مخاطر و معوقات انبعات الغازات


المخاطر والمعوقات انبعات الغازات

إن عملية تخفيض كمية الغازات المنبعثة إلى الجو هي عملية مكلفة وصعبة التطبيق. وحتى الآن فإن معظم الإجراءات التي تم اتخاذها للحد من هذه الغازات هي الإجراءات السهلة التطبيق والمجدية اقتصاديا. في كثير من المناطق، إن اتخاذ إجراءات أكثر صرامة يتطلب تغيير سلوك وتوجه الناس نحو البيئة، مثل وضع قيود على استخدام السيارات حتى نضمن الالتزام بالمواصفات المعدلة لجودة الهواء. إن تطبيق إجراءات صارمة ووضع قيود على الشركات المصنعة للسيارات من أجل تخفيض كمية ونوعية الغازات المنبعثة من عوادم السيارات يؤدي إلى ارتفاع في أسعارها، وهو ما يجبر الكثير من الناس على الاحتفاظ بسياراتهم القديمة والتي تكون غالبا غير مناسبة بيئيا.

لسوء الحظ، فإن عدد من الإجراءات التي اتخذت لتخفيض نسبة انبعاث الملوثات إلى الجو ساهمت في حدوث مشاكل بيئية أخرى. فغلى سبيل المثال، تم بناء المداخن المرتفعة لخفيف حدة الدخان والسناج في طبقة الهواء القريبة من سطح الأرض. نعم, نجحت هذه الطريقة في تخفيف التلوث الهوائي على المستوى المحلي، ولكن وفي نفس الوقت, فإن إطلاق هذه الغازات على ارتفاعات كبيرة أدى إلى تسهيل عملية اختلاطها مع بخار الماء في الجو لتكون النتيجة تشكل الأمطار الحمضية والتي قد تؤثر سلبيا على جودة المياه في مناطق بعيدة، أي أنة تم استبدال التأثير السلبي المحلي للدخان والسناج بالتأثير السلبي الإقليمي للأمطار الحمضية. أحد المشاكل البيئية التي ظهرت أيضا كانت جراء إضافة مادة (Methyl Tertiary-butyl ether MTEP) إلى البترول وهي مادة ممزوجة بالأكسجين تعمل على التخفيف من كمية الدخان المنبعث من المحركات وخاصة أول أكسيد الكربون وذلك عن طريق تسريع وتسهيل عملية الاحتراق، لكن تبين أن هذه المادة تسببت في تلويث المياه الجوفية، مما استدعى التوقف عن استخدامها. أن العديد من الإجراءات البيئية التي اتخذت للحد من مشكلة تلوث معين أدت في النهاية إلى ظهور تلوث من نوع أخر وربما يكون أكثر خطرا من الأول.

تلوث الهواء في المناطق الحضرية

تعتبر المناطق الحضرية الأكثر عرضة للتلوث الهوائي وخاصة من المصادر الصناعية مثل النقل والتصنيع ومحطات توليد الطاقة. وأحد أكثر مشاكل التلوث شيوعا في المناطق الحضرية هي ظاهرة الضبخنة أو الدخان المضبب  (smog = smoke +fog) والذي يتشكل عند تفاعل الدخان المنبعث من السيارات ومحطات الطاقة مع أشعة الشمس ومكونات الهواء الأخرى مثل بخار الماء. وهناك أيضا الضبخنة الكيموضوئية أو الضبخنة البنية (photochemical smog or brown smog) والتي ينتج عنها غاز الأوزون، تتشكل هذه الظاهرة نتيجة لبعض التفاعلات الكيميائية المعقّدة والتي يدخل فيها أكاسيد النتروجين والهايدروكربون مع وجود أشعة الشمس وبخار الماء وغياب الرياح. لكن ظاهرة تشكل غاز الأوزون مؤقتة وتحدث فقط في الصيف وخلال ساعات النهار.

الضبخنة الصناعية أو الرمادية (Industrial or gray smog ) هي ظاهرة تحدث في الشتاء عند تفاعل ثاني أكسيد الكبريت وبخار الماء، وينتج عن هذه الظاهرة حامض الكبريت المحمول في الهواء. تعتبر الضبخنة الصناعية أكثر تأثيرا على الصحة من الضبخنة الكيموضوئية. لقد أدت هذه الظاهرة إلى هلاك عدد من الناس عام 1952في لندن وفي بنسلفانيا عام 1948. 

تعتمد درجة التلوث الهوائي في المناطق الحضرية على الأحوال الجوية. أن سرعة الرياح واتجاهها والعوامل الجغرافية الأخرى تساعد على التخفيف من حدة التلوث الهوائي عن طريق تشتيته والتخفيف من تركيزه. وأحيانا تكون الأحوال الجوية سبب في تفاقم مشكلة التلوث، وتعرف هذه الأحوال الجوية بالانعكاس الهوائي. يحدث الانعكاس الهوائي عندما تقوم طبقة الهواء البارد العليا بعرقلة الصعود الطبيعي لطبقة الهواء الدافئة السفلى مما يتسبب في التقليل من قدرة الهواء على التحرك وتشتيت الملوثات. وكثيرا ما تحدث هذه الظاهرة في المناطق الحضرية المحاطة بالجبال, حيث تشكل الجبال حاجزا طبيعيا يمنع تحرك الهواء. كمل الحال في مدينة لوس أنجلوس التي تعتبر ملائمة جدا لظاهرة الضبخنة بسبب موقعها الجغرافي، إذ يحيطها من الشرق سلسلة جبال تعمل على حجز الهواء القادم من المحيط، هذا بالإضافة إلى جوها المشمس وكذلك تنشط فيها حركة سير كثيفة ومصانع عديدة.

