حياة البدو والرحل



 القبائل رعوية تجوب البقاع بحثا عن الماء و العشب للحيوان وهروبا من الحشرات التي تصيب الحيوان في فترات محددة. المنطقة بين خط 10 درجة الى خط 14 درجة شمال خط الاستواء كانت مناطق رحل في كل السودان حيث تنتقل القبائل من الشمال للجنوب و بالعكس . تبدأ رحلة الترحال بعد نزول الأمطار و توفر الحشائش و المياه شمال منطقة المصيف و من ثم يبدأ الترحل تبعا لنزول الأمطار و توفر المياه و العشب من شهر يونيو الى أغسطس حتى تصل الحيوانات الى منطقة المخرف و تستقر فيها خلال شهور الخريف  حتى أكتوبر و مع بداية  نوفمبر تبدأ الحركة جنوبا تتبع آثار المطر حتى تصل للمصيف في شهر فبراير حيث تستقر حتى مايو و يبدأ التحرك شمالا في شهر يوليو.
تعيش في هذه المناطق قبائل كثيرة ظلت تمارس تربية الابقار (بقارة) و الترحل لفترات طويلة منها الشكرية و البوادرة و رفاعة و الصبحة و بني جرار و الحوازمة و اولاد حميد و الكنانة و المسيرية و الرزيقات و الهبانية و بني هلبة و المعاليا و غيرهم. لكل قبيلة منطقة و مسارات تدار على أساس الملكية العامة للقبيلة و تحترم القبائل الأخرى هذه الملكيات و لا تتعدى عليها المجموعات الأخرى.
 كما توجد قبائل الكبابيش و الزريقات و الهواوير و الرشايدة و البشاريين و الأمرار و هم رعاة الجمال (أبالة). رعاة الإبل يترحلون أيضا في مناطق محددة في النشوغ و هو الحركة و الدمر و هو البقاء حول آبار المياه لسقيا الحيوان. و لكن في الشتاء يذهب شباب الكباببش مع الجمال الى الجزو و هو نبات ينمو في الصحراء ترعاه الإبل و يعيش معها الرعاة يعتمدون على ألبانها و لا توجد مياه.
السياسات التي اتبعها المستعمر للتعامل مع الرحلفي السودان هي التي استمرت بعده حيث الاهتمام بالتوسع الأفقي لزراعة المحاصيل و قلة الاهتمام بالمرعى و الرعاة. فقد أخذت مساحات واسعة للزراعة الآلية في كل المنطقة مع عدم الاهتمام بتحسين المرعى مما تسبب في مشكلات اجتماعية و اقتصادية و حديثا سياسية للسكان. و ظهر الاهتمام بالرحل في إيجادالمدارس السيارة و المعاون الصحي و العيادات البيطرية السيارة أيضا.  أما الاستقرار و حل المشكلات المتعلقة بالتنافس على المرعى و المياه و الأراضي فقد كان التصدي لها قليلا. و بعد حل الإدارة الأهلية في الحقبة المايوية لم يستطع المجتمع الرعوي حل مشكلاته مما زاد منها. حديثا ظهر التعدين للبترول الذي جعل المناطق الرعوية ضيقة. كما أن اعتداد الرحل بنظام حياتهم جعلهم يتجهون للتكيف مع المتغيرات مع المحافظة على النظام الأساسي و لكن بعضهم ترك أو فقد الحيوانات و لجأ الى أطراف المدن خاصة الخرطوم و مدني.إضافة لذلك فان المشكلات البيئية التي ظهرت خلال الفترة بعد جفاف الساحل الأفريقي في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي قد أثر على الرحلو تسبب في قلة المياه العذبة و الجفاف المتكرر و تعرية التربة و التصحر و الزراعة و الرعي الجائر و قطع الغابات و تغير المناخ. هذه المشكلات أدت الى تعقيدات أخرى ليس أقلها الاحتكاك و المنافسة على الموارد الطبيعية و العنف الأهلي الزائد. لكل ذلك فان الفشل في حل مشكلات الرحل عبر الحقب قد قاد الى الاحتكاك و النزاع و النزوح و انعدام الأمن.

