المراحل السلوكية في حياة الانسان

المراحل السلوكية في حياة الانسان
خلق الله الانسان ليعيش في اطار بيئي واضح المعالم والابعاد، في جملته يشكل نظاماً متكاملاً يتميز بالاستمرارية والاتزان. والانسان مخلوق متميز بين احياء البيئة المتعددة، ولا يرقى الى امكاناته وقدراته أي منها. فهو غير مقيد بالتواجد وممارسة نشاطه في بيئة واحدة، بل يعيش في كل البيئات يغير فيها حتى تناسبه ولا يتغير من أجلها كما تفعل باقي المخلوقات المتكيفة مع ظروف بيئاتها. ولقد منح الله الانسان قدرات عقلية وبيولوجية يستكشف بها البيئة ويحصل بواسطتها على غذائه وكسائه ودوائه ومأواه وباقي متطلبات حياته، وبذلك ظهر الانسان كقوة بيولوجية ذات أثر كبير في البيئة التي يعيش فيها. ومنذ بدء الخليقة نسى الانسان أنه احد مكونات النظم البيئية له حقوق وعليه واجبات، وبذلك أصبح الانسان مشكلة للبيئة التي لم يعد في مقدورها ان تستجيب لكل احتياجاته في حدود طاقة احتمالها واتزانها. وان علم الاجتماع هو الذي يقوم بدراسة العلاقات المجتمعية بين بني الانسان كما يهتم بدراسة الظواهر التي تنشأ عن التفاعل بين نشاطات الافراد والجماعات، وهذه الظواهر الاجتماعية اما تكون لغوية او تشريعية (قانونية)، او اخلاقية او دينية او اقتصادية او تربوية او جمالية او تخطيطية وهذه كلها يطلق عليها الظواهر الاجتماعية .
كذلك ليس من الغريب ان يتفرع علم الاجتماع بحسب الظواهر الاجتماعية. فنرى علم الاجتماع التربوي والسياسي والاقتصادي، والنفسي والطبي والحضري والريفي والتخطيطي. او ابراز كل ظاهرة اجتماعية ودراستها كجزء منفصل، ويمكن تقسيم ذلك الى جزئين رئيسيين:
1. دراسة السلوك الانساني من حيث موضوعات السلوك واتجاهاته ونتائجه .
2. دراسة المجتمعات الانسانية : وهي الجماعات الاجتماعية والروابط وأنواع التجمعات والعمليات الاجتماعية والتفاعل والثقافة والشخصية والتغير والبناء والتنمية .
كما يدرس الباحثون في علم المجتمع مدى التشابه بين الجماعات الانسانية ككل مهما اختلفت هذه الجماعات في تكوينها او تنظيمها أو حضارتها .
وتناول الكثير من العلماء والمفكرين علم الاجتماع (المجتمع) بالتعريف، وكان كل منهم يصل في تعريفه على مدى فهمه لهذا العلم او تصوره لما ينبغي ان يبحث فيه هذا العلم .
ويعد ابن خلدون وهو رائد علم الاجتماع الاول (أطلق عليه علم العمران البشري) وقد عرفه : (أنه علم المستقبل بذاته ويتناول بالدراسة والتحليل كل ما يلحق بالحياة الاجتماعية من تغييرات ويدرسها واحدة تلو الاخرى) .
اما (أوكسجت كونت) الذي يعتبره علماء الغرب مؤسس علم الاجتماع فقد عرفه بقوله : (انه العلم الذي يدرس ظواهر المجتمع ومشكلاته دراسة علمية وموضوعية كغيره من العلوم الاخرى ويدرس النظم الاجتماعية في حالتها الساكنة والمتحركة، وما يطرأ عليها من تغييرات وما يترتب على ذلك من اثار بهدف الكشف عن القوانين الاجتماعية التي تحكم هذه الظواهر والنظم ) . واما (دور كايم )  فقد عرفه بقوله : (انه العلم الذي يطبق على المشكلات الاجتماعية والذي يدرس الظواهر الاجتماعية دراسة موضوعية ويعتبرها ويتعامل معها كأشياء ) .
