ﺍﻟﻤﺩﺭﺴﺔ ﺍﻹﻤﻜﺎﻨﻴﺔ

ﺍﻟﻤﺩﺭﺴﺔ ﺍﻹﻤﻜﺎﻨﻴﺔ
ﺇﺫﺍ ﻜﺎﻥ ﺍﻟﻘﺭﻥ ﺍﻟﺘﺎﺴﻊ ﻋﺸﺭ 19  ﻴﻤﺜل ﺍﻟﻌﺼﺭ ﺍﻟﺫﻫﺒﻲ ﻟﺴﻴ ﻁﺭﺓ ﺍﻟﻔﻜﺭ ﺍﻟﺤﺘﻤﻲ، ﺇﻻ ﺃﻨﻪ
ﻤﺎ ﻜﺎﺩ ﺍﻟﻘﺭﻥ ﺍﻟﻌﺸﺭﺒﻥ ﻴﺒﻠﻎ ﻤﻨﺘﺼﻔﻪ ﺤﺘﻰ ﻭﺠﺩﻨﺎ ﻤﻌﻅﻡ ﺍﻟﺠﻐﺭﺍﻓﻴﻴﻥ ﻗﺩ ﺍﻨﻔﻀﻭﺍ ﻤﻥ ﺤﻭل
ﺍﻟﺤﺘﻤﻴﺔ ﻭﺘﺭﻜﻭﻫﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺩﺭﺴﺔ ﺍﻹﻤﻜﺎﻨﻴﺔ ﻭﺘﺘﻠﺨﺹ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻤﺩﺭﺴﺔ ﺍﻹﻤﻜﺎﻨﻴﺔ ﻓﻲ ﺃﻥ ﺍﻹﻨﺴﺎﻥ ﻟﻴﺱ ﻤﺠﺭﺩ ﻤﺨﻠﻭﻕ ﺴﻠﺒﻲ ﻏﻴﺭ ﻤﻔﻜﺭ ﺨﺎﻀﻊ ﺘﻤﺎﻤﺎ ﻟﻤﺅﺜﺭﺍﺕ ﻭﻀﻭﺍﺒﻁ ﺍﻟﺒﻴﺌﺔ ﺍﻟﻁﺒﻴﻌﻴﺔ ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻗﻭﺓ ﺇﻴﺠﺎﺒﻴﺔ ﻓﻌﺎﻟﺔ ﻭﻤﻔﻜﺭﺓ ﻭﺫﺍ ﺨﺎﺼﻴﺔ ﺩﻴﻨﺎﻤﻴﺔ ﻗﺎﺩﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺭ ﻭﺍﻟﺘﻁﻭﻴﺭ ﻭﻴﺭﻯ ﺃﺼﺤﺎﺏ ﺍﻟﻤﺩﺭﺴﺔ ﺍﻹﻤﻜﺎﻨﻴﺔ ﺃﻥ ﺍﻹﻨﺴﺎﻥ ﻟﻴﺱ ﻤﺠﺭﺩ ﻤﺨﻠﻭﻕ ﺴﻠﺒﻲ ﻏﻴﺭ ﻤﻔﻜﺭ ﺃﻭ ﺨﺎﻀﻊ ﺘﻤﺎﻤﺎ ﻟﻤﺅﺜﺭﺍﺕ ﺍﻟﺒﻴﺌﺔ ﺍﻟﻁﺒﻴﻌﻴﺔ،ﻭﻟﻜﻨﻪ ﺴﻴﺩ ﺍﻟﺒﻴﺌﺔ ﻭﺍﻟﻤﺴﻴﻁﺭ ﻋﻠﻴﻬﺎ، ﻓﻬﻭ ﺍﻟﺫﻱ ﻴﺤﺩﺩ ﻨﻤﻁ ﺍﺴﺘﻐﻼﻟﻪ ﻟﻤﻭﺍﺭﺩ ﺒﻴﺌﺘﻪ، ﻓﻠﻭ ﻜﺎﻨﺕ ﺍﻟﺒﻴﺌﺔ ﺍﻟﻁﺒﻴﻌﻴﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﻌﻨﺼﺭ ﺍﻟﺤﺎﻜﻡ ﻓﻲ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﻟﺘﺸﺎﺒﻬﺕ ﻭﺘﺠﺎﻨﺴﺕ ﺍﻷﻨﺸﻁﺔ ﺍﻟﺒﺸﺭﻴﺔ ﺒﻴﻥ ﺍﻟﺒﻴﺌﺎﺕ ﺍﻟﻁﺒﻴﻌﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﺸﺎﺒﻬﺔ ﻭﺘﺅﻤﻥ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻤﺩﺭﺴﺔ ﺒﺤﺭﻴﺔ ﺍﻹﻨﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻹﺨﺘﻴﺎﺭ، ﻭﺘﺭﺘﻜﺯ ﻓﻠﺴﻔﺘﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺒﻴﺌﺔ ﺍﻟﻁﺒﻴﻌﻴﺔ ﺘﻘﺩﻡ ﻟﻺﻨﺴﺎﻥ ﻋﺩﺩﺍ ﻤﻥ ﺍﻹﺨﺘﻴﺎﺭﺍﺕ، ﻭﺃﻥ ﺍﻹﻨﺴﺎﻥ ﺒﻤﺤﺽ ﺇﺭﺍﺩﺘﻪ ﻴﺨﺘﺎﺭ ﻤﻨﻬﺎ ﻤﺎ ﻴﺘﻼﺀﻡ
ﻤﻊ ﻗﺩﺭﺍﺘﻪ ﻭﺃﻫﺩﺍﻓﻪ ﻭﻁﻤﻭﺤﺎﺘﻪ ﻭﺘﻘﺎﻟﻴﺩﻩ، ﻓﻤﺎ ﻤﻥ ﺒﻴﺌﺔ ﻟﻡ ﺘﻤﺘﺩ ﻟﻬﺎ ﻴﺩ ﺍﻹﻨﺴﺎﻥ ﺒﺎﻟﺘﻌﺩﻴل ﺃﻭ ﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺭ
ﺃﻭ ﺍﻟﺘﺤﻭﻴﺭ . ﻺﻨﺴﺎﻥ ﻗﻭﺓ
ﺇﻴﺠﺎﺒﻴﺔ ﻓﻌﺎﻟﺔ ﻓﻲ ﺘﻬﻴﺌﺘﻪ ﻟﻤﻁﺎﻟﺒﻪ ﻭﺘﻌﺩﻴﻠﻬﺎ ﺃﻭ ﺘﻐﻴﻴﺭﻫﺎ ﻭﻓﻘﺎ ﻟﻤﺸﻴﺌﺘﻪ ﻭﻋﻠﻰ ﺫﻟﻙ ﻟﻴﺴﺕ ﻫﻨﺎﻙ ﺤﺘﻤﻴﺔ ﻤﻁﻠﻘﺔ ﺼﺎﺭﻤﺔ،ﺒل ﻫﻨﺎﻙ ﺇﻤﻜﺎﻨﻴﺔ ﻤﺭﻨﺔ ﻭﻤﻥ ﺭﻭﺍﺩ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻔﻜﺭ ﻨﺠﺩ ﺍﻟﺫﻱ ﻴﺭﻯ ﺃﻥ ﻟﻺﻨﺴﺎﻥ ﺩﻭﺭ ﻜﺒﻴﺭ ﻓﻲ ﺘﻌﺩﻴل
ﺒﻴﺌﺘﻪ ﻭ ﺘﻬ ﻴﺌﺘﻬﺎ ﻭﻓﻘﺎ ﻟﻤﺘﻁﻠﺒﺎﺘﻪ ﻭﺍﺤﺘﻴﺎﺠﺎﺘ ، ﻭﻴﺼﻑ ﺍﻟﺒﻴ ﺌﺔ ﺒﺄﻨﻬﺎ ﺇﻨﺴﺎﻨﻴﺔ ﻭﻟﻴﺴﺕ ﻁﺒﻴﻌﻴﺔ
.
