تعريف الصحة والفساد والبطلان

تعريف الصحة والفساد والبطلان :
الفرع الأول : التعريف اللغوي للصحة :
 أصل يدل على البراءة من المرض والعيب ، وعلى الاستواء .
والصحة : ذهاب السقم ، والبراءة من كل عيب [1] ، وهو المرض . والصَحْصَحُ والصَحْصاحُ ، والصَحْصَحان : ما استوى من الأرض [2] ، وقد استعملها العرب مجازاً .

الفرع الثاني : التعريف الاصطلاحي للصحة :
أما في الاصطلاح : فقد تُطلق الصحة على العبادات تارة ، وعلى عقود المعاملات تارة .
 أما في العبادات : فيرى الفقهاء [3] أن الصحة : عبارة عن كون الفعل مسقطاً للقضاء [4] .
 وأما عند المتكلمين : فهي : عبارة عن موافقة الشرع سواء وجب القضاء أو لم يجب [5] .
فصلاة من ظن الطهارة وهو ليس كذلك صحيحة عند المتكلمين ، وغير صحيحة عند الفقهاء [6] .
فأما وجهة نظر المتكلمين : فقائمة على ظنّ المكلف ، وبحسب حاله وهي موافِقَة لأمر الشارع ، إذ المصلي وافق الأمر ولو وجب القضاء .
ولكن الفقهاء نظروا للفعل ذاته ، ولِما في نفس الأمر ، ولَمّا كان الفعل غير صحيح لعدم الطهارة ، كان القضاء واجباً ، ولذلك لا تسقط الصلاة ، لأنها لم تقع صحيحة .
أما في المعاملات : فالصحة : كون العقد سبباً لترتب ثمراته المطلوبة منه عليه شرعاً .
قال القاضي البيضاوي في بيان معنى الصحة [7] : " استتباع الغاية " ، وقال الأصفهاني في شرح هذا القول : ( أي كون الشيء بحيث تتوقف عليه غايته ) [8]. وغاية الشيء : الأثر المقصود منه .
فالصحة عبارة عن ترتب المقصود من الفعل عليه في الدنيا .
والصحيح من العبادات : ما أجزأ وأبرأ الذمة ، وأسقط القضاء فيما فيه قضاء ، وذلك بموافقة العبادة لأمر الشارع مستجمعة لكل ما تتوقف عليه .
فتوصف الصلاة بالصحة عند تحقق سببها ، واستيفاء شروطها ، ووجود أركانها ، وانتفاء موانعها ، وتكون غير صحيحة عند اختلال ركن فيها أو فقد شرط من شروطها .
والصحيح من المعاملات : ما حصل شرعاً للملك للأعيان كما في البيع ، وللمنفعة كالإجارة ، وبغير عوض في الإعارة ، والحل للاستمتاع كما في النكاح [9].
ومعنى الصحة في الشرط : صلاحيته لأن يُبنى عليه ما شُرط له .
ومعنى الصحة في الأسباب : ترتب آثارها عليها .
      ويرى علماء الأخلاق أن الصحة تطلق على معنى آخر وهو ترتب آثار العمل عليه في الآخرة كترتب الثواب . فيقال : هذا عمل صحيح : بمعنى أنه يرجى به الثواب في الآخرة ، سواء كان عبادة أو عادة أو معاملة ، إذ المعاملة إذا قصد بها امتثال أمر الشارع والجري على أحكامه فإنها بذلك تأخذ حكم العبادة فتكون عبادة بالقصد ، وتكون صحيحة إن كان يُرجى بها الثواب في الآخرة .
وغير الصحيح : هو ما كان على غير تلك الصورة ، سواء اختل فيه ركن أو شرط ، ولا فرق أن يكون الخلل في عبادة أو عقد ، أو تصرف ، وهذا من وجهة نظر المتكلمين الذين لم يفرقوا في العبادات والعقود والتصرفات بين البطلان والفساد ، فالصلاة الباطلة هي صلاة فاسدة ، والعقد الفاسد كالعقد الباطل ، لا يؤدي إلى ترتب آثاره عليه .
 فالقسمة عند الجمهور ثنائية ، إما صحة وإما غير صحة  ـ ولا فرق بين البطلان والفساد  .
أما الحنفية : فإنهم لا يفرقون بينهما في العبادات ، وإنما فرقوا بينهما في المعاملات ، إذ القسمة عندهم ثلاثية في هذا الجانب [10]، إذ غير الصحيح قسمان : باطل وفاسد ، وفيما يلي بيان لذلك :
أما: البطلان  : فهو من بَطَل يَبطُلُ بطلاناً : ذهب ضياعاً وخسراً [11] ، والباطل  الزائل ، ومنه قول الشاعر لبيد [12] :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل         وكل نعيم لا محالة زائل
وأما من حيث الاصطلاح : فإن البطلان يقابل الصحة ، على اختلاف الرأيين بين الفقهاء والمتكلمين .
     فمن ذهب إلى أن الصحة وقوع الفعل كافياً في سقوط القضاء ، قال بأن البطلان :        ( وقوع الفعل غير كافٍ في سقوط القضاء ) ، ومن ذهب إلى أن الصحة موافقة الأمر قال :            ( البطلان : مخالفة الأمر ) .
قال الآمدي [13] : ( الحكم بالبطلان وهو نقيض الصحة بكل اعتبار من الاعتبارات السابقة ) .
وقال ابن قدامة  : ( فكل ما كان سبباً لحكم إذا أفاد حكمه المقصود منه فهو صحيح ، وإلا فهو باطل ، فالباطل هو الذي لم يثمر ، والصحيح هو الذي أثمر ) [14] . فالباطل هو الذي لا يترتب أثره عليه .
وبناءً على هذا : فقضاء صلاة من ظنّ الطهارة ـ وهو ليس كذلك ـ واجبة عند الفريقين : عند المتكلمين باطلة بسبب المخالفة ، وعند الفقهاء أيضاً باطلة ، ولكن بسبب فوات شرط العلم بوجود الطهارة .
ومن اشتبهت عليه القبلة فصلى إلى جهة بغير اجتهاد ، ثم تبيّن أنها جهة القبلة : فصلاته باطلة على رأي المتكلمين [15] : لكونه مخالفاً بترك الاجتهاد ، وعند بعض الفقهاء : صلاته صحيحة لوقوعها بشرطها ـ أي لوقوع الصلاة بشرط التوجه نحو القبلة ـ وبذلك فهو لا يؤمر بالقضاء .
فالبطلان  : هو عدم ترتب آثار العمل عليه في الدنيا .
والبطلان في الأعمال : معناه عدم وقوعها عن المطلوب ، وبقاء الذمة مشغولة بها .
ومعناه في الشروط : عدم صلاحيتها لأن يبنى عليها ما شُرِطت له .
ومعناه في الأسباب : عدم ترتب آثارها عليها .