استقرار الرحل:
ظل هذا الأمر محور نقاش خلال الثلاث عقود الماضية و لكن هناك عدد كبير من الرحل قد استقر جزئيا نسبة لوجود مصدر آخر للدخل في العمل في المدن الكبرى أو خارج السودان بينما بعضهم اتخذ مزارع صغيرة و بدأ ممارسة نوع من الزراعة المستقرة بينما يتحرك الشباب مع الحيوانات. لذلك فان استقرار الرحل الذين ما زالوا يمارسون الترحال لكل الأسرة و تحسين ظروف الذين استقروا في المنطقة يحتاج الى جهد كبير جدا لإحداث التغيير المطلوب في هذه المناطق. و قد ذكرت النفرة الخضراء أن نظام الرحل له سلبيات تتمثل في سوء إدارة الموارد الطبيعية و البشرية و صعوبة الاستفادة من الخدمات الاجتماعية مثل المدارس و المستشفيات و المياه النظيفة و الكهرباء و غيرها. كل هذا الكلام يدار بمعزل عن الرحل أصحاب الشأن لذلك فانه من المهم و الأساسي أخذ رأي الرحل من خلال الإدارة الأهلية أو بواسطة أبناء الرحل أو الاتحادات التي يمكن أن يكون لها وجود حقيقي في مناطق الرحل.
ما يهم في هذا الوقت أن الاستقرار لم يعد خيارا ضمن عدة خيارات و إنما حقيقة يجب أن تنفذ و بسرعة مع الوضع في الاعتبار أن هذا الأمر (استقرار الرحل) ليس سهلا و لا رخيصا و إنما يتطلب الجهد الفكري و العمل البدني و يكلف المال الكثير و الزمن كذلك. المقترحات لبداية العمل أهمها:
1- عمل إحصاء سكاني للرحل و إحصاء للحيوانات لجمع البيانات الأساسية المهمة لاستقرارالرحل و تحديد حجم المشكلة.
2- تحديد الأراضي التي يمكن أن تكون للرحل و تحسين المرعى و توفير المياه فيها و الخدمات الأخرى و كذلك خدمات الحيوان.
3- قيام منظمات قوية للرحل تهتم بالتخطيط لمستقبل الرحل مع الدولة التي توفر المال و القوانين و النظم الإدارية بموافقتهم.
4- جعل البرنامج قوميا تساهم فيه الدولة و حكومات الولايات و المنظمات غير الحكومية المحلية و الأجنبية و منظمات الأمم المتحدة و غيرها.
5- دراسات معمقة اقتصادية و اجتماعية و ثقافية  لفهم طبيعة الرحل و الحياة التي يعيشونها و حماية الموروث الثقافي لهم من خلال التوثيق و التسجيل و إنشاء الفرق التي تقوم بهذا العمل.
6- توفير الدعم العيني و المادي للذين يستجيبون لبرامج الاستقرار.
7- دراسة البيئة الطبيعية و الاهتمام بإشراك الرحل في البرامج التي تحمي البيئة.

يمكن أن يكون الاستقرار على مراحل:
-         الاستقرار الكامل مع قيام نظام الرعاة مع الحيوانات و استقرار الأسرة في قرى ثابتة حيث يمكن أن يكون الإشراف على الحيوان بواسطة زيارات أو فرد من الأسرة مع الرعاة بينما تنعم الأسرة بالخدمات الاجتماعية المستقرة و تتخذ نشاطا آخر لتحسين الدخل.
-         إنشاء مزارع رعوية بمساحات محددة و حمولة من الحيوانات و جعلها نواة لقرى فيها كل الخدمات الأساسية من تعليم و صحة و صحة حيوان بالإضافة خدمات السوق و المواصلات و المياه.
-         تحسين المراعي المفتوحة و توفير المياه (حصاد المياه) و تقنين وضع الاستفادة منها للقبائل في المنطقة لمنع التنافس و الاحتكاك.
-         إحياء مشروع استقرار المسيرية و تنفيذه بعد تصحيح الأخطاء و هو مشروع يمكن أن يستنسخ في مناطق السافنا في جنوب سنار و النيل الأزرق و جنوب دارفور.
-         إحياء مشروع استقرار الأمرار و البشاريين و العمل على حل المشكلات و تنفيذ المشروع.
-         تشجيع المستقرين على تغيير القطيع بالأنواع ذات الإنتاجية العالية ليزيد دخلهم و يصبحوا نموذجا للذين ما زالوا يترحلون.
-         التكامل بين الزراعة و الحيوان في مناطق محددة لمجموعات الرحل لتحقيق الاستقرار و تحسين الدخل و تقليل الاحتكاك.
-         تمثيل الرحل في المجلس الوطني و المجالس التشريعية في الولايات بما يعادل حجم الرحل في السكان.
معهد أبحاث الرحل في جامعة الجزيرة هو منشأة وضعت لها خطط كبيرة جدا تتمثل في ثلاثة أقسام أو محاور هي:
 المحور الأول يتعلق بدراسات البيئة و الموارد الطبيعية و طرق الاستغلال وفق أسس التنمية المستدامة.
المحور الثاني يتعلق بالنشاط الاقتصادي والاجتماعي للرحل ( (Socioeconomic activities         المحور الثالث عن الخدمات الأساسية التي يحتاجها الرحل.
لذلك فان معهد بحوث الرحل يمكن أن يكون هو المنشأة التي تقوم بالدراسات المطلوبة لاستقرار الرحل.