الحاسة الذوقية


الحاسة الذوقية:

التنبيه الذوقي كيميائي كالتنبيه الشمي. الكيفيات الذوقية الرئيسة أربع هي:
الحامض والمالح والحلو والمر. ولكل كيفية منها حليمات ذوقية خاصة منتشرة بطريقة منظمة على غشاء اللسان. فطرف اللسان يجيد الإحساس بالحامض، وهو ضعيف الإحساس بالمالح والحلو، ومعدومه بالمر. وجوانب اللسان تجيد الإحساس بالحلو والحامض والمالح. والإحساس بالمر هو أقوى ما يكون في مؤخرة اللسان. أما المنطقة الوسطى من اللسان فالإحساس الذوقي معدوم فيها.
وغشاء اللسان يحسّ بالتماس والضغط والحرارة والبرودة . وتمتزج هذه الإحساسات بالإحساسات الذوقية فينشأ عنها كيفيات مركبة كالحار والبارد والحريف والحامز والعفص والقابض والمعدني.
الحرفان الذوقيان هما: اللام والراء.

1- حرف اللام

مجهور متوسط الشدة. شكله في السريانية يشبه اللجام. يقول عنه العلايلي: إنه (للانطباع بالشيء بعد تكلفة). تعريف مبهم.
إن صوت هذا الحرف يوحي بمزيج من الليونة والمرونة والتماسك والالتصاق. وهذه الخصائص الإيحائية لمسية صرفة.
ولكن يلاحظ أن صوت هذا الحرف يتشكل على مرحلتين اثنتين:
الأولى: بالتصاق اللسان بأول سقف الحنك قريباً من اللثة العليا حبساً للنفَس
والثانية: بانفكاك اللسان عن سقف الحنك، وانفلات النفَس خارج الفم
وهكذا فإن طريقة النطق بصوت (اللام) تماثل الأحداث التي يتم قيها الالتصاق مما يجيز تصنيفها في فئة الحروف الإيمائية التمثيلية، وهي هنا لمسية.
كما أن طريقة النطق بصوت (اللام) تماثل الأحداث التي تتم فيها الاستعانة باللسان في عمليات اللوك والمضغ واللحس وما إليها، مما جعلها ألصق ما يكون بالذوقيات، فصنفتها حرفاً ذوقياً.
وإذن أي الخصائص هي الغالبة على معاني المصادر التي تبدأ بها: أللمسي المزيج هنا من الإيمائي والإيحائي؟ أم الذوقي الإيمائي الصرف؟

1- فماذا عن اللمسي؟

بالرجوع إلى المعجم الوسيط عثرت على مئتين واثني عشر مصدرا، تبدأ بحرف اللام، كان منها اثنان وثمانون مصدراً تدل معانيها على التماسك والالتصاق، بما يتوافق مع واقعة التصاق اللسان بأول سقف الحنك قريباً من اللثة العليا. منها:
لبّ بالمكان لبا (أقام فيه) . لبث بالمكان (مكث وأقام) . لبد بالمكان (أقام به ولزق). لثم.لثب بالشيء (لصِق به). لثَّ ولثلث بالمكان (أقام). لجم الثوب (خاطه). لحف. لحقه. لحم.لحك الشيء بالشيء (ألزقه به) . لذب بالمكان (أقام فيه) لذِي بالأمر (لزمه ولم يفارقه) لزَّ. لزب بالشيء (لصق به).لزِج. لزِق. لزِم. لزن القوم (تزاحموا) . لصّت المرأة (التصق فخذاها حتى لا يُرى بينهما فرجة). لصب الجلد بالعظم (لزق به هزالا). لطم الشيء بالشيء (ألصقه به) . لكد عليه الوسخ ولكع (لصق به ولزمه). لاط الشيء لوطاً وليطا (التصق به) لصق. لطا بالأرض (التصق بها). لفق (ضمَّ) . لقح. لَمّ. لمس. لاق الشيء به ليقاً (لصق). (لِكي به لكىً (أولع به ولزمه). التكَّ (تضامَّ وتداخل). لزّه (شدّه والصقه).
وبسبب من خاصية الالتصاق في حرف اللام، قد استخدمه العربي للنسبة والتملك .( له لي..). كما استخدم مقطع (الـ) التعريف للتعبير عن ارتباط الأسماء التي تدخل عليها بمعرفة سابقة عنها. لتخرج تلك الأسماء بذلك من عالم النكرة إلى عالم المعرفة، وياله من انتباه ذكي لوظائف (اللام) . وكذلك الأمر صراحة مع الأسماء الموصولة (الذي- التي..).