كما عرفه مصطفى الخشاب بقوله : (انه دراسة المجتمع في ظواهره ونظمه وبيئته والعلاقات بين افراده دراسة علمية وصفية تحليليه والغرض منها الوصول الى الوظيفة الاجتماعية التي يؤديها هذه الظواهر والنظم والقوانين التي تحكمها). واخيراً لما تم تقديمه من مفاهيم وتعاريف لعلم الاجتماع يمكن تقديم تعريفا مقترحا كما يلي : (هو العلم الذي يدرس الظواهر الاجتماعية دراسة علمية بهدف الكشف عن القوانين او القواعد التي تخضع لها هذه المجتمعات). وما يهمنا هنا هو علاقة المجتمع بعلم الاحياء، اذ استفاد معظم علماء الاجتماع من فكرة التطور في علم الاحياء. من أجل توظيفها في علم الاجتماع ودراسة المجتمعات. وان فكرة المماثلة العضوية تشير الى ان المجتمع هو نتاج للتطور، ويخضع لقوانين الميلاد والنمو والاضمحلال كما هو الحال بالنسبة لأي كائن عضوي، كما نجد ترابط واعتماد بين المجتمع.
وقد مر الانسان بعدة مراحل للتطور حتى وصل الى ما وصل اليه حالياً من حضارة ورقي . وفيما يلي عرض موجز لهذه المراحل السلوكية في حياة الانسان ومجتمعه :
مرحلة الجمع والصيد البدائية :
تمثل هذه المرحلة النسبة الكبرى من تاريخ الانسان الذي عاش فيها شأنه شأن الكائنات الحية الاخرى وسط البيئة . وكان تاثير الانسان على البيئة في هذه المرحلة لا يتعدى جمع او صيد ما يتاح له من نباتات او حيوانات برية. وعاش الانسان هذه المرحلة في مجاميع صغيرة متنقلاً وراء مصادر طعامه، ومتأثراً بالعوامل البيئية حيث حيث الوفرة والكثرة في أعداده حين توافر الغذاء، والمجاعة والنقص في اعداده حين شح الغذاء نتيجة الجفاف والكوارث البيئية الاخرى. وكانت هذه المرحلة لا تتطلب من الانسان مشقة التفكير، بل كان معتمداً على قوته العضلية وبعض معارفه المحدودة بأنواع النباتات التي يجمعها او الحيوانات التي يصطادها والاماكن التي قد توجد فيها. ولم يكن للانسان أي تاثير يذكر على البيئة بل كان يعتبر جزءاً من طبيعة البيئة. وفي نهاية هذه المرحلة بدأ الانسان يستخدم ادوات بسيطة كصخرة يلتقطها من فوق الارض يستخدمها في كسر الثمار والقواقع، وكذلك العصا التي يستخدمها للتنقيب عن جذور النباتات او لدفع أذى الحيوانات التي تهاجمه. وبذلك تحول الانسان الى صياد بحكم الضرورة وما تمليه عليه متطلبات الحياة .
ويمكن تلخيص أهم الخصائص المميزة لسلوك الانسان في هذه المرحلة فيما يلي :
§       معارف محدودة وغير مؤكدة تستند في معظمها على الحدس والتخمين .
§       اعداد السكان منخفضة وتعيش في تجمعات صغيرة ومبعثرة .
§       الاعتماد على اقتصاد غذائي يومي يتوقف على نشاط المجموعة وقوتها .
§       الافتقار الى مستوى غذائي معقول او متنوع . و يعتمد على قوته العضلية .
§       لم يكن له اثر يذكر على البيئة بل كان متأثرا بها .