ﻴﻨﺒﻐﻲ ﺩﺭﺍﺴﺘﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﺴﺎﺱ ﺘﺎﺭﻴﺨﻲ ﻤﻥ ﺨﻼل ﺘﺤﻠﻴل ﺠﻬﻭﺩ ﺍﻹﻨﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﻋﻼﻗﺎﺘﻪ ﻤﻊ ﺍﻟﺒﻴﺌﺔ ﻋﺒﺭ
ﺍﻟﺘﺎﺭﻴﺦ، ﻭﻴﺭﻯ ﺍﻟﺘﻨﻭﻉ ﻓﻲ ﻋﻨﺎﺼﺭﻫﺎ ﺤﻴﺙ ﻴﺨﺘﺎﺭ ﻤﺎ ﻴﺘﻼﺀﻡ ﻤﻨﻬﺎ ﺤﺴﺏ ﻤﻬﺎﺭﺍﺘﻪ ﺍﻵﻟﻴﺔ
ﻭﺍﻟﻴﺩﻭﻴﺔ، ﻓﺎﻟﻌﺎﻤل ﺍﻟﺤﺎ ﺴﻡ ﻫﻨﺎ ﻫﻭ ﻗﺩﺭﺍﺕ ﺍﻹﻨﺴﺎﻥ ﻭﺇﻤﻜﺎﻨﻴﺎﺘﻪ
ﺍﻟﺘﻲ ﻅﻬﺭﺕ ﻓﻲ ﺇﻗﺎﻤﺔ ﺍﻟﺠﺴﻭﺭ ﻭﺍﻟﺴﺩﻭﺩ ﻭﺸﻕ ﺍﻷﻨﻔﺎﻕ ﺍﻟﺠﺒﻠﻴﺔ ﻭﻏﻴﺭﻫﺎ
ﻭﻨﺠﺩ ﻤﻥ ﺃﺼﺤﺎﺏ ﺍﻟﻔﻜﺭ ﺍﻟﺒﻴﺌﻲ ﺍﻹﻤﻜﺎﻨﻲ ﻜﺫﻟﻙ
"ﻟﻭﺴﻴﺎﻥ ﻓﻴﻔﺭﻭ"
"ﺇﺴﺤﺎﻕ ﺒﻭﻤﺎﻥ
"ﻭﺍﻟﻠﺫﺍﻥ ﻴﺭﻴﺎ ﺃﻥ ﻤﻅﺎﻫﺭ ﺍﻟﺒﻴﺌﺔ ﻫﻲ ﻤﻥ ﻓﻌل ﺍﻹﻨﺴﺎﻥ ﻤﺜل ﺤﻘﻭل ﺍﻟﻘﻤﺢ ﻭﺍﻟﺸﻌﻴﺭ ﻭﻤﺯﺍﺭﻉ ﺍﻷﺭﺯ ﻭﺍﻟﻘﻁﻥ
ﻭﻗﺼﺏ ﺍﻟﺴﻜﺭ ﻭﻏﻴﺭﻫﺎ ﻭﻫﻭ ﺍﻟﺫﻱ ﻨﻅﻡ ﺍﻟﺤﻘﻭل ﻭﺍﻟﺴ ﺩﻭﺩ ﻭﺍﺨﺘﺭﻉ ﺃﺴﺎﻟﻴﺏ ﻭﺃﺩﻭﺍﺕ ﺯﺭﺍﻋﻴﺔ
ﺠﺩﻴﺩﺓ ﻟﺯﻴﺎﺩﺓ ﺭﻗﻌﺔ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﺘﻲ ﻴﺯﺭﻋﻬﺎ ﻭﻻ ﻴﻘﺘﺼﺭ ﺍﻷﻤﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺯﺭﺍﻋﺔ ﻭﺇﻨﻤﺎ ﻴﻤﺘﺩ ﻟﻠﺼﻨﺎﻋﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺘﺭﺘﺒﻁ ﺇﻟﻰ ﺤﺩ ﻜﺒﻴﺭ ﺒﺘﻭﻓﻴﺭ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ ﺍﻟﺨﺎﻡ ﻓﻲ ﺒﻴﺌﺘﻬﺎ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺒﺩﻭﺭﻫﺎ ﺘﺘﻁﻠﺏ ﺘﻭﻓﻴﺭ ﺍﻟﻤﻬﺎﺭﺍﺕ ﻭﺴﺒل ﺍﻟﻤﻭﺍﺼﻼﺕ ﻭﺍﻟﻤﺎل ﻭﺍﻷﺴﻭﺍﻕ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻓﻲ ﻭﺍﻗﻊ ﺍﻷﻤﺭ ﺘﻌﺘﻤﺩ ﻋﻠﻰ ﻤﻘﻭﻤﺎﺕ ﺒﺸﺭﻴﺔ ﺃﻜﺜﺭ ﻤﻥ ﻤﻘﻭﻤﺎﺕ ﺒﻴﺌﻴﺔ ﺤﻴﺙ ﺃﻥ