2- ثم ماذا عن الذوقي:

لقد كان ثمة ثلاثة وخمسون مصدراً تبدأ باللام تتعلق بعمليات الأكل والتذوق وأنواع الأطعمة وأوصافها موزعة كما يلي:
1- كان منها اثنا عشر مصدراً تدل معانيها على استخدام اللسان للتذوق واللحس وسواهما . هي: لحس. لسَّ الطعام (لحسه). لطع (لحس) . لعق. لمج الطفل أمه (رضعها) . تلمظَّ الطعام (ذاقه) . لاس الحلاوة (ذاقها) . لبلبت الشاة بولدها (لحسته والطفتة بشفتيها ). لثغ ( تحول لسانه من حرف إلى حرف). لهث الكلب ( أخرج لسانه من حرّ وعطش). لهج الفصيل أمه (تناول ضرعها يمتصه).
ب- وكان منها عشرون مصدراً تدل معانيها على المضغ وكيفية تناول الأطعمة هي:
      لأف الطعام ( أكله جيداً) . لجلج الشيء في فمه (أداره للمضغ) . لسد العسل ولسبه ولمصه (لعقه) . تلعَّس فلان ( اشتد أكله). لعص (نَهِم في الأكل والشرب) . لبي من الطعام لبيا ( أكثر منه). لغوس ( أسرع في الأكل). تلغف الطعام (تناوله بكفه وازدرده). لقِم الشيء (اكله بسرعة). لقِف الطعام (بلعه). تلَّمق (أكل ما يتعلل به قبل الطعام).لهمس ( أكل ما على المائدة). لهِم الشيء ( ابتلعه) . لاكه. لاز الشيء لوزا ( أكله). لاس اللقمة (مضغها أهون مضغ).
      وكان منها خمسة مصادر تتعلق بوصف الأكول هي:
      اللحُوس (من يتبع الحلاوة ، كالذباب ). اللحْوس (الأكول من الناس). اللعو واللعا (الشره الحريص). اللعمِظ (الشهوان إلى الطعام).
جـ- وكان منها أحد عشر مصدراً تدلّ معانيها على أنواع الأطعمة وكيفيتها وأوصاف اللقمة. هي: اللبأ (أول اللبن عند الولادة قبل ان يرقَ). اللبن . اللُّقمة. اللُّعاق (بقية اللقمة في الفم). اللُّغفة (اللقمة).اللُّعاع (الجرعة من الشراب). اللماك (مايذاق من الطعام). اللُّهجة واللُّهنة (ما يتعلل به قبل الطعام). لغلغ الطعام (روّاهُ من الأدم). اللوقة (الزُّبدة) . لبَّق الثريد (خلطه ولينه).
وكان منها ثلاثة مصادر تدل معانيها على مستلزمات عمليات  الأكل. هي:
اللسان. اللعاب. اللطع  (الحنك).
وكان منها خمسة مصادر تدلّ معانيها على المرونة واللين ، بما يتوافق مع إيحاءات صوت اللام . هي:
لان . لدن. لخِي البطن (استرخى) . لطف . لواه.
وهكذا  تبلغ  نسبة المصادر التي تدل معانيها على الالتصاق والتماسك بما يتوافق مع واقعة التصاق اللسان  بأول سقف الحنك أثناء خروج صوت اللام 38.5% أما المصادر التي تتوافق معانيها مع تلاعب اللسان في عمليات المضغ والتذوق ومتعلقات الأطعمة ، فقد بلغت (25%)، مما يؤكد صحة انتماء هذا الحرف إلى الحاسة الذوقية.فلم يتجاوز هذه الطبقة إلا في ستة مصادر . واحد للشمية (لخن) بمعنى أنتن ، بتأثير حرف الخاء. وثلاثة للبصرية. لمع النجم (تلألأ) ، بتأثير حرف العين. لألأ النجم ولاه، السراب بمعنى (اضطرب ولمع)، وحدس الاضطراب فيهما أغلب من حدس اللمعان. وواحد للسمعية: لغط القوم (اجلبوا) . وواحد للمشاعر الإنسانية ، لهِف بمعنى (حزن وتحسَّر) ، وذلك بتأثير حرف الهاء ، كما سوف نرى