أما الفساد :  فهو في اللغة نقيض الصلاح ، وتفاسد القوم تدابروا وقطعوا الأرحام ، والمفسدة خلاف المصلحة [16] .

المطلب الثاني : هل الصحة والفساد والبطلان أحكام شرعية أم عقلية ؟
     ذهب بعض الأصوليين ومنهم : ابن الحاجب [17] ، وابن عبد الشكور[18]  إلى أن الصحة والفساد والبطلان أحكام عقلية ، استناداً إلى أن الصحة والبطلان في العبادات : إما كونها مسقطة للقضاء ، أو موافقة للأمر ، وفي المعاملات : ترتب الأثر .
ويرى ابن الحاجب أن العبادات لا تكون من أحكام الوضع ، لأنه لمّا ورد الشرع بالفعل يكون الفعل موافقاً للأمر أو مخالفاً ، ومسقطاً للقضاء أو غير مسقط ، غيرَ محتاج إلى التوقيف من الشرع ، بل يُعرف بمجرد العقل  ، فهو كونه مؤدياً للصلاة أو تاركاً لها [19].
لكن السبكي اعترض على رأي ابن الحاجب قائلاً  : ( والصواب عندنا أن الصحة والبطلان والحكم بهما أمور شرعية ) ، وعلل رأيه بأنّ كَوْنَ الفعل مسقطاً أو موافقاً للشرع هو من فعل الله تعالى وتصييره إياه سبباً لذلك ، فليست الموافقة ولا الإسقاط بعقليين لأن للشرع فيهما مدخلاً ، ولو لم تكن شرعية لم يقض القاضي بها عند اجتماع شرائطها ، لكنه يقضي بالصحة إجماعاً فدلّ على أنها شرعية ) [20].
ثم أعرب عن استغرابه للقائلين بأنها أحكام عقلية فقال : ( والعجب كل العجب ممن يرى أن خطاب الوضع حكم شرعي ، لِمَ لا يرى الصحةَ حكماً شرعياً ؟ ولو قال هذه المقالة من لا يرى ذلك لرددنا عليه ، فما ظنك بمن يراها ! ) [21].
 فالصحة والبطلان والفساد أحكام شرعية توصف بها الأعمال المشروعة الصادرة من المكلفين ، تبعاً لاستيفاء هذه الأعمال للأركان والشروط الشرعية ، أو عدم استيفائها .
فإذا وقعت مستوفية أركانها وشروطها حكم الشارع بصحتها ، وإذا لم تقع على هذا الوجه حكم الشارع بعدم صحتها ، أي : ببطلانها .
ومعنى صحتها : أن تترتب آثارها الشرعية عليها . فإن كانت عبادة فقد برئت الذمة منها ، وإن كانت معاملة كالعقود : ترتب على كل عقد الآثارُ المقررة له شرعاً .
ومعنى بطلانها : عدم ترتب آثارها الشرعية عليها ، فإن كانت عبادة لم تبرأ الذمة منها ، وإن كانت من العقود والتصرفات لم يترتب عليها ما يترتب على الصحيحة من آثارها الشرعية نفسها .