ﺍﻟﻤﻬﺎﺭﺓ ﻭ ﺍﻟﺘﻜﻨﻭﻟﻭﺠﻴﺎ ﺘﺘﺼل ﺒﺎﻟﺘﻭﺍﺠﺩ ﺍﻟﺒﺸﺭﻱ ﻭﻋﻥ ﻤﻭﺍﻗﻊ ﺍﻟﻤﺩﻥ ﻭﺍﺨﺘﻴﺎﺭ ﻤﻭﺍﻗﻌﻬﺎ ﻜﺎﻨﺕ ﻤﻥ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺴﺘﻨﺩ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺃﺼﺤﺎﺏ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻨﻅﺭﻴﺔ ﻟﺘﺄﻴﻴﺩ ﺍﻟﻨﻅﺭﻴﺔ ﺍﻹﻤﻜﺎﻨﻴﺔ ﻭﺘﺤﻜﻡ ﺍﻹﻨﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻴﺌﺔ ﻭﻟﻴﺱ ﻤﺠﺭﺩ ﺘﻭﺍﺠﺩﻩ
ﺍﻟﻁﺒﻴﻌﻲ ﻓﺎﻟﻤﺩﻥ ﺍﻟﺩﻴﻨﻴﺔ ﻭﺍﻟﺤﺭﺒﻴﺔ ﺴﻭﺍﺀ ﻤﻥ ﺃﺠل ﻋﻭﺍﻤل ﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﻜﺎﻟﺘﺩﻴﻥ ﺃﻭ ﻋﻭﺍﻤل ﺃﻤﻨﻴﺔ ﻜﺎﻟﺤﻤﺎﻴﺔ
.ﻜﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﻭﺯﻴﻊ ﺍﻟﺴﻜﺎﻨﻲ ﻷﻱ ﻤﺩﻴﻨﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ ﻴﺭﺠﻊ ﺇﻟﻰ ﻋﻭﺍﻤل ﺇﺠﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﺜﻘﺎﻓﻴﺔ
ﻭﺒﺸﺭﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﺠﺎﻨﺏ ﺍﻟﻌﻭﺍﻤل ﺍﻟﻁﺒﻴﻌﻴﺔ، ﻭﻴﺼل ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺘﺄﺜﻴﺭ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻴﻭﺍﻥ ﻓﻨﺠﺩ ﻋﺩﻡ ﻭﺠﻭﺩ ﺒﻌﺽ
ﺍﻟﺤﻴﻭﺍﻨﺎﺕ ﻓﻲ ﺒﻌﺽ ﺍﻟﺒ ﻠﺩﺍﻥ ﻭﺘﻭﻓﺭﻫﺎ ﺒﻜﺜﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻠﺩﺍﻥ ﺍﻷﺨﺭﻯ