تعريف الاستباق والاسترجاع


تتمظهر (البنية الزمنية) في الثلاثية من خلال نسقين زمنيين هما:‏
1 ـ السرد الاستذكاري/ أو الاسترجاع.‏
2ـ السرد الاستشرافي / أو الاستباق.‏
فـ (السرد الاستذكاري) 

تعريف الاسترجاع أو العودة إلى الوراء عند (جينيت)، والإخبار البعدي عند (فاينريش) H.Weinrich هو خاصية حكائية نشأت مع الحكي الكلاسيي، وتطورت بتطوره، ثم انتقلت إلى الأعمال الروائية الحديثة. فالقصة ـ لكي تُروى ـ يجب أن تكون قد تّمت في زمن ما، غير الزمن الحاضر، لأنه من المتعذر أن تُحكي قصة لم تكتمل أحداثها بعد. وهذا ما يفسر ضرورة قيام تباعد معقول بين زمن حدوث القصة وزمن سردها.‏
إن كل عودة للماضي تشكّل، استذكاراً يقوم به لماضيه الخاص، ويحيلنا من خلاله على أحداث سابقة على النقطة التي وصلتها القصة. وهناك وظائف أخرى للاستذكار منها: الإشارة إلى أحداث سبق للسرد أن تركها جانباً ثم اتخذ الاستذكار وسيلة لتدارك الموقف وسدّ الفراغ الذي حصل في القصة، أو العودة إلى أحداث سبقت إثارتها، تكراراً يفيد التذكير، أو لتغيير دلالة بعض الأحداث السابقة. (2)‏
 تعريف الاسترجاع
والاستذكار(أو الاسترجاع) ثلاثة أنواع: استرجاع خارجي يعود إلى ما قبل بداية الرواية، واسترجاع داخلي يعود إلى ماضٍ لاحقٍ لبداية الرواية، واسترجاع مزجي يجمع بين النوعين السابقين.‏
وتتجلّى مظاهر السرد الاستذكاري في (مدى الاستذكار) أو المسافة الزمنية التي يطالها الاستذكار، ومثاله: قصة الهجرة أو النزوح التي يرويها والد عزيز تارة، ووالدته تارة أخرى، كما ترويها أخته أحياناً، أو يرويها بعض المهاجرين، في بداية الجزء الثالث (الجوزاء) من الثلاثية، وفي استعادة عزيز ذكرياته في المقاومة الوطنية ضد الفرنسيين، عندما اشترك في ثورة حماة مع فوزي القاوقجي وسعيد العاص وغيرهما. واعتماد هذه الشخصيات التاريخية الحقيقية أعطى الشخصيات التخييلية مصداقية. كما يتجلّى في استرجاع (شمس) لذكرياتها: "حين كشف عزيز اللثام عن وجهها يوم كانت فارساً ملثماً، فتبيّن لـه أنها الشمس التي تحتجب خلف قناع. تشعر (شمس) وهي في فراشها أنها ما تزال هناك بين يديه، قرب الينبوع، بكل ذلك الدفء، بكل تلك الدهشة، تبوح لـه بسرّها، سرّ الأنوثة التي كمنت طويلاً ثم تفجّرت ينبوعاً من عطاء" (ص 23).‏
كما تتجلّى مظاهر السرد الاستذكاري في (سعة الاستذكار) التي تقاس بالسطور والفقرات والصفحات التي يغطيها الاستذكار في زمن السرد. ومثاله "ومرقت في ذهنه (عزيز) صور: اشتباكات، مغامرات، معارك. ثم مرق عثمانيون، وأبو شعيب، فرنسيون، وغورو، ثورات، وحروب. وهاهو ذا الآن يتحوّل إلى تاجر حبوب يجوب حوران وينقل حنطتها وشعيرها إلى المدينة" (ص14). وكل كلمة من هذا (الاستذكار) توحي بأحداث وأشخاص كثيرة، وتفجّر سيلاً لا يتوقف من التداعيات.‏
وأما (السرد الاستشرافي) فهو الاستباق أو القفز إلى الأمام، أو الإخبار القبلي. وهو كل مقطع حكائي يروي أحداثاً سابقة عن أوانها، أو يمكن توقّع حدوثها... ويقضي هذا النمط من السرد بقلب نظام الأحداث في الرواية عن طريق تقديم متواليات حكائية محل أخرى سابقة عليها في الحدوث، أي القفز على فترة ما من زمن القصة، وتجاوز النقطة التي وصلها الخطاب، لاستشراف مستقبل الأحداث، والتطلع إلى ما سيحصل من مستجدّات في الرواية. (3)‏
