المماثلة الصوتية


- المماثلة الصوتية :                                            
إن الأصوات المتجاورة تؤثر وتميلها إلى الاتفاق في المخارج والصفات نزوعا إلى الانسجام الصوتي واقتصادا في الجهد الذي يبذله المتكلم 20.
فإذا التقى صوتان في الكلام من مخرج واحد، أو من مخرجين متقاربين وكان احدهما مجهورا والآخر مهموسا مثلا حدث بينهما شد وجذب 21، وحاول كل منهما جذب صاحبه إليه بتماثله معه في صفاته كلها أو في بعضها، وهذا الانسجام يحدث بين الأصوات الصامتة و الحركات 22.
وقد اثر المحدثون أن يقسموا المماثلة على ضربين :
الأول : المقبل أو التأثر التقدمي يعني تأثر الصوت الثاني بالأول.
والآخر : المدبر أو التأثر الرجعي يعني تأثر الصوت الأول بالثاني.                     
لقد عرف الدرس الصوتي عند العرب المماثلة الصوتية، وسميت فيها مسميات فاتخذت اسمي المضارعة والتقريب عند سيبويه، إذ عالجها في باب الحرف الذي يضارع به حرفا من موضعه، والحرف الذي يضارع به ذلك الحرف وليس من موضعه، فقال : ((فأما الذي يضارع به الحرف من مخرجه، فالصاد الساكنة إذا كانت بعدها الدال وذلك نحو : تصدر، واصدر، والتصدير لأنهما قد صارتا في كلمة واحدة، كما صارت مع التاء في كلمة واحدة في افتعل، فلم تدغم الصاد في التاء ولم تدغم الدال فيها، ولم تبدل لأنها ليست بمنزلة اصطبر،وهي من نفس الحرف فلما كانتا من نفس الحرف،أجريتا مجرى المضاعف الذي هو من نفس الحرف من باب مددت،فجعلوا الأول تابعا للآخر فضارعوا به أشبه الحروف من موضعه وهي الزاي لأنها مجهورة غير مطبقة ولم يبدلوها زايا خالصة كراهية الإجحاف بها للإطباق)) 23.
وذكر أيضا : ((وسمعنا العرب الفصحاء يجعلونها زايا خالصة كما جعلوا ذاهبا قي الإدغام، وذلك قولك في التصدير : التزدير، في الفصد : الفزد، وفي أصدرت : ازدرت ؛ وإنما دعاهم أن يقربوها ويبدلوها أن يكون عملهم من وجه واحد، وليستعملوا ألسنتهم في ضرب واحد))24 ويتضح من هذين النصين أن سيبويه استعمل مصطلح المضارعة والتقريب بدلا من المماثلة الصوتية للدلالة على تأثر الأصوات بعضها ببعض وإبدال بعضها من بعض.
أما ابن جني فقد عالج هذه الظاهرة تحت ما يسمى بالإدغام الأصغر، وهو عنده ((تقريب الحرف من الحرف، وإدناؤه من غير إدغام يكون هناك، وهو ضروب مختلفة))25، وذكر أمثلة توضح هذا:((فمن ذلك الإمالة، وإنما وقعت في الكلام لتقريب الصوت من الصوت وذلك نحو : عالم، وكتاب، وسعى، وقضى، واستقصى ؛ ألا تراك قربت فتحة العين من عالم إلى كسرة اللام منه،بان نحوت بالفتحة نحو الكسرة فأملت الألف نحو الياء....، ومن ذلك أن تقع فاء افتعل صادا،أو ضادا،أو طاء،أو ظاء فتقلب لها تاؤه طاء وذلك نحو : اصطبر، واضطرب، واطرد،واظطلم  فهذا تقريب من غير إدغام...،ومن ذلك السين قبل الحرف المستعلي فتقرب منه بقلبها صادا على ما هو مبين في موضعه من باب الإدغام، وذلك قولهم : في سقت :صقت،وفي السوق، الصوق، وفي سبقت : صبقت، وفي سملق وسوبق :صملق وصوبق...،ومن ذلك تقريب الصوت من الصوت مع حروف الحلق نحو : شعير، وبعير، ورغيف.)) 26.
ويتضح مما ذكره ابن جني في الأمثلة السابقة أن المماثلة الصوتية تعني تقريب الصوت من الصوت من اجل تحقيق التوافق والانسجام الصوتي.
وأطلق الرضي الاستراباذي (ت686هـ) على المماثلة الصوتية اسم المناسبة 27ويعني بها تحقيق الانسجام والتقارب الصوتي.
ويتبين من ذلك أن علماء العربية القدماء قد أشاروا إلى المماثلة وضربوا لنا أمثلة عليها إلا أنهم لم يفصلوا القول ولم يجعلوا لها بابا مستقلا مثلما فعل علماء اللغة المحدثون.