مرحلة الجمع والصيد المتقدمة :
وتعد مرحلة متقدمة لوجود الانسان في الطبيعة حيث أصبح تأثيره على البيئة يتجاوز اثر الكائنات الحية الاخرى بما أضافه من قدراته وامكانياته العقلية الى قوته العضلية. وقد تعلم الانسان في هذه المرحلة اساسيات التخطيط واستحداث تكنولوجيا الصيد وطور أدواته من مصائد وفخاخ ورماح. ويقتل الفريسة عن بعد لدرء الخطر عن حياته، وبدء الناس يخرجون للصيد بجماعات، ونتيجته عائداً اكبر وصار كل شيء أوفر. فالطعام يتناولونه والجلود ثيابهم اصبحت والعظام ادواتهم . واخذ الانسان يخزن جزءاً من غذائه مما وفر له جانبا من الوقت يبقى فيه بعيدا عن الصيد ويقضيه في اللهو او تطوير الادوات او التأمل فيما حوله من ظواهر الطبيعة ليتعلم. وقد اثر اكتشاف النار واستخداماتها بتحسين نوعية وكمية الطعام مما اثر على التكوين الجسدي (الفسيولوجي) للانسان نتيجة استخدامه طعام سهل الهضم والتناول. واستخدم النار في التدفئة والطهو وحماية نفسه من الحيوانات المفترسة .
أدى استخدام التوسع في استخدام النار الى حرق مساحات شاسعة من الغطاء النباتي وتدمير البيئة الارضية، وبذلك اصبحت قدرة الانسان في تاثيره على البيئة تفوق بكثير قدرته العضلية وكان التاثير الناتج لاستخدام النار بداية مرحلة خطيرة من تاثير الانسان على البيئة، فمع ان الحرائق الطبيعية كانت جزءاً من مكونات البيئة، الا ان تكرارها نتيجة استخدام الانسان للنار زاد كثيراً في هذه المرحلة. وتمثل مرحلتي الجمع والصيد بمثابة مراحل وجود الانسان في الطبيعة معتمداً على قوته العضلية في الدرجة الاولى. وقد استغرقت المرحلتان ما يقرب من 99% من حياة الانسان منذ ان وجد على الارض .
 ويمكن تلخيص أهم الخصائص المميزة لسلوك الانسان في هذه المرحلة فيما يلي :
·       ارتفاع نسبة المواليد، وزيادة معدلات الوفاة وانخفاض متوسط عمر الانسان .
·       تكوين مجتمعات كبيرة نسبيا وتقسيم العمل بين الرجل والمرأة .
·       النمط الاقتصادي اعتمد على سلالات حيوانية ونباتية معينة استخدمها الانسان .
·       زيادة فهم البيئة وبداية توجه السلوك ضدها لتلبية احتياجاته المتزايدة .
·       استخدام النار واضافة قوتها الى قواه العضلية والعقلية.
·       توفير بعض وقت الفراغ وبداية موهبة التفكير لبعض المجتمع .
1مرحلة الرعي واستئناس الحيوان والزراعة البدائية المتنقلة :
تدرج الانسان الى مرحلة الرعي وأستئناس الحيوان، وهنا تحول اطار العلاقة بين البيئة والانسان، ذلك لان الانسان أضاف قوة الحيوان الى قوته البدنية والعقلية، هذا بالاضافة الى ما توصل اليه من أدوات بسيطة كان يصنعها بنفسه لاستخدامها في قضاء بعض اعماله. وهيأت هذه المرحلة للانسان تدعيم قدراته العقلية فيما يختص بتعلم أحوال الطبيعة وظواهرها البيئية. وقد لجأ الانسان في هذه المرحلة الى التخلص من مساحات شاسعة من الغابات بقصد تحويل المساحات التي تغطيها الى اراضي او مراعي عشبية لتربية الماشية لتوفير الغذاء للاعداد المتزايدة من السكان. وبمرور الوقت لاحظ الانسان ان المخلفات الناتجة عن الحرائق عند امتزاجها بالتربة تحسن من خصوبتها وتساعد على نمو النباتات ومن ثم بدأ يعرف الزراعة وتربية النبات. وهكذا تحول المجتمع الانساني من بدائي أولى يعتمد كليا على جمع النباتات وصيد الحيوانات الى مجتمع زراعي بسيط يعتمد على بعض الادوات البسيطة للمساعدة في فلاحة الارض .