وتعدّ الاستشرافات الزمنية عصب السرد الاستشرافي، ووسيلته إلى تأدية وظيفته في النسق الزمني للرواية ككل. وعلى المستوى الوظيفي تعمل هذه الاستشرافات بمثابة تمهيد أو توطئة لأحداث لاحقة، أو التكهن بمستقبل إحدى الشخصيات، كما أنها قد تأتي على شكل إعلان عما ستؤول إليه مصائر الشخصيات، مثل الإشارة إلى احتمال زواج أو مرض أو موت بعض الشخصيات. ويسمّي (جينيت) هذا النوع بـ (الاستشرافات الخارجية) تمييزاً لها عن (الاستشرافات التكميلية) التي تأتي لتملأ ثغرة حكائية سوف تحدث في وقت لاحق من جراء أشكال الحذف المختلفة التي تتعاقب على السرد.‏
ومن أمثلة الاستباق في الثلاثية: حين يمنّي (عواد) حبيبته (غزالة): فـ "يحدثها عن دراسته، عن البكالوريا التي يريد أن يأخذها، ثم الجامعة في دمشق، والحياة الجميلة، والمستقبل، فيما هي تتابعه، توشك أن تطير فرحاً. أريد أن أصبح محامياً أدافع عن الحق، أنصر الضعفاء والمظلومين" (ص 3/30). وقد جاء هذا الكلام قبل أن ينال عوّاد البكالوريا، وقبل أن ينتسب إلى كلية الحقوق بجامعة دمشق. فقد كانت هذه هي أحلامه وأمنياته. وقد استطاع أن يحققها في نهاية الرواية، حيث نال البكالوريا، وانتسب إلى جامعة دمشق، وتخرّج فيها بعد عدة سنوات محامياً. ولكنه بدلاً من أن يتزوج (غزالة) ابنة صاحب الدكان في إحدى قرى حوران، تزوج (بدور) ابنة عزيز وشمس ذات الحسب والنسب.‏
وعلى الرغم من أن (الاستشراف) نادر الوقوع في السرد التقليدي، لأن تلخيص الأحداث المستقبلية يتنافى مع فكرة التشويق التي تكوّن العمود الفقري للنصوص الروائية التقليدية، وأنه يتجلّى في القص المكتوب بضمير المتكلم، وفي السيرة الذاتية، حيث يحكي الراوي قصة حياته، وهو يعلم ما وقع وما يقع ماضياً ومستقبلاً، فإنه موجود في الثلاثية، في مواطن كثيرة، على الرغم من سرديتها التقليدية، ومن أمثلة ذلك أيضاً أحلام (الأخضر) ابن عزيز في أن يصبح طبيباً: "مذ دخل المدرسة لم يكن يتصور نفسه إلا طبيباً يلبس المريلة البيضاء، ويضع السماعة على أذنيه، يمرّ بيده على المجذوم فيشفى، وعلى الكسيح فيقوم. وكان ذلك الحلم يحضّه على أن يبرز في صفه. (السرتفيكا) نالها بتفوق. (البروفيه) حاز عليها بامتياز. و(البكالوريا) قدّمها قبل أسبوعين" (ص3/96).‏
7 ـ الإيقاع الزمني:‏
يقترح (جينيت) G. Genette في كتابه (أشكال 3) 1972 دراسة الإيقاع الزمني من خلال أربع تقنيات سردية هي: الخلاصة، والحذف (في تسريع السرد)، والاستراحة، والمشهد (في تعطيل السرد).‏
