشهيرة " لا نولد نساء ولكننا نصبح كذلك " والتي أضحت فيما بعد شعار الحركات النسويّة لتلك الحقبة التاريخيّة.
وعموما يمكن القول ان رؤية دي بوفوار حول إشكالية التمييز الجنسي، كان لها عميق الأثر في تأجيج الساحة الفكريّة والسياسيّة وإثارة جدل واسع النطاق اشتعل لهيبه في أوساط وبلدان عديدة من العالم، وتراوحت ردود الأفعال حوله بين القبول والمناصرة والرفض والتصدي. وفي الوقت الذي أحدثت أفكار "الجنس الثاني" نشوة عارمة لدى ناشطات الحركة النسوية العالمية، ولاسيما النخبة النسائيّة المثقفة في أوروبا وفي الجامعات الأمريكيّة، حيث بيع من الكتاب مليون نسخة في الولايات المتحدة الأمريكية و22000 نسخة في فرنسا منذ الأسبوع الأول ([v]) ، فقد مثّل الكتاب فضيحة في نظر الكثير من الفرنسيين خاصة من قبل بعض رجالات السياسة الذين عارضوا بشدّة نشر الكتاب وحاولوا جاهدين تعطيل عمليات بيعه  وتسويقه.
لقد شكّلت أفكار سيمون دي بوفوار رافدا مركزيّا للتوجه الراديكالي للحركات النسويّة التي ستنشط بشكل بارز خلال عقد السبعينات، حيث ستشهد هذه الحقبة كبرى التحركات النسائيّة الحاشدة المتّسمة بموجة عنيفة من التصعيد اعتبر من قبل الكثيرين ثورة عارمة ضد الأنوثة والأمومة، بما أنه بلغ حد إحراق المتظاهرات الأوروبيات لكل رموز الأنوثة من ملابس وغيرها ([vi]) كإشهار لرفضهن لكل ما يكرّس أمومة المرأة وارتباطها بحياتها الأسريّة.
        
         وخلاصة القول، انّه وبغضّ النظر عمّا أثارته توجهات الحركات النسويّة ومختلف أشكالها النضاليّة لفائدة المرأة من مواقف وردود أفعال سواء على المستوى السياسي أو الديني أو الفكري، فان أصوات هذه الحركات يعود لها الفضل في شدّ أنظار الباحثين والساسة والمفكرين صوب قضايا المرأة ومختلف المواضيع المتصلة بها، وقد مكّن تعالي صوت احتجاجات النساء في أماكن مختلفة من العالم من سريان نوع من الاعتراف المؤسساتي بهنّ، واكتساب مسائل المرأة حيّزا من الشرعيّة الفكريّة ([vii] ) التي مهّدت للتطارح العلمي لموضوع المرأة وما اتّصل به من مباحث متعلّقة بمكانتها ومواقعها أدوارها المجتمعيّة، وهو ما سوف يُفضي لا حقا للمأسسة العلميّة الفعليّة  وظهور الدراسات الأكاديميّة حول المرأة. 
         ومن المهمّ الإشارة إلى أنّه على اثر موجات التصعيد العنيف الذي أثارته الحركات النسويّة الأصوليّة  خلال سبعينات القرن العشرين، سوف تشهد الحركة تجديدا لأطروحاتها ومقارباتها على اثر ذلك لتبنّى قضايا أكثر نضجا  مثل: المرأة والفقر، التحرش الجنسي ،العنف ضد المرأة، وغير ذلك من قضايا النساء تحديدا في المجتمعات النامية. كما سوف تُشدّ أنظار جهات رسميّة عديدة منذ الثمانينات لمثل تلك القضايا، ليتمّ تبنّيها من قبل اغلب الهيئات والمؤسسات العالميّة وخاصة من لدن منظمة الأمم المتحدة التي ساهمت بقدر كبير في تعزيز توجّه عالمي يشجّع على مزيد تشريك المرأة والاهتمام بمختلف قضاياها والتركيز على أهمية موقعها في البرامج والمخططات التنمويّة.


([i] )     Riot Sarcey, Histoire du féminisme , La découvert, Paris 2000, p 30
([ii] ) يذكر أن المصطلح ظهر لأول مرّة سنة 1872 على يد ألكسندر دوما الابن ولكنه لم يتخذ معانيه الحديثة الا بعد 9 سنوات، أنظر
Christine Guionnet, Eric Neveu, Féminins- Masculins, Sociologie de genre. Armond Colin ,Paris 2004, p 16.



( [iii] )Christine G, Eric N, Féminins- Masculins, Sociologie de genre. Armand Colin, Paris 2004, P 17.

([iv] ) Fournier Martine, Combats et débats, in Femmes : combats et débats, Revue Sciences Humaines,Hors Série,  n 4 –2005,P 7
(  ( [v]                                                                    Christine G, Eric N, Féminins- Masculins, p 18
( [vi]) F Rochefort, Du féminisme des années soixante aux débat contemporains; in Maruani, Femme genre et société; L'état des savoirs; La découverte 2005, p 70                                  

( ([vii] Bard. C, Un siècle d'antiféminisme, Fayard 1999, p 549