وكانت الزراعة البدائية ظاهرة حولية وغير مستديمة في مكان واحد بل كانت متنقلة. وتعلم الانسان الترحال الموسمي من مكان لاخر سعياً وراء التحولات الموسمية حيث كان يهجر الارض الزراعية والمراعي بعد تدهور خصوبتها وتفشي الاعشاب الزراعية فيها. وذلك لان مقدار ما يفقده من وقت في نظافة الحقل وحمايته يفوق الوقت الذي يقضيه في الانتقال الى موقع جديد وتجهيزه للزراعة. ولهذا كان صاحب الزراعة المتنقلة تفادى مؤقت للمشاكل البيئية نظراً لعدم وجود وسائل تكنولوجية ملائمة لمواجهة هذه المشاكل. وأدى ذلك الى اتساع نطاق تأثير الانسان على البيئة نتيجة ازالة الغابات واتساع رقعة الاراضي الزراعية المهجورة والتي عادة ما يصاحبها نمو نباتات غير ممثلة للبيئة الاصلية في المنطقة. ومع انتهاء هذه المرحلة تطور سلوك الانسان الى درجة حولته من مجرد كائن حي يوجد في الطبيعة الى كائن يعمل ضد الطبيعة ويفرض بعض السيطرة على البيئة .
ويمكن تلخيص أهم الخصائص المميزة لسلوك الانسان في هذه المرحلة فيما يلي :
o      ظهور الرعاة المتجولين وشبه استقرار لغرض الزراعة الموسمية البدائية .
o      بداية أستئناس الحيوانات والنباتات وزيادة السيطرة على البيئة .
o      زيادة تأثير الانسان في البيئة وتنمية الكثير من القدرات الفنية .
o      التعرف على الاحوال البيئية والظواهر الطبيعية .
o      حدوث حروب محدودة نتيجة للعجز في الموارد الاساسية وانعدام الفائض .
o      اضافة قوة الحيوان الى قوته البدنية والعقلية وقوة النار .
o      زيادة وقت الفراغ ومزيدا من التفكير وتراكم المعلومات والمعارف .
مرحلة الزراعة والاستقرار :
بحسب معظم التقديرات بدات هذه المرحلة منذ حوالي عشرة الاف سنة بتحولات اجتماعية وحضارية أدت الى استقرار الانسان وتجمعه من أجل الحماية المشتركة فأنشأ المدن والقرى وكان ذلك تمهيداً لزيادة السكان زيادة هائلة. وازداد صراع الانسان مع البيئة من خلال محاولات تغيير ما يمكنه من العوامل البيئية لتوافق ما استأنس من الحيوانات والنباتات، كما توسعت معارفه بعلوم النبات والحيوان وأنتقل المجتمع الى مجتمع زراعي مستقر ومتطور.
فندما شعر الانسان بحاجة النبات للماء عكف على توفيره في المناطق التي تقل فيها الامطار، وبنى السدود على الانهار والاودية، وفي نفس الوقت تخلص من الماء الزائد في الاراضي فأنشأ المبازل. وحينما شعر بتدهور خصوبة التربة بحث عن مصادر الاسمدة في الطبيعة من عناصر معدنية او مواد عضوية يمكن انت يستفيد منها النبات .
وبدأ الانسان يتحكم في الظروف البيئية لتكون مناسبة لحاجة النبات، فحرث الارض ومدها بالأسمدة وامن الماء اللازم لها وأنشاء مصدات الرياح وقاوم الآفات والحشائش الضارة. وحينما لم يستطع تغيير ظروف البيئة لجأ الى محاولة تغيير نوعية نباتات المحاصيل واكسابها وراثية جديدة تلائم الظروف البيئية السائدة، وهكذا استنبط أصنافاً نباتية محتملة للظروف البيئية المختلفة. ونتيجة سيطرة الانسان على البيئة وتحكمه فيها أصبح في وسعه ان ينتج من الطعام أكثر مما يكفيه وبذلك أمكن لمجموعات البشر ان تتحرر من ضرورة السعي لتوفير غذائها بنفسها . واستقر الناس وشعروا بالامان بما عندهم من فائض الطعام طوال أيام السنة وسنحت لهم لاول مرة فرصة الاختيار فيما يؤدون من أعمال فاتجهوا الى الحرف الاخرى، وصار لدى كل فرد فيما بين أعماله اليومية وقت للفراغ ينمي فيه معارفه العلمية ومواهبه الخاصة وصقل خبرته في مجال تخصصه .