 

المطر الحمضي

المطر هو بطبيعته حامضي نتيجة تفاعل بخار الماء مع مكونات الهواء الطبيعية مثل النيتروجين وثاني أكسيد الكربون. يعمل وجود ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين في الجو على رفع درجة حموضة مياه الأمطار، الثلوج، البرد، أو الضباب. تأتي هذه الغازات إلى الجو إما من مصادر طبيعية مثل البراكين أو رذاذ البحار أو من مصادر اصطناعية وخاصة نتيجة استخدام الفحم والوقود الاحفوري (البترول). أن الارتفاع في درجة حموضة مياه الأمطار يؤدي إلى تغيير في التركيب الكيميائي للتربة والبحيرات العذبة مما يلحق الضرر في النباتات والحياة البحرية مع أن هذا التغيير يتفاوت حسب نوعية التربة والنباتات وأيضا قدرة استيعاب المياه العذبة لهذا الارتفاع في الحموضة. ويمكن تلخيص أثر الأمطار الحمضية في النقاط التالية:

1.       تؤدي إلى تفتيت الصخور وخاصة في التربة الجرانيتية، كذلك تؤدي الأمطار الحمضية إلى زيادة الحموضة في مياه البحيرات وبالتالي قد تسبب في عدم صلاحيتها للأسماك والكائنات الدقيقة.

2.       تعمل على إذابة بعض المعادن أو الفلزات الهامة للنبات وتبعدها عن جذور النبات ومن أمثلة ذلك الكالسيوم والبوتاسيوم والمغنيسيوم التي يحملها مياه الأمطار الحمضية بعيداً عن جذور النباتات إلى المياه الجوفية وبذلك تقل جودة المحاصيل الزراعية، لذلك فإن الكثير من النباتات لم تستطع العيش مع الأمطار الحمضية فذبلت وماتت وهو بالتالي يؤدي إلى فقدان المحاصيل الزراعية والأخشاب من الغابات.

3.       تآكل الأحجار الجيرية فقد لوحظ مثلا تأكل أو تفتت بعض أحجار برج لندن وكنيسة لودستمتستر. فقد بلغ عمق التآكل بضع سنتميترات نتيجة التفاعل بين غاز ثاني أكسيد الكبريت والأمطار التي تسقط على المدن من حين لآخر. كذلك شوهد أثر الأمطار الحمضية أو الترسيب الحمضي على الأكروديوليس في اليونان والكلولوسيم في إيطاليا وتاج محل في الهند وأبو الهول في مصر.

 

جودة الهواء في الدول النامية

أن إدخال أنظمة وقوانين للتحكم بالملوثات الهوائية وضبطها واستحداث تقنيات لتوفير الطاقة ساهم بشكل كبير تحسين جودة ونوعية الهواء في الولايات المتحدة في العقدان الماضيان. بينما تشهد الدول النامية التي تتوجه بشكل سريع نحو التمدن وتشجيع التصنيع هبوط خطير في مستوى جودة الهواء. ففي مدن مثل المكسيك وبانكوك والتي تعاني من النمو السكاني المتسارع وما ينتج عنة في ازدياد عدد السيارات والمنشئات الصناعية أصبحت تعاني أيضا من ارتفاع في نسبة الملوثات الهوائية وخاصة الرصاص الناتج عن استهلاك الوقود المحتوي على مادة الرصاص. تلوث الهواء المنزلي هو أيضا أحد المشاكل الصحية التي تعاني منها العديد من الدول النامية. ويأتي هذا التلوث من استخدام النار داخل المنزل للطهي أو للتدفئة والتي تسبب مشاكل تنفسية وخاصة بين الأطفال والنساء الذين يقضون معظم ساعات اليوم في المنزل.

جودة الهواء المنزلي

بعد الثورة الصناعية ونتيجة للتطور المستمر، تغير نضام حياة الناس فأصبحت معظم أعمالهم تتم في مكاتب داخل مباني مغلقة 80 – 90 % من وقتهم، والكثير يعملون ويأكلون وينامون ويشربون داخل هذه المباني التي يكون دورة الهواء مغلقاً وهذا ما جعل من قضية تلوث الهواء الداخلي  أخطر من التلوث الخارجي. ومنذ السبعينات بدأ الضوء يتسلط على تلوث الهواء الداخلي ومن أهم مصادر تلوث الهواء الداخلي تدخين السجائر والأبخرة الناتجة من المفروشات أو مواد الدهانات وفي مجتمعنا البخور الذي يستخدم بكثرة داخل المباني بالإضافة إلى الفريون الناتج من أجهزة التكييف.

لقد أدى التطور في إنشاء المنازل والبنايات وتحسين وسائل عزلها عن الهواء الخارجي بهدف توفير الطاقة إلى إفساد جودة ونوعية الهواء الداخلي وخاصة في الأماكن قليلة التهوية، كما أن طبيعية الحياة العصرية تتطلب البقاء داخل الأماكن المغلقة أكثر من السابق. فكان لاستخدام النوافذ والأبواب العازلة والمحكمة الإغلاق الأثر الأكبر في منع أو التقليل من عملية  تجدد الهواء مما يعني انحسار الملوثات داخل المنزل. في الدول المتطورة، يسود الاعتقاد بأن الازدياد في نسبة الأطفال الذين يعانون من مشاكل وأزمات تنفسية هو في الواقع نتيجة تعرضهم لتلوث الهواء المنزلي لفترات طويلة.