فـ (الخلاصة) Sommaire (ويسميها بعضهم: التلخيص، أو الإيجاز، أو المجمل)، تقوم بدور هام يتجلّى في المرور على فترات زمنية يرى المؤلف أنها غير جديرة باهتمام القارئ. فهي نوع من التسريع الذي يلحق القصة في بعض أجزائها بحيث تتحول، من جراء تلخيصها، إلى نوع من النظرات العابرة للماضي والمستقبل. فالوقائع التي يفترض أنها جرت في أشهر أو سنوات تختزل في أسطر أو صفحات، دون التعرض للتفاصيل، فهي قريبة من الحذف. غير أن الحذف يجعل زمن السرد أصغر من زمن الوقائع، في حين أن الخلاصة (أو الإيجاز) تجعل زمن السرد أقصر من زمن الوقائع، فالراوي يقصّ في بضعة أسطر ما مدّته أشهر أو سنوات دون أن يفصّل. بينما يلغي (الحذف) سنوات أو أشهراً من عمر الأحداث، فيقول: "مرّت عشر سنوات". في حين لا تُلغي الخلاصة، ولا تحذف، وإنما تُجمل وتوجز، فتجمع في سطر واحد ما مدته عشر سنوات "تزوج البطل، وأنجب، ودخل أبناؤه المدارس".‏
ومن وظائف الخلاصة تقديم شخصية جديدة، أو عرض شخصيات ثانوية، أو تقديم عام للمشاهد. ومن أمثلتها في الثلاثية قول الراوي: "سارت أعمال الحصاد والرجاد والدراس" (ص 1/214). فقد اختصر في هذه الكلمات الثلاث أزمنة طويلة وأعمالاً مجهدة: فمن المعروف أن الحصاد يدوم طوال شهر أيار، ثم تُنقل السنابل من الحقول إلى بيادر القرية بعملية تدعى (الرجاد). ثم تُدرس بواسطة (النورج) تلك الآلة الخشبية ذات المسننات الحديدية التي تفصل الحبوب عن السنابل (الدراس)، ثم تأتي (التذرية) لفصل الحبوب عن التبن. وقد اختصر الراوي هذه الأعمال جميعاً، مكتفياً بتسمية كل عمل فحسب، على الرغم من أنها تدوم أكثر من شهرين.‏
ومن أمثلتها أيضاً قول الراوي حين أُصيب عزيز في الفخ الذي نصبه لـه التيناوي الخائن، فحمله بعض الوطنيين إلى غرفة عجوز، لا يأبه بها أحد، فخبأوه لديها، وجاءوه بطبيب شعبي يُعالج كسوره. حيث ظلّ طريح الفراش أكثر من عامين: "الأولاد يريدون رؤية أبيهم. الأصدقاء. الأهل. لكن أوامر عزيز صارمة: لا يأتِ أحد إلى هنا" (ص 3/305). وقد تجلّت الخلاصة (أو الإيجاز) في أن الراوي لم يذكر أسماء الأولاد الذين يريدون رؤية أبيهم، وهم أربعة، فاختصر واكتفى بكلمة الأولاد. كذلك لم يذكر أهل عزيز: أبوه، وأخوته، وأهل زوجته، وعشيرتها، وهم كُثر، واكتفى بكلمة الأهل. كما لم يذكر أسماء أصدقاء عزيز، وهم كثر أيضاً، فاكتفى بكلمة الأصدقاء.‏
وأما (القطع) L,ellipse (ويسمى أيضاً: الحذف، والقفز، والإسقاط) فهو أن يلجأ الراوي إلى تجاوز بعض المراحل من القصة دون الإشارة إليها، مكتفياً بإخبارنا أن سنوات أو شهوراً قد مرّت من عمر شخصياته دون أن يفصّل أحداثها: فالزمن على مستوى الوقائع: طويل (سنوات أو شهور)، ولكنه على مستوى القول: صفر.‏
وقد يكون الحذف صريحاً يذكره الراوي، أو ضمنياً لا يصرح به، وإنما يستدل عليه القارئ من خلال ثغرة في التسلسل الزمني. ومثاله في الثلاثية تحذير عزيز لإبراهيم هنانو بأن الفرنسيين يكمنون لـه ولرجاله في الوادي، وأن عليه أن يغيّر وجهته إلى جبل البلعاس حيث يمكنه النجاة. لكن الوقت قد فات، وبدأ الرصاص يلعلع من الطرفين. وهنا يقطع الراوي الحديث في نهاية الفصل الخامس من الجزء الثاني، لينتقل إلى بداية الفصل السادس من الجزء نفسه حيث يجري حفل ختان أطفال العشيرة. وهنا يتّضح القطع في تسريع السرد في أجلى صوره، ذلك أن القطع تقنية ذهنية تقضي بإسقاط فترة من زمن القصة، وعدم التطرق لما جرى فيها من أحداث ووقائع. وكذلك فعل الروائي: فلم يصف المعركة التي دارت بين الفرنسيين ومجاهدي إبراهيم هنانو، وإنما اكتفى بقولـه (ولعلع الرصاص) دليلاً على نشوب المعركة، ثم انتقل إلى حفل الختان دون أن يصف مجرى المعركة، ونتائجها.‏
