الحالات الشاذة التي لم يستطع الاتجاه العلمي السائد شرحها

الحالات الشاذة التي لم يستطع الاتجاه العلمي السائد شرحها

أولا: أن الفكر الاجتماعي الغربي بكل ما فيه عجز عن تفسير السلوك الإنساني أو التنبؤ به. فعلى الرغم من الكم الهائل من النظريات والدراسات والضوابط والإجراءات المنهجية المستخدمة في العلوم الاجتماعية، لم يستطع الفكر الاجتماعي أن يقدم تفسيرا شاملاً وواضحاً للسلوك الإنساني المعقد. ويعود ذلك إلى أن العلوم الاجتماعية تستند أساسا على المنهج الاستقرائي Inductive approach لبناء المعرفة وكذلك على الفلسفة الوضعية المنطقية Logical Positivism. حيث أن المعرفة بنيت وتبنى في العلوم الاجتماعية على ما يمكن ملاحظته وما يمكن قياسه أو التحقق منه حسياً من الظواهر الاجتماعية. وهي بذلك تغفل الجانب الروحي في الإنسان وأثره على سلوك الأفراد. ويعود ذلك لكون الجانب الروحي لا يمكن ملاحظته أو قياسه وذلك منطلق أساساً من المقولة الشهيرة، والتي تعود جذورها الأساسية إلى المدرسة السلوكية، بأن ما لا تستطيع أن تراه لا تستطيع أن تقيسه، وأن ما لا تستطيع أن تقيسه لا تستطيع أن تعالجه، إذا فإن ما لا تستطيع أن تراه ليس له وجود.

      ثانياً: وهذا خاص بالخدمة الاجتماعية، أن الخدمة الاجتماعية والتي تستند على علم النفس وعلم الاجتماع كأساس نظري لها، عجزت عن تقديم خدمات فعالة لعملائها. واستند رجب على مجموعة من المقالات لتوثيق ذلك وأشهرها مقال "Is Casework Effective? A Review" (Fischer, 1973).
      بعد ذلك قدم رجب حركة التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية والتي تنادي بعدم اللجوء إلى الفكر الغربي إلا في حالة ثباته بما لا يدع مجالاً للشك واللجوء إلى تعاليم الدين الإسلامي الحنيف لبناء العلوم الاجتماعية لتتناسب مع احتياجات البلدان المسلمة، على أنها تمثل الاتجاه العلمي الجديد.
      إلى هنا قد يتبادر إلى الذهن أن رجب قد أحسن استخدام وتوظيف مفاهيم Kuhn. إلا أن ذلك ينافي الحقيقة، إذ أن رجب عندما قدم حركة التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية على أنها تمثل الاتجاه العلمي الجديد، لم يقدم ولم يعرض من خلال الاتجاه العلمي الجديد ما يشرح ويفسر الحالات الشاذة التي لم يستطع الاتجاه العلمي السائد شرحها وتفسيرها. كما أنه حينما عرض للمنهج الذي يري أن تتبعه حركة التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية في بحثه الثاني المعنون "مداخل التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية (مع اهتمام خاص بمهن المساعدة الإنسانية)" قدمها مستخدماً المنهج الاستنباطي Deductive Approach وهو نابع أساساً من نفس الفكر الغربي الذي يمثل الاتجاه العلمي السائد وفي نفس الوقت مكمل للمنهج الاستقرائي الذي انتقده أساسا.
      وحركة التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية، من وجهة نظر الباحث، حركة رائدة يرجى لها خير حيث فيها مقومات المظلة التي من الممكن أن تجمع هموم العلوم الاجتماعية كلها. على الرغم من ذلك فإن تقديمها على أنها تمثل الاتجاه العلمي الجديد يعتبر سابق لأوانه Premature حيث لم تتم بلورتها بما فيه الكفاية من قبل المتخصصين في العلوم الاجتماعية وتوضيح فعاليتها تجريبيا. لذا فإن استخدام رجب لمفاهيم Kuhn لم يكن استخداماً وتوظيفاً أمثل، بل يعتبر بمثابة تطويع قسري لهذه المفاهيم لتدعيم آرائه.
      وتجدر الإشارة إلى أن ضوابط الثورة العلمية الخمسة لم تنطبق كلها في المثالين السابقين. إذ أن كلاً من Fischer ورجب لم يحسن استخدام مفاهيم Kuhn عن الثورة العلمية. فالأول اختلطت عليه أمور كثيرة ولم يفهم ما قصد Kuhn بالاتجاه العلمي أساساً. أما رجب فلم يقدم ما يبرر وجود الاتجاه العلمي الجديد، حيث لم يستطع تقديم بدائل لما وصفه بالحالات الشاذة في العلوم الاجتماعية خارج إطار الاتجاه العلمي السائد.
      وعلى الرغم من ذلك فإن هذا لا يعني بالضرورة عدم إمكانية الاستفادة من المفاهيم التي قدمها Kuhn عن الثورة العلمية في العلوم الاجتماعية. وسنعرض فيما يلي لاتجاهين علميين في حقل إدمان الكحول وهما النظرية المرضية (الاتجاه العلمي السائد) ونظرية التحكم بالشرب (الاتجاه العلمي الجديد). وسنقدم استعراضاً تاريخياً لتطور هذين الاتجاهين العلميين في حقل إدمان الكحول داخل الإطار الفكري الذي قدمه Kuhn عن الثورة العلمية.