ومما لاشك فيه أنه كانت هناك تغيرات بيئية كبيرة نتيجة ازالة الغابات وتحويل مساحات كبيرة من الاراضي البرية الى أرض زراعية مما أدى الى تبسيط النظم البيئية الطبيعية نتيجة تدهور نوع وكم الكائنات الحية، ومن هنا كانت بداية فقد التنوع البيولوجي واختلال التوازن البيئي. والجدير بالذكر ان الانسان خلال هذه المرحلة لم يكن قد استخدم مواداً كيميائية غريبة على البيئة الطبيعية، بل كانت مواداً من البيئة للبيئة مما تستطيع استيعابه الدورات الطبيعية .
ويمكن تلخيص أهم الخصائص المميزة لسلوك الانسان في هذه المرحلة فيما يلي :
v   الاستقرار حول مصادر المياه في مستوطنات وارتباطه بالزراعة .
v   انشاء نظم للري والصرف ومقاومة الافات وتسميد المحاصيل .
v   وفرة وتنوع وفائض من الغذاء وزيادة مطلقة في عدد السكان .
v   التحكم في عوامل البيئة واحداث تغيرات بيئية هائلة .
v   التوسع في استئناس الحيوانات والنباتات واستنباط محاصيل جديدة .
v   مزيدا من وقت الفراغ مما أدى الى تنمية المعارف والمواهب وصقل الخبرات المتراكمة .
مرحلة الصناعة :
بدأت الثورة الصناعية منذ حوالي 200 عام وصاحبها نشاطات بشرية أدت الى تدخل الانسان في شؤون البيئة بصورة مكثفة. فقد أدت الصناعة الى تجميع السكان وزيادة اعدادهم في المدن فارتفع الطلب البشري على الطعام. وتمت مواجهة هذه التطورات بالتوسع في الزراعة بجانب الصناعة وذلك على حساب البيئة الطبيعية مما يعني مزيداً من الدمار والتغيير في النظم البيئية. واستطاع الانسان ان يستحدث بيئة من صنعه وابتكر مصادر للقوى (قوى الالة التي حولت الطاقة الى قوة ميكانيكية) جعلها طوع ارادته مما وسع مدى تأثيره على البيئة ممتداً على مساحة الارض وفي البحار وفي الهواء. وهكذا تبدل الحال فبعد ان كانت البيئة بما تتميز به من توازن طبيعي هي المسيطرة على سلوك الانسان، اصبح الانسان هو مالك زمام الامور .
وقد أدت الثورة الصناعية التي شهدها ويشهدها عالم اليوم وما يصاحبها من انفجار سكاني الى اثار بعيدة المدى على البيئة الطبيعية عن طريق النفايات الناتجة عن النشاط الصناعي الى جانب زيادة اعتماد الانسان على مصادر غير متجددة للثروة مما ادى الى استنزافها ولاسيما المعادن والمياه الجوفية والفحم والبترول . فقد نتج عن استخدام الانسان مصادر متنوعة من الوقود، وحرق مواد كاربونية تفوق قدرة النظم البيئية على استيعابها وبالتالي زيادة مطردة في نسبة اكاسيد الكاربون في الهواء الجوي وما نتج عنه من ظاهرة احترار الارض أي "البيوت الزجاجية" . وكذلك تمكن الانسان من صنع مركبات كيميائية غريبة على النظم البيئية لا تستطيع التحولات الطبيعية من دورات المواد استيعابها بسبب عدم شمول النظم البيئية لكائنات تقدر على تحليلها وارجاعها الى عناصرها الاولى مثل مركبات الكلوروفلروروكربون التي تؤدي الى تاكل طبقة الاوزون الواقية للغلاف الجوي .