وهكذا يصدق تصنيفنا الهرمي المنكوس للحواس الخمس مع حرف اللام. فالعربي لم يجد في صوت اللام (ل. ل. .) مسوغا فنيا لاستخدامه في التعبير عن أحاسيس الحواس الأعلى، لولا تدخل بعض الحروف التي تنتمي أصلاً إلى الطبقات العليا، كما سنرى في دراسة أحرف (خ. ع. هـ). وقد يتساءل القارئ عن السبب في تصنيف حرف اللام ذوقياً ، وليس ثمة أيُّ مصدر يبدأ به مما يدلّ  معناه على طعم أو مذاق، من حلاوة أو مرارة أو حموضة أو ملوحة، وما إليها؟
فما دامت غالبية المصادر التي تبدأ (باللام) قد اقتصرت معانيها على اللمسيات من التصاق وتماسك وليونة ، وعمليات مضغ وبلع وما إليها من متعلقات الأطعمة ، ألم يكن الأجدر بنا أن نصنفه في زمرة الحروف اللمسية ؟.
وردا على هذا التساؤل أقول:
لقد بلغت نسبة المعاني الدالة على الالتصاق وعمليات المضغ والتذوق في المصادر التي تبدأ بحرف اللام (5،63%) وهذه الأحداث كما يلاحظ القارئ تتوافق مع واقعة التصاق اللسان بسقف الحنك ومع تلاعبه باللقمة ، تذوقاً ومضغاً وبلعاً.
وإذن من المرجح أن الإنسان العربي قد بدأ في المرحله الغابية ، أو في المرحلة الزراعية بالتعبير عن هذه الأحداث بالحركات المناسبة من اللسان والأسنان والشفاه والفم وغيرها ، إيماء وتمثيلاً. فكانت هذه الحركات بصورة مبدئية أسبق في الزمن من صوت اللام .
ولقد عمد العربي في المرحلة الرعوية إلى تهذيب صوته والتخلص من الإشارات والحركات المرافقة له، فلم يبق منها إلا التلاعب باللسان والفم بالقدر  الكافي لخروج صوته.
وإذن لما كانت العلاقة الفطرية بين حرف اللام وبين عمليات التذوق والمضغ والبلع هي علاقة إيمائية صرفة، وكان من المتعذَّر التعبير إيماء وتمثيلاً عن المذاقات، فان صوت اللام المتأتي من تطور تلك الحركات الإيمائية لا يمكن ان يوحي أصلاً بأي مذاق معين من حموضة أو ملوحة أو مرارة وما إليها.
وهذا يؤكد صحة ما ذهبت إليه في بحث (الجذور الغابية والزراعية والرعوية في أصوات الحروف) من حيث نشأة الحروف الإيمائية (المرجع السابق ص125-145).
وهكذا ، لما كان حرف اللام لسانيا صرفا، واللسان هو عضو الحاسة الذوقية ، وكانت معاني المصادر التي تبدأ به لم تتجاوز الطبقة الذوقية إلا بنسبة أقل  من (3%).فإنه ليس ثمة أي محذور من رفع مرتبة هذا الحرف من الطبقة اللمسية إلى الطبقة الذوقية لتعامله أصلاً مع المطاعم تذوقاً ومضغاً ولوكاً وبلعاً.
وهكذا فإن هذا الحرف الإيمائي الإيحائي ، موزع الخصائص والمعاني بين اللمسي والذوقي، كما يتمتع بشخصية جيدة ، سواء من حيث التزامه بطبقته الهرمية، أو من حيث نسبة تأثيره في معاني المصادر التي تبدأ  به وقد بلغت (65%).
وبملاحقة اللام في نهاية الألفاظ عثرت على (306) مصادر، لم تتأثر معانيها بخصائص اللام إلا بنسبة (8%). وذلك لأن اللسان لا يتلاعب بحرف اللام في نهاية الألفاظ كما يفعل في بدايتها . فتخلّى هنا عن وظيفته التمثيلية الإيمائية مما أفسح المجال للحروف الأخرى التي شاركت في تراكيب هذه المصادر.