لقد تحدث علماء العربية المحدثون عن المماثلة الصوتية، وجعلوها درجات ومن درجاتها :
1 – الجهر والهمس :
         وضح علماء العربية القدماء مظاهر هذه الدرجة من المماثلة عند معالجتهم صيغة (افتعل) من الأفعال المبدوءة بصوت الزاي، نحو :زان، زار، زجر التي تصبح : ازتان، ازتار، ازتجر ثم تتحول عن طريق المماثلة : ازدان، ازدار، ازدجر، وقد عالج ابن عصفور (ت 669هـ) هذه الصيغة بقوله إن : ((السبب في ذلك أن الزاي مجهورة والتاء مهموسة، والتاء شديدة والزاي رخوة، فتباعد ما بين الزاي والتاء فقربوا احد الحرفين من الآخر ليقرب النطق بهما. فأبدلوا الدال من التاء لأنها أخت التاء في المخرج والشدة، وأخت الزاي فــي الجهر))28.
وذكر د. خليل إبراهيم العطية أن هذا فهــم واع لهذا الضرب من التماثل فعندما تجــاور الصوتان التاء والزاي تجاورا تاما فان الصوتين تجاذبا النزاع، ومالا إلى توفــير نوع من الانسجام بينهما، حيث تأثرت التاء المهموسة بالزاي المجهورة    فجهر بها فتحولت التاء دالا ؛ لان كلا الصوتين التاء والدال من مخرج واحد هو الأصوات الأسنانية اللثوية، وأضحى كل من الدال والزاي مقاربا في صفة الجهر 29.
ومن ذلك يتضح أن هذا من التماثل مقبل أو تقدمي أي تأثر الصوت الثاني (التاء) بالأول (الزاي).
2– الشدة والرخاوة :
        بين علماء العربية القدماء هذه الدرجة في معالجتهم للفظة (ست) التي أصلها (سدس) فلما تحولت السين في (سدس) إلى التاء صارت (سدت) ثم فني صوت السين الرخو عند مجاورة الدال وهو صوت شديد وقلب إلى نظيره الشديد وهو التاء، إذ أوضح ابن جني في معالجته لها بقوله : ((ومن ذلك قولهم : ست أصلها سدس، فقربوا السين من الدال بأن قلبوها تاء فصارت سدت فهذا تقريب إدغام ثم إنهم فيما بعد أبدلوا الدال تاء لقربها منها ؛ إرادة لإدغام الآن فقالوا : ست))30.
إن هذا النوع من التماثل مدبر او رجوعي أي تأثر الصوت الأول بالثاني.
3 – الإطباق والانفتاح :
        ومن معالجات العرب في هذه الدرجة : الأفعال المبدوءة بأحد أصوات الإطباق المنقولة إلى صيغة (افتعل) وتتحول التاء فيها وهو صوت منفتح إلى نظيره الطاء (المطبق) تحت تأثير مجاورته لأحد الأصوات المطبقة، نحو : صبر، وضرب، وطلب، وظلم التي تتحول إلى : اصتبر، واضترب،واطتلب، واظتلم ثم تصبح بالمماثلة الصوتية : اصطبر،واضطرب، واطلب، و اظلم 31.
ويتبين أن هذا النوع من التماثل مقبل لتأثر الصوت الثاني بالأول.
4 – انتقال مجرى الصوت :                                                    
        ويكون على نوعين : الأول : يحدث عن طريق تحول صوت انفي كالنون إلى نظيره الأنفي الميم، والآخر: يحدث عن طريق تحول احد أصوات الفم تحت وطأة التماثل إلى صوت انفي
وقد عرف البحث الصوتي عند العرب هذه الدرجة , فمن النوع الأول : ما سماه سيبويه الإدغام في الميم، في نحو قولهم : اصحمطرا، يربد : اصحب مطرا، وعلل سيبويه هذا بقوله : ((إنما ذلك لاستعانة الميم بصوت الخياشيم، فضارعت النون، ولو أمسكت بأنفك لرايتها بمنزلة ما قبلها)) 32.
        ومن النوع الآخر : نحو قولهم : ممبك، يريدون : من بك، وشمباء وعمبر يريدون : شنباء، وعنبر، فقال سيبويه: ((ولم يجعلوا النون باء لبعدها في المخرج وأنها ليست فيها غنة، ولكنهم أبدلوا مكانها أشبه الحروف بالنون وهي الميم)) 33.
5 – الانسجام الصوتي :
        ظاهرة من ظواهر التطور في حركات الكلمات، فالكلمة المشتملة على حركات متباينة تميل في تطورها إلى التوافق والانسجام بين هذه الحركات لئلا ينتقل اللسان من ضم إلى كسر إلى فتح 34.
وقد عرفها المحدثون بقولهم : ((إنها ظاهرة صوتية تحدث في مقاطع الكلمة الواحدة، والمقاطع المتجاورة ؛ نزوعا إلى التوافق الحركي واقتصادا في الجهد المبذول))35.
        إن اللغة العربية من اللغات التي عرفت الانسجام الصوتي نتيجة اعتماد العربي على السمع وحده ؛ لذلك لجا إلى ربط الألفاظ في ما  اتصل منها في كلامه ربطا وثيقا أدى إلى ظهور تلك الحركات التي وصلت بين الكلمات وسميت في ما بعد بحركات الإعراب، وان أمر اللغة متى اقتصر على السمع والإنشاد فلابد لها أن تعنى بالانسجام الصوتي ؛ لأنه نوع من المماثلة الحركية، او التقريب الصوتي لذا كان من وكد الدرس الصوتي عند العرب دراسة الكثير من المباحث التي تدخل قي ضمن هذه الحالة كالإتباع الحركي والإمالة والإدغام غيرها 36.