وقد نتج عن ذلك زيادة نسبة الاشعة فوق البنفسجية النافذة الى سطح الارض وما يصاحبها من أخطار مرضية للانسان والاحياء الاخرى. ومن الواضح أنه بدلاً من ان كان متوقعا استفادة الانسان من التطور الصناعي لتحسين نوعية حياته والمحافظة على بيئته الطبيعية، فأنه أصبح ضحية هذا التطور الذي أفسد البيئة وجعلها في كثير من الاحيان غير ملائمة للحياة حيث حولت الثورة الصناعية موارد الكون الى نفايات خطرة .
 ويمكن تلخيص أهم الخصائص المميزة لسلوك الانسان في هذه المرحلة فيما يلي :
*   تزايد عدد السكان وانخفاض مستوى الوفيات وارتفاع متوسط العمر .
*   انتشار التعليم وحوافز الابتكار والاختراع .
*   استنزاف الموارد الطبيعية وانتشار التجارة المنظمة .
*   ازدهار النظم الاقتصادية واختلاط الشعوب .
*   احكام السيطرة على البيئة وزيادة معدلات التلوث .
*   اضافة قوة الالة .
*   بدأ الانسان يعمل معظم وجاء ذلك على حساب وقت الفراغ .
مرحلة التقدم العلمي والتكنولوجي :
قفزت هذه المرحلة خطوة جبارة بعد الحرب العالمية الثانية حيث زادت الابتكارات في شتى مجالات التكنولوجيا او ما يضيفه الانسان من اكتشافات. وكان من نتائج هذه المرحلة ان اخذ الانسان يستنزف ما في البيئة من موارد وطاقات بالاضافة الى تفاقم مشكلات التلوث والتصحر وغيرها، وجميعها مشكلات تهدد حياة الاجيال القادمة مما جعل الانسان يفكر في مصادر بديلة للثروات التقليدية. وفي نفس الوقت أنبعثت ثورة صحية نتيجة لما استحدثه الانسان من مختلف العلوم والاكتشافات، كما استحدثت شتى الكيمياويات والمضادات الحيوية كوسائل للعلاج. وكان من نتائج هذه الثورة الصحية ان حدث انخفاض شديد في نسبة الوفيات صاحبه ارتفاع متزايد في عدد السكان. ولسوء الحظ لم يصاحب الزيادة السكانية زيادة مماثلة في الموارد البيئية مما أدى الى زيادة الضغط على البيئة وتدهور توازن البيئة نتيجة لتاثير نشاطات الانسان. ان ما يميز هذه المرحلة عما سبقها من مراحل هو سرعة التغيرات التي احدثها وتحدثها القفزة العلمية والتكنولوجية في البيئة، وضخامتها وشمولية بعض اثارها. وادت تلك المرحلة الى زيادة القدرات الزراعية والصناعية بدرجة فاقت بكثير تقديرات الانسان لعواقبها البيئية .
ويمكن تلخيص أهم الخصائص المميزة لسلوك الانسان في هذه المرحلة فيما يلي :
·       زيادة الاثر السلبي على البيئة وتدهورها وتنوع مصادر التلوث وأنواعه .
·       ظهور مشاكل بيئية مزمنة وعالمية الاثر .
·       ثورة صحية وزيادة عدد السكان .
·       زيادة القدرات الزراعية والصناعية والعلمية .
·       زيادة انماط الاستهلاك وتحويل موارد الارض الى نفايات خطرة .
·       وجود طفرة تكنولوجية في شتى المجالات .
·       صراع بين استغلال الانسان لصالح التكنولوجيا او استغلال التكنولوجيا لصالح الانسان
·       البحث عن مصادر غير تقليدية (مثل المواد الخام) والتوسع في تطبيقات التقنية الحيوية