وأما (تعطيل السرد) فيتجلّى في: الاستراحة، والمشهد. أما (الاستراحة) Passe فهي (الوقفة) وهي نقيض الحذف. وتظهر في التوقف في مسار السرد، حيث يلجأ الراوي إلى (الوصف) الذي يقتضي انقطاع السيرورة الزمنية وتعطيل حركتها. فيظل زمن القصة يراوح في مكانه بانتظار فراغ الوصف من مهمته، حيث ينقطع سير الأحداث ويتوقف الراوي ليصف شيئاً أو مكاناً أو شخصاً.وليست هذه الوقفات الوصفية زائدة، بل هي أهداف سردية، يضيء السرد فيها الحدث القادم. وتتجلّى فيها أسلوبية الروائي.‏
ومن أمثلة (الاستراحة) للوصف في الثلاثية: وقوف الراوي عند بيت أهل عزيز الذي أحرقه (العصملي) ليصفه بقوله: "وصل عزيز إلى شجرة البلوط التي تطلّ على البيت من خلف حاملة عريشة العنب الغالية على قلب عزيز. لكنه لم يجد شجرة البلوط ولا العريشة. كانت كلتاهما قد أصبحت فحماً أسود. هبط بسرعة إلى فناء الدار فلم يجد سوى الريح تصفر في جنباتها. كانت الدار كلها قد استحالت إلى جدران من حجارة مسودة، لا سقوف، لا أبواب، لا نوافذ.. فقد قضت النار على كل شيء. طعنة ألمٍ في القلب أحس بها عزيز كطعنة الخنجر، ثم جاء الوَهَن في الأطراف، والغَبش في العينين، شيء حام كسيخ النار أحس به يخترق الصدر فالعنق فالرأس. جيشان كجيشان العاصفة أخذ بمجامع نفسه. وفجأة أحس عزيز برغبة شديدة في البكاء. أين أم يونس تستقبله بذراعيها المفتوحتين؟ أين أبوه بجلالته ومهابته؟ أين نرجس؟ الإخوة؟ الأطفال؟ ماذا حلّ بهم؟ أين أراضيهم؟ في هذه الليالي الباردة كيف يتّقون الريح والبرد؟ هم لم يعرفوا التشرد كيف يواجهون التشرد اليوم؟ ألفُ سؤال دار في خَلَد عزيز وهو يجوس الدار. يتلمس الحيطان المسودّة. يتفحص الحطام المتناثرة. يتحسس بقايا الحريق" (ص 1/59).‏
هذه الوقفة التي وقفها الراوي ليصف بيت العزّ الذي استحال إلى قطعة فحم هي الاستراحة التي عطّلت حركة السرد ليظل الزمن يراوح في مكانه بانتظار الفراغ من الوصف.‏
وأما (المشهد) Scene فهو محور الأحداث ويخصّ الحوار حيث يغيب الراوي، ويتقدم الكلام كحوار بين الشخصيات. كما يمكن أن تكون للمشهد قيمة افتتاحية عندما يشير إلى دخول شخصية إلى مكان جديد، أو أن يأتي في نهاية فصل ليوقف مجرى السرد فتكون لـه قيمة اختتامية. وأمثلته في الثلاثية كثيرة: الحوار بين عزيز والكابيتان (جيرار) حول الشرق والغرب، والحوار بين شمس والقومندان (رينو) حول الحضارة الغربية والشرق. وقد ملأ هذا الحوار معظم صفحات الجزء الثاني (شرق/ غرب): ففي إحدى الجلسات التي ضمّت هذه الأطراف استغرق "الحوار الحضاري" بين الطرفين ثلاثاً وعشرين صفحة (من ص 295 وحتى ص 318) تحّدثت فيها (ماري روز) زوجة (جيرار) عن الحرية الجنسية في الغرب، وتحدث الكابيتان (جيرار) عن العلم والحضارة في الغرب، مقابل الجهل والأميّة في الشرق. وكان موقف عزيز وشمس هو ردّ هذه الافتراءات مادام الذي يدّعي الحرية والمساواة يستعمر البلاد والعباد.‏