النظرية التربوية

نظريات التعلم  النظرية التربوية
النظرية مشتقة من الفعل (نظر)، ومعناه: حاول فهمه وتقصِّي معناه وحقيقته بالفهم والتجريب والاختبار، وفي القرآن الكريم: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [يونس: 101]، وتتكرر الدعوة إلى النظر في تركيب الإنسان والحيوان والنبات، وحال المجتمعات والحضارات في عشرات السور، ويقول ابن تيمية: "والنظر جنس تحته حق وباطل، محمود ومذموم"، ويضيف: "إن النظر لا يقتصر على البصر والإبصار بالعين، وإنما هو يشترك فيه العقل والحواس جميعًا" .
وفي العصر الحديث اتسع مفهوم النظرية التربوية لتعني التخطيط المسبق الشامل لما يراد أن يكون عليه إنسان العصر من معلومات، وما يتقنه من مهارات، وما يتصف به من قِيَم وعادات واتجاهات، ولما يراد أن تكون عليه شبكة العلاقات المنظمة لعمل المؤسسات وسلوك الجماعات المختلفة، مع مراعاة السنن النفسية وقوانين التعلُّم، ومراعاة الفاعلية التي تنتج أكبر كمية من (المُخْرَجات) مقابل أقل كمية من (المدخلات) .

2- التربية:
التربية - بمعناها الشامل -: تغيُّر في السلوك وتنميته إلى الدرجة التي تمكن الإنسان من الإسهام الفعَّال في تحقيق حاجات الحاضر، ومواجهة تحدِّيات المستقبل، وتسخير موارد البيئة وخبرات الماضي عبر رحلة النشأة والحياة والمصير.

3- السلوك:
قلنا: إن التربية تغيير في السلوك، ولكن معنى السلوك المتداول في الحياة اليومية انحصر في عقود المتحدثين والسامعين؛ ليُقصر على الممارسات الظاهرة التي تبرز على أعضاء الإنسان الخارجية.
غير أن المعنى الشامل للسلوك يعني: التفاعل بين الإنسان والبيئة المحيطة في لحظه معينة، ويتدرَّج هذا التفاعل عبر حلقات خمس، هي: حلقة الخاطرة، وحلقة الفكرة، وحلقة الإرادة، وحلقة التعبير، وحلقة الممارسة.
فنحن مثلاً في هذا البحث بدأنا بـ(خاطرة) شكَّلت الحلقة الأولى من السلوك، ثم تلقف التفكير هذه الخاطرة وأخذ في تشكيلها وتحويلها إلى عدد من (الأفكار)، أو الاختيارات والبدائل التي يراها موصلة إلى الهدف الذي أثارته الخاطرة، وهذا ما يشكِّل الحلقة الثانية من السلوك "حلقة الفكرة"، حتى إذا استقر الاختيار على أفكار معينة، تحركت (الإرادة) المحرِّكة، وهذه هي الحلقة الثالثة من العمل، وعندما بلغت حركة الإرادة إلى درجه العزم، تولدت منها حلقتان ظاهرتان: الأولى: حلقة الصياغة النظرية التي شكَّلت الحلقة الرابعة، والثانية: حلقة (الممارسة) العملية التي بدأت هذه اللحظة بكتابة مسوَّدة هذا البحث؛ لتشكل الحلقة الخامسة من العمل؛ ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما الأعمال بالنيات))؛ أي: هي تبدأ بالنيات، وبالنيات تتحدد مساراتها ونهايتها، وإلى الحلقات الخمس يشير قوله - تعالى -: {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام: 3]، فالسر يشير إلى الحلقات الثلاث الأولى، والجهر يشير إلى الرابعة، والكسب يشير إلى الخامسة.

وحين نسترجع تعريف السلوك القائل بأن السلوك تفاعل بين الإنسان والبيئة، نتبين أهمية البيئة الحسنة التي تتكامل فيها المؤسسات، وتهيئ للإنسان أن يتفاعل معها؛ ليتولد في ضميره وثقافته الخواطر الخيرة والأفكار الصائبة، والإرادات العازمة والممارسات العادلة الصالحة، ونتبين كذلك خطورة (الثقافة الآثمة) و(البيئة الفاسدة) التي تضطرب فيها المؤسسات، وتتضافر وتضطر الإنسان لأن يتفاعل مع تياراتها؛ ليتولد في ضميره الخواطر الشريرة، والأفكار الضارة، والإرادات المضطربة، والممارسات السيئة.
والتفاعل الأول توفره النظريات التربوية المبصرة، بينما تفرز التفاعل الثاني نظريات التربية الجاهلة المدمرة.