ثورة المجددين الشعر الجديد في العصر الحديث

ثورة المجددين الشعر الجديد في العصر الحديث
    حفظ الشعر العربي على أوزانه الخليلية منذ العـصر الجاهلي ، وحتى العصر الحديث ، وعلى الرغم من تلك المحاولات التي دعـت إلى الخروج عن الموسيقى القديمة ظلّ الشعر العـربي محافظا على إطاره الموسيقي ، وفي العصر الحديث ، ونتيجة للاتصال بالغـرب والتأثر بالمذهب الرمزي الغربي ظهرت دعوات تنادي إلى الإيحـاء في الوزن ، وإلى التنويع الموسيقي ، ومن ثم بدأ البعض يتحررون من موسيقى الشعر الموروثة ، ودعوا إلى الثورة عليها ، وإحـداث تغيرات في شكل الصورة الموسيقية للقصيدة الموروثة 0
    والشعر التجديدي أنواع :
1) نوع يهمل القافية ، ويلتزم بحرا واحدا هو الشعر المرسل ، ومع أنّ العقاد دافع عنه ؛ لأنه اعتبره اتساعا للشعر ، وفتح منافذ للقول  وإعطاء طلاقة له إلا أنّه يرى أنّ انتظام القافية متعة موسيقية ، وأنّ القافية حين تنقطع باختلافها من بيت إلى بيت تعــطي شــذوذ لا تستريح له الأذن ومن أمثلة الشعر المرسل قول عبد الرحمن شكري 
ولسوف تبلغ بالسيــوف مبالغا *** تـدع الممالك في يديك بيادقا
لكن سيعقبك الزمان وصـــرفه *** زمنا يكون به الطليق أسيرا
    والقصيدة من بحر الكامل ، وأجزاءه :
متفاعلن متفاعلن متفــاعلن *** متفاعلن متفاعلن متفاعلـــن
فالوزن واحد ، والقوافي متعددة 0
   وقد انتهت المحاولات في الشعر المرسل بأن أهمل رواده فكـرة الروي المرسل ، وأخذوا بفكرة القوافي المزدوجة ، والمتقابلة مـع المحافظة على البحر 0
    وهكذا نرى أنّ في هذه الدعوات إسرافا في الخصومة للشعــر العربي القديم ، ومناهجه الموروثة ، وإن كنّا نعد تعدد القـــوافي في القصيدة بحسب أغراضها ، وموضوعاتها أخف ، وأيســر مما سواه 0
2) نوع تلتزم فيه القصيدة بوحدة الإيقاع ، وحرف الــروي دون ارتباط بعدد التفعيلات التي يفترق بها بيت عن آخر كقول الشـاعر كيلاني سند :
لا تقلقي
إنّا بذرنا دربنا بالزنبق
ستبصرينه غدا خميلة من عبق
أتعرفين جارتي ـ بثوبها الممزق
وكفها المشقق
كم قلت لي :
جارتنا ككومة من خرق !!
غدا ترينها في ثوبها المنمق 0
    هنا الشاعر التزم بوحدة التفـعيلة فقد جعل الشاعـــر السطر الشعري القائم على التفعيلة أساسا لموسيقاه الشعرية فقـد استخدم تفعيلة بحر الرجز ( مستفعلن ) ، ولم يرتبط الشاعر بعدد معين من التفعيلات فمرة تأتي تفعيلى واحدة ، ومرة ثلاث تفعيلات ، ومــرة أربع تفعيلات أمّا القافية فقد تنوعت في كل سطر ولم تلتزم رويــا واحدا ، وإن كان يلتزم بها في بعض الأسطر مما يعطي نغمــــا موسيقيا يجعل القصيدة أكثر انسجاما عن مثيلاتها في الشعر الحـر ووزن القصيدة هكذا :
لا تقلقي                       مستفعلن
إنّا بذرنا دربنا بالزنبق        مستفعلن مستفعلن مستفعلن
ستبصرينه غدا خميلة من عبق    مسفعلن مسفعلن مسفعلن مستعلن
3) نوع تهمل فيه القافية ، وتتجاور فيه البحور المتقاربـة في إيقاعها مثل قصيدة الشاعر خليل شيوب :
1ـ ألا يا شراعا في الظلام يسير
     كهمك همي والحياة تســير
2ـ أنبقى سائرين إلى الغيــوب
    ونبقى كاظمين على اللغوب
3ـ ولكن نجما فـي ينـــير
    علــيـــه نـســـير
    فالبيت الأول من بحر الطويل ، والبيت الثاني من بحـر الوافر ، والبيت الثالث من بحر الطويل 0
4) القوافي المتعانقة الملتزمة بوحدة الوزن بمعنى أن تـتفق قافية البيت الأول مع قافية البيت الثاني ، وقافية البيت الثالث مـع قافية البيت الرابع ومن ذلك قول إبراهيم ناجي في قصيدته الـــعودة :
1) هذه الكعبة كنّا طائـــفيهـا *** والمصلين صباحـا ومساء
2) كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها *** كيف بالله رجعنا غربــاء
3) رفرف القلب بجبني كالذبيـح *** وأنا أهتف يا قــلبـي اتئد
4) فيجيب الدمع والماضي الجريح *** لما عدنا ليت أنا لم نــعد
    وكما نرى تتفق قافية البيت الأول مع الثاني ، والبيت الثالث مع الرابع وهكذا 0والقصيدة ملتزمة بوحدة الوزن ، وهي مـــن بحر الرمل ، وأجزاءه :
فاعلاتن فاعلاتن فاعلا *** فاعلاتن فاعلاتن فاعلا
1)  الشعر الذي تتقاطع فيه القوافي ملتزمة بوحـــدة الوزن ، ومعنى تقاطع القوافي أي تجيء قافية البيت الأول مــوافقة لقافية البيت الثالث ، وقافية البيت الثــاني متفقة مع قافية البيت الرابع وهكذا (1)
ومما يتمثل هذا اللون الشعري الذي تتقاطع فيه القوافي قــول الشاعر :
1)  أراد الله أن نعشق لما أوجد الحيــنا
2)  وألقى الحب في قلبك إذ ألقاه في قلبي
3)  أرادته وما كانت أرادته بلا معــنى
4)  فإن أحببت ما ذنبك أو أحببت ما ذنبي
فالأبيات السابقة تتقاطع فيها القوافي فقافيـة البيــت الأول ( الحينا ) متفقة مع قافية البيت الثالث ( معنى ) ، وقافيــة البيت الثاني ( قلبي ) موافقة لقافية البيت الرابع ( ذنبي ) ، ويتحد الوزن الشعري للأبيات فالأبيات من مجزوء الوافر 0
    وإذا كان أنصار الشعر الحر ، يحافظون علــى وحـدة التفعيلة ، مع إباحة التصرف في توزيعها منوعين في القافية ـ وإنّ كنّا نرى أنّ الشعر الحر هو شعر تحرر من الشعر ـ       
    فإن طائفة أخرى من أدعياء الشعر ينادون إلـى التحرر من قيود الوزن ، والقافية ، وابتدعوا نوعا من الكلام أطلقوا عليه اسم " الشعر المنثور " يعمل عــــلى تحطيم الإيقاع الموسيقي 0
   والشعر المنثور:
   هو الشعر الذي يخلو من أي شكل من أشكال الـــوزن المكرر، معتمدا على الإيقاع النغمي الداخلي على حـــسب الكلمات والجمل 0
 ويعد أمين الريحاني أول من بدأ كتابة هذا النوع من الشعر فقد بدأ كتابته منـذ العقد الأول من القرن العشرين ، واستمر في كتابته حتى نهـاية حياته ، وتابعه أحمد سعيد ، وجبران خليل جبران ، وغيرهم 0
ومن نماذج الشعر المـنثور قول محمد الماغوط من قصيدته " مصافحة في أيار " :ـ
هل وجدت عملا ؟
لا
هل كتبت شيئا ؟
لا
هل أحببت أحدا ؟
لا
   والنص السابق ـ كما نرى ـ يخــلو من أي موسيقـى شعرية ، ولا نعد أنفسنا مجانبين للصــواب إذا قلنا : إنّ ما يدعونه بالشعر المنثور لا ينتمي إلى الشعر ، فالشعــر له إيقاع ، وموسيقى ، ونغم يميزه عن النثـر ، فالألفاظ النثرية حتى ، وإن كانت متخيرة ، ومنمقة تظل نـثرا ، ولسنـا في مجال الحديث عن أفضلية أحد النوعين عـن الآخـر فالشعر يظل شعرا له حدوده ، ومن أبرزها الوزن فهذه الحـدود أو القيود هي التي تمنح الشعر خصوصيته ، ومــن يدعي أن هناك شعرا حرا ، أو شعرا منثورا فلا ريب أنّه يجهل مفهوم الشعر ، ويفتقد للملكة الشعرية0
  ومما لا شك فيه أن في هذه الدعوات إسرافا في الخصومة للشعر العربي ، ومناهجه الموروثة ، ولا شــك أنّ الشعـر العربي بصورته الموروثة فيه جمال فني ظاهر ، وله روعة وتأثير قوي في النفوس ، والتزام موسيقى الشعر ( الوزن ، والقافية ) يدل على قدرة الشاعر ، وجمعه بين الموهبــة ، والصنعة 0   
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~


(1) راجع : النقد الأدبي الحديث غنيم هلال صـ475 0