الإتباع الحركي

- الإتباع الحركي :                                                                                                                                
على الرغم من أنّ الأصوات الصائتة تمثل وحدات صوتية مستقلة بعضها من بعض إلا أنها تنماز بقدرتها على التناوب في ما بينها في الكلمة من غير أن يؤدي ذلك إلى اختلاف في المعنى، وهذا التناوب قد يكون بسبه دخول مستويات لهجية مختلفة في المستوى اللغوي الموحد، وهو بذلك يكون محدودا بالسماع وغير خاضع للقياس 37، ومما يلاحظ في هذا التناوب انه قد يؤدي إلى خضوع الكلمة إلى قانون الانسجام بين أصوات المد، إذا كانت تشتمل على أصوات مد متنافرة في نحو قولهم : رتل في رتل، وهذا ما يسمى بالا تباع الحركي.
فالإتباع الحركي ظاهرة صوتية تحدث نتيجة تأثير صوت في صوت آخر يجاوره في مستوى الحركة فيتماثلان في النطق، وتحدث بين الحركات (الصوائت القصار) المتباينة في كلمة واحدة غالبا أو كلمتين، فيتأثر احدهما بالأخر فيؤدي ذلك إلى حدوث انسجام صوتي بين الأصوات القصيرة 38.
ولهذا يعد الإتباع الحركي ضربا من التخفيف والاقتصاد في الجهد العضلي المبذول، ومظهرا  من مظاهر التطور في نطق الصوائت القصار عند وجودها في الكلمات. فالكلمة المشتملة على صوائت قصار متباينة تميل في تطورها في أثناء النطق إلى الانسجام ؛ حتى لا ينتقل اللسان من صوت صائت إلى صوت صائت آخر مغاير له 39.
لقد عالج علماء العربية القدماء هذه الظاهرة، فاصطلح عليها سيبويه (الإتباع) وعالجها تحت باب ((ما تكسر فيه الهاء التي هي علامة الإضمار))40، حدد فيه المواضع التي كسرت فيها هاء الضمير، فقال :((فكما أمالوا الإلف في المواضع استخفافا كذلك كسروا هذه الهاء، وقلبوا الواو ياء لأنه لا تثبت واو ساكنة وقبلها كسرة.فالكسرة هنا كالإمالة في الإلف لكسرة ما قبلها وما بعدها، نحو : كلاب، وعابد)) 41.
وحذا حذوه في التسمية الفراء (ت 207هـ)، وأبو بكر الانباري (ت 328هـ)،  فجاء في معاني القران للفراء :((جمعوا ظلمة ظلمات، فرفعوا ثانيها إتباعا لرفعة أولها))42، وقال أبو بكر
ابن الانباري موجها قراءة من قرأ قوله تعالى : ((لا يضركم كيدهم شيئا))43بضم الراء ؛ لان ضم الراء على الإتباع لضمة الضاد 44.
وسماها الزجاج (ت 311هـ) باسم المطابقة 45، وعدها ابن جني من ضروب الإدغام الأصغر وسماها بالتقريب 46.
وأطلق عليها المحدثون مصطلح (الانسجام بين الحركات) 47, أو (انسجام أصوات اللين)48،
أو (المماثلة في الحركات) 49.
إن اللغات واللهجات تختلف في درجة الميل إلى اختلافا بينا، إذ إن بعض هذه اللهجات بسبب من طبيعة الأداء البطيء تجنح إلى نطق أصوات الكلمة نطقا متأنيا يسمح لها ذلك نقل اللسان من الضم إلى الكسر، أو إلى الفتح في أصوات المد المتوالية من غير أن يشعر المتكلم بثقل ذلك على حين تجنح بعض اللهجات ذوات الأداء السريع بوجه عام إلى الإتباع والمجانسة من اجل ألا يثقل عليها الانتقال من موضع إلى موضع آخر بعيد.
ويلحظ بصورة عامة أن القبائل البدوية كانت تميل إلى الإتباع الحركي  أو الانسجام الصوتي ؛ لأنه يحقق لها السهولة في النطق ويوفر لها مجهودا عضليا، أما القبائل الحضرية فكانت غير ميالة إليه لحرصها على تحقيق الأصوات في نطقها بسبب التأني في الكلام 50.
تتمثل ظاهرة الإتباع الحركي بكثرة في القراءات القرآنية، ومن أمثلة ذلك :
-         قال الله تعالى : ((الحمد لله))51، قرأ الحسن البصري وزيد بن علي ع بكسر الدال واللام 52، و قراها  إبراهيم بن أبي عبلة بضم الدال واللام 53.
-         قوله تعالى : ((فلأمه الثلث))54، قرئ (فلأمه) بكسر الهمزة إتباعا لحركة الميم، وذكر الكسائي والفراء أنها لغة هوازن وهذيل 55.
-         قوله تعالى : ((إنما أموالكم وأولادكم فتنة))56، قرأ ابن أبي عبلة (فتنة) بفتح التاء تبعا لفتحة النون57.