[1] ) الزبيدي ، تاج العروس 1 / 1659 ، الفيروز آبادي ، القاموس المحيط 1 / 250 ، الأزهري ، تهذيب اللغة 1 / 426 0
[2] ) الفيروز آبادي ، القاموس المحيط 1 / 2200
[3] ) المراد بالفقهاء : الحنفية ، والمراد بالمتكلمين : الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة 0
[4] ) البخاري ، كشف الأسرار 1 / 530 0
[5] ) الغزالي ، المستصفى 1 / 94 – 95 ، الرازي ، المحصول 1 / 25 ، القرافي ، شرح تنقيح الفصول / 67 ، ابن النجار ، شرح الكوكب المنير 1 / 467 ، امير باد شاه ، تيسير التحرير 2 / 234 – 235 ،  الآمدي ، الإحكام في أصول الأحكام 1/ 186 ، البيضاوي ، المنهاج / الأصفهاني ، شرح المنهاج 1 / 26 ، ابن الحاجب / السبكي ، رفع الحاجب 1 / 18 0
[6] ) الرازي ، المحصول 1 / 25 ، الطوفي ، شرح مختصر الروضة 1 / 443 0
[7] )  البيضاوي ، المنهاج / الأصفهاني ، شرح المنهاج 1 / 690
[8] ) الأصفهاني ، شرح المنهاج 1 / 700
[9] ) ابن قدامة ، روضة الناظر 1 / 165 ، ابن بدران ،  المدخل إلى مذهب الإمام أحمد / 69 0
[10] ) البخاري ، كشف الأسرار 1 / 530 0
[11] ) ابن منظور ، لسان العرب 11 / 56 0
[12] ) هذا مطلع لقصيدة لبيد بن ربيعة العامري /  ابن هشام ، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب 1 / 73 ، الجزري ، النهاية
     في غريب الحديث والأثر 1 / 15 ، الثعالبي ، الإعجاز والإيجاز 1 / 23 0
[13] ) الآمدي ، الإحكام في أصول الأحكام 1 / 186 0
[14] ) ابن قدامة ، روضة الناظر 1 / 166 – 167 0
[15] ) الزنجاني ، تخريج الفروع على الأصول / 80 0
[16] ) ابن منظور ، لسان العرب 3 / 335 ، الزبيدي ، تاج العروس 8 / 498 ، الفراهيدي ، العين 7 / 231 ، الرازي ،
     مختار الصحاح 1 / 211 0
[17] ) ابن الحاجب ، مختصر المنتهى / رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب 1 / 18 0
[18] ) ابن عبد الشكور ، مسلم الثبوت / فواتح الرحموت 1 / 120 0
[19] ) السبكي ، رفع الحاجب 1 / 18 0
[20] ) المرجع نفسه  1 / 18 ، والإبهاج في شرح المنهاج 1 / 57 0
[21] ) السبكي ، رفع الحاجب 1 / 18 0