الشرط الأول: وجود اتجاه علمي سائد:
      لا تزال طبيعة الكحولية مجهولة إلى وقتنا الراهن وإن كان هناك العديد من النظريات التي سجلت تقدما في هذا الشأن. وهذه النظريات تتفاوت في دقتها وشمولها ومصداقيتها العلمية وكذلك في درجة تقبل العامة والمتخصصين لها، وأشهر هذه النظريات وأكثرها تقبلا بين الأوساط العلمية هي النظرية المرضية والتي يرجع الفضل في تطويرها إلى الطبيب الأمريكي (1960) Jellinek.
      يرتبط تاريخ النظرية المرضية بالوقت الذي نشأت فيه أول جمعية من جمعيات "مدمني الخمر، مجهولي الاسم" (AA) Alcoholics Anonymous في الولايات المتحدة الأمريكية وذلك في عام 1935 عن طريق مدمنين هما بل ويلسون Bill Wilson سمسار الأسهم، وروبرت سميث Robert Smith، الطبيب. وجمعية "مدمني الخمر، مجهولي الاسم" لا تعتبر نظرية علمية وإنما هي مجموعة من المعتقدات والخطوات الإجرائية والتي تراكمت عبر السنين، لذا فهي لا تقف على أرضية صلبة (Lawson, Peterson & Lawson, 1983; Nowinski, 1992). وتقوم فلسفة جمعية "مدمني الخمر، مجهول الاسم" على أن مدمني الكحول ليسو أناساً عاديين من حيث طريقة تقبلهم وتعاطيهم للكحول، إذ أنهم مصابون بحساسية في أجسامهم للكحول. فعندما يبدأ المدمن يتعاطى الكحول فإن ذلك يرسل إشارة إلى خلايا الجسم والتي تصبح متعطشة للمزيد من الكحول. ويعرف هذا في مصطلحات "مدمني الخمر، مجهولي الاسم" بالخلايا المتعطشة Hunger Cell. كما تقوم الفلسفة أيضاً على أن مدمني الكحول قد فقدوا السيطرة على الشرب، لذا فإن الخمر يتحكم بهم بدلا من أن يتحكموا به. وتصور جمعيات "مدمني الخمر، مجهولي الاسم" الكحولية على أنها مرض  Disease من غير علة معروفة وأنه يؤثر على الجسم والعقل والروح, وإدمان الكحول إدمان دائم Chronic كما أنه يتطور إلى الأسوأ مع مرور الوقت Progressive. وجمعية "مدمني الخمر، مجهولي الاسم" هي التي بدأت تقليد بقاء المدمنين منقطعين عن الكحول عن طريق نظام المساندة الاجتماعية والحوار مع بعضهم البعض وكذلك عن طريق الاعتقاد بوجود "قوة آلهية عليا" تمدهم بالقوة للتوقف عن تعاطي الكحول (Alcoholics Anonymous, 1939).
      فبعد إنشاء هذه الجمعية وانتشارها في معظم أنحاء العالم حققت نجاحاً مرموقاً في إعادة تأهيل مدمني الكحول ومساعدتهم على الانقطاع عن الشرب عن طريق برنامجها التأهيلي "الخطوات الإثني عشر". وفي الواقع أن هذا النجاح لم يلفت أنظار المتخصصين إلا في الخمسينات الميلادية. ولكن كون هذه الجمعية أسست بمعزل عن الوسط الطبي وكونها قامت على مجموعة من المعتقدات التي لم تثبت صحتها ومصداقيتها علمياً لم تحظيا بالقبول بين أوساط المتخصصين في حقل إدمان الكحول وخاصة الأطباء. ومن هنا قرر الطبيب الأمريكي Jellinek دراسة هذه الجمعيات عن طريق أعضائها للتعرف عن كثب وبطريقة علمية بسيطة مستخدما الاستبيان في عام 1952 ونشرها في نفس العام في مقالة تضمنت أنواع الكحولية ومراحلها (Jellinek, 1952). ومن ثم أعاد نفس الدراسة وعلى عينة تجاوزت الألفين بقليل من أعضاء جمعية "مدمني الخمر، مجهولي الاسم" ونشر نتائجها في كتابه الشهير "المفهوم المرضي للكحولية" " The Disease Concept of Alcoholism" والذي عرض فيه نظريته المرضية بكامل فرضياتها ومفاهيمها.
      هذا ولقد توصل Jellinek من خلال دراساته إلى نتيجتين رئيسيتين وهما:

الأولى: أن هناك خمسة أنواع من الإدمان ورمز لكل منها بأحرف إغريقية وهي إدمان ألفا، إدمان بيتا، إدمان قاما، إدمان دلتا وإدمان ابسلون (Jellinik, 1960).

إدمان ألفا (Alpha Alcoholism):
وهذا النوع من الإدمان يعتبر إدمان نفسي فقط، فمدمنين ألفا لا يتعرضون للأعراض الإنسحابية عند توقفهم عن تعاطي الكحول.

إدمان بيتا (Beta Alcoholism):
      وهذا النوع من الإدمان لا يدخل في نطاق الإدمان النفسي أو الجسمي ويقتصر هذا النوع من الإدمان على أعراض مرضية جسمية مصاحبة للإكثار من تعاطي الكحول. ومدمني بيتا أيضاً لا يتعرضون للأعراض الإنسحابية في حالة توقفهم عن تعاطي الكحول.

إدمان قاما (Gamma Alcoholism):
      يعتبر هذا النوع أكثر أنواع الإدمان شيوعاً ويكثر مدمني هذا النوع في الولايات المتحدة الأمريكية. ويشمل هذا النوع من الإدمان أعضاء جمعية المدمنين المجهولين في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها. ومدمني قاما يتميزون بالاعتماد الفسيولوجي على الكحول كما يتميزون بفقدانهم للسيطرة على كمية الكحول التي يتعاطونها. فمدمني قاما يستمرون في تعاطي الكحول حتى تنفذ الكمية التي أمامهم أو يفقدوا وعيهم أو يجبروا على التوقف. وعلى الرغم من ذلك فإن مدمني قاما باستطاعتهم التحكم في  الوقت الذي يتعاطون فيه الكحول. أي أن مدمني قاما باستطاعتهم الانقطاع عن الكحول لأشهر أو حتى سنين ولكن ما أن يبدؤا الكأس الأول حتى يفقدوا السيطرة على أنفسهم ويبدؤون بتناول كأس بعد الأخرى.

إدمان دلتا (Delta Alcoholism):
       ينتشر إدمان دلتا في أوروبا، ويتشابه إلى حد بعيد مع إدمان قاما. إلا أن ما يميز مدمني دلتا عن مدمني قاما أن مدمني دلتا باستطاعتهم التحكم بالكمية التي يشربونها في كل مرة يتعاطون فيها الكحول. إلا أن مدمني دلتا وعلى عكس مدمني قاما لا يستطيعون التحكم في مناسبة الشرب، فليس باستطاعتهم الإنقطاع عن تعاطي الكحول ولو ليوم واحد. إذ يتطلب هذا النوع من الإدمان وجود نسبة معينة من الكحول في جسم المدمن في جميع الأوقات، وكلما تناقصت هذه النسبة عن الحد الأدنى تبدأ أعراض الإنسحاب بالظهور مما يجعل المدمن من نوع دلتا يضطر لتعاطي الكحول لتفادي هذه الأعراض.

إدمان إبسلون (Epsilon Alcoholism):
       وهذا أقل أنواع الإدمان إنتشاراً ويعتقد Jellinek أن إدمان ابسلون لا يعدو كونه أحد أشكال إدمان قاما. ومدمني إبسلون يشربون على فترات متقطعة ولكنهم عندما يكونون تحت تأثير الكحول فإنهم يصبحون في غاية العنف وغالبا ما تنتهي فترة الشرب لهم بمشكلة أو بمشاجرة.

الثانية: أن مدمني الكحول يمرون بأربع مراحل واضحة ما لم يقدم لهم العلاج المناسب وهذه المراحل هي كالآتي:

مرحلة ما قبل الإدمان:
       وتتميز هذه المرحلة باستخدام الكحول لتحاشي القلق والتوتر الناجمين عن مصاعب الحياة التي يواجهها الأفراد في حياتهم كل يوم. ويؤدي استمرار التعاطي لهذه الأسباب إلى زيادة تقبل الجسم للكحول مما يؤدي بدوره إلى زيادة الكمية المتعاطاة وكذلك إلى تقليص المدة التي تفصل بين فترات الشرب من أجل الوصول إلى نفس المفعول المطلوب.

مرحلة الإنذار بالإدمان:
       وتتميز هذه المرحلة بخمسة أعراض محددة وهي (1) فترات فقدان الذاكرة Blackouts قصيرة الأجل والتي تحدث خلال فترة الشرب أو بعدها مباشرة، (2) الشرب خفية، (3) تجرع الكحول، (4) استحواذ الكحول على تفكير المدمن فيصبح كل تفكيره متمركز حول الكحول، (5) الشعور بالذنب الناتج عادة عن السلوك الغير لائق الذي يحدث نتيجة للوقوع تحت تأثير الكحول. وفي هذه المرحلة يبني المدمن حول نفسه نظاماً دفاعياً يبدأ عن طريقه بإنكار الإدمان على الكحول.


المرحلة الحرجة:
       في هذه المرحلة يكون الاعتماد الجسمي على الكحول واضحاً جداً على المدمن كما أن المدمن يفقد سيطرته على الشرب بحيث يصبح غير قادر على التحكم بالكمية التي يتعاطاها في فترات الشرب. ويمكن إعطاء تصور أفضل عن هذه المرحلة إذا نظرنا إليها على أنها مرحلة الفقدان، فقدان العمل والأصدقاء والصحة والأسرة (Wallace, 1986).

المرحلة المزمنة:
       هذه المرحلة هي المرحلة الأخيرة التي يمر بها المدمن قبل الوفاة. والمدمنون الذين يتدهورون عبر مراحل الإدمان حتى المرحلة المزمنة غالبا ما تمر بهم أنواع المشاكل والمصاعب المختلفة والتي ترتبط عادة بالكحولية. وغالبا ما يكونون قد تلقوا علاجا في عدة مصحات علاجية لإدمان الكحول. ومن الأعراض الرئيسية لهذه المرحلة فقدان الذاكرة وفقدان الجسم للقدرة على تقبل الكحول والشرب في جميع الأوقات وكذلك انحدار أخلاق المدمن (Lawson, Peterson & Lawson, 1983).

المفهوم المرضي:
       تعتبر الكحولية مرضاً من وجهة نظر أنصار النظرية المرضية. ولقد أحرز المفهوم المرضي للكحولية تقبلاً واسعاً بين أوساط المدمنين والمتخصصين على حد السواء وذلك لعدة أسباب وهي أن المفهوم المرضي كان سهل الفهم وواضحاً، ولأنه أزال النظرة المجتمعية السلبية لمدمني الكحول وأخيراً لأنه مكن المدمنين من الحصول على إجازات مرضية وجعل علاجهم يدخل ضمن التأمين الصحي. ولقد حذر Jellinek من سوء استخدام هذا المفهوم حيث أنه عبر عن أن المفهوم المرضي للكحولية لا يجب النظر إليه أو التعامل معه بطريقة مجردة أو كما يفهم "المرض" عادة. فالمفهوم المرضي قصد به إزالة النظرة المجتمعية السلبية لمدمني الكحول من اشمئزاز واحتقار إلى عطف ورحمة وتأهيل وعلاج لهم.

الهدف العلاجي: التوقف التام عن الشرب Total Abstinence
       يستند التوقف التام عن الشرب أساساً من النظرية المرضية ويقوم على أحد فرضياتها التي تفترض أن مدمني الكحول، إذا لم يقدم لهم العلاج المناسب، يمرون بأربع مراحل متتابعة للإدمان (مرحلة ما قبل الإدمان، ومرحلة الإنذار بالإدمان، والمرحلة الحرجة، والمرحلة المزمنة). من هذا المنطلق تؤكد النظرية المرضية على ضرورة التوقف التام عن الشرب بأسرع ما يمكن لتقليص الأضرار المتوقعة من الإدمان على الكحول بقدر المستطاع من ناحية ووقف تدهور المدمن عبر مراحل الإدمان. فعلى حد تعبير Ohlms فإن مدمن الكحول إذا فقد السيطرة على كمية الكحول التي قد تعاطاها (المرحلة الحرجة) ومن ثم توقف عن تعاطي الكحول فإنه يبدأ من حيث توقف (المرحلة الحرجة) (Ohlms, 1983).