2- حرف الراء:

مجهور متوسط الشدة والرخاوة. شكله في السريانية يشبه الرأس . قال عنه العلايلي: إنه (يدل على الملكة وعلى شيوع الوصف). تعريف مبهم.
لئن كان بعض أصوات الحروف العربية يماثل عظام الإنسان في قساوتها ، وبعضها يماثل عضلاته في قوتها ومرونتها ، وبعضها الآخر يماثل لحمه في ليونته وطراوته ، و غيرها يماثل أعصابه في حساسيتها ورهافتها وما إلى ذلك من وظائف أعضاء البدن وخصائص الحروف ، فإن صوت حرف الراء من أصوات الحروف هو أشبه ما يكون بالمفاصل من الجسد.
وانطلاقاً من خاصية التمفصل هذه في صوت (الراء) وفي مفاصل الجسد، قد ادخل العربي هذا الحرف في معظم الأعضاء التي تتصل بغيرها بمفاصل غضروفية. منها:
الرأس . الرقبة . المِرفق . الركبة . الرضفة . الرِّجل. الرسغ. الوِرك. الورّ (الورك) . الفقرة. ويلحق بها الأعضاء التي تتوافق معها في ظاهرة التحرك . هي:
الخصر (لتأوده وتثنيه) . الرئة (كعضو للتنفس). الصدر (لظاهرة تحركه أثناء الشهيق والزفير، صعوداً وهبوطاً). الشَّعر (لظاهرة نوسانه مع الانسام أو حركة الجسم). البصر والنظر (لتنقلهما المستمر بين المرئيات).
وفي الحقيقة، إن حاجة اللغة العربية إلى حرف الراء لاتقل عن حاجة الجسد للمفاصل. فلولا صوت الراء لفقدت  لغتنا الكثير من مرونتها وحيوتها وقدرتها الحركية ، ولفقدت بالتالي الكثير من رشاقتها، ومن مقومات ذوقها الأدبي الرفيع.
فكما أن مفاصل الجسد تساعد أعضاءه على التحرك بمرونة في كل الاتجاهات، وعلى تكرار الحركة المرّة بعد المرّة ، فإن حرف الراء بتمفصل صوته (ر. ر. را) ، وبرشاقة طرف اللسان في أدائه، قد قدَّم للعربي الصور الصوتية المماثلة للصور المرئية التي فيها ترجيع وتكرار، وتأرجح ذات اليمين وذات الشمال ، وذلك" حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث"، كما قال ابن جني:
فليس هناك أيُّ حرف في الدنيا يستطيع صوته أن يؤدي بعض هذه الوظائف،  فهو من المقومات الأساسية للغة العربية . لابل ما أحسب أن ثمة لغة يمكن أن تخلو منه.
ولعل الفرنسيين قد انتبهوا إلى وظيفة حرف الراء في الترجيع والتكرار، فجعلوا مقطع (ر و) - RE)، الملحق في أول الأفعال ، للعودة والتكرار. ولكنهم لم يدخلوه في صلب اللفظة الفرنسية للقيام بهذه المهمة ، كما فعل العربي إلا نادراً . ولعّلهم قد انتبهوا إلى هذا النقص الأساسي في لغتهم في مرحلة راقية من مراحل تطورها، فابتدعوا هذا المقطع، وذلك على مثال ما ابتدعوا مقطع ( ان-IN) للصميمية والبطون، ليقوم بوظيفة حرف (النون) في